انضم إلينا
اغلاق
نقاط الاحتكاك.. محفزات الخلاف الاقتصادي بين روسيا والصين

نقاط الاحتكاك.. محفزات الخلاف الاقتصادي بين روسيا والصين

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض

على تخوم مدينة بيشكَك، عاصمة قرغزستان، تمتُد ساحة كبرى لأكثر من كيلومتر كامل، ولا تحوي في جنباتها سوى حاويات نقل البضائع التقليدية المصنوعة من الحديد، وهي حاويات قديمة خرجت من عالم نقل البضائع، لتنتقل إلى بِشكك عاصمة البلد الأقل سكانًا في آسيا الوسطى.

 

بيد أن تلك الحاويات لم تخرج بعد من عالم التجارة، فهي تقبع هنا في تلك الساحة المعروفة بـ"بازار دوردوي"؛ إحدى أكبر بازارات آسيا، لتضم الآلاف من المحال والتجار والعمّال ممن يجلبون السلع الصينية في الغالب ليبيعوها في محالهم البسيطة، والمكوّنة من الحاويات الحديدية المرصوصة لا أكثر؛ حاوية لعرض السلع، وأخرى تعلوها لتخزينها.

ما منحته الصين لقرغزستان ليس سوى غيض من فيض مما جادت به على آسيا الوسطى خلال السنوات العشرين الماضية في إطار مشروع طريق الحرير الجديد

 

بدأت الفكرة إبان سقوط الاتحاد السوفيتي، حين قرر رئيس اللجنة الرياضية السابق بالحزب الشيوعي، عسكر سالمبِكوف، مواكبة الانفتاح الاقتصادي القادم سريعًا والتخلي عن ولاءاته السابقة، وتدشين ذلك البازار كسوق صغيرة، لكن الساحة الضخمة سرعان ما اجتذبت الآلاف ممن شرعوا في جلب البضائع الصينية إلى بلادهم مباشرة، بعد أن كان عمّال قرغزستان العاملين بروسيا يكدّسون حقائبهم بالملابس والمنتجات وهُم في طريق العودة.

 

ثلاثون ألف حاوية تقبع في البازار اليوم توظّف حوالي 50 ألف قرغزي، وتجلب ثلاثة مليارات دولار سنويًا، وتشكّل نُقطة مركزية لإعادة تصدير المنتجات إلى بقية بلدان المنطقة، وهو ثاني أكبر نشاط اقتصادي في قرغزستان التي تدور 40% من عجلات اقتصادها في عالم السوق السوداء ذات البضائع الصينية بالأساس، والتُركية بدرجة أقل، لكن الأخبار القادمة من الجار الشمالي مؤخرًا أثارت قلق البعض من العاملين فيه.

 

هنا بيشكك: طريق الحرير وجدار موسكو


في منتصف العام الماضي، انضمت قرغزستان للاتحاد الجمركي الأوراسي، لتدخل فعليًا إلى مدار تحالف اقتصادي روسي -يضم كازاخستان وبيلاروسيا وأرمنيا- معزول عن جواره بحاجز جمركي منيع يجعل النصيب الأكبر من تجارة الدول الأعضاء فيه مع بعضها البعض ومع روسيا وليس مع العالم، الأمر الذي شكّل ضربة للعاملين ببازار دوردوي ممن وجدوا أنفسهم مجبرين على تبني سياسات جمركية سترفع من أسعار السلع القادمة من الصين.

 

يرُد أنصار الاتحاد قائلين بأن العضوية تجلب فوائد رفع الجمارك تمامًا بين بيشكك من ناحية وكازاخستان وروسيا من ناحية أخرى، ما يعطي السلع المصنوعة في قرغزستان، أو المعاد تصديرها من هناك، ميزة الدخول دون جمارك إلى هذين البلدين، لكن تجربة كازاخستان نفسها مع الاتحاد لم تكن بتلك السهولة، حيث جلبت عضويتها منافسة شرسة مع السلع الروسية الرخيصة سببت خسائر لتجار كُثر، علاوة على ارتفاع أسعار السلع الصينية والتركية.

 

بينما تلتزم كازاخستان بعلاقاتها الوثيقة مع روسيا، والتي تحظى فيها بمميزات عسكرية وسياسية، فإن تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان تحفظوا على الانضمام للاتحاد، في حين يبدو طريق قرغزستان المنحاز لموسكو شديد التكلفة، لا سيما وأن مميزات العلاقة باتت تتضاءل مؤخرًا، بدءًا من تراجع قيمة الروبل الروسي وانخفاض تحويلات العمال القرغز العاملين في روسيا، مرورًا بتسريح عدد منهم بسبب الأزمة الاقتصادية وعودتهم لرفع مؤشر البطالة في بلادهم، وأخيرًا عدم قدرة الروس أنفسهم على تقديم الدعم الاقتصادي المعتاد لبيشكك بعد هبوط أسعار النفط.

 

في نهاية العام 2015، وبعد أشهر قليلة من التوقيع على الانضمام للاتحاد الجمركي الأوراسي، أعرب الرئيس القرغزي ألمظ بِك أتامباييف عن استيائه من عدم وفاء الروس بتعهداتهم بالبدء في مشروعين لتوليد الطاقة المائية تم التوقيع لبنائهما عام 2012 بتكلفة حوالي ثلاثة مليارات دولار، لكن موسكو تباطأت في تنفيذهما نتيجة أزمتها الاقتصادية، وقال صراحة إن بلاده ستبدأ في البحث عن بديل يستطيع الاضطلاع بالمهمة.

 

مع مطلع العام الجديد كان القرغز قد شطبوا اتفاقهم مع الروس، وخلال أربعة أشهر دخل الصينيون على الخط، إذ أعلن نائب رئيس الوزراء القرغزي الاتفاق مع شركة استثمارات الطاقة الحكومة الصينية لبناء المشروعين، ثم تبعه بشهر واحد عرض صيني آخر بنقل 40 مصنعًا صينيًا إلى قرغزستان لإعادة الحياة إلى اقتصادها المتدهور، وخلق فرص عمل جديدة، على أن تلتزم الصين بتوظيف أربعة من كل خمسة من القرغز.

 

ما منحته الصين لقرغزستان ليس سوى غيض من فيض مما جادت به على آسيا الوسطى خلال السنوات العشرين الماضية في إطار مشروع طريق الحرير الجديد، حيث يربط الصينيون اقتصادهم باقتصادات أوروبا عبر مشاريع تجارية وخطوط سكك حديدية وأنابيب لنقل الغاز تمُر عبر آسيا وصولًا لإيران وتركيا، وهو ما توِّج بالفعل مطلع العام الماضي بوصول قطار صيني من مقاطعة شينجيانغ الشرقية إلى طهران.

 

لم يكن غريبا ما منحه الروس من أسلحتهم الأكثر تطورًا إلى دلهي، على عكس تحفظهم في منح منتجاتهم العسكرية الأحدث للصين (رويترز)

حزام اقتصادي وتنموي يقطع آسيا بالعرض ويفتحها على مصراعيها أمام التجارة العالمية لتعود لسابق عهدها أيام طريق الحرير القديم، لكنه يتعارض مع الجدار الذي تحاول موسكو بناءه بالطول لتحوز ما أمكنها من نفوذها السوفيتي السابق وتعزله عن اقتصاد عالمي يصعب عليها المنافسة فيه، لكنها تُدرك في نهاية المطاف عجزها عن الوقوف بوجه رياح التجارة والتاريخ الآسيوي والتمويل الصيني، إلا إذا بحثت عمّن يشاركونها التوجَّس من العملاق الصيني.

 

تمضي رياح التجارة الصينية بعرض القارة، بيد أن رياحًا أخرى تمُر باتجاه الشمال بدأت في الظهور خلال العقد الماضي مع بزوغ الهند الاقتصادي والسياسي، والهند ليست فقط غريما تاريخيا للصين، بل وحليف استراتيجي للروس منذ الحرب الباردة، والاقتصاد الضخم الوحيد القادر على منافسة الصين بما يكفي للإبقاء على سوق آسيا الوسطى بعيدة عن الاحتكار التام من جانب الصين، علاوة على التوازن العسكري الذي تُحدثه بتحالفها مع الروس في المنطقة.

 

لم يكن غريبًا ما منحه الروس بالأمس، ولا يزالون إلى اليوم، من أسلحتهم الأكثر تطورًا إلى دلهي، على عكس تحفظهم في منح منتجاتهم العسكرية الأحدث للصين، فالهند هي أكبر مُشتر للسلاح الروسي، ويشمل ذلك منظومة الدفاع الجوي الروسية الأحدث إس 400 لتكون الهند أول من يستخدمها خارج روسيا، في حين تنتظر الصين الحصول على المنظومة نفسها دون اتفاق نهائي في الأفق.

 

بيد أن الشراكة الهندية لا تستطيع الميل بالكفة لصالح موسكو عسكريًا واقتصاديًا إلا في نطاق آسيا الوسطى، في حين تتجاوز هواجس الروس ناحية الصين مجرد طريق الحرير.

 

هنا فلاديفوستوك: ذكريات وخرائط غير سعيدة

على مدار ثلاثة قرون كاملة، بزغ نجم روسيا القيصرية ثم السوفيتية، وكشفت موسكو عن طموحاتها التي وصلت بها لشواطئ المحيط الهادئ الآسيوية

pixabay.com
في مطلع القرن السابع عشر، وبينما بدأ توسع الممالك الروسية شرقًا، عبّر القيصر الروسي عن رغبته إيفاد مبعوثين لجمع معلومات عن الصين، العملاق المجهول آنذاك، والنظر في إمكانية تشكيل علاقات مع الإمبراطور في بكين، لتنطلق حملة روسية إلى هناك بالفعل عام 1618، وهي حملة لم تحمل في صفوفها سوى شخص واحد يعرف القراءة والكتابة نظرًا لتفشي الأمية في موسكو، هو إيفان بِتلين المترجم والموظف الحكومي.

 

استقبل الصينيون نظراءهم معتقدين بأنهم يحملون لبكين نصيبها من الضرائب كجزء من الانضمام للنظام الضريبي الصيني، وحين بدا عكس ذلك، رفض الإمبراطور لقاءهم، وتم إبلاغهم بضرورة العودة لبلادهم، في حين حصل بتلين على خطاب صغير مكتوب بالصينية للقيصر لم يدر أحد محتواه في موسكو الهزيلة لأكثر من نصف قرن، حتى تُرجم أخيرًا عام 1675، واتضح بأنه دعوة للانضمام لمظلة النظام الضريبي الصيني.

 

كان طبيعيًا أن يخاطب الإمبراطور الصيني نظيره الروسي بهذا الشكل، داعيًا إياه للانضواء تحت لوائه، فقد رأى بتلين بأُم عينه عظمة وثراء الصين ومدنها مقارنة ببلده، لا سيما بكين العاصمة العريقة بشوارعها الممهدة، والتي استغرقته أيام الرحلة الأربع للإلمام بكافة أنحائها. بيد أن الموازين سرعان ما انقلبت مع مرور السنين وصعود أوروبا، لينجح الروس في حيازة شمالي شرق آسيا بالكامل، في حين خضع الصينيون لتدخلات روسية وبريطانية ويابانية طويلة.

 

على مدار ثلاثة قرون كاملة، بزغ نجم روسيا القيصرية ثم السوفيتية، وكشفت موسكو عن طموحاتها التي وصلت بها لشواطئ المحيط الهادئ الآسيوية من أقصى الشمال حتى مدينة فلاديفوستوك التي خرجت من الهيمنة الصينية وتحولت في منتصف القرن التاسع عشر لمدينة روسية بموجب اتفاقية بكين 1860، وضغطت على الكيان الصيني الآخذ في التراجع لتستحوذ على منطقة منشوريا، بل وتتحكم فعليًا بولاية شينجيانغ (تركستان الشرقية والتي عادت للصين فيما بعد).

 

بيد أن تفوق الروس سقط مع الاتحاد السوفيتي، وعادت الأمور لسابق عهدها في التسعينيات مع صعود الصين، وعادت النظرة الروسية للصين كعملاق اقتصادي ينبغي الاستفادة منه لتوسيع مساحات الدبلوماسية والنشاط الاقتصادي الروسي في مواجهة الغرب، إلا أن ذكريات القرن السابع عشر، وما تكشفه خرائط منطقة الشرق الأقصى الروسية العملاقة، يشي بأن الروس -وهُم على دراية كافية بالصين أكثر مما كان بتلين يومًا ما- قلقون أيضًا من فتح الباب أمام التعاون مع الصين في أقصى شرق بلادهم.

 

يُجري الروس تدريبات عسكرية موسعة كل عام يستعرضون فيها قدرتهم على نقل قواتهم السريع من الغرب إلى الشرق، في تجربة لسيناريو أي حرب مفاجئة محتملة مع الصين

رويترز 
 

في العام 2000، عبّر فلاديمير بوتين، الجالس لتوّه على مقعد رئاسة روسيا الاتحادية، عن قلقه من إهمال صناع القرار في موسكو لمنطقة الشرق الأقصى الروسية، قائلًا إن انعزالها الاجتماعي والاقتصادي أكثر من ذلك قد يؤدي لتحوّل سكانها إلى اللغة الصينية أو اليابانية أو الكورية في المستقبل، وتشكيل ذلك الخطر على الأمن القومي الروسي، ومن ثم أمر بوضع استراتيجية شاملة تُشرف على تنمية الشرق.

 

على غرار الوعود الاقتصادية في آسيا الوسطى، كان الكلام أسهل كثيرًا من الفعل، والتراجع الاقتصادي الروسي ليس فقط ما يعيق موسكو عن تنمية أقصى شرقها، بل وعدم امتلاكها للعمالة الكافية نتيجة لأزمة روسيا الديمغرافية المزمنة، ناهيك عن عدم رغبة الكثير من الروس في السكن بأقصى شرق آسيا ورحيل الموجودين هناك أصلًا إلى مدن الغرب، مما يستتبع اتجاه روسيا للعمالة الأجنبية، وهي عمالة تأتي من آسيا الوسطى تارة، ومن الغريم الصيني الذي يعج بالسكان وفائض العمالة تارة أخرى.

 

ليس أمرًا مريحًا أبدًا لموسكو توافد عمال صينيين على ولايات يتجاوز تعدادها بالكاد المليون، بالتوازي مع دخول استثمارات صينية أيضًا، بينما يتم كل ذلك والقلب السياسي والاقتصادي الروسي في قارة أخرى على بعد آلاف الأميال، وقوة الصين العسكرية آخذة في التنامي، وإن كانت اعتبارات التنسيق الدولي بين البلدين في مواجهة الهيمنة الغربية تطغى على تعبير أي منهم بشكل صريح عن احتمالية دخولهما في صراع، إلا أن الجيش الروسي يعتبر الصين بالفعل التهديد العسكري الأكبر في المستقبل.

 

يركز الإعلام العالمي باستمرار على مغامرات روسيا وتحركاتها العسكرية في أوروبا والبحر المتوسط، لكن نشاطاتها الشرقية لا تقل أهمية، إذ يُجري الروس تدريبات عسكرية موسعة كل عام يستعرضون فيها قدرتهم على نقل قواتهم السريع من الغرب إلى الشرق، في تجربة لسيناريو أي حرب مفاجئة محتملة مع الصين، علاوة على دمجهم أسطولهم بالمحيط الهادي مع المنطقتين العسكريتين السيبيرية والشرقية عام 2010 تحت مظلة قوات "فوستك" (الشرق)، وهو الجزء الأكبر من الجيش وصاحب الحصة الأكبر من أحدث الأسلحة الروسية.

 

في العام نفسه، أجرت روسيا تدريبات عسكرية خاصة زعمت بأنها تجربة لرد فعل الجيش الروسي على سيناريو غزو من طرف مجهول، ولم يستغرق المحللون وقتًا طويلًا ليعرفوا من هو المجهول في الحقيقة، فقد كشفت التدريبات عن الاستعداد لمواجهة جيش مماثل لجيش التحرير الصيني، علاوة على قيام الطائرات الحربية الروسية بالتحليق دون توقف لأول مرة من أقصى غرب روسيا إلى شرقها.

 

القوة العسكرية في نظر الروس رادعٌ كافٍ لحماية المناطق الديمغرافية الهشة والأكثر ميلًا للارتباط الثقافي والجغرافي بجوارها عنها إلى المركز السياسي الذي يحكمها، تمامًا كما تكشف لنا الحالة الإسرائيلية، بيد أن الإسرائيليين، على عكس الروس، لا يصبون تركيزهم على التفوق العسكري فقط دون غيره لحماية هشاشتهم الديمغرافية.

 

هنا نهر الآمور: نبني أو لا نبني
تأخر بناء الجسر الواصل الصين وروسيا أثار استياء الصينيين الذين انتهوا باكرًا من نصف الجسر الخاص بهم وجلسوا بانتظار النصف الآخر  (رويترز)

على ضفاف نهر الآمور في مدينة نيجنِه-لنينسكويه الروسية المتاخمة للصين، يوجد مشهد لافت للأنظار منذ فترة لا بأس بها: نِصف جسر قادم من الصين، ومعلَّق في الهواء!

 

لم يكن من المفترض أن يظل معلّقًا بهذا الشكل في الواقع، لكن نصفه الآخر على الناحية الروسية تأخّر طويلًا نتيجة "بعض المصاعب التنظيمية" كما يسميها الروس، مما أثار استياء الصينيين الذين انتهوا باكرًا من نصف الجسر الخاص بهم وجلسوا بانتظار النصف الآخر.

 

هي آثار الأزمة الاقتصادية، أو التباطؤ المعتاد نتيجة لفساد المؤسسات الروسية، أو لعلها مخاوف لدى بعض الضباط في الجيش الروسي من تعبيد الطريق أكثر من اللازم أمام الصين لتدخل باستثماراتها غدًا، وربما بقواتها بعد غد، وفق ما يشير له الباحث الروسي فيكتور لارين، المتخصص بشؤون الشرق الأقصى بأكاديمية العلوم الروسية في فلاديفوستوك، فالبعض في موسكو لا يزال متوجسًا من الولايات الحدودية التي تضم على الناحية الصينية 100 مليون شخص، وعلى الناحية الروسية أربعة ملايين فقط.

 

قد تستمر تلك المخاوف العسكرية الروسية في موسكو، لكن تباطؤ التنمية بحُجج الأمن القومي على بعد آلاف الأميال من قلب روسيا لن يعجب قاطني تلك الولايات الشرقية، وينافي بالتأكيد وعود بوتين بتنمية هذه المنطقة، مما قد يجلب سخطًا يميل بالموازين نحو استقلالية محلية أكبر لتسيير الاستثمارات بعيدًا عن هواجس موسكو، ومن ثم انفلات تلك الولايات أكثر من السيطرة الروسية.

 

المشاريع الصينية القادمة عبر الحدود قد تجد أمامها غدًا شركات يابانية أو أمريكية تُكمِل النصف الآخر، وتكبح هواجس الروس الآخذين في التراجع ديمغرافيًا واقتصاديًا

بين مطرقة وقف عجلات التنمية، وسندان فتح الباب أمام الاستثمارات وما يجلبه مرة أخرى من نفوذ آسيوي، وصيني بالتحديد، تحت مرأى ومسمع الجيش الروسي، لا يبدو أن هنالك حلًا ناجعًا لــ"مسألة السيبرية" كما تُسمى. الصينيون قادمون لا محالة إذن.

 

سيظل الجسر معلّقًا لبعض الوقت، وستُكمله روسيا خلال عامين كما صرّحت، لكن المشاريع الاقتصادية مستقبلًا لن يسعها انتظار الروس في كل مرة، وستُدرك موسكو رويدًا بأن الحل الوحيد يكمن في استباق السيناريو الصيني بآخر توزع فيه الاستثمارات الشرقية بين بلدان عدة لضرب المنافسين ببعضهم البعض.

 

ولكن من بوسعه منافسة العملاق الصيني في سيولته المالية وكفاءته في إنجاز مشاريع البنية التحتية؟ هنالك اليابان القريبة من فلاديفوستوك والغريم الآسيوي المعروف للصين، لكن الاحتياج لها لن يمُر دون اشتراطها تسوية نزاعات جزر الكوريل، وعلى مسافة ليست ببعيدة أيضًا من سيبريا هنالك ولاية ألاسكا، ومن ورائها العملاق الأمريكي، والكُل يعرف طبيعة الشروط التي قد تفرضها واشنطن لتلبية رغبات الروس.

 

اليوم تُترك الجسور معلّقة حالما تحسم موسكو أمرها، ولكن المشاريع الصينية القادمة عبر الحدود قد تجد أمامها غدًا شركات يابانية أو أمريكية تُكمِل النصف الآخر، وتكبح هواجس الروس الآخذين في التراجع ديمغرافيًا واقتصاديًا؛ سيناريو يبدو بعيدًا اليوم، لكن خلفاء بوتين قد ينحازون له حين تضغط أولويات المنافسة الإقليمية مع الصين على حساب مصارعة الهيمنة الدولية الغربية.
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار