انضم إلينا
اغلاق
70 حالة انتحار يوميا.. لماذا ينتحر الشباب الياباني؟

70 حالة انتحار يوميا.. لماذا ينتحر الشباب الياباني؟

أشرف إبراهيم

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  
في الشمال الغربي من جبل فوجي المهيب في أوكيغاهارا باليابان، وعلى مد البصر، تقبع مساحة مترامية الأطراف من الأشجار التي نشأت وترعرعت على مدار مئات السنين لتكوّن غابة أوكيغاهارا الشهيرة أو "بحر الأشجار". صبيحة أحد الأيام، يتوقف الجيولوجي الياباني "أزوسا هايانو" بسيارته عند مدخل الغابة؛ ليبدأ عمله المعتاد في دراسة الثورات البركانية، وحماية البيئة بشكل عام، عمل يضطره -دائمًا- إلى الولوج في ثنايا الغابة الكثيفة إلى قاعدة جبل فوجي الماكث بشموخ كأنه شيخ عجوز يُملي دروس الحياة على زائريه.

 

يترجل "هايانو" ملتقطًا أغراضه ليبدأ رحلته إلى الشيخ العجوز الثائر عام 864م ملقيًا بحممه وقتها على الغابة، ثوران بركاني قديم ساعد الأشجار والنباتات عضويًا على النمو بكثافة؛ لتصبح جذورها متعرجة ممتدة على أرض غير مستوية، ومكونًا -أيضًا- مئات من الأخاديد والكهوف مختلفة الأحجام؛ لتصبح الغابة أرضًا مناسبة لاختفاء أي شيء، وأي شخص!
 


يتنقل "هايانو" بصعوبة بين الأغصان الكثيفة في المكان الذي يصفه اليابانيون بـ"هوة الفراغ"، بينما تنتشر في أماكن مختلفة لوحات وضعتها الحكومة اليابانية، كُتب على بعضها عبارات غريبة لغير اليابانيين مثل "حياتك عبارة عن هدية ثمينة من والديك، فكر بهما وببقية أفراد عائلتك، لست مضطرًا إلى المعاناة وحدك"، لوحات تبدو للوهلة الأولى أنها أخطأت طريقها للغابة؛ بينما يقبع تحت العبارات رقم خط هاتف ساخن.

 

يتخطى "هايانو" أشرطة ملونة إرشادية رسمية لمنع الزوار من الضياع ومن ثم الموت، وبينما يسير تلفت نظره خيمة صفراء بعيدة نسبيًا، يتجه إليها ثم يفحصها مع أغراض أخرى؛ ليقدر أنها هنا منذ بضعة أشهر، وعلى الفور يبدأ "هايانو" في الالتفات ومنظاره فوق عينيه متوقعًا على الأغلب ما سيجد، ثم يقترب من شيء يبدو وكأنه ملابس شخص ما ليجدها جثة متحللة، وبجوارها على ساق إحدى الأشجار خشبة معلقة كُتب عليها اسم الشخص، وعبارة "لقد جئت إلى هنا؛ لأنه لا شيء جيد يحدث في حياتي"، مشهد يليق بفيلم رعب مألوف في وقت آخر؛ لكن "هايانو" اعتاد على ما وجد، فهذه ليست مرته الأولى، وقد عثر قبلًا؛ وحتى حينه؛ على أكثر من مئة جثة أثناء ممارسة عمله في الغابة، غابة تحولت بشكل ما إلى أرض للموت.

 
 

الظاهرة

في المعتاد، فإن ظاهرة مثل الانتحار ليس لها وقت نمطي، إلا أن اليابان خالفت القاعدة غير المكتوبة، وأصبحت تعرف منذ وقت ليس بالقصير شيئًا أشبه بشهر رعب ياباني، أو سبتمبر /أيلول من كل عام.

 

تنتهي عطلة الصيف وتبدأ الدراسة في بداية سبتمبر /أيلول، وهو أمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بآلة الانتحار اليابانية العملاقة؛ ففي دراسة حكومية من قبل مكتب رئيس الوزراء الياباني، غطت أكثر من 18 ألف حالة انتحار، في الفترة بين عامي 1972 و2013، وفي شريحة عمرية خاصة بالأطفال والمراهقين الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا، عرفت اليابان من خلالها أن معظم الأطفال الذين أقدموا على الانتحار، تخلصوا من حياتهم في أواخر شهر أغسطس /آب، وخلال شهر سبتمبر /أيلول، ومنتصف شهر أبريل /نيسان، على الترتيب؛ أي أن حالات الانتحار تزداد مع بداية العام الدراسي والتحاق الطلاب بالمدارس، فضلًا عن أن عدد حالات الانتحار كان أقل في منتصف العطلات، وبينت أن السبب الرئيس للانتحار بين طلاب المدارس الابتدائية والإعدادية هو المشاكل العائلية المتمثلة في التوبيخ من الوالدين والاحتكاك المستمر معهم.

 

لا يقتصر الأمر على المشاكل العائلية فقط؛ وإنما يمتد ليصل لما يعرفه العالم بـ(التنمّر)؛ حيث تساهم مضايقات الطلاب لبعضهم البعض في المدارس في انتحار الضعفاء منهم، وتمثل العودة المدرسية من إجازة الصيف كابوسًا نفسيًا الكثير من الطلاب غير مؤهلين للتعامل معه.

 

في عام 2006، وبعد إجراء تحريات دقيقة حول الأطفال المنتحرين، لاحظ رجال الشرطة أن معظمهم كانوا يتعرضون لضغوط مدرسية متواصلة، وأنها هي المصدر الأساس لمشاكلهم. فتقول المعلمة "يومي ناكاتا": "إذا كنت من اليابان؛ فإنك حتمًا تعرف شخصا منتحرا أو اثنين، فأنا أعرف شخصين، إحداهما فتاة درست معي في المدرسة الثانوية، وقامت بشنق نفسها؛ لأنها كانت تتعرض لمضايقات من قبل أصدقائها في المدرسة".

تشكل امتحانات القبول ضغطًا آخر على المراهقين والشباب؛ لأنها تعتبر من أصعب الاختبارات على مستوى العالم. ويواجهها الطالب منذ صغره

رويترز

تساهم ديناميكية التفكير الجماعي التقليدية في زيادة انعزالية من يعانون بسبب تلك المضايقات، ومن ثم مجرد تخلف الفرد عن الانخراط في الجماعة (أي جماعة)، يصبح بموجبه منبوذًا من بقية الأفراد، وتزداد معاناته بالتبعية، وهو عين ما يؤكده طبيب الأطفال النفسي "كين تاكاوكا" قائلًا إن بيئات المدارس تعطي أولوية للجماعة، "والأطفال الذين لا يتعايشون مع المجموعة سيعانون"، وبعد انتحار الطالب، على الأرجح لن تعترف المدرسة بأن هناك علاقة بين انتحاره وما جرى فيها؛ بينما يتنوع الإيذاء الذي يتعرض له الشاب المنتحر بين البدني والنفسي.

 

وتشكل امتحانات القبول ضغطًا آخر على المراهقين والشباب؛ لأنها تعتبر من أصعب الاختبارات على مستوى العالم. ويواجهها الطالب منذ صغره. فإلى جانب المدرسة، يذهب طلاب المدرسة الابتدائية وكذلك الإعدادية إلى ما يسمى بـ"مدرسة الإلزام"، وهي عبارة عن مدارس متخصصة تدرب الطلاب على تحقيق أهداف معينة؛ مثل الحصول على درجات جيدة، أو اجتياز امتحانات القبول في المدارس الثانوية أو الجامعات، وهو الأمر الذي يقوم به طلاب المدارس الثانوية؛ لاجتياز مرحلة القبول فيها، ثم يقومون بذلك مرة أخرى للالتحاق بالجامعة. ومن ثم يولد التعرض لمثل هذه الاختبارات في مرحلة عمرية مبكرة، مع استمرارها لسنوات، حالة من الضغط والقلق الهائل خشية الفشل في اجتياز أيٍّ منها؛ وبالتالي يبدو الانتحار هنا مخرجًا مثاليًا.

 

يستمر الضغط النفسي الواقع على الشاب أثناء وبعد تخرجه من الجامعة أيضًا، فيجرى العرف على أن يتم التوظيف في وقت واحد من كل عام للخريجين، فتبدأ الشركات في البحث عن الطلاب المؤهلين أثناء الجامعة وبعد التخرج كل عام في موعد محدد. ومن ثم يكون هناك تنافس كبير من قبلهم على هذه الوظائف، وترتبط حياة الشاب بهذه الوظيفة، فإذا ما فشل في الحصول عليها، يعني هذا أن حياته أصبحت محكوما عليها بالفشل وميئوسا منها؛ ومن ثم يميل إلى الشعور بالاكتئاب. ويضع هذا النظام الطلاب في ضغط هائل؛ لأن عليهم البحث وإعداد أنفسهم للوظائف أثناء الدراسة. وتصنف اليابان من البلدان الأكثر تنافسية حينما يتعلق الأمر بالحصول على الوظائف المرموقة، فيكون التنافس عنيفًا حد التخلص من الحياة في حال الفشل، ويشكل الانزواء والانطواء أو ما يعرف بظاهرة "هيكيكوموري" أولى علامات الانتحار.

 
 

ما بين "الهيكيكوموري" و"الكاروشي"


"هيكيكوموري" أو الانسحاب الاجتماعي الحاد، مصطلح يعني انسحاب الشباب من الحياة الاجتماعية تمهيدًا للتخلص من حياتهم بالكلية.
وتُعرف وزارة الصحة والعمل والرفاه اليابانية "الهيكيكوموري" بأنهم الأشخاص الذين يرفضون مغادرة منازلهم وعزل أنفسهم عن المجتمع لمدة تزيد عن ستة أشهر. ومن ثم فيبدأ الشاب في الانعزال في غرفته الخاصة لمدة أشهر وربما سنوات دون الخروج، إلى أن يقرر التخلص من هذا الجحيم. ويُعتقد أن هناك مليون شاب ياباني منعزلين في منازلهم، أمر يتفق معهم فيه الطبيب النفسي "تاماكي سايتو"، قائلًا إنه يشعر بالذهول من عدد الآباء والأمهات الذين يستعينون به من أجل الشباب الذين يتركون مدارسهم، ويُخفون أنفسهم بعيدًا لعدة أشهر؛ وربما لسنوات في كل مرة. ويلاحظ الطبيب الشاب أنهم من عائلات الطبقة الوسطى، ومتوسط أعمارهم هو 15 عامًا، مكملًا أنهم يعانون من مخاوف اجتماعية عميقة، ويريدون الخروج إلى العالم، وتكوين صداقات، وعلاقات عاطفية؛ ولكن لا يستطيعون..!

 

وإذا ما حصل الشاب على الوظيفة بعد التخرج. فربما يصبح عرضة لظاهرة "الكاروشي" أو الموت إرهاقًا من العمل، فثقافة العمل المرهقة منتشرة ومتجذرة في المجتمع الياباني بشكل غير مألوف، وفي بعض الأحيان يدفع الإرهاق العقلي والجسدي الأفراد إلى الانتحار. ففي البلاد العربية وأغلب دول العالم، هناك أنشطة بديهية مثل قضاء بعض الوقت مع العائلة، والقيام بالأشياء المفضلة لكل شخص، أما في اليابان فمسألة التوازن بين العمل والحياة غير مطروحة بالأساس؛ ومن ثم يظل الفرد عاملًا بلا هوادة إلى أن تنهار قواه العقلية والنفسية، ويقرر التخلص من حياته.

 

يبدو أن الأمر له جذوره التاريخية، ففي العام 1970 كانت الأجور زهيدة، وأدى ذلك إلى كثرة الطلب على الموظفين لتعظيم أرباح أصحاب العمل وتوسيع عملياتهم، وفي منتصف عقد الثمانينيات حدثت تشوهات في النظام الاقتصادي في البلاد، أدت إلى تغذية أسعار الأسهم والعقارات؛ فأخذت ترتفع إلى مستويات قياسية، لينتج عن ذلك طفرة في النمو الاقتصادي عرفت باسم "اقتصاد الفقاعة"، ونمت شريحة أطلق عليها "العمال ذوو الياقات البيضاء".

 

في ذروة اقتصاد الفقاعة، كان يعمل 5% من سكان البلاد حوالي 60 ساعة أسبوعيًا، أي أضعاف ساعات العمل في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا في ذلك الوقت. وبالتالي حدثت نهضة اقتصادية أوصلت اليابان لتكون ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم آنذاك. وفي العام 1990 انفجرت الفقاعة، وأدت إلى إعادة هيكلة الشركات، فيما عرف حينها بمصطلح "العقد الضائع"، وكان الموظفون يتعمدون البقاء في العمل خشية أن يتم تسريحهم. وحينما دخلت العمالة غير النظامية، تشبث النظاميون بأعمالهم أكثر، وأصبحوا يكدحون بشكل أكبر، وأحيانًا دون مردود مادي أو أمان وظيفي، فقط بغية عدم تسريحهم من الوظيفة.

تقدر ساعات العمل الأساسية بـ40 ساعة في الأسبوع، ولكن العمال لا يتركون الساعات الإضافية أيضًا، خوفًا من الحصول على تقييم أداء سلبي

pixabay.com


"في أماكن العمل اليابانية، هناك دائمًا العمل الإضافي، وهو يبدو كما لو أنه جزء من ساعات العمل المقررة تقريبًا، وهو ليس إجباريًا من صاحب العمل، ولكن العمال يشعرون كما لو أنه إلزامي". يتحدث "كوجي موريوكا" الأستاذ الفخري بجامعة كانساي، والذي يترأس لجنة من الخبراء الذين يقدمون المشورة للحكومة اليابانية حول سبل مكافحة ظاهرة "كاروشي".


وتقدر ساعات العمل الأساسية بـ40 ساعة في الأسبوع، ولكن العمال لا يتركون الساعات الإضافية أيضًا، خوفًا من الحصول على تقييم أداء سلبي، وهو ما أدى إلى نشوء مفهوم "خدمة العمل الإضافي"، تلك الخدمة التي أصبحت مجانية. ويقدر الخبراء عدد "الكاروشي" أو من يعملون بإرهاق يقود للموت بالآلاف، فوفقًا لمجلس الدفاع الوطني لضحايا "الكاروشي"، فإن أعداد الموتى يصل إلى 10 آلاف سنويًا.

 

يبلغ "كيوتاكا سيريزاوا" من العمر 34 عامًا، ويعمل في شركة لصيانة المباني السكنية، ووصلت ساعات عمله إلى 90 ساعة أسبوعيًا؛ أي ما يقرب من 13 ساعة يوميًا دون عطلات؛ حيث كان يعمل مشرفًا على عمال نظافة المباني في ثلاثة مواقع منفصلة في مدينة "كاشيوا" شمال شرق طوكيو؛ ومن ثم كان يكافح من أجل استمرار سير العمل. تقدم "سيريزاوا" باستقالته قبل عام ولكن تم رفضها. وكان يتوقف أحيانًا عند منزل والديه لينام قليلًا؛ بينما يتابع عمله بين المواقع.

 

في 26 يوليو /تموز 2015 اختفى "كيوتاكا" بلا أثر، ولم يعثروا عليه لثلاثة أسابيع كاملة، ثم وجدوا جثته في سيارته في مقاطعة ناغانو، قريبًا من المكان الذي كان يذهب إليه مع عائلته في العطلات للتخييم وهو طفل؛ حيث قام بإحراق قطع من الفحم في سيارته، منتحرًا بالتسمم بغاز أول أكسيد الكربون.

 

ينتشر "الكاروشي" بين النساء أيضًا، على سبيل المثال وفي بداية عام 2016، قامت "ماتسوري تاكاهاشي" صاحبة الـ24 عامًا، وخريجة جامعة طوكيو المرموقة، بالقفز من عنبر النوم بالشركة التي كانت تعمل فيها. وفي أكتوبر /تشرين الأول الماضي أعلن مكتب العمل أن "تاكاهاشي" طُلب منها العمل لمدة 100 ساعة أو أكثر من العمل الإضافي في الشهر الواحد، وعلى مدار الأشهر الأخيرة في حياتها، في وكالة الإعلانات البارزة دنتسو. وغالبًا ما كانت تحصل على أقل من ساعتين للنوم ليلًا، ونادرًا ما كانت تأخذ يوم عطلة.

  

الضغوط الاقتصادية والمالية

أما من لم يجد عملًا أو كان لديه وظيفة متواضعة، فمن المحتمل أن يعاني من الضائقة المالية التي تشكل أحد الأسباب الرئيسة للانتحار بين الشباب.


 

ويسود اعتقاد أن تلك الزيادة في أعداد الشباب الذين أقدموا على الانتحار تعود إلى زيادة "العمل غير المستقر"، وتوظيف الشباب بعقود قصيرة الأجل. وربما هو أمر عادٍ في معظم دول العالم؛ ولكنه جد مختلف في اليابان التي تُعرف باسم "أرض التوظيف مدى الحياة". وتشير التقديرات إلى أن 40% من الشباب في اليابان غير قادرين على الحصول على وظائف مستقرة.

 

في دراسة أعدها معهد السياسة العالمية والصحة (مؤسسة بحثية مستقلة) في أكتوبر /تشرين الأول 2013، حول العلاقة بين الضغط الاقتصادي والانتحار في اليابان؛ تبين أن الانتحار -بسبب المسائل المالية- جاء في المرتبة الثانية من ضمن الأسباب الرئيسة للانتحار بين الشباب، وذلك في الفترة من 1990 إلى 2012. ووجدت الدراسة أنه بحلول نهاية السنة المالية في مارس /آذار 1998، فقد ازدادت حالات الإفلاس لدى نسبة كبيرة من الشباب، وعانى الكثير منهم من البطالة، وفي نفس الوقت أقبل العديد من هذه الفئة على الانتحار، ما يؤكد وجود علاقة بين الأولى والثانية. ويدل هذا الأمر على أن زيادة عدد الشباب الذين أقدموا على الانتحار في العشرينات والثلاثينات؛ يرتبط بشكل وثيق بالانكماش الاقتصادي.

 

ما يعزز ما سبق، رغم الجهود الحكومية المكثفة؛ أن منظومة الصحة النفسية تبقى من أكثر الأنظمة تشوهًا وتخلفًا في العالم. فهناك نقص حاد في الأطباء النفسيين، ولا يوجد أي تعاون بينهم وبين علماء النفس السريري. وهناك ثقافة منتشرة تجعل من العار بالنسبة للشخص أن يذهب إلى الطبيب النفسي؛ أو حتى مجرد الشكوى من الاكتئاب أو غيره من الأمراض النفسية. ومن ثم فالخيارات محدودة أمام الشخص الذي يعاني، وعلى رأسها الانتحار. كما أن من يعانون من الضغوط النفسية التي تدفعهم للانتحار ليس لديهم المعرفة الكافية بقضايا الصحة العقلية؛ بسبب قلة التوعية وضعف التعليم في هذا المجال.
 

تأثر الاقتصاد الياباني بارتفاع معدلات الانتحار، من خلال الدخل المفقود، وتكاليف العلاج لمن يتم إنقاذهم

pixabay.com


ويمكن تفسير هذا الأمر من النظرة التاريخية لدى اليابانيين حول الانتحار. ففي الأديان المختلفة سواء الإسلامية أو المسيحية على سبيل المثال، يعد الانتحار محرمًا، في حين نجده في الديانة البوذية فضيلة، ورمزًا لتحمل المسئولية أو كما يسمى "انتحار الشرفاء". كما أن المحارب القديم أو الساموراي كان يمارس طقوس الانتحار أو "هارا كيري"، وذلك لتجنب القبض عليه وتعذيبه، حتى لا يظهر بمظهر الضعيف أو الجبان، يتحسس معدته في هدوء ثم يقوم بغرس سيف أو خنجر حاد فيها، وهو يرتدي الثوب الأبيض، قبل أن يهبط محارب آخر بالسيف على عنقه. وكذا فعلها "الكاميكاز" في الحرب العالمية الثانية بعد الهزيمة. ومن ثم فلا يُنظر إلى الانتحار بشكل عام في اليابان كونه فعلًا مشينًا.

 

يتأثر الاقتصاد الياباني بارتفاع معدلات الانتحار، من خلال الدخل المفقود، وتكاليف العلاج لمن يتم إنقاذهم.
 



من أجل ذلك، تقوم الحكومة بجهود مكثفة من أجل تقليل تلك المعدلات؛ ولكنها تبقى في النهاية تحركات متواضعة نسبة إلى هذه الأرقام المرتفعة.


لذا، من غير المرجح أن نرى نتائج قوية في الأجل القصير أو المتوسط، فأفراد الحكومة هم جزء من النسيج الثقافي الياباني، الذي يجعل المسألة عصية على الحل أو المعالجة السريعة. 

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار