انضم إلينا
اغلاق
عام صعب على 100 مليون مواطن.. ما الذي ينتظره المصريون في 2019؟

عام صعب على 100 مليون مواطن.. ما الذي ينتظره المصريون في 2019؟

آدم المخزنجي

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

ربما سيُشكّل العام الحالي الذي بدأ أيامه الأولى أحد أكثر الأعوام تحديا للاقتصاد المصري وأشدها وطأة على المصريين، بداية من الإلغاء الكلي المنتظر لدعم الوقود، ليجد المصريون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أسعار النفط العالمية، مرورا بنتائج الإجراءات التي طلبها صندوق النقد الدولي حينما قام لأول مرة، وبصورة مفاجئة، بتعليق صرف الشريحة الخامسة وقبل الأخيرة من القرض المتفق عليه بين الطرفين نهاية عام 2016 وقدره 12 مليار دولار، حتى يجبر الحكومة على تسريع تنفيذ تلك الإجراءات أو استحداث أخرى جديدة تبعا لتقييمه الأخير لحالة الاقتصاد المصري، وليس انتهاء بمعالجة واحدة من أكثر القضايا حساسية وهي "دعم الخبز"، علاوة على تناول مسألة تنامي واردات مصر من السلاح.

    

وانطلاقا من ارتكازية عام 2019 وتأثيره المرجح العميق على المصريين؛ سنقوم باستكشاف مسار الاقتصاد المصري خلال العام المذكور، وإماطة اللثام عن القرارات الاقتصادية التي ستتخذها الحكومة على مدار أيام وأشهر العام، مع إبراز وضع بعض الملفات الخارجية التي تمتلك تأثيرا كبيرا على الاقتصاد المصري، كرفع أسعار الفائدة الأميركية ومن ثم التأثير على قيمة العملة المحلية "الجنيه"،  وتباطؤ الاقتصاد العالمي ومن ثم تأثيره على أداء قناة السويس، والعديد من القضايا التي تشتبك مع الاقتصاد المصري وتنعكس على واقع مختلف قطاعاته، وبالتالي تؤثر بكافة الأشكال على حياة أكثر من مئة مليون نسمة.

   

    

سيشهد عام 2019 موجات قاسية من ارتفاع أسعار السلع والخدمات العامة المصرية، استكمالا لتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه رفقة صندوق النقد الدولي، علاوة على العديد من الإجراءات الأخرى التي ستتخذها الحكومة إما لتعظيم إيراداتها وإما لتقليل التزاماتها النقدية تجاه المواطنين، أو للاثنين معا كما هو مرجح.

    

رفع الدعم نهائيا عن الوقود

البداية، كما المعتاد، تأتي من عتبات صندوق النقد الدولي. ففي النصف الأول من شهر ديسمبر/كانون الأول المنصرم، كان من المقرر أن تتسلم مصر الشريحة الخامسة، وقبل الأخيرة، من قرض الصندوق، إلا أن المجلس التنفيذي للصندوق قام، وبصورة مفاجئة، بتأجيل التصويت على صرف تلك الشريحة ومقدارها مليارا دولار، لتتكشّف الحقائق مع الوقت، أن هناك إصرارا من قِبل صندوق النقد على تنفيذ القاهرة لبعض الإجراءات بصورة معينة، ومن بينها توقيت الإعلان عن آلية تسعير الوقود بعد الرفع الكلي لدعمه، ويبدو أن الحكومة أرادت تأخير تطبيق هذا الإجراء لنهاية العام، إلا أن الصندوق أصر على اتخاذ خطوات فورية في الأمر وفقا للجدول المتفق عليه بين الطرفين.

  

لذا، فليس أمام الحكومة المصرية أي خيارات سوى التنفيذ، ومن أجل ذلك قال مسؤول حكومي مصري رفيع المستوى، طلب عدم نشر اسمه، لوكالة بلومبيرج(1) إنه من المقرر أن تعلن الحكومة عن آلية تسعير بنزين 95، أقل الأنواع تلقيا للدعم، في غضون شهر يناير/كانون الثاني الحالي، مع تطبيق تلك الآلية -ومن ثم ربط السعر المحلي بالأسعار العالمية- في مارس/آذار القادم. وبالتبعية، ستعلن الحكومة عن آلية تسعير باقي أنواع البنزين في يونيو/حزيران القادم بعد رفع الدعم نهائيا، ليتم التنفيذ الفعلي في سبتمبر/أيلول القادم، وبالتالي فمن المقرر استلام الشريحة الخامسة خلال شهر يناير/كانون الثاني الحالي.

  

في الواقع، لم يكن صندوق النقد وحده هو من يضغط على القاهرة للتعجيل بتلك الخطوة القاسية، وإنما اشترط البنك الدولي أيضا بأن حصول مصر على قرض جديد قيمته مليار دولار في أوائل ديسمبر/كانون الأول المنصرم مرتبط بأن تقوم الحكومة بتعزيز إدارة المالية العامة، وينطبق تحت تلك الركيزة إجراءات عدة منها خفض دعم الطاقة، وتعديل أسعار الكهرباء والوقود بالزيادة، كما اتضح في وثيقة القرض(2) بين البنك الدولي ومصر.

    

    

وبالتزامن مع تحرير أسعار الوقود وجعلها مرتبطة بالأسعار العالمية للنفط، ستحدث صدمة كبيرة سترفع من معدلات التضخم، وستؤثر بالسلب على مستوى رفاهية المصريين، لا سيما الفئات الأكثر فقرا لأنهم أصبحوا عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية.

  

فمن المتوقع أن يؤدي رفع الدعم بصورة كلية عن الوقود -عدا البوتاجاز- إلى ارتفاع في نسبة التضخم بمعدل من 3 إلى 4%، كما توقع البنك الدولي في وثيقة القرض أن تؤثر تلك الإجراءات بصورة مباشرة وغير مباشرة على المدى القصير والبعيد على الرفاهية وأفق فرص العمل للفقراء والفئات الأولى بالرعاية. لذا يتوقع البنك أن يكون لتحرير أسعار الوقود تأثير سلبي مباشر على رفاهية الأسر المعيشية بزيادة أسعار منتجات الطاقة، وسيتركّز التأثير السلبي بصورة أكبر في صعيد مصر "جنوبها" تبعا لوجود النسبة الأكبر من الفقراء هناك.

  

ولقياس التأثير بشكل دقيق، قام البنك الدولي بإجراء عمليات محاكاة في يوليو/تموز للعام الماضي 2018، ليتبين منها أن شريحة "أفقر خُمس" أو أدنى 20% من التوزيع ستواجه خسارة في الرفاهية تعادل 5.2% تقليلا من نفقات ميزانية الأسرة، أما شريحة "أغنى خُمس" -أعلى 20%- فستخسر 1.6% من نفقات ميزانيتها. وقدرت عمليات المحاكاة أن نحو 70% من هذه الخسائر الاجتماعية ستأتي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والباقي بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء.

 

 

ونتيجة لتحرير أسعار الوقود، ستشهد العديد من السلع والخدمات الأخرى ارتفاعات عنيفة في الأسعار، بخاصة عند ارتفاع أسعار النفط العالمية، مثل جميع المنتجات الغذائية والعقارات والنقل والمواصلات والمنتجات الزراعية، وتعثر العديد من المصانع والشركات لارتفاع تكاليف الإنتاج، وارتفاع معدلات الجرائم المرتبطة بالفقر والحاجة المُلحة إلى المال.

   

     

الكهرباء - المياه - أسطوانات الغاز

مع بداية شهر يوليو/تموز القادم، ستقوم الحكومة المصرية بإقرار زيادات جديدة في أسعار الكهرباء، ومن المتوقع أن تتراوح تلك الزيادة بين 40 إلى 50% على جميع الشرائح، وذلك وفقا للخطة الحكومية لرفع الدعم بشكل نهائي عن الكهرباء، ولكن تلك الزيادة لن تكون الأخيرة كما سيحدث في دعم الوقود، وإنما سيتم رفع الدعم بشكل كامل عن الكهرباء بنهاية العام المالي القادم 2019/2020 على الأرجح. وسيترتب على تلك الزيادة ارتفاعات جديدة في أسعار السلع والخدمات التي تعتمد في إنتاجها على الكهرباء، وزيادةِ تكاليف الإنتاج في الصناعات المعدنية لا سيما المصانع كثيفة الاستهلاك للكهرباء كالحديد والصلب، وبالتالي ارتفاع جميع السلع التي يدخل فيها الصلب، بما في ذلك حديد التسليح، ومن ثم ارتفاع أسعار العقارات أيضا.

    

ومن المتوقع أن تبدأ الحكومة برفع أسعار تعريفة مياه الشرب والصرف الصحي خلال النصف الثاني من 2019، لتتراوح الزيادة بين 30% إلى 45% للمياه ومن 50 إلى 100% كنسبة من فاتورة المياه. وستأتي تلك الزيادة وفقا لخطة الحكومة "غير المعلنة" لتحريك أسعار مياه الشرب لمدة خمس سنوات، حتى عام 2020، بهدف رفع الدعم نهائيا عنها، باستثناء بعض الشرائح الصغيرة التي تستهلك أقل من 30 مترا مكعبا شهريا، وذلك لتعويض خسائر القطاع المقدرة بأكثر من 2.4 مليار جنيه سنويا، بحسب تصريحات رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي لـ "بي بي سي" في يوليو/تموز عام 2017(3)، وسياسات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي(4).

     

وبسبب استهداف الحكومة تقليل الطلب على أسطوانات الغاز مقابل التوسع في مد المنازل بالغاز الطبيعي، فمن المتوقع ارتفاع أسعار تلك الأسطوانات بنسبة 15% خلال العام الحالي وفقا لتوقعات بنك الاستثمار "بلتون" السابق الإشارة إليها.

    

    

في ضوء زيادة أسعار السلع العامة السابقة، مع تعزيز التوجه الحكومي المدعوم بقوة من السيسي بضرورة دفع جميع المصريين أولا لأثمان الخدمات كاملة مقابل الحصول على أي من تلك السلع الثلاث: الغاز والكهرباء والمياه، فسوف تشرع الحكومة في تنفيذ حملة مكبرة خلال النصف الأول من 2019 لتغيير العدادات الثلاثة في المنازل والمتاجر، واستبدالها بأخرى مسبوقة الدفع كما أكد على ذلك السيسي نفسه بشكل صارم في ديسمبر/كانون الأول المنصرم.

  

تذكرة المترو - القطارات

على الأرجح، سيشهد ألفان وتسعةَ عشر 2019 زيادة جديدة في أسعار تذاكر المترو. ففي غضون أيام قليلة سيتم افتتاح المرحلة الرابعة من الخط الثالث والمعروفة باسم "مترو مصر الجديدة"، حيث يتوقع أن تصل تذكرة الركوب بين محطات المرحلة لـ 5 جنيهات(5)، وبالتالي سيتم إضافة خمسة جنيهات على سعر التذكرة لمن يريد الركوب من أي محطة من محطات المترو للدخول إلى واحدة من محطات المرحلة الرابعة تلك، ومن ثم ارتفاع تذكرة المترو إما إلى 8 أو 10 أو 12 جنيه.

  

وعلى الأغلب، فلن يمضي العام الحالي دون تحريك آخر لسعر تذكرة المترو الحالية(6)، والتي تم رفع أسعارها بنسب تراوحت بين 250% إلى 300% في مايو/أيار للعام الماضي، للاقتناع التام من قِبل الحكومة المصرية ومن قبلها السيسي بضرورة تغطية جزء ليس بالقليل من نفقات صيانة المترو وخسائره السنوية من قِبل دخول المواطنين أنفسهم.

    

    

ولن تشهد تذكرة المترو وحدها زيادة في الأسعار، فهناك نيةٌ جديةٌ لدى وزارة النقل في زيادة أسعار تذاكر القطارات خلال العام، حيث أشار رئيس هيئة السكك الحديدية في تصريحات لصحيفة الوطن المحلية(7) إلى أن الهيئة تدرس حاليا إعداد مقترح لزيادة أسعار تذاكر القطارات بشكل سنوي، وسيجري تقديمه لمجلس الوزراء. ومن قبله ظهرت العديد من التصريحات لوزير النقل أشار فيها إلى نيته تحريك أسعار تذاكر قطارات السكك الحديدية(8).

  

دعم الخبز

لطالما واصلت الحكومة المصرية تأجيل خطوة رئيسة في مسيرة الدعم المصرية وهي التحول من الدعم العيني إلى النقدي، وأتى ذلك التأجيل دوما بسبب عدم جاهزية وزارة التموين من النواحي التنظيمية لتطبيق تلك المنظومة، فضلا عن الاعتراض الشعبي واسع النطاق عليها، تزامنا مع تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي القاسية على المصريين.

  

إلا أن الربع الأول من العام الحالي سيشهد، على ما يبدو، تطبيق تلك الخطوة بالفعل، فبحسب مصادر في وزارة التموين والتجارة الداخلية، فقد قام وزير التموين بتشكيل لجنة من الوزارة والهيئة العامة للسلع التموينية والأجهزة الرقابية لتحديد "سعر عادل" لرغيف الخبز، وهامش ربح للقمح والدقيق والخبز للقطاعين العام والخاص، واجتمع أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع أصحاب المطاحن تمهيدا لتطبيق آلية تحويل دعم الخبز إلى نقدي، بحيث يُصرف لكل مواطن مبلغ مالي بهويته الشخصية بدلا من الخبز، وتوقعت تلك المصادر بدء تطبيق تلك المنظومة الجديدة خلال الربع الأول من العام(9).

  

وفي يناير/كانون الثاني للعام الماضي، كان وزير التموين "علي مصيلحي" قد أشار في تصريحات لموقع "مصراوي" المحلي(10) في معرض شرحه لهذا النظام إلى أن الحكومة ستقوم بدفع قيمة الدعم للرغيف "نصفِ جنيه واحد" في صورة نقدية كل شهر، ويحصل كل فرد على 150 وحدة خبز شهريا، وبالتالي سيحصل المصري على 75 جنيها كل شهر.

  

ويعني تطبيق تلك المنظومة أن يُترك المصريون لشراء الخبز بسعره الحر في الأسواق، والذي قد يرتفع في أي لحظة تبعا لارتفاع أسعار القمح عالميا، وهو المتوقع الفترة القادمة كما نصت على ذلك وزارة المالية نفسها في بيانها المالي لمشروع الموازنة الجديدة 2018/2019، وكما يُتوقع أن ترتفع أسعار القمح خلال 2019 بسبب انخفاض صادرات أستراليا -رابع أكبر مُصدر للقمح عالميا عام 2017- بنسبة 31.5% في العام 2018/2019، نتيجة لتراجع الإنتاج المحلي بمقدار الخُمس بفعل مخاوف الجفاف والطقس في شرق أكبر دول القارة الجنوبية(11).

    

      

هنا أيضا نجد كلمة السر عند صندوق النقد الدولي، والذي يضغط بقوة على الحكومة المصرية للتعجيل بتحويل الدعم العيني إلى نقدي. كما أن الحكومة نفسَها، وكما حدث في دعم الوقود، تسعى لتجنب تحمل ارتفاعات أسعار القمح العالمية، ومن ثم ستقوم بتمرير تلك الارتفاعات إلى دخول المواطنين لأجل تقليل عجز الموازنة العامة، علاوة على أن تطبيق تلك المنظومة يتيح لها التحكم بصورة أكبر في البطاقات التموينية، ومن ثم سهولة إخراج من تراهم الحكومة غير مستحقين لتلقي هذا الدعم، وهي عملية إخراج ربما لن تشهد أي قواعد حاكمة تمنع سوء استغلالها.

    

العقارات

وفيما يتعلق بأسعار العقارات خلال العام الحالي، فمن المتوقع استمرار حالة الركود التي تضرب أنواع الإسكان الفاخر، وهو ما سيدفع المطورين والشركات العقارية إلى عدم رفع الأسعار. ورغم دخول قرار الحكومة بمنح الإقامة للأجانب مقابل شراء عقارات حيز التنفيذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وهو ما يعني نظريا ارتفاع الطلب على العقارات، فإنه من المتوقع أن يمتلك تأثيرا محدودا على أسعار العقارات الفاخرة، بسبب المنافسة الشرسة بين الشركات الكبرى، وأيضا لحالة التشبع التي تكونت على مدار الفترة الماضية.

  

ويمكن أن تتحرك أسعار فئة الإسكان الفاخر قليلا وبنسبة لن تتجاوز 10% مع بدء التطبيق الفعلي لتحرير أسعار الوقود في سبتمبر/أيلول القادم كما تخطط الحكومة المصرية، نظرا لتأثير زيادة الوقود على التكاليف، ومن ثم يظل للمطور العقاري خيار تحريك الأسعار قليلا أو تقليص هوامش الربح ليتمكن من المنافسة، لا سيما مع دخول الحكومة كلاعب رئيس في قطاع الإنشاءات، وطرحها للعديد من المدن الإسكانية كمدينة العلمين الجديدة وغيرها. ومن المحتمل أن ترتفع أسعار العقارات من الفئات المتوسطة والصغيرة بنسبة من 15 إلى 20%، مع زيادة الإقبال على الوحدات ذات المساحات الأقل في مقابل تراجع الإقبال على المساحات السكنية الأكبر.

  

النمو الاقتصادي - الموازنة العامة

تبعا لتقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، والذي يصدره صندوق النقد الدولي بالتعاون مع البنك الدولي والمُعلن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فمن المتوقع أن يرتفع النمو الاقتصادي المصري من 5.3% العام الماضي إلى 5.5% في 2019، بفضل انتعاش قطاع السياحة وارتفاع إنتاج الغاز الطبيعي، وزيادة ثقة المستثمرين بسبب تنفيذ برنامج الإصلاح الذي يدعمه صندوق النقد(12).

  

ورغم تلك النظرة الإيجابية للتقرير، فإنه يمكن ملاحظة أن النشاط الاقتصادي ما زال مدفوعا بالمشروعات التي تسيطر عليها الدولة، ومن المتوقع أن تستمر مساهمة الدولة في دفع النشاط الاقتصادي عبر مشروعاتها القومية التي يقودها الجيش، وبخاصة في قطاع الإنشاءات، وبالتالي استمرار الاستثمارات العامة في النمو. وفي المقابل، سيستمر انكماش نمو القطاع الخاص غير النفطي بسبب ارتفاع معدلات الفائدة، والتي ستستمر في الارتفاع وفي الغالب لن يلجأ البنك المركزي لتخفيضها خلال 2019 بسبب ارتفاع معدلات التضخم، علاوة على مزاحمة شركات المؤسسة العسكرية، كما أظهر مسح مؤشر مديري المشتريات (PMI) وهو مسح شهري يقيس ظروف العمل الخاصة.

    

    

ومن المتوقع أن تتلقى الموازنة العامة دعما كبيرا في النصف الأول من العام المالي 2019/2020 بفضل تخلص الحكومة من التزامات دعم الوقود، علاوة على الزيادات المتوقعة في الإيرادات الضريبية، ولكن من المحتمل أن يتلاشى هذا الدعم حال حدوث ارتفاع في أسعار النفط العالمية لما يزيد على 67 دولارا للبرميل، وهو السعر المستهدف في الموازنة، أو حال تفاقم آثار التغير المناخي وبالتالي التأثير على زراعة المحاصيل الأساسية ومنها القمح ومن ثم ارتفاع أسعاره العالمية، وهو ما يؤدي إلى تآكل الفوائد السابقة.

   

تنين الديون

بعد كل شيء، وعلى الأرجح، سيستمر النهج الحكومي في الاقتراض بوتيرته المتسارعة نفسها لتغطية نفقات المشروعات القومية، ولضبط أوضاع المالية العامة من أجل استمرار صندوق النقد في إرسال شرائح القرض للنظام المصري. ومن المحتمل أن نشهد لأول مرة أحد الأحداث المالية النادرة في مصر -بنهاية العام المالي الحالي- وهو ابتلاع بند "سداد الديون وأقساطها" لجميع الإيرادات العامة المصرية البالغة نحو 990 مليار جنيه سنويا. فرغم توقع الحكومة بداية العام المالي أن حصيلة بند "سداد الديون" سيبلغ 817 مليار جنيه خلال العام المالي المذكور، وأنه سيتم استقطاعها من إجمالي الإيرادات السابقة أي بما نسبته 82% من إجمالي الايرادات، رغم ذلك فإن هذا التقدير حدث عند فائدة لأذون الخزانة قدرها 14%، ولكن وبمرور الوقت ارتفع عائد الأذونات ليقترب الآن من 20%، وهو ما يعني المزيد من الديون، وبالتالي لن نفاجأ حينما تذهب جميع الإيرادات العامة لسداد الدين وخدمته، لتحتاج النفقات العامة السنوية البالغة 1.4 تريليون جنيه إلى مصدر تمويل آخر، وبالتالي صعوبة تحقيق هدف خفض عجز الموازنة المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.

  

في بداية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قامت وكالة رويترز الإخبارية بالاطلاع على وثيقة رسمية(13) تتوقع فيها الحكومة المصرية وصول الدين الخارجي إلى 102.8 مليار دولار في العام المالي القادم 2019/2020، مقابل 98.8 مليار دولار بنهاية العام المالي الحالي الذي ينتهي بنهاية يونيو/حزيران القادم.

    

    

ووفقا لتقرير البنك المركزي المصري في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فقد وصل الدين الخارجي نهاية يونيو/حزيران منتصف 2018 إلى 92.6 مليار دولار، بمعنى أن الحكومة توقعت ارتفاع الدين الخارجي نهاية يونيو/حزيران 2019 بمقدار ستة مليارات دولار، أو ما نسبته 6.5% فقط، رغم ارتفاع الدين العام الماضي بنسبة 17% تقريبا، لذا، يبدو تقدير الحكومة بتلك النسبة تقديرا يحمل من التفاؤل الكثير بلا أرضية حقيقة لا سيما مع استمرار معدلات الاقتراض كما هي.

  

فعلى سبيل المثال؛ توقعت شركة "بلتون فايننشال"(14)، إحدى أكبر بنوك الاستثمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تقريرها السنوي عن الاقتصاد المصري عام 2019 أن يرتفع الدين الخارجي ليبلغ 107 مليار دولار بنهاية العام المالي الحالي، أي منتصف عامنا الجاري، وذلك لتقليص الفجوة التمويلية الموجودة، وهو ما يتخطى تقديرات الحكومة بنسبة مرتفعة.

 

الجنيه أمام الدولار

ومن المتوقع أن يضغط صندوق النقد على البنك المركزي المصري لرفع يده عن سعر صرف الجنيه وتركه يتحرك بحرية أكبر، بعد أن أفاد تقرير أصدرته رويترز(15) عن تدخل البنك المركزي -مستعينا بالبنوك التجارية المملوكة للدولة كالبنك الأهلي وبنك مصر- للحيلولة دون تراجع الجنيه مقابل الدولار، عن طريق ضخ كميات إضافية من الدولار وفقا لاحتياجات السوق، ومن ثم التحايل على قرار تعويم الجنيه الذي اشترطه صندوق النقد ضمن العديد من الإجراءات لمنح القرض، وهو ما ظهر جليا حينما تأثرت جميع عملات الأسواق الناشئة الفترة الماضية بالسلب باستثناء الجنيه الذي تمكن من المحافظة على سعره شبه ثابت بصورة غير متوقعة.

  

ولا يُعد السبب السابق هو الوحيد الذي سيدفع الجنيه للانخفاض أمام الدولار ليستقر بين 18 و19 جنيه لكل دولار، فمن المتوقع أن يستمر مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي الأميركي" في سياسة رفع أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال 2019 للحفاظ على مستوى للتضخم قدره 2%، وبالتالي جذب المزيد من المستثمرين للولايات المتحدة، وهو ما سيُشكّل ضغطا على الجنيه بسبب خروج رؤوس الأموال من مصر للاستفادة من ارتفاع الفائدة الأميركية. ولعل انخفاضَ حيازات الأجانب لسندات الخزينة المصرية بمقدار 8 مليارات دولار بين شهري أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول الماضي، ومن سوق البورصة بنسبة 30%، لعل ذلك يعتبر أول المؤشرات الدالة على عمق هذا التأثير.

  

    

وهناك العديد من المؤسسات التي تعضد توقعاتها للجنيه أمام الدولار هذا التوجه. فعلى سبيل المثال، تتوقع شركة الاستشارات والبحوث الاقتصادية العالمية "كابيتال إيكونوميكس" أن تنخفض قيمة الجنيه بنسبة 10% بنهاية عام 2020، حيث ستنخفض من 17.9 جنيها في الوقت الحالي إلى 19 جنيها بحلول نهاية العام 2019، لتصل إلى 20 جنيها بنهاية عام 2020(16). ونقلت وكالة بلومبيرج، في سبتمبر/أيلول الماضي، نتائج تحليل جديد أجرته شركة الخدمات المالية اليابانية "نومورا هولدنجز" (Nomura Holdings) توصلت من خلاله إلى تعرض سبعة اقتصادات ناشئة من بينها مصر لخطر أزمة أسعار صرف خلال الـ 12 شهرا القادمة(17).    

  

الخصخصة

وستشهد البورصة المصرية خلال 2019 بدء الطروحات الحكومية التي تم الإشارة إليها لأول مرة في مارس/آذار 2018، حينما أعلنت الحكومة طرح حصص 23 شركة في غضون 30 شهرا في البورصة، من أجل توسيع قاعدة الملكية وزيادة رأس المال السوقي للبورصة وحجم التداول اليومي.

  

وكان من المقرر بدء طرح المرحلة الأولى في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلا أن الحكومة قررت تأجيل الطرح لحين تحسن الأسواق. وستُشكّل خمس شركات مملوكة للدولة هي: الإسكندرية للزيوت المعدنية (أموك)، والإسكندرية لتداول الحاويات، وأبو قير للأسمدة، والشرقية للدخان، ومصر الجديدة للإسكان والتعمير، ستُشكّل جميعها رأس الحربة في برنامج الطروحات، ليتم طرحهم، في الغالب، في غضون الربع الأول من العام الحالي. كما أنه من المتوقع طرح العديد من الأدوات المالية الجديدة في البورصة خلال العام الجديد ومنها المشتقات المالية وبيع الأوراق المالية المقترضة(18).

    

واردات السلاح

ورغم الوضع الاقتصادي الهش، وعدم حاجتها إلى ردع خصمها التقليدي "إسرائيل" بعد التحسن الواضح في العلاقات بين الطرفين آخر أربعة أعوام، والذي أكّده السيسي منذ أيام في مقابلته مع برنامج "60 دقيقة" الأميركي مقرا بمستوى غير مسبوق من حميمية العلاقات المصرية-الإسرائيلية، رغم ذلك فمن المتوقع أن يظل دفتر الشيكات المصري مفتوحا خلال 2019 لإبرام المزيد من صفقات السلاح مع مجموعة متنوعة من الموردين، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا(19)، وذلك استكمالا لسياسة "الأسلحة مقابل الدعم الدولي" والتي تم تعزيزها لمستويات عالية في عهد السيسي، ما دفع مصر لتصبح ثالث أكبر مستورد للسلاح في العالم، بعد الهند والسعودية، وفقا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الذي صدر في مارس/آذار 2018.

   

    

وفي أوائل ديسمبر/كانون الأول المنصرم، أشارت "رويترز" لإبرام مصر عدة عقود مع شركة "سيلينجر" الفرنسية لتصنيع الأسلحة خلال المعرض العسكري للأسلحة "إيدكس" (EDEX) 2018، والذي عُقد لمدة ثلاثة أيام في القاهرة، كما وقعت أيضا شركتا "داسو" و"رافال" الفرنسيتان صفقات مع النظام المصري تضمن استمرار تدفق قطع الغيار لسلاح الجو، بيد أنه لم يُكشف النقاب عن حجم تلك الصفقات(20)، وبالتالي فمن المتوقع استمرار ارتفاع تكاليف الإنفاق على السلاح خلال 2019.

  

قناة السويس - السياحة

وفيما يتعلق بأداء قناة السويس خلال 2019، فسوف تستمر الحكومة في تطبيق تخفيضات رسوم العبور على ناقلات النفط الخام -سواء المحملة منها أو الفارغة- بنسب تتراوح بين 50% و75% حتى نهاية العام الجديد، لتظل القناة أرخص من أي طريق ملاحي آخر في العالم، وسط منافسة شرسة من قِبل ممرات الملاحة العالمية الأخرى. وبعد كل شيء، فإن أداء الاقتصاد العالمي هو من سيمتلك اليد العليا في التأثير على إيرادات القناة.

  

وتشير أغلب توقعات الاقتصاد العالمي للعام الحالي إلى أنه سيشهد انكماشا، على عكس 2018 الذي كان أكثر تفاؤلا مدعوما بانتعاش في الصناعة التحويلية والتجارة العالمية، وذلك بسبب عواقب تصاعد حرب الإجراءات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ومن ثم زيادة تقلبات الأسواق المالية، وهو ما سيدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة ومن ثم التأثير على الأنشطة الاقتصادية لبلدانها(21).

  

وهناك من يرى أن مشكلة الاقتصاد العالمي للعام الحالي لن تكون في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وإنما ستكون بشكل أكبر في إخفاقات الأسواق الناشئة لا سيما قطاعاتها المصرفية لاعتمادها على رؤوس الأموال الأجنبية من أجل الحفاظ على مستويات معيشة مرتفعة لسكانها، وفي خضم سياسات رفع أسعار الفائدة، فيمكن لتلك الأموال السهلة التي كونتها البنوك المركزية أن ترحل تاركة ورائها اقتصادات تلك البلدان في مشكلات ضخمة وحقيقية(22). وفي ظل انخفاض متوقع في النمو الاقتصادي العالمي، مع استمرار تخفيضات تعريفات العبور، فيمكن لإيرادات قناة السويس أن تتراجع عن 5.6 مليار دولار وهي الحصيلة التي حققتها في العام المالي السابق 2017/2018.

 

من ناحية أخرى، من المتوقع أن يُشكّل العام الحالي نقطة تحول للسياحة المصرية مدفوعة بتزايد إقبال السياح القادمين من أوروبا والولايات المتحدة، وفقا لما تقوله شركات السياحة، واحتمالية عودة أكبر عميل للسياحة المصرية إن جاز القول وهم الروس بسبب الاستقرار والهدوء النسبي على مدار العامين الماضيين، بعد سنوات من الاضطرابات الاجتماعية والأمنية.

   

   

ويُتوقع أن تقترب إيرادات السياحة خلال 2019 لمستويات ما قبل ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وهو ما سيدعم النمو الاقتصادي المصري إن حدث، وسيساهم في تقليل معدلات البطالة، حيث تعتبر السياحة ثاني أكبر جهة توظيف في الاقتصاد المصري بعد الحكومة نفسها، وهي أيضا ثالث أكبر مصدر للعملة الأجنبية بعد تحويلات المصريين العاملين بالخارج والصادرات(23).

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار