انضم إلينا
اغلاق
ترودو يخسر النساء.. لماذا تتراجع شعبيته لدى الكنديات؟

ترودو يخسر النساء.. لماذا تتراجع شعبيته لدى الكنديات؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

يوم أدّى جاستن ترودو اليمين الدستورية بصفته رئيسا للوزراء في كندا، وقف أمام مبنى البرلمان في أوتاوا محاطا بمن عيّنهم في حكومته وهم 15 امرأة و15 رجلا. سأله مراسل عن سبب اعتقاده أن مثل هذا التوازن بين الجنسين أمر مهم، فرفع ترودو، الذي تمهل لحظة، قبضته عاليا وأجاب: "لأننا في عام 2015". وانتشرت هذه اللقطة في كل أنحاء العالم.

   

كان رد ترودو بالنسبة للكنديين الذين كانوا قد أمضوا السنوات التسع الماضية تحت حكم ستيفن هاربر، المحافظ الذي لم ينطق حتى مصطلح النسوية، منعشا ومحفزا ومثيرا للحماس. وقد أدار رئيس الوزراء الليبرالي المنتخب حديثا حملته ببرنامج يقوم على الشفافية، مؤكدا على حقوق المرأة وحقوق السكان الأصليين باعتبارهما ما ستركز عليه حكومته في السنوات القادمة. ورغم أن تعيين مجلس وزراء به تمثيل متساوٍ للذكور والإناث لم يضمن أجندة نسوية، فإنه كان بمنزلة خطوة مهمة حذت حذوها العديد من الدول، بما في ذلك كولومبيا وإثيوبيا وفرنسا وإسبانيا.

   

وقفت إلى يمينه في ذلك اليوم في عام 2015 وزيرة العدل والمدعية العامة المعينة حديثا جودي ويلسون رايبولد. كانت ويلسون رايبولد كبيرة المدعين سابقا، وهي أول امرأة من السكان الأصليين، وثالث سياسية تشغل هذا المنصب، تقف تحت الشمس متأملة وفخورة، يعكس وجهها تفاؤلا تحقق بشق الأنفس وشاركها في الشعور العديد من النساء في جميع أنحاء كندا.

     

جودي ويلسون رايبولد بجوار جاستن ترودو (رويترز)

    

ثم في الشهر الماضي، استقالت ويلسون ريبولد من مجلس الوزراء، بدعوى أن ترودو ومكتبه قد تدخلا لعدة أشهر بشكل غير لائق في محاولة مقاضاة شركة "SNC-Lavalin"، وهي شركة توظف الآلاف من الكنديين واتُّهمت بالفساد والاحتيال في قضية عقود عمل ليبية. وكان مكتب رئيس الوزراء يضغط من أجل حل بديل غير أخلاقي، تفلت فيه "SNC" من العقاب بغرامة وإقرار بارتكاب مخالفات، وتعهد بأن تفعل ما هو أفضل. وعندما رفضت ويلسون ريبولد هذا الحل لم يقبل مكتب رئيس الوزراء، كما تقول، رفضها. حيث تقول إن الضغط استمر حتى خفضت رتبتها في تعديل وزاري في يناير/كانون الثاني. فاستقالت في الشهر التالي، وتبعتها مباشرة زميلة بارزة أخرى.

    

للوهلة الأولى، قد لا تبدو قضية "SNC-Lavalin" مسألة تتعلق بالنسوية. لكن عندما تستقيل اثنتان من أقوى الوزيرات في الحكومة، بينما تعمل الحكومة على أجندة نسوية، فإنك تواجه ما هو أشبه بالمحاسبة النسوية. كان ترودو قد حصل على جوائز دولية لدعمه القوي لقضايا المرأة؛ لكنه اتُّهم في موطنه من قِبل النقاد بالتلويح بالفضيلة. والسؤال عما يعنيه تحقيق المساواة بين الجنسين فعلا، لا فقط في مجلس الوزراء أو الحكومة ولكن في العمل وفي المنزل وفي المجتمع بشكل أوسع، هو أمر قد لا تستطيع السمة النسوية لحكومة ترودو توفير إجابة مُرضية لها. على الجانب الآخر من البرلمان وصفت نائبة محافظة، وهي ميشيل ريمبيل، المشهد قائلة: "لقد خرج ترودو وطلب نساء قويات فنال ما طلب".

    

تختلف الروايات حول سبب تخفيض رتبة ويلسون ريبولد من الأساس، اعتمادا على أي رواية تختار أن تصدقها. فهي تقول إنها عُزلت من منصبها لتمسكها بالمبدأ، في حين يقول مكتب ترودو إنه لم يكن هناك ضغط، وإنها ببساطة فسرت تفاعلاتهم "بشكل مختلف". حاول رئيس الوزراء أولا نقلها إلى حقيبة شؤون السكان الأصليين، وهي فكرة قصيرة النظر كانت ستضع أبرز السياسيات الأصليات في البلاد على رأس تشريع القانون الهندي الذي أدام تاريخ الدولة الاستعماري. وعندما رفضت هذا العرض بطبيعة الحال نقلها إلى شؤون المحاربين القدامى.

       

تجسد كلٌّ من ويلسون ريبولد وفيلبوت النساء اللواتي كان يأمل الليبراليون أن يدخلن السياسة كجزء من حكومة ترودو

مواقع التواصل
   

بعد أن أدلت ويلسون ريبولد بشهادتها أمام لجنة برلمانية في فبراير/شباط الفائت، استقالت زميلتها جين فيلبوت من منصبها في مجلس الوزراء، كرئيسة لمجلس الخزانة، تضامنا معها. وفي رسالة استقالة فيلبوت، التي نشرتها علنا هذا الشهر، كتبت أنها فقدت الثقة في سلطة ترودو الأخلاقية في الحكم. ومنذ ذلك الحين، أعلنت عضوة جديدة في البرلمان، وهي سيلينا سيزر شافان، أنها لن تسعى لإعادة انتخابها. ويشير بعض المراقبين إلى تتابع المزيد من الاستقالات قبل انتهاء الشهر.

   

تجسد كلٌّ من ويلسون ريبولد وفيلبوت النساء اللواتي كان يأمل الليبراليون أن يدخلن السياسة كجزء من حكومة ترودو. فمثلا فيلبوت هي طبيبة ذات خبرة كبيرة وأم فقدت ابنتها بسبب معاناتها من المرض، وعضوة محترمة للغاية في مجتمعها وحزبها. وقد قامت في منصبها كوزيرة للصحة بقيادة مهام مثل صياغة التشريع الذي يقدم إرشادات لقوانين الموت بمساعدة طبية في كندا، وعملت لاحقا بصفتها وزيرة لشؤون السكان الأصليين على تحقيق المصالحة في مشهد محفوف بالمخاطر. تقول سيلفيا بشفكين، أستاذة العلوم السياسية بجامعة تورنتو: "بطريقة ما، خلّف رئيس الوزراء شهيدتين في هذا الموقف، وقد ينوي عدد من الأشخاص عدم الترشح مرة أخرى بسبب الشعور بتدهور الأوضاع".

   

تشير الدلائل إلى أنه عندما يتعلق الأمر بالسياسة والجنس، يحدث تأثير القدوة لدى انتخاب النساء وترقيتهن. يعمل الأمر كنقطة تحول: فبالنسبة لامرأة منخرطة بالسياسة يشوب خطاها بعض التردد، فإنه يزيد احتمال ترشحها للمناصب إذا رأت نساء أخريات في مناصب السلطة السياسية، كما يقول مايكل موردن، مدير الأبحاث في مركز سمارا للديمقراطية، وهو مركز أبحاث غير حزبي مقره داخل تورنتو. ويقول: "نحن نعلم أيضا أن للنساء في مجلس الوزراء تأثيرا أقوى من تأثير النساء في الهيئة التشريعية"، كما قال إن العكس قد يكون صحيحا أيضا؛ فقلة عدد النساء في مجلس الوزراء قد يعني قلة عدد من يتشجعن على الترشح للمناصب من النساء.

     

كانت النساء بالفعل يفقدن الثقة في حكومة ترودو قبل هذه الأزمة بفترة طويلة، مع ضيق الهامش بين الناخبات الليبراليات والمحافظات بشكل كبير في العام الماضي

أسوشيتد برس
   

ومع ذلك، يمكن أن يكون للوضع تأثير إيجابي؛ إذ يقول موردن: "من غير المعتاد أن نرى أعضاء حزبيين يحاولون محاسبة زعيمهم بهذا الشكل في كندا، وهذا نجاح مطمئن؛ و يدل على أنه يمكن تحقيق شيء ما". أي إن النساء اللائي يشاهدن وزراء الحكومة وهم يتصدون لرئيس الوزراء بدلا من التمسك بالولاء الحزبي قد يتحمسن للمشاركة، ليس من أجل النوع الاجتماعي، بل من أجل العدالة. وتتفق معه ريمبيل، النائبة المحافظة، حيث تقول إن ويلسون ريبولد وفيلبوت "لم تخرجا نفسيهما من المحادثة، بل أصبحتا محور المحادثة".

   

كانت النساء بالفعل يفقدن الثقة في حكومة ترودو قبل هذه الأزمة بفترة طويلة، مع ضيق الهامش بين الناخبات الليبراليات والمحافظات بشكل كبير في العام الماضي. لكن على مدار الشهر الماضي، تصدعت سمة حكومة ترودو النسوية، حيث استُبدلت ويلسون ريبولد وزيرة العدل بنائب ذكر أبيض. وحيث إن التخبطات في مجلس الوزراء على مدى السنوات الثلاث الماضية كانت على يد الرجال، بمن فيهم وزير المالية بيل مورنو، الذي لم يُغيّر في التعديل الوزاري رغم تخبطاته، فإن اتخاذ ترودو قرارا بتخفيض رتبة أول وزيرة للعدل من النساء الأصليات أمر محير. وبالنسبة لمعظم الكنديين، وفقا لاستطلاع أجرته شركة إيبسوس الأسبوع الماضي، فإن رواية مكتب رئيس الوزراء ردا على رواية ويلسون ريبولد عصية على التصديق.

   

لذلك ليس من المستغرب أن تعيد بعض النساء الكنديات النظر فيمن سيصوّتن له هذا الخريف. فلم تحقق الدولة شيئا من البرنامج الوطني لرعاية الطفل الذي روج له ترودو، بينما يتقدم تمويل الحكومة الذي تعهدت به لوقف أزمة الإسكان التي تواجه تورنتو وفانكوفر والمراكز الحضرية الأخرى بخطى بطيئة. كما أن مبادرة الإصلاح الانتخابي، التي تدعمها العديد من المنظمات النسائية والتي وعد ترودو بتنفيذها تم إيقافها. وكذلك تعطل تحقيق الليبراليين في قضية نساء الشعوب الأصلية المفقودات والمقتولات. إن العديد من الجهود النسائية التي دافع عنها ترودو هي جهود دولية، مثل تأسيسه لما يسمى بالسياسة الخارجية النسوية، وما يبذله من جهود لاستعادة بعض التمويل الدولي للصحة الإنجابية للمرأة التي هاجمها دونالد ترمب.

     

   

وقد أدى ذلك إلى اختلاف كبير بين صورة ترودو في الخارج وفي الداخل. فقد احتل الزعيم الكندي عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم لتصريحه، من بين أشياء أخرى، أنه سيربّي أبناءه ليصبحوا نسويين، واقتحامه المفاجئ جلسة تصوير حفلة طلابية في فانكوفر، أو عرضه لقوته في صورة انتشرت بسرعة شديدة يقوم فيها بأداء وقفة الطاووس، وصورته وهو يشرب البيرة مع باراك أوباما في مونتريال. في عصر ترمب، اكتسب دفء ترودو وسحره سمعة دولية باعتباره أعجوبة ليبرالية، يدافع عن حقوق أقوى للمرأة ويسعى لحماية أفضل للبيئة، وعلاقات أكثر استقرارا مع مجموعات السكان الأصليين.

   

في دولته، أدى ولع ترودو بالتصرفات الغريبة مثل حمل الأطفال على راحة يده، وعناقه للباندا في حديقة الحيوانات، وصنعه قلبا بيده أمام خلفية وردية للصحافة، إلى وصف أحد كتاب تورنتو له بأنه "المعادل السياسي لفيديوهات الجراء على يوتيوب" التي تسبب شعورا بالرضى ولكنها تفتقر إلى العمق. إنها انتقادات تبعت ترودو منذ بداية فترته، لكنها أصبحت أكثر بروزا في الوقت الراهن. وبالنسبة لبشيفكين، أستاذة العلوم السياسية، فإن ما توضحه هذه الفضيحة بشكل صارخ هو افتقار رئيس الوزراء وفريقه إلى الخبرة، حيث تقول: "أعتقد أنه إذا كان سيفعل ما يقول فعلا، وهو التعلم من هذه الأحداث، فأقترح أن يفكر في إعادة تقييم النساء اللائي يعملن حاليا في مجلس الوزراء أو كُنّ فيه في السابق".

    

  

إنه ختام مخيب للآمال لمبادرة المساواة بين الجنسين. إذا تمكن ترودو من التخلص من هذه الفضيحة، فمن المؤكد أنه سيرشح نفسه لإعادة انتخابه في أكتوبر/تشرين الأول، بل وربما قد يفوز. لكن معاملته لويلسون ريبولد واستجابته لتصاعد الأزمة يشحن النقاد الذين اتهموه منذ فترة طويلة بأنه نسوي سطحي، وهذه المرة بالأدلة، وستعلو هذه الصيحات أكثر وستدوم خلال الحملة. وفي حال لم تتم إعادة انتخاب ترودو، فسيعود الناخبون الكنديون إلى أحضان المحافظين، وهو حزب يعارض الحصص الجنسانية في مجلس الوزراء، مما يخرج شهادة وفاة لمبادرة كانت ترمز إلى شيء أعظم عندما بدأت فترة ترودو.

   

وسط كل ذلك، هناك نقطة واحدة واضحة وصادمة؛ فبالنسبة للنساء الكنديات اللائي يرغبن في استخدام صوتهن لضمان الحصول على مساحة متساوية على طاولة الحكم، لا يمكن لأي حزب كبير في دولتهن أن يمنحهن تلك الغاية.

-------------------------------------------------------------

ترجمة: الزهراء جمعة.

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار