انضم إلينا
اغلاق
أمير الحرب التجارية "بيتر نافارو".. كيف يقود رجل واحد اقتصاد العالم؟

أمير الحرب التجارية "بيتر نافارو".. كيف يقود رجل واحد اقتصاد العالم؟

  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"إذا لم يكن ترامب أكبر أحمق في واشنطن، فمن الممكن أن يكون بيتر نافارو"

(لاري ريمير - عمل مساعدا في حملة نافارو الانتخابية بالكونغرس عن مدينة سان دييغو)

   

على الرغم من أن السخرية الملاحِقة منذ عقود لآراء الرجل حول الكثير من القضايا التجارية والاقتصادية الأهم في الولايات المتحدة لم تفلح في إثنائه عن إعادة ترديد أفكاره مرة تلو الأخرى في وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، وفي كتبه ومقالاته، رغم ذلك فإن الأزمة في التعامل مع آراء "بيتر نافارو" لا تتعلق بكونها وجهات نظر بعيدة وخارجة عن السائد فقط، بل بكونها تُعيد تشكيل النظام التجاري والاقتصادي الأميركي الحالي ليُلائم توجّهاته وحده في قضايا بعينها، توجّهات يراها (1) أغلب الاقتصاديين "قديمة ومُضلِّلة وخاطئة".

  

لم تكن الأمور تسير على هذا المنوال دائما، فالاقتصادي السبعيني الذي يترأس مكتب "سياسات التجارة والتصنيع" في الإدارة الأميركية الحالية، ومساعد ترامب لشؤون الاقتصاد، والمعروف بكونه العقل المدبر لحرب الولايات المتحدة التجارية على الصين، ذلك الرجل كان مدافعا صلبا عن مبادئ التجارة الحرة، ومُناصرا للفقراء، ومُطالبا بفرض الضرائب على الأغنياء بما يضمن إعادة توزيع الثروة على الناس كافة، بل وللمفارقة، لقد كان نافارو يوما ما، ولأكثر من عقدين من عمره، ديمقراطيا.

  

كان هذا قبل أن تنضم الصين لمنظمة التجارة العالمية عام 2001؛ الخطوة التي لم تكن فارقة فقط بالنسبة للاقتصاد الصيني جاعلة إياه فيما بعد رقم اثنين عالميا، بل لـ "نافارو" الذي تركَّزت دراساته الاقتصادية من حينها على سياسات الصين التجارية "غير العادلة" (2) كما يصفها، والتي آذت كلًّا من الاقتصاد الأميركي والأميركيين بشكل مباشر وغير مباشر، متسببة في زيادة العجز التجاري وفقدان الأميركيين لوظائفهم نتيجة انتقال عدد كبير من الشركات والمصانع الأميركية إلى الصين للعمل في بيئة عمل رخيصة ومدعومة من الدولة هناك، وكذا بسبب تلويث البيئة وعدم توفير بيئة عمل مناسبة للعمال.

      

 بيتر نافارو (رويترز)

    

دفع هذا نافارو عام 2006 لإصدار كتابه الأول المتخصص في الشأن الصيني "The Coming China Wars" (حروب الصين القادمة)، والذي تناول فيه ظاهرة الصعود الاقتصادي الصيني، وتأثيره على نظيره الأميركي من خلال ما لاحظه في نطاقه الشخصي والمجتمعي عندما بدأ تلاميذه في الفترة الدراسية المسائية بجامعة إرفن بكاليفورنيا يفقدون وظائفهم الصباحية، على الرغم من إجادتهم لها كما رأى، الأمر الذي ربطه نافارو بشكل مباشر، وغير واعٍ ربما، بالاقتحام الصيني للأسواق الأميركية، وبما اعتبره هو جرس إنذار لما قد يتحول إلى حرب تجارية مع الصين، بل وربما عسكرية.

    

كتاب "حروب الصين القادمة" لـ "بيتر نافارو" (مواقع التواصل)

    

ازدادت نظريات نافارو عن الصين تعقيدا بعد ذلك ليصدر في 2011 كتابه الثاني والأهم بمشاركة أكاديمي الأعمال الأميركي "جريج أوتري" والمعنون بـ "Death By China" أو "الموت بواسطة الصين"، والذي تحول بعد عام واحد لوثائقي أخرجه نافارو نفسه مُحذِّرا فيه الأميركيين والعالم من سياسات الصين التجارية المهددة للاقتصاد والبيئة. وفي حين لم يتفق مع وجهات نظر نافارو في كلٍّ من الكتاب أو الوثائقي سوى قلة قليلة من الاقتصاديين، فإنه لفت نظر أحد أشهر رجال الأعمال الأميركيين، والذي سيصبح بعد ثماني سنوات فقط من ذلك الوقت رئيسا للولايات المتحدة.

    

كتاب "الموت بواسطة الصين" لـ "بيتر نافارو" (مواقع التواصل)

   

صادفت إنتاجات نافارو هوى في نفس الملياردير حينها "دونالد ترامب" (3)، لتبدأ منذ تلك الفترة ملامح صداقة قوية بينه وبينه نافارو، صداقة جمعت قناعات رجلين اتفقا ليس فقط على كون سياسات الصين التجارية "خاطئة ومؤذية"، بل وعلى أن الحل الوحيد لمواجهة تمددها عالميا يكمن في فرض ضرائب باهظة على البضائع الصينية الواردة لأميركا، وبما يدفع الصين دفعا لتعديل سياساتها، ويلزمها بمبادئ التجارة الحرة؛ مبادئ لم يكن ترامب نفسه معترفا بأثرها منذ البداية، على عكس رفيقه الذي شهدت وجهات نظره تحولا مثيرا للجدل في تلك الفترة، لكن على عكس ما يعتقده البعض بأن ترامب يجهل آثار حربه التجارية الحالية على الصين محليا وعالميا، فإن نافارو يعرف أن حربا تجارية بين قوتين اقتصاديتين كأميركا والصين لا تهدد فقط الاقتصادين الأكبر عالميا، بل العالم كله بكساد اقتصادي وتجاري قد يكون الأكبر منذ الكساد العظيم.

  

نافارو بين عقدين

لم تختلف نشأة نافارو كثيرا عن المواطن الأميركي العادي المولود لأسرة من الطبقة الوسطى يعمل فيها الأب موسيقيا والأم سكرتيرة، ثم انفصل الأبوان ليعيش نافارو مع والدته في فلوريدا، وقد عمل الرجل في سن المراهقة في عدة وظائف وصولا لجامعة "تافتس" التي أكمل دراسته فيها بمنحة أكاديمية كاملة، قضى بعدها ثلاث سنوات ضمن قوات حفظ السلام الأميركية في تايلاند، ثم عاد إلى أميركا أواخر السبعينيات ليتوجه لجامعة هارفارد من أجل إتمام دراساته العليا متخصصا في الاقتصاد والسياسة العامة، وهما المجالان اللذان عمل على تدريسهما بعد ذلك في جامعة إرفين - كاليفورنيا منذ عام 1989، ولعدة سنوات قبل أن يتحول إلى عالم السياسة.

  

ساهمت تلك الفترة من حياة نافارو بعدة طرق في شق طريقه نحو البيت الأبيض (4) بعد ذلك بسنوات، فخلالها لم يكتفِ فقط بالمسار الأكاديمي، وإنما نشر عدة كتب تتحدث عن الثروة والأسواق والاقتصاد، ونشط بقوة في دراسات الطاقة والدفاع عن البيئة، وأسس مجموعة في سان دييغو الأميركية أسماها "Prevent Los Angelization Now" (أوقفوا أملكة سان دييغو) (لوس أنجلِس هي مدينة الملائكة ويقصد بعنوان المجموعة منع تحول سان دييغو للوس أنجلِس أخرى)، وقد هاجم من خلالها مَن أسماهم "المطورين" الذين يراهم "جشعين وينهبون البيئة"، بينما حاول هو بعد ذلك استغلال ودعم نشاطه البيئي بمنصب منتخب عندما ترشح لمنصب عمدة مدينة سان دييغو عام 1992.

     

تحولت حملات نافارو الانتخابية لحفلات متتالية من "الصراخ الغاضب" إن جاز القول، وهو ما ساهم في خسارته لها جميعا

رويترز
    

لم يكن المطوّرين فقط مَن هاجمهم نافارو في تلك الفترة، بل يمكن القول إنه قد شق طريقه وقتها نحو الشهرة بمهاجمته الشرسة للحزب الجمهوري، سواء في كتاباته وكتبه أو في مقابلاته التلفازية والنقاشات العامة المتعلقة بحملته الانتخابية، ولم يكن نافارو يعدم سبابا أو صراخا في وجه منافسيه جميعا، وعلى رأسهم مرشحو الجمهوري وقادته، قائلا إن الجمهوريين يتحدثون عن الفضيلة والازدهار لكنهم "حفنة من الجشعين والمحتالين"، كما أنهم "شديدو التعصب ومنغلقو العقول وشديدو الخطورة عندما يتعلق الأمر بعاصفة الشخصيات المدربة المتعصبة دينيا.. الذين لهم تأثير كبير على صناديق الاقتراع"، ووصف الحزب الجمهوري بأنه كان "مُستعبدا لمجموعة من المهرجين والمرضى العقليين والمتعصبين من أمثال: نيويت جينريش، وراش ليمبو، ورالف ريد"، بينما اعتبر أن سياسات الحزب الاقتصادية "تتألف من مخططات ضريبية لزيادة الثري ثراء، كما لا يمكن الثقة بقادته لفعل أي شيء سوى تلويث البيئة تحت راية زائفة من التقدم الاقتصادي".

  

تحولت حملات نافارو الانتخابية لحفلات متتالية من "الصراخ الغاضب" إن جاز القول، وهو ما ساهم في خسارته لها جميعا، بداية من خسارته عام 1992 لصالح منافسته الجمهورية "سوزان جولدينج" التي هاجمها لإدانة زوجها السابق بتهم تتعلق بغسيل أموال المخدرات، لتُعلن جولدينج أنها تعرضت لـ "حملة تشويه شرسة" -من حملة نافارو الانتخابية- جعلتها تبكي بالدموع في المناقشة الأخيرة قبيل موعد الانتخابات، وبما أفقد نافارو هذه الانتخابات وما تلاها ربما، من انتخابات عضوية مجلس مدينة سان دييغو عام 1993، ثم انتخابات "مشرف المقاطعة" بالمدينة بعد ذلك بعام واحد، ونهاية بانتخابات عضوية مجلس النواب عام 1996.

  

وصف نافارو نفسه بعد ذلك بأنه قد اكتسب سمة "الابن الأكثر قسوة وخبثا" الذي ترشح لمنصب عمدة مدينة سان دييغو، ووصفته جماعات النشاط الموجه (Focus Groups) -في توضيح أسباب خسارته- بأنه كان "غاضبا، وقاسيا، ومتغطرسا"، الأمر الذي بدا أنه يعجب نافارو على الرغم من خسارته مرة تلو الأخرى، ليس فقط مكانته كسياسي ينتمي للحزب الديمقراطي في تلك الفترة، بل كشخص "يبدو كل شيء معه كحرب" كما قيل عنه ذات مرة، وهو الأمر الذي سيتجلى أكثر بحلول الألفينيات عندما تبدأ الصين ومكانتها الاقتصادية الجديدة في العالم بالاستحواذ على اهتمام نافارو وجُلِّ حياته.

  

أمير الحرب التجارية

  

يتفق أغلب الاقتصاديين على أن دخول الصين منظمة التجارة العالمية عام 2001 قد شكّل ما صار يُعرف بـ "الصدمة الصينية" (China Shock) للاقتصاد الأميركي، والتي تمثّلت في فيضان السلع والمنتجات الرخيصة التي اجتاحت الأسواق واستبدلت المنتجات الصينية بالملابس والأثاث والإلكترونيات وغيرها من منتجات أميركية. ولم يؤدِّ ذلك فقط لانخفاض حاد في وظائف التصنيع بالولايات المتحدة، بل لفارق يتسع من حينها وإلى الآن بين واردات بكين إلى واشنطن والعكس، ففي العام الماضي 2018 على سبيل المثال (5) استوردت أميركا من الصين ما قيمته 3.1 مليار دولار من البضائع والخدمات، بينما صدّرت لها ما قيمته 2.5 مليار دولار.

  

يُسمى الفارق بين هذين الرقمين بـ "العجز التجاري" الأميركي مع الصين، أو نقطة الخلاف الرئيسة بين وجهات نظر الاقتصاديين من أصحاب الرأي السائد وبين نافارو عندما تُذكر بكين، ففي حين تعتقد المجموعة الأولى أن الصدمة الصينية للاقتصاد الأميركي هي مرحلة أولية تتراجع بعد ذلك لتترك مكانها مساحة من المنافع المشتركة لكلتا الدولتين، ولأميركا على وجه التحديد، مُتمثِّلة بشكل رئيس في فتح الأسواق الصينية الجديدة هائلة الحجم للشركات الأميركية بقيود أقل بكثير مما هي في أوروبا مثلا، كما توجد تلك المنافع في الآلاف من البضائع الأرخص للمستهلكين من أصحاب الدخل الأقل/المحدود في أميركا.

  

بينما لا يرى نافارو أن مثل هذه المنافع قد أفادت الاقتصاد الأميركي بالقدر ذاته الذي أضرّته به، فهو يعتقد أن الصين تستغل اقتصادها (6) المدعوم من الدولة والحزب الشيوعي الحاكم لفرض بضاعتها على الاقتصاد الأميركي بدلا من البضاعة الأميركية الأعلى سعرا والأكثر جودة، كما أنه يتهم بكين بإبقاء عملتها رخيصة، وبإجبار الشركات الأميركية على التنازل عن "حقوق الملكية الفكرية" لمنتجاتها كشرط رئيس لدخولها الأسواق الصينية، وبأنها لا تهتم بالحفاظ على البيئة في سعيها المحموم بالرغبة في توفير بضائع رخيصة، وكذا تضطهد الحكومة الصينية شعبها نفسه لأجل توفير عمال بمقابل مادي أرخص للشركات والمصانع الأجنبية القادمة إليها.

  

يرى نافارو هذه السياسات "غير عادلة وغير متكافئة" بالنسبة للاقتصاد الأميركي؛ فهي تتسبب في اتساع قيمة العجز التجاري سابق الذكر منذ عام 2001 وحتى الآن، وكذا بنقص معدلات التوظيف في المجال الصناعي، ورحيل الشركات والمصانع الأميركية إلى الصين، لكن الأهم من ذلك هو ما يعتقده نافارو بأن كل دولار يُدفع في البضائع الصينية داخل أميركا وفي الصين يُستغل لصالح تسليح وتدعيم الجيش الصيني وبما يُشكِّل تهديدا مباشرا للأمن القومي الأميركي.

     

نادى نافارو بضرورة فرض ضرائب على الصين لأجل الضغط عليها لتعديل سياساتها التجارية، وكان ذلك أحد أهم محاور البرنامج الاقتصادي لترامب

 
رويترز
    

لم تكن أفكار مثل هذه الأفكار لتصنع فارقا ربما في ذلك الوقت أو الآن لو لم تتلاقَ مع مثيلاتها (7) لدى ترامب، والذي كان قد سبق نافارو بزمن حين أعلن عام 1989 ضمن البرنامج الحواري (8) لـ "مورتون داوني" متحدثا عن الاقتصاد الثاني عالميا حينها، اليابان، أن سياسات طوكيو التجارية "تمتص الروح" من الاقتصاد الأميركي حد تعبيره، وأنهم -أي اليابانيين- يقتلون الأميركيين، وأن الحل الوحيد لوقف تقدمهم اقتصاديا على حساب أميركا هو فرض ضرائب باهظة على تجارة طوكيو مع واشنطن.

  

أتت سياسات فرض الضرائب كنقطة التوافق الأهم بين كلٍّ من ترامب ونافارو في نسخته الجديدة الألفينية، فعلى الرغم من أن الأخير قد عارض سياسات "الحمائية الاقتصادية" للرئيس الأميركي الأسبق "رونالد ريغان" خلال الثمانينيات عندما ضغط على اليابان لأجل تقليل صادراتها من السيارات إلى أميركا، قائلا إن سياسات ريغان تؤذي المستهلك وتهدد الاستقرار العالمي، وربما تقود إلى حرب تجارية قد تتسبّب في دوامة هبوط لا يمكن وقفها في العالم؛ رغم ذلك فقد كان نافارو نفسه هو مَن نادى بضرورة فرض ضرائب على الصين لأجل الضغط عليها لتعديل سياساتها التجارية، وكان ذلك أحد أهم محاور البرنامج الاقتصادي لترامب والذي أوصله للرئاسة عام 2016.

  

لم يكن ترامب ونافارو قد التقيا قبل العام المذكور منذ أن بدأت علاقتهما عام 2011 بعد كتاب "الموت بواسطة الصين" والوثائقي الذي امتدحه ترامب على إحدى القنوات الصينية قائلا إنه "المفضل لديه"، وهو السبب ذاته ربما الذي دفع ترامب لاختيار نافارو منذ البداية ضمن صفوف مستشاري حملته الانتخابية، ثم بعد نجاحه، وحين لم يكن هناك منصب رسمي لنافارو، أنشأ لأجله منصب مدير "المجلس القومي للتجارة"، والذي شغله نافارو منذ مطلع 2017 إلى جانب كونه مستشارا اقتصاديا للرئيس، منصب اعتقد معه البعض أنه سينافس في نفوذه داخل الإدارة "مجلس الاقتصاد القومي"، وربما "مجلس الأمن القومي"، وفيما بدت تلك المقارنة مبالغا فيها، فإن نافارو أثبت منذ اليوم الأول أنه أتى ليبقى في البيت الأبيض.

  

اقتصاد نافارو

  

شكَّل وجود نافارو في البيت الأبيض إزعاجا للكثيرين، فقد وضع التوافق الأيديولوجي بينه وبين ترامب فيما يخص الصين الكثير من العقبات في طريق المستشارين الاقتصاديين المعارضين للصدام مع ثاني أكبر اقتصاد عالمي (9) وأحد أكبر الشركاء التجاريين لأميركا، ومن جهة أخرى أمام أعضاء الحزب الجمهوري في الكونغرس، والذين حاولوا دفع ترامب للتركيز على خفض أسعار الفائدة والضرائب في الداخل بدلا من رفع أسعار التعريفات، وقد أفلح هذا على الأقل خلال العام الأول لترامب في المكتب البيضاوي.

   

كانت التقارير الواردة من البيت الأبيض خلال عام 2017 تقول إن معارك حامية تدور خلف ترامب بهدف منعه من الاستمرار في خطته بفرض مزيد من التعريفات على الواردات الأميركية من الصين، أو بكلمات أخرى: تحييد دور نافارو في هذه الإدارة. وربما حققت تلك المعارك هدفها مع شخص غيره، لكن نافارو عُرف بإصراره الشديد وامتلاكه لأذن ترامب بشكل ما، فقد عُرف عن الرجل انتظاره لما بعد ساعات العمل الرسمية -خلال العام الأول- ليلتقِي الرئيس ويتحدث إليه بعد أن مُنع من حضور الاجتماعات المهمة للإدارة، وكان يُطلب منه نسخ رسائل كبير المستشارين الاقتصاديين "جاري كوهين" المرسلة إلى الرئيس فيما يتعلق بالقضايا المهمة.

  

لم يصمد "كوهين" كثيرا في النهاية أمام نافارو، فقد استقال في مارس/آذار للعام الماضي بعد إصرار ترامب على المُضي قُدما في فرض رسوم زائدة على واردات السلع والألمونيوم، وبعد شهر واحد من استقالة سكرتير الموظفين "روب بورتر" -على خلفية اتهامات بالعنف المنزلي- ليترك كلاهما الباب مفتوحا على مصراعيه لنافارو كي ينفرد (10) بعقل وسمع ترامب.

     

  

اشتهر نافارو من حينها بكونه مُطيحا بكل مَن يُعارضه أو ينتقده في الإدارة، ومؤثرا مبدأ السلامة على أن يتم الإطاحة به هو من الصورة ثانيا، وقد بدأ معركته الخاصة في توبيخ وإهانة معارضيه وكتابة مذكرات قاسية بحقهم، كما سعى بشدة لمنع أصواتهم من الوصول لترامب، الأمر الذي يبدو أنه قد نجح فيه جاعلا جزءا رئيسا من تركيز ترامب وإحدى أهم أولوياته هي رفع التعريفات الجمركية على بضائع الصين، وإن أضاف ترامب إليها بعض القضايا الأخرى كالانسحاب أو إعادة التفاوض على اتفاقات التجارة الدولية، وأهمها اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية المعروفة باسم "نفتا" (NAFTA)، وكذا مهاجمة (11) بنك الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه "جيروم باول"، متهما إياه بعدم السعي لتنفيذ خططه فيما يتعلق بخفض سعر الفائدة، ومُعتبِرا إياه ضمنا "عدوا أكبر من الزعيم الصيني الشيوعي تشي جين بينغ" كما غرد على تويتر في مطلع أغسطس/آب الماضي.

  

تؤتي جهود نافارو أُكلها إذن بعد عام ونصف تقريبا من بداية الحرب التجارية الأميركية على الصين، والتي بدأت نهاية مارس/آذار 2017 عندما أصدر ترامب (12) أمرين تنفيذيين يقضي أحدهما بمراجعة العجز التجاري الأميركي وأسبابه، والآخر بتشديد التعريفات الجمركية على القضايا التجارية الخاصة بمكافحة الدعم ومكافحة إغراق الأسواق، ولم تكن أوامر ترامب سوى إعلان حرب تلته هدنة لمئة يوم تناقش الدولتان فيها محاولات الوصول لتسوية بلا نتيجة، ومن ثم تواصلت قرارات ترامب بعد ذلك، بداية من فرض تعريفات في الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني للعام الماضي على أنواع الغسالات كافة وألواح الطاقة الشمسية المستوردة من الخارج "نسبة كبيرة منها من الصين"، وليس انتهاء بقرارات الثامن من مارس/آذار من العام نفسه برفع التعريفات (بنسبة 25%) على واردات الصلب كافة، و10% على وارادت الألومنيوم، الأمر الذي لم تستطع الصين معه صبرا لتعلن هي الأخرى في الثاني من أبريل/نيسان فرض تعريفات تصل إلى نسبة 25% على 128 منتجا أميركيا.

  

لم تفلح المحادثات المتكررة بين القوتين الاقتصاديتين في إنهاء الحرب التجارية القائمة، كما بدا واضحا من التعريفات الأميركية بنسبة 15% التي بدأ سريانها في الأول من سبتمبر/أيلول المنصرم على ما قيمته 300 مليار دولار من البضائع الصينية، والتي ردّت الصين عليها بتعريفات قيمتها 75 مليار دولار من البضائع الأميركية، الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع أسعار بعض البضائع المستهدفة من التعريفات كالأحذية بنسبة 11% وبعضها الآخر بنسبة 67%، ودفع أكثر من 170 شركة لصناعة الأحذية لإرسال خطاب إلى ترامب في الثامن والعشرين من أغسطس/آب الماضي (13) يطالبونه بإلغاء تنفيذ قرار التعريفات، دون نجاح يذكر.

     

يعتبر نافارو أن الصين "قاتل الكوكب الأكثر كفاءة"، وهو شيء يتفق فيه معه البيئيون وبعض الاقتصاديين، لكن الاختلاف يكمن في الطريقة التي ينظر بها كلاهما إلى الحل

رويترز
    

افتتح خطاب شركات الأحذية خطا من محاولات التهدئة بين واشنطن-بكين تزعمته فيما بعد مجموعة من رجال الأعمال (14) والشركات التي تضرر عملها بشكل مباشر من التصعيد الأخير للتعريفات، بل إن تحالفا دوليا (15) من مسؤولين ماليين من أستراليا وكندا وإندونيسيا وغيرهم قد أخذ على عاتقه تنفيذ المهمة ذاتها، في محاولة لتجاوز تباطؤ النمو العالمي وحركة التجارة نتيجة الحرب القائمة، وفيما شكّلت هذه الضغوط جزءا من إعلان واشنطن استثناء ما يُقارب من 400 من البضائع الصينية من التعريفات القائمة، بل وبدء مرحلة جديدة من المفاوضات على أمل استكمالها مطلع الشهر القادم وصولا إلى حلٍّ ما للأزمة، فإنه من عدم المتوقع الوصول لحل جذري في الأفق القريب للأزمة التي تناسب ما يهدف إليه ويعتقده نافارو طيلة السنوات السابقة.

   

يعتبر نافارو أن الصين "قاتل الكوكب الأكثر كفاءة"، وهو شيء يتفق فيه معه البيئيون وبعض الاقتصاديين، لكن الاختلاف يكمن في الطريقة التي ينظر بها كلاهما إلى الحل، ففي حين ركَّز نافارو منذ البداية، حين شارك في كتابة الخطة الاقتصادية لحملة ترامب الانتخابية، على كون التعريفات الجمركية هي السبيل الوحيد للضغط على الصين، يعتبر آخرون أن هناك وسائل أخرى يكمن بعضها في وضع قيود تمنع بكين من الاستحواذ على مزيد من الشركات الأميركية، خاصة التقنية منها، والتي تُثير اهتمام الصين أكثر من أي شيء آخر، وهو حل كان قد بدء تنفيذه بالفعل في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، قبل أن يأتي ترامب بنهج أكثر عدوانية.

   

  

يرى نافارو كذلك أن سياسات الصين تتسبّب بشكل مباشر في زيادة العجز التجاري الأميركي، وينتج عنها بالتبعية نقص مستمر في قدرة الاقتصاد الأميركي على توفير وظائف في مجال التصنيع، وهو أمر يعتبره غالبية الاقتصاديين مبالغا فيه، ففي حين يعتبر بعض الاقتصاديين أنه من الخطأ اعتبار العجز التجاري سيئا في حد ذاته، يتضاعف الخطأ عندما يُنظر بالطريقة ذاتها للعجز التجاري مع دولة بعينها، بالطريقة التي يمارسها كلٌّ من ترامب ونافارو مع الصين.

  

تدفع مثل هذه النظرة ترامب لرؤية أن الحل الوحيد للأزمة التجارية الحالية يكمن في شراء (16) الصين عددا هائلا وفائضا عن حاجتها ورغبتها من البضائع الأميركية؛ بهدف تعويض الفارق بين وارداتها وصادراتها من وإلى الولايات المتحدة، فكل ما يرغب فيه الرئيس الأميركي بالنهاية -وكما أعلن أكثر من مرة- هو "اتفاق عادل" مع بكين. لكن هذا يتعارض بعض الشيء مع رغبة نافارو في تحجيم الاقتصاد الصيني كاملا ومنعه من الوصول للمكانة التي يصبح معها منافسا عالميا لنظيره الأميركي، ويضع التأرجح الأميركي في مساحات الفراغ بين النظرتين الصين في مأزق حقيقي.

   

يبدو أن استمرار حرب "نافارو" لم يعد خيارا مطروحا بعد إعلان ترامب قرب انتهاء الحرب والوصول لاتفاق تجارة شامل مع الصين بعد أسابيع قليلة

رويترز
  

ففي (يوليو/تموز) الماضي كانت قراءات (17) ناتج الإنتاج الصناعي الصيني (4.8%) هي الأسوأ منذ 17 عاما، كإحدى النتائج المباشرة للحرب التجارية الدائرة حاليا، الأمر الذي يُلقي بثقله في المقابل على الاقتصاد الأوروبي، باعتباره واحدا من أكبر الشركاء التجاريين للصين، لكن الأهم بالنسبة للإدارة الأميركية هو ظلال هذه الحرب على الأميركيين أنفسهم، وفي هذه الحالة المزارعين الأميركيين الذين تضرروا من قرار الصين، المشتري الأكبر (18) عالميا لفول الصويا، بوقف شراء فول الصويا من أميركا على خلفية قرار رفع التعريفات.

  

يبدو الأمر كحلقة مفرغة من الخسائر، فركود الاقتصاد الصيني سيؤدي إلى آخر أوروبي، وبما أن أوروبا من أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين، فهي الأخرى ستتضرر من حربها التجارية الخاصة، وبكل حال فإن المتضرر الأكبر من كل هذا هو المستهلك، الأميركي خاصة، وهي الحقيقة التي يدركها نافارو أكثر من غيره، فقد كان هو نفسه من كتب عام 1984 في كتابه "لعبة السياسة" (The Policy Game) أنه "وكما علمنا التاريخ بشكل مؤلم، فبمجرد ما أن تبدأ الحروب الحمائية، فالنتيجة المتوقع حدوثها غالبا هي دوامة سقوط عاجلة وقاتلة للاقتصاد العالمي كله"، وفي النهاية فإن "الخاسر الأكبر في اللعبة الحمائية هم المستهلكون".

  

لا يُدرك نافارو ربما أن مثل هذه التوجّهات التي يتبناها منذ سنوات لن تُشكِّل العقبة الأكبر في طريق الصين التي يرغب في إلزامها بدفع ثمن ما يعتبره (19) "خطاياها التجارية"، ففي أسوأ السيناريوهات الماضية لم يكن على بكين سوى أن تتجاوز ما يحدث بأقل قدر ممكن من الخسائر انتظارا لرحيل ترامب سواء في العام القادم أو بعد ولايته الثانية حتى إن نجح في الفوز بها، لكن الآن يبدو أن استمرار حرب "نافارو" لم يعد خيارا مطروحا بعد إعلان ترامب في الحادي عشر من (أكتوبر/تشرين الأول) الحالي قرب انتهاء الحرب والوصول لاتفاق تجارة شامل مع الصين بعد أسابيع قليلة، وهو اتفاق طال انتظاره يشمل الملكية الفكرية والخدمات المالية وعددا كبيرا من دائرة تصدير واستيراد المنتجات الزراعية بين الطرفين، اتفاق يبدو أنه سيأتي في محاولة لرفع الضغوط الاقتصادية الحالية على المستهلك الأميركي والتي قد تدفع بكلٍّ من ترامب ونافارو خارج البيت الأبيض (20) في الانتخابات القادمة إن لم يتداركاها، وهو أمر ربما يستبقه ترامب كما يفعل دائما مُطيحا في طريقه بأحد مستشاريه المفضلين وأمير الحرب التجارية، حرب تبدو نيرانها على وشك الخمود أخيرا بعد ما فعلته في المستهلك الأميركي والاقتصاد العالمي في العامين السابقين بلا تمييز، وتبدو معها أطروحات نافارو في مهب الريح في مواجهة قطار سريع صيني لا يرجح أن يستطيع أحد وقفه في أي وقت قريب، حتى ولو كان الرئيس الأميركي نفسه رغم كل شيء.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار