انضم إلينا
اغلاق
له جذور فرعونية.. لماذا يرقص المصريون في المناسبات السياسية؟

له جذور فرعونية.. لماذا يرقص المصريون في المناسبات السياسية؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

ربما بات في حكم المعتاد، ومع كل مناسبة سياسية، أن تنتشر عديد المقاطع التي تُظهر رقص عدد من المصريين خلال تلك المناسبات، وفي الاستحقاقات الانتخابية تحديدا. ولم يكن الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية، في 20 أبريل/نيسان 2019 تحديدا، بغريب عن هذه الظاهرة، حيث انتشرت مقاطع فيديو تصور رقص السيدات والرجال في الشوارع أمام لجان الاستفتاء، بل امتد الأمر لظهور مجموعات من البنات يرتدين قمصانا موحدة في مشهد يعبّر عن رقص مُنظّم، وليقُمن بالرقص في الشوارع.

   

أثارت هذه الأفعال تعليقات ونقاشات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كتبت إحداهن: "ايه علاقة الرقص بالانتخابات!!‎"، ليجيبها معلق آخر: "‏‏‎علاقة عكسية.. كلما قل الإقبال زاد الرقص.. معروفة". وكتب آخر: "‏ناموا بدري عندنا انتخاب تعديل الدستور وفيديوهات رقص ولجان فاضية وتريندات ياما". كما نشرت صفحة وزارة الهجرة المصرية صورة ادّعت أنها لتصويت نسائي في الخارج، تحديدا بميلانو، ترتدي فيه المصوتات زيا موحدا، ليشن ناشطون موجة من السخرية على منشور الوزارة، فكتب أحد الساخرين: "سبحان الله لابسين زي بعض"، وتساءلت أخرى: "ومالهم كلهم لابسين يونيفورم"، بينما طرح آخر سؤالا على وزارة الهجرة: "هو حضرتك الطقم اللي لابسينو بيتوزع فين وهل بالرقم القومي ولا من غير.. وشكرا" (1).

     

قبل ذلك بعام، رقص عدد من المصريين كذلك على أنغام "تسلم الأيادي" وغيرها من الأغاني "الوطنية" أمام لجان الانتخابات الرئاسية، كما رقصوا قبلها أمام لجان الانتخابات في 2014، وعلى دماء معارضي الانقلاب في 2013.

      

هذا التكرار المطّرد، يطرح سؤالا جادا: لماذا يرقص المصريون في المناسبات السياسية؟ هل لأن المصريين يحبون الرقص؟ ولكن ما علاقة الرقص بالمناسبات السياسية؟ وما علاقة حب الرقص بتلك المشاهد لسيدات وبنات ورجال يرقصون بشكل هستيري في الشوارع؟ هل الأمر عبارة عن فرحة عارمة بإنجازات السيسي كما يروج البعض (2)، أم هو تاريخ من الاستبداد وسطوة الأسياد كما يقول الشاعر إذا كان رب البيت بالدّف ضاربا…  فشيمة أهل البيت كلهم الرقص؟

   

أصول الرقص عند المصريين  

  

"بينما كان اليونانيون القدماء يتقربون لآلهتم بالبكاء والتضرع، كان المصريون يتقربون لآلهتهم بالرقص والغناء"، هكذا كتب ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة" (3) موضحا تأصل الرقص كسلوك متأصل في هذه المنطقة الجغرافية من قديم الزمان. إلا أن تفسير ديورانت لا يمكن مد خيوطه على انتظامها وصولا للواقع الحالي، فهناك الكثير من العوامل والمعطيات التي تداخلت لتُنتج واقعا جديدا. ومن هنا، يوضح الباحث أحمد قطب (3) أن الرقص الشرقي الذي نراه الآن في مصر سواء في الأفلام أو في الملاهي الليلية هو نتيجة امتزاج رقص الغوازي برقص العوالم. وتنحدر الغوازي، من "غجر" و"نَوَر" قدموا إلى مصر من بلاد فارس والهند، في موجات هجرة متتالية، واستقدموا معهم عادات وتقاليد متحررة من الدين والأخلاق، وامتهنوا الرقص وتقديم المتعة لطالبيها. أما العوالم فالكلمة هي جمع لمفردة "عالمة" وتعني الراقصة المحترفة التي تتميز عن الغازية بمعرفتها بالآلات الموسيقية والعزف، وحفظها للقصائد والمأثورات.

    

وفي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، قام والي مصر بنفي الغوازي إلى إسنا، جنوب مصر، بعد أن تقربن من الجنود الفرنسيين الغزاة بالمتعة والرقص، الأمر الذي أشعر والي مصر بالإهانة. أما في أواخر القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين، فقد نجحت "العوالم" في كسب مكانة اجتماعية مرموقة، فكنّ يغنين في مناسبات واحتفالات الأعيان والأغنياء والأسرة الحاكمة (3). وعندما بدأت تركيبة المجتمع المصري بالتغير في بداية خمسينيات القرن العشرين وحتى نهاية حكم عبد الناصر، وحل مكان البشوات والتجار والأعيان جنرالات الجيش في عهد عبد الناصر وبعده، بدأ الانحدار تدريجيا يجتاح المجتمع المصري ولتنهار معه الذائقة الموسيقية والجمالية (4)، ولتعتلي الراقصات وفق هذا الواقع الجديد قمة المجتمع المصري وذلك تزامنا مع تقرّبهن وتقريبهن من دوائر النخبة السياسية والاقتصادية ودوائر صنع القرار.

  

ومع دخول عصر الانفتاح الاقتصادي، الذي بدأ مطلع سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، بدأ اندثار ما يُمكن توصيفه بالفن الراقي وحفظ القصائد الرصينة وغنائها، حيث ساهم هذا الانفتاح الاقتصادي في بروز الاستهلاكية على عدة أصعدة، وصار أداء الرقصات مُقتصرا على الإثارة البحتة للغرائز الجنسية (5)، وحلت الأغاني الراقصة ذات الإيقاع الصاخب السريع محل أغاني الطرب القديمة ذات الإيقاع البطيء، ومع صعود الراقصات على مختلف المنصات، أطلق المصريون العنان لأجسادهم بالرقص.

  

    

    

رقص طوال الوقت

فيما سبق، كان الجمهور المفتون بالطرب يترك ليديه العنان للتعبير عن استحسانه لما يسمع، أما في الثمانينيات والتسعينيات ومع تغير النمط الفني وفق المنطق الاستهلاكي، أصبح الجمهور يصفق ويرقص تلبية لدعوة ملحة مباشرة وصريحة من المطرب، بل أمسى المطرب يقيس نجاحه عبر مقدرته على جعل الجمهور في الحفلات الغنائية أو حفلات الزواج وغيرها يصفقون ويرقصون طوال الوقت (6)، حتى صار الرقص جزءا أساسيا داخل الأغنية المصرية مع ظهور "الفيديو كليب".

   

وعلى رغم أن "الرقص البلدي" كان يهدف للإثارة الجنسية بشكل واضح وصريح، فإنه كان محصورا في الأفلام أو الأفراح وليالي السهرات الخاصة، وبذلك فإنه حافظ على خصوصيته باعتباره جزءا من عالم "العوالم" (الراقصات)، أي باعتباره عالما مستقلا عن عالم الحياة اليومية، يشاهده المصريون مع وجود مسافة بينهم وبينه، وقد يقتربون منه للمشاهدة والمتعة دون أن يمس حياتهم اليومية وقد جسد الروائي المصري نجيب محفوظ في ثلاثيته (بين القصرين - قصر الشوق - السُّكرية) هذه الفكرة بوضوع. إلا أن "الفيديو كليب" مثّل مرحلة فاصلة في عملية التحول تجاه التطبيع اليومي، وهي المرحلة التي دشنت عصرا سقطت معه تلك الحواجز الفاصلة باتجاه "التطبيع مع الرقص والإثارة" (7).

     

  

يذهب الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى أن الرقص "يُقدم في الفيديو كليب على أنه جزء من صميم حياتنا العادية اليومية، فعِوَضا أن تذهب إلى "الكباريهات" جاءت هي إلينا. ولعل هذا ما حققه شريف صبري في أغنية روبي الأولى "إنت عارف ليه" وذلك حينما ظهرت تسير في الشارع ببدلة الرقص بطريقة مشابهة لما يحدث في الحياة اليومية، ثم ظهرت بملابس عادية، واستمرت بنفس الرقص البلدي. هنا يمكن ملاحظة أن الرقص البلدي لا يُماثل رقص المحترفات، بل يشبه في حركاته وتفاصيله الرقص اليومي، الذي ترقصه بنات "الناس الطيبين" في التجمُّعات العائلية، وهو ما يؤسس تدريجيا لحالة من هدم الحواجز بين حياتنا اليومية والرقص البلدي، ويتم تطبيعه تماما" (7).

    

"ثم تم تعميق هذا الاتجاه في أغنية روبي الثانية "ليه بيداري كده"، فهي تظهر بملابس رياضية وبفستان سهرة وبملابس تشبه ملابس فتيات المدارس المراهقات، ثم ملابس أرملة، ولكنها داخل كل هذه الملابس العادية تقوم بحركات أقل ما توصف به أنها غير عادية. ويتم تأكيد هذا الاتجاه نحو تطبيع الرقص في الجزء الأخير من "ليه بيداري كده" فهو مشهد يمكن وصفه بـ "الفيديو المنزلي"، والتي تظهر فيه روبي مرتدية ملابس عادية، وتذهب إلى الكوافير بصورة عادية أيضا، بل ويظهر وجهها في إحدى اللقطات وهي تبتسم، وبراءة الأطفال في عينيها (وإن لم يمنع الأمر أن تذكرنا بعالم الرقص في لقطة عابرة من الهوم فيديو). إن عملية التطبيع هذه تُحول راقصة الفيديو كليب إلى جزء من الحياة اليومية العادية، وربما يمتد تأثيرها لتصبح قدوة يُحتذى بها باعتبارها مثلا أعلى" (7).

   

ومع تزايد سرعة إيقاع الأغنية، وانهيار القيم والمعايير بالتوازي مع موجات التغريب، وانتشار الأغاني الراقصة و"الفيديو كليب"، أصبح الرقص جزءا من الحياة اليومية لدى المصريين، وعِوَضا عن أن يكون الرقص تعبيرا عن الفرحة بشكل خاص في المناسبات الاجتماعية والعائلية الخاصة، فقد أصبح سلوكا يوميا، وليتحول تدريجيا باعتباره فعلا اندماجيا داخل الحياة اليومية، والمناسبات السياسية، وبذلك تحول الرقص ليصبح فعلا "أيديولوجيا"، ليس فقط للتعبير عن شعور الفرح أو مسايرة الإيقاعات الصاخبة، بل أصبح المصريون يرقصون للدفاع عن فكرة معينة والانتصار لها. وكما ترقص المغنية في "الفيديو كليب" مقابل المال والراقصة في الأفراح مقابل المال أيضا، فقد أصبح الرقص في المناسبات السياسية مهنة تقوم بها الفتيات في المناسبات السياسية مقابل أجر في اليوم.

  

  

    

الرقص في المناسبات السياسية

"‏بنت زي الوتد..

وبنت رقاصه

ندل يحكم بلد ..

والشهم له رصاصه"

   

منذ تولي جمال عبد الناصر منصب رئيس الجمهورية في مصر، انتشرت ظاهرة "التصفيق" السياسي كسلوك جماهيري ملازم لخُطب الرئيس، وأحيانا كثيرة يتطور التصفيق إلى صفير وهتاف ورقص ابتهاجا بخطب الرئيس وسياساته، واستمر هذا الأمر في عهد أنور السادات، الذي رغم انقلابه على سياسات عبد الناصر فإنه لم يتخل عن السخرية والتهكم والقرارات الحاسمة في خُطبه، والتي عادةً ما يصاحبها ضحك المستمعين وتصفيقهم الحار، ومع دخول الثمانينيات وظهور الأغنية السريعة ذات الإيقاع الصاخب، بدأ انتشار الرقص في المجتمع المصري كما فصّلنا سابقا.

  

   

أما في عهد حسني مبارك، سرعان ما تحول الرقص إلى شيء عادي ويومي في حياة  المصريين، وقد استأنف مبارك استأنف مدته الرئاسية تحت أنغام الأوبريت الراقص "اخترناه"، هنا تحول "التصفيق" السياسي إلى رقص سرعان ما انتشر بين المواطنين الذين لبّوا النداء، وقدموا الرقصات فرحا أمام اللجان الانتخابية.

  

و بعد 30 يونيو/حزيران 2013 تحديدا، بدأ ظهور رقص عدد من المصريين على أنغام "تسلم الأيادي" وغيرها، وكان من أهم الأسباب التي تقف وراء رقص المصريين في المناسبات السياسية هو "وصم الآخرين" كما يقول الدكتور عماد عبد اللطيف (8)، فقد اتسم الخطاب السياسي المصري، خاصة عند عبد الناصر والسيسي، بالتمييز الكامل بين جماعتين، "الأولى هي جماعة المتكلم الذي يستخدم فيها المتحدث ضمير(أنا) و(نحن).. وتضم الأفراد والجماعات التي يرى المتكلم أنها تشاركه أفكاره أو مصالحه.. وتوضع جماعة "النحن" هذه بشكل دائم في مقابل جماعة أخرى تُقدم بوصفها الآخرين الذي يُشار إليهم بواسطة ضمير "هم".. وهذه الجماعة غالبا ما توصم بكل الصفات السلبية المضادة للصفات الإيجابية التي توسم بها جماعة "نحن".. فالآخر في الخطاب الناصري في الستينيات هو قوى الرجعية والإخوان المسلمين والإمبريالية وعملائها"، إنما في خطاب السيسي فالآخر منذ 3/7/2013 كان القوى الإسلامية والإخوان المسلمين أو الإسلام السياسي كله.

  

  

ومنذ 3/7/2013 لم يتوقف المصريون عن الرقص، شماتة وفرحا في أعدائهم الذين انهزموا بإعلان بيان الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز، ثم زادت فرحة هؤلاء المصريين أكثر بعد فض اعتصاميّ رابعة والنهضة، وبعد التنكيل بالمعارضين وحرقهم أحياء، نزل بعض المصريين يزغردون ويرقصون فرحا على أشلاء الضحايا والشهداء، ومن يومها، تحول الاحتفال والرقص إلى أيديولوجية وطنية، تقوم على إغاظة الطرف المهزوم.

   

  

وكما يعبر التصفيق عن الولاء السياسي في فترة الصراعات (8)، فقد جاء الرقص ليلعب ذلك الدور، وليصبح التحريض على الرقص مُعبّرا عن الحالة الهشة للشرعية السياسية للسلطة العسكرية في الشارع المصري، والتي تحتاج إلى حالة حادة من التأييد الذي لم يعد التصفيق فيها كافيا. وبذلك، جاءت حفلات الرقص في الشوارع، لتكون مثل حفلات "الزار" لإرضاء الأسياد وإدماج الشعب في حالة هيسترية من الفرح، لا يعود بعدها يعاني من أي اضطراب يدعوه للمعارضة أو حتى النقاش، بل التأييد الأعمى.

   

   

الزار السياسي.. وصنم الرئيس

يتشابه رقص المصريين في المناسبات السياسية، إلى حد كبير، ورقص "الزار"، والزار هو أحد الطقوس الشعبية القديمة التي لا تزال موجودة في مناطق معينة في مصر، وهو شبيه بالاحتفالات الدينية التي تقام في القبائل البدائية لطرد الأرواح الشريرة (9)، حيث يعتمد "الزار" على عملية "غسيل المخ"، إذ إن الطقوس التي تقام فيه تصل بالشخص إلى درجة من الانهيار العصبي الكامل، بحيث يكون متقبلا لأي إيحاءات تُوحى إليه.

    

   

تأتي الشيخة أو المشعوذة بالآلات الموسيقية، وهي عادة "طبل كبير مستدير وطار، وطشت يقرع عليه بالعصا"، ولكل من "الأسياد" ضربات مخصوصة على الطبل، فتضبط المشعوذة النغم والإيقاع "بادئة بالأسياد الكبار، ثم تهبط إلى الصغار، ثم تتوسل إلى كل من هؤلاء الأسياد. وعند التوسل تقوم النساء اللاتي أجرين عقد الزار من قبل بالرقص، عبر اهتزازات وحشية عنيفة مع تحريك أذرعهن بحركات تشنجية ارتجاجية، أما اللاتي لم يعقدن الزار لأنفسهم من قبل فإنهن يبقين جالسات ولا يُسمح لهن بالرقص ويكتفين بأن يحركن أجسامهن يمنة ويسرة" (9).

  

   

"وعادة لا يبدأ الرقص الذي تقوم به سيدة واحدة بمفردها إلا بعد أن يستمر دق الطبول لوقت طويل… وقد تبقى بعض النساء جالسات هادئات وسط هذا الهرج، ولكن أغلبهن يصبن بنوع من الغيبوبة في أثناء الرقص فتلمع أعينهن" (9). ويوضح صلاح نصر في كتابه "الحرب النفسية" كيف أن رقص الزار هدفه الأساسي هو "غسيل المخ"، وهو شبيه إلى حد كبير بالحفلات التي تُقام في الشوارع أثناء الانتخابات والاستفتاءات، حيث يرقص النساء والرجال في مشهد يهدف لتسويق اقتناع الشعب، الراقص والمُشاهد، بالسيد الذي سيحل مشكلاتهم ويشفي آلامهم وهو السيد الجنرال عبد الفتاح في هذه الحالة.

  

تصف "ماديادرين" تفاصيل الآثار الجسمانية والنفسية لدقات الطبول على عقلها، حيث يقول صلاح نصر إنها كانت قد سافرت إلى جزيرة تاهيتي بمنحة دراسية لتصوير الرقص التاهيتي في فيلم سينمائي، فانتهى بها المطاف أن وقعت تحت تأثير تلك الإيقاعات والرقصات، فتقول: "إن جمجمتي كالطبلة، وفي كل دقة كبيرة أحس شيئا مثل سن العصا يدق ساقي إلى الأرض، وملأ الغناء سامعي داخل رأسي.. سيمزقني هذا الصوت، لماذا لا يتوقفون؟ إنني لا أستطيع تحريك ساقي بحرية، لقد وقعت في الفخ ولم يعد لي مخرج منه، إن قوة غريبة تسري في عروق ساقي كالمد العاتي ولا أستطيع أن أتحملها، ومن المؤكد أنها ستجعل جلدي ينفجر" (9).

   

وينتهي صلاح نصر إلى أن احتفالات الزار تشبه الاحتفالات الدينية الوثنية لتنصيب السيد الحاكم أو الإله أو رئيس القبيلة، وهي نوع من غسيل المخ التي تؤثر تأثيرا بالغا على تفكير الإنسان، وتجعله يندمج مع القطيع ومع الجماعة السياسية دون شكوى أو اعتراض، وهذه الاحتفالات الراقصة مهمة لتزيين الحياة السياسية وغسل دماغ الجماهير بالإنجازات، لكن الأخطر هو أن هذا الرقص يمكن أن يتحول من ناحية تأثيراته، إلى أن يضفي عظمة وثنية لرئيس الدولة كما كان يُفعل قديما لرئيس القبيلة عند الشعوب البدائية.

   

الرقص حول الذكر المسيطر

"ولا يصبح الملك ملكا إلا بعد حفلة التتويج، وهي حفلة تتم مراسمها عادة بمدينة منف بسلسلة من الطقوس الرمزية والأدعية التقليدية التي يتم فيها تذكير الناس بتوحيد المملكتين في شخص الملك فيدخل بين مصاف الآلهة ويصبح مساويا لهم، ويتسلم خلال التتويج "الصولجان والسوط" وبعد ذلك ينتصب ناهضا وعلى هامته تاج الجنوب والشمال" (10).

    

   

هكذا يحاول الأستاذ إمام عبد الفتاح شرح صورة تأليه الحاكم في مصر قديما، لكن يبدو أنه لكي نحاول فهم لماذا يرقص الناس حول الحاكم القوي المسيطر، علينا العودة إلى ما قبل الدولة، ففي حالة مصر تحديدا، وفي ظل غياب نظام سياسي ومشاركة سياسية، فإن مصر تتحول من كونها دولة، لاعتبارها حالة بدائية من النظام السياسي التي يسيطر فيها الفرد، الزعيم، باعتباره مسيّر الأمور، وبذلك يتماهي الأفراد مع الحاكم باعتباره المعبّر عنهم. وبذلك، وبالقياس على القبائل القديمة، فقد كان يعيش الأشخاص في قبائل، وكانت كل قبيلة تنصب لنفسها "طوطم" تعبده وتخضع له، وهذا الطوطم عبارة عن صنم لحيوان أو نبات أو رئيس القبيلة مدمج مع شكل حيوان، ويمثل هذا الطوطم ملجأ أمينا للنفس عند أشخاص القبيلة، تودع فيه كي تبقى في منأى عن الأخطار التي تهددها، فإذا آوى الشخص في طوطمه، فإنه يصبح بعيدا عن الأذى وبالطبع يصبح هو بمنأى عن تعريض ذاته للخطر. (11)

   

وهذا الخوف الذي يُشكّل حياة الإنسان هو عماد النظام الأبوي الذي يدشنه رئيس القبيلة، وهذا ما يوضحه فرويد بناء على بعض التجارب التي أجراها على الأطفال، فيعلق على حالة طفل يعاني من رهاب الكلاب قائلا: "رهاب الكلاب لدى هذا الطفل هو في الحقيقة خوف منزاح من الأب على الكلاب.. فأعتقد أن مثل هذه الرهابات مثل رهاب الكلاب والأحصنة منتشر في الطفولة.. ويظهر في التحليل على الدوام تقريبا على أنه انزياح للخوف من أحد الأبوين إلى الحيوانات" (11).

  

وينتهي فرويد إلى أن الطوطم في القبائل البدائية الذي يُكِن له أفراد القبيلة الخوف والاحترام والتبجيل هو في الواقع بديل الأب، وهذا هو سر سطوة حاكم القبيلة على أفراد قبيلته، حيث يقدم نفسه في صورة الأب الذي يحل به الطوطم أو المتصل الوحيد به، وبذلك يضمن رئيس القبيلة خضوع أفراد القبيلة كلها له، كما يقدم نفسه على أنه الأب الحنون والقاسي والصارم في الوقت نفسه، وهو الذكر القوي الذي تقع كل النساء تحت يده، ولا يستطيع ذكر أن يتزوج إلا بإذنه، لأنه الذكر الأقوى على الإطلاق (11)، وللمصادفة هي الصورة نفسها التي قدم بها الجنرال عبد الفتاح نفسه، ففيما كان يجمع حوله الممثلين والنخبة المصرية قائلا لهم: "أنتو نور عينينا"، كانت النساء تتغزل في السيسي، الذكر القوي المخلص من شرور الإخوان القبيحين والعاجزين عن مجاراته.

    

    

وخلال حفلة تنصيب الحاكم، تُقام الوليمة الطوطمية التي تُذبح فيها الأضحية على شرف حاكم القبيلة، ويرقص النساء والرجال حول النار في مشهد ديني خالص، ثم تتحول المشاعر الدينية إلى مشاعر فرح صاخب، تحرر الرجال والنساء من جميع المخاوف والقيود الأخلاقية، ويصبح العيد "انحرافا مسموحا به، بل مأمورا به، وهو خرق احتفالي للمحظور، ولا يقوم البشر بهذه التجاوزات، لأنهم فرحون مرحون امتثالا لأمر من الأوامر، بل إن الانحراف كامن في طبيعة العيد، والمزاج الاحتفالي تصنعه إباحة المحظورات" (11).

    

   

أما عبد الوهاب المسيري فيذهب إلى أن الدولة في العصر الحديث قد حلت محل الطوطم المقدس، فيما حل الحاكم المستبد محل رئيس القبيلة، فيقول: "الدولة هي الغرض (التيلوس) الذي يقصد إليه الإنسان، وهي النظام الأخلاقي، وهي الغاية النهائية في السلوك الاجتماعي والأخلاقي، بل هي إله يسير في العالم (اللوجوس)، والدولة هي المرجعية النهائية… والدولة مقدسة لا بسبب صفاتها الأخلاقية الكامنة فيها فحسب، وإنما بسبب قوتها أيضا" (12). وعندما تحل بتلك الدولة مظاهر الضعف والتفكك "يأتي القائد (الجنرال) لينقذ الجماعة، وهو يحمل مسؤولية دولته ليواجه كل الصعاب، فهو سيد مطلق القدرة، مثله على الأرض مثل الإله في السماء، همه هو مبدأ سلامة الدولة ومصلحتها العليا.. فعليه أن يحافظ عليها حتى لو أدى به الأمر إلى أن ينقض الأخلاق والقوانين والأعراف وكل ما هو إنساني وأخلاقي، وأن يضحي بكل شيء من ضمنهم البشر والقيم والأخلاق" (12).ولتنصيب هذا الحاكم المتغلب الذي يشبه سيد القبيلة ويحل فيه طوطمها وتخضع له كل النساء ويرقصن حوله، يجب إقامة الاحتفالات ذات الطابع الوثني التي يرقص فيها الرجال والنساء دعما وفرحا بتنصيب الحاكم.

   

وهكذا، وبعد أن أصبح الرقص شيئا اعتياديا في الشارع المصري، فقد اعتاد المصريون على رؤيته يوميا، ومع صعود الرقص كفعل أيدولوجي منذ 3/7/2013 للتعبير عن الوطنية والولاء للدولة وإغاظة الخصوم، بجانب الدعاية الإعلامية المستمرة لسيادة الجنرال، وتحول الرقص في المواسم السياسية إلى مهنة ذات أجر عالٍ، بجانب رمزية الرقص لخضوع المصريين وخاصة النساء للحاكم ذي المقدرة الجنسية الأعلى من باقي رجال القبيلة وذي السلطة والسطوة والقوة، يمكن أن نفهم لماذا يرقص المصريون في المناسبات السياسية. إلا أنه ورغم مشهدية الرقص التي تُعيد إنتاج نفسها مع كل رقص سياسي لتكرس واقعا ثقافيا وأيديولوجيا جديدا ترعاه السُّلطة، فإن هذا لا يعني مسارا خطيّا عموديا تنجح عبره السلطة لفرض لونا واحدا، فالاعتراضات والانتقادات والتعبيرات الساخرة، تكاد تكون ملازمة لكل رقص سياسي بما يصاحبه من تعبيرات عن انحدار الذوق. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار