انضم إلينا
اغلاق
بكين تنتصر.. لماذا تخسر أميركا حربها الاقتصادية مع الصين؟

بكين تنتصر.. لماذا تخسر أميركا حربها الاقتصادية مع الصين؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

كان لقاء قمة العشرين في أوساكا في اليابان أواخرَ يونيو/حزيران من العام الجاري قد شهد إعلان كلٍّ من الصين والولايات المتحدة عن التوصل إلى انفراجة دولية في الحرب التجارية الدائرة بين الطرفين، حيث زعم الرئيس الأميركيّ عودة المفاوضات "إلى مسارها الصحيح"، وأعلن عن تعليق اثنتين من التعريفات الجمركية المفروضة على البضائع الصينية ورفع قيود حالت دون قدرة الشركات الأميركية على الشراء من شركة هواوي، عملاق الاتصالات الصينية المحظور؛ فانتعشت الأسواق وأشادت تقارير إعلامية بالخطوة بوصفها اتفاقا لـ "وقف إطلاق النار".

 

لكن وقف إطلاق النار المفترض مجرد وهم من بين الأوهام العديدة الأخرى التي عُرفت بها دبلوماسية الوصل والقطع بين بكين وواشنطن، فالحرب على أشدّها، والبنادق لا تتوقف عن إطلاق النار. في سبتمبر/أيلول، وبعد صيف من المشادات الكلامية الساخنة، قامت إدارة ترمب بزيادة التعريفات الجمركية على واردات صينية بقيمة 125 مليار دولار أميركي، مما دفع الصين إلى الرد بفرض تعريفات جمركية على واردات أميركيّة بقيمة 75 مليار دولار أميركي.

 

بينما قد تستعد الولايات المتحدة لفرض المزيد من التعريفات الجمركية في ديسمبر/كانون الأول القادم، مما يرفع إجمالي قيمة السلع الصينية الخاضعة للتعريفات الجمركية العقابية إلى قرابة نصف تريليون دولار أميركي، وهو ما يُضاهي قيمة نصف الواردات الصينية إلى الولايات المتحدة، بينما يُفترض أن تساوي قيمة التعريفات الجمركية الانتقامية التي فرضتها الصين ما نسبته 69% من قيمة إجمالي الواردات القادمة من الولايات المتحدة.

   

  

وفي حال دخلت كل هذه الغرامات حيز التنفيذ، سيُشكّل متوسط معدل التعريفات الجمركية الأميركية على الواردات الصينية ما نسبته 24%، وبارتفاع 3% عن الرقم المسجل قبل عامين. في حين سيُشكّل متوسط التعريفة الجمركية الصينية المفروضة على الواردات القادمة من الولايات المتحدة 26%، مقابل متوسط نسبة 6.7% الذي تفرضه الصين على الدول الأخرى.

  

قد يبتعد أطراف هذه الحرب التجارية عن جرف الهاوية، فقد أُجريت العديد من المفاوضات الرفيعة المستوى دون أي إمكانية فعلية للتوصل إلى تسوية، حيث يعتقد ترمب بأن التعريفات الجمركية ستكون كفيلة بتركيع الصين وتغيير ما يزعم أنه ممارسات تجارية غير عادلة للولايات المتحدة. وربما تكون الصين عازمة على تغيير موقفها في بعض المسائل، مثل شراء المزيد من السلع الأميركية، وفتح أسواقها أمام المزيد من الشركات الأميركية، وتحسين حماية قوانين الملكية الفكرية [1]، مقابل إزالة بعض التعريفات الجمركية التي فُرضت مؤخرا، لكن ليس إلى الحد الذي طالبت به إدارة ترمب. في أثناء ذلك، تأمل الصين بأن تُنزل إجراءاتها الانتقامية المزيد من الألم الاقتصادي بالولايات المتحدة لإرغام واشنطن على إعادة تقييم موقفها.

  

تُشير الأرقام إلى أن الولايات المتحدة ليست الطرف الفائز في الحرب التجارية. فمع أن النمو الاقتصادي الصيني قد تباطأ، فإنَّ التعريفات الجمركية ضربت المستهلك الأميركي بدرجة أكبر من نظيره الصيني. ومع تصاعد المخاوف بشأن ركود اقتصادي جديد على الأبواب، فلا بد أن يراعي ترمب حقيقة أن النهج الحالي يُعرّض الاقتصاد الأميركي للخطر، ويفرض تهديدات على نظام التجارة الدولية، ويخفق في تخفيض العجز الذي يثير اشمئزاز ترمب.

   

  

قد يتراجع ترمب عن سياسة التدمير الذاتي التي يتبعها مع الصين، لكن التنافس الصيني الأميركي سيستمرّ إلى ما بعد فترته الرئاسية، حيث تحاول الكثير من التغطيات الإعلامية تصوير الأمر على أنه تصادم بين شخصيّتين، مزاجية ترمب في مواجهة عناد الرئيس الصيني تشي جينبينغ والحزب الصيني الشيوعي. لكن الخلاف بنيوي؛ فالأثمانُ الحالية التي تفرضها الحرب التجارية تعكس الحقائق البنيوية التي تقوم عليها العلاقة بين اقتصاد الصين واقتصاد الولايات المتحدة. ومن الجدير تعقّب تلك الديناميكية بينما تحاول القوتان العظميان إيجاد توازن متقطّع آخر للسنوات القادمة.

  

فكّر بالكركند

لم تسفر الحرب التجارية عن النتائج المرجوة للولايات المتحدة، حيث قامت واشنطن بزيادة التعريفات الجمركية على الواردات القادمة من الصين عام 2018. لكن في السنة نفسها، كانت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة قد ارتفعت بمقدار 34 مليار دولار أميركي، أي بنسبة 7% عن العام الفائت، مقابل انخفاض صادرات الولايات المتحدة إلى الصين بمقدار 10 مليارات دولار أميركي، أي بنسبة 8%.

 

وفي الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، كانت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة قد انخفضت بأقل من 4% فقط عن الفترة نفسها من العام الفائت، في حين واصلت صادرات الولايات المتحدة إلى الصين انكماشها، بنسبة 24%. عوض تضييق الفجوة التجارية، ترافقت التعريفات الجمركية مع تفاقُم العجز التجاري الذي تعانيه الولايات المتحدة مع الصين، بنسبة 12% في عام 2018 (ما يصل إلى 420 مليار دولار أميركي) وبنحو 8% إضافية في الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي.

 

هناك سببان على الأقل يقفان وراء عدم انحدار الصادرات الصينيّة إلى الولايات المتحدة بالقدر الذي أملته إدارة ترمب؛ الأول هو عدم وجود بديل مقبول عن العديد من المنتجات التي تستوردها الولايات المتحدة من الصين، مثل أجهزة الآيفون، والطائرات المسيرة المخصصة للاستخدام الشخصي، وهو ما أرغم الزبائن الأميركيين على اختبار التعريفات الجمركية تلك على شكل ارتفاع في الأسعار. أما السبب الثاني فهو أنه رغم الأخبار الأخيرة، فإن الكثير من السلع الأميركية المصنَّعة في الصين لن تغادر الصين حتى وقت قريب، بما أن العديد من الشركات تعتمد على سلاسل التوريد التي لا توجد إلا في الصين. (حاولت شركة "آبل"، عام 2012 نقل تصنيع حاسوبها المتطور "ماك برو" من الصين إلى تكساس، لكن صعوبة التزود بالقطع الصغيرة التي تجمع الجهاز كقطعة واحدة حال دون إتمام عملية نقل التصنيع).

  

الخسائر التي مُني بها الاقتصاد على مستوى الواردات أكثر وضوحا في حالة الولايات المتحدة منها في حالة الصين

رويترز
  

صحيح أن ثمة شركات مصنِّعة ذات توجه تصديري ترغب بمغادرة الصين، لكن ليس إلى الولايات المتحدة. وفقا لمسح أجرته الغرفة التجارية الأميركية في شنغهاي في شهر مايو/أيار، هناك ما دون 6% من الأعمال التجارية الأميركية التي تخطط لمغادرة الصين والعودة إلى الولايات المتحدة، في حين قال 60% من الشركات الأميركية إنها تُفضِّل البقاء في الصين.

 

والخسائر التي مُني بها الاقتصاد على مستوى الواردات أكثر وضوحا في حالة الولايات المتحدة منها في حالة الصين، حيث وجد الاقتصاديّون في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ومناطق أخرى أنَّ التعريفات الجمركية في عام 2018 لم تدفع المصدِّرين الصينيين إلى تقليص الأسعار، وعوض ذلك، تلقّى المستهلك الأميركي الضربة الأكبر. بما أن التعريفات الجمركية تؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات القادمة من الصين، سيختار المستهلك الأميركي شراء بدائل (إن توفرت) من بلدان أخرى، والتي قد تكون أكثر تكلفة من الواردات الصينية قبل رفع التعريفات الجمركية، إنما أقل تكلفة من بعض السلع بعد رفع التعريفات. وفارقُ السعر بين الواردات الصينية قبل رفع التعريفات وبدائل دول العالم الثالث الأخرى يؤلف ما يسمّيه الاقتصاديّون "العبء الزائد" [2] على الاقتصاد أو "الخسارة الفادحة".

 

يعتقد الاقتصاديون بأن هذا العبء الزائد الذي يأتي من التعريفات المفروضة حاليا على ما قيمته 200 مليار دولار أميركي من الواردات الصينية سيصل إلى 620 دولارا على كل أسرة أميركية، أي إنه سيرتفع بمقدار 80 مليار دولار أميركي سنويا، وهو ما يُمثّل نسبة 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، وإن واصلت الولايات المتحدة زيادة هذه التعريفات وفق المخطط، سوف تتخطى هذه الخسارة الضعف.

  

فرضت الصين تعريفات جمركية بنسبة 25% على وارداتها من الكركند الأميركي في يوليو من عام 2018، مما تسبّب في انخفاض بنسبة 70% في صادرات الكركند الأميركي

رويترز
  

في أثناء ذلك، لا يدفع المستهلك الصينيّ أثمانا أعلى لقاء الواردات الأميركية. بحسب دراسة أجراها معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، قامت الصين برفع معدل التعريفات الجمركية منذ بداية عام 2018، حيث ارتفع متوسط التعريفة على واردات الولايات المتحدة من 8.0% حتى 21.8% بالترافق مع خفض متوسط التعريفات الجمركية على الشركاء التجاريين الآخرين من 8.0% حتى 6.7%. لقد فرضت الصين التعريفات الجمركية فقط على السلع الأميركية التي يُمكن الاستعاضة عنها بواردات بلدان أخرى بأسعار مماثلة، حتى إنها قامت بخفض الرسوم المفروضة على منتجات الولايات المتحدة التي لا يُمكن شراؤها من أي مكان آخر بنسبة أكبر بكثير، مثل أشباه الموصلات والأدوية. بالتالي كانت أسعار الواردات الصينية من المنتجات نفسها قد انخفضت بشكل عام، رغم ارتفاع قيمة التعريفات الجمركية على الواردات الأميركية.

 

ولعلنا نجد أفضل مثال على حسابات الصين الذكية في حالة الكركند، حيث فرضت الصين تعريفات جمركية بنسبة 25% على وارداتها من الكركند الأميركي في يوليو/تموز من عام 2018، مما تسبّب في انخفاض بنسبة 70% في صادرات الكركند الأميركي. في الوقت نفسه، قامت الصين بخفض التعريفات الجمركية على الكركند الكندي بنسبة 3%، بحيث بات المستهلك الصيني يدفع ثمنا أقل مقابل الكركند الآتي جوهريا من المياه نفسها.

 

العجز المحتوم

لقد برهنت الصين على كفاءة أكبر من واشنطن في تقليل الضرر على المستهلك والاقتصاد، لكن كفّة الحرب التجارية كانت لتميل إلى صالح واشنطن لو أن مواجهتها مع الصين حققت أهداف ترمب. يعتقد الرئيس الأميركيّ بأن الصين "تسرق" الولايات المتحدة، ويريد تقليل حجم العجز التجاري العام للولايات المتحدة عبر تغيير ممارسات الصين التجارية. لكن تحصيل تعريفات الواردات الصينية كان له أثر مغاير تجلى في تضخم العجز التجاري العام الذي تعانيه الولايات المتحدة، والذي كان، بحسب المكتب الإحصائي الأميركي، قد ارتفع بمقدار 28 مليار دولار أميركي في الأشهر السبع الأولى من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

  

  

تكمن الحقيقة التي لا يودّ ترمب تصديقها في أن العجز التجاري الذي تعانيه الولايات المتحدة لا ينبع من الممارسات التجارية لشركائها التجاريين، وإنما من الممارسات الإنفاقية الخاصة بالولايات المتحدة نفسها، حيث تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري يمتد حتى عام 1975، بشكل عام ومع معظم شركائها التجاريين. على مدار العشرين عاما الماضية، كان الإنفاق الداخلي للولايات المتحدة يتخطى دائما ناتجها المحلي الإجمالي، مما نجم عنه صافي صادرات سلبي، أو ما نسمّيه بالعجز التجاري. تغير هذا العجز بمرور الوقت لكنه ظل يتأرجح ما بين 3% و6% من الناتج المحلي الإجمالي. يريد ترمب أن يرفع منسوب الصادرات لكي يقلل العجز، لكن الحروب التجارية تستدعي الأعمال الانتقامية بشكل حتمي والتي تؤدي إلى انخفاض الصادرات.

 

علاوة على ذلك، زيادة مستوى الصادرات لا يؤدي بالضرورة إلى تقليص العجز التجاري إلا في حال كان مصحوبا بخفض الإنفاق على الاستهلاك والاستثمار داخل البلاد. والطريقة المثلى لخفض العجز التجاري هي تنمية الاقتصاد بشكل أسرع من الإنفاق الداخلي الموازي له، وذلك يتأتّى فقط بتشجيع الابتكار ورفع مستوى الإنتاجية، لكن الحرب التجارية تفعل النقيض تماما، إنها تؤذي الاقتصاد، وتعوق النمو، وتعطل الإبداع.

 

حتى الاستسلام الصيني الشامل في الحرب التجارية لن يؤدي إلى منعطف في العجز التجاري العام للولايات المتحدة. لكن إن قامت الصين بشراء المزيد من الولايات المتحدة، فإنها ستشتري بشكل أقل من البلدان الأخرى التي ستبيع هذا الفارق إما للولايات المتحدة أو منافسيها. على سبيل المثال، لننظر إلى الشركة الأميركية "بوينغ" ومنافسها الأوروبي "إيرباص"؛ في الوقت الراهن، تعمل كلتا الشركتين بالحدّ الأقصى، فإن قامت الصين بشراء 1000 طائرة إضافة من بوينغ، و1000 طائرة أقل من "إيرباص"، سيكونُ مصنّع الطائرات الأوروبي ملزما ببيع تلك الطائرات الـ 1000، إما إلى الولايات المتحدة وإما إلى دول أخرى قد تشتريها عوض الشراء من "بوينغ"، والصين تدرك ذلك، وهو أحد أسباب عدم قيامها بفرض تعريفات على المركبات الجوية المصنعة أميركيا، أيًّا كان ناتج هذه الحرب، فإن العجز لن يتغير بشكل كبير.

 

صينٌ قادرة على التكيف

  

لم تؤذِ الحرب التجارية الصين حتى الآن، وذلك يرجع، جزئيا، إلى تمكّن بكين من الحيلولة دون ارتفاع أسعار الواردات لأن صادراتها إلى الولايات المتحدة تأثرت بصورة أقل من المتوقع. لكن هذا النمط سيتغير مع إحجام المستوردين الأميركيين عن الشراء من الصين وذهابهم إلى دول أخرى من العالم الثالث بهدف تفادي دفع التعريفات، لكن بافتراض أن الناتج المحلي الإجمالي للصين سيواصل النمو حتى 5% إلى 6% كل سنة، فإن آثار هذا الابتعاد عن السوق الصينيّ ستكون متواضعة.

 

يُشكِّك بعض المراقبين في دقة الأرقام الصينية عن النمو الاقتصادي، لكن وكالات بحثية متعددة الأطراف ومستقلة أيضا حددت الناتج المحلي الصيني بين 5% إلى 6% سنويا، كما أن المشكِّكين يغفلون عن الصورة الأكبر التي تفيد بأن الاقتصاد الصيني يتباطأ مع انتقاله إلى نموذج قائم على الاستهلاك. سيغادر بعض المصنعين الصين إن ظلت التعريفات الجمركية المرتفعة دائمة، لكن لا ينبغي المبالغة في أهمية مستجدات من هذا النوع.

 

بمعزل عن القلق الذي تُسبّبه تعريفات ترمب، تقوم الصين تدريجيا بالابتعاد عن النمو الاقتصادي القائم على التصدير، فقد تراجعت الصادرات إلى الولايات المتحدة الأميركية كنسبة من الناتج المحلي للصين على نحو مطّرد من ذروة بلغت 11% في العام 2005 حتى أقل من 4% بحلول عام 2018. بينما كان إجمالي الصادرات الصينية يبلغ 32% من إجمالي الناتج المحلي الصينيّ في عام 2006، حتى تراجع هذا الرقم إلى النصف عند نسبة 18% بحلول عام 2018، وهو رقم أدنى من متوسط 29% الذي تُعرف به الدول الصناعية في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.

 

كان قادة الصين يسعون منذ وقت طويل إلى توجيه اقتصاد البلاد من اقتصاد قائم على التصدير إلى نموذج قائم على الاستهلاك. وبالتأكيد أن الحرب التجارية أنزلت خسائر نفسية فادحة بالاقتصاد الصيني، حيث أصاب السوق الصيني الهلع عندما أُعلن عن التعريفات الجمركية لأول مرة، في عام 2018، لا سيما مع تباطؤ النمو الاقتصادي بسبب التضييق على التداولات الائتمانية. بينما تعرض سوق الأسهم لضربة موجعة، بهبوط بلغ 25%، وحاولت الحكومة وقتئذ إيجاد منفذ سريع من الحرب التجارية.

  

لم تتعرض الصين إلى كساد اقتصادي خلال الأربعين سنة الماضية كما أنها لن تمر بواحد في المستقبل المنظور، لأن اقتصادها لا يزال في المراحل الأولى للتطور

رويترز
  

لكن مع انقشاع الغبار اتضح حجم الضرر الفعلي؛ حيث تجددت الثقة في السوق وارتفعت مؤشرات الأسهم بنسبة 23% في بورصة شنغهاي، و35% في بورصة شنتشن، بحلول 12 سبتمبر/أيلول من عام 2019. ولعل قدرة الاقتصاد الصيني على التكيف في مواجهة الحرب التجارية تُساعد في تفسير سبب تمسك الصين بموقفها التفاوضي على الرغم من تصعيد ترمب.

 

لم تتعرض الصين إلى كساد اقتصادي خلال الأربعين سنة الماضية كما أنها لن تمر بواحد في المستقبل المنظور، لأن اقتصادها لا يزال في المراحل الأولى للتطور، حيث لا يزال الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الصين يبلغ سُدس نظيره في الولايات المتحدة الأميركية. وبسبب تراجع وتيرة الادخار وارتفاع الأجور، فإن محرك الاقتصاد الصيني ينتقل من الاستثمار والتصدير إلى الاستهلاك الخاص.

 

كنتيجة، من المتوقع تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي في البلاد، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي بأن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الفعلي للصين من 6.6% في عام 2018 إلى 5.5% في عام 2024، في حين تشير تقديرات أخرى إلى انخفاض الرقم حتى مستويات أدنى. لكن على الرغم من احتمالية انخفاض معدلات النمو الصيني، لا يزال انكماش الاقتصاد الصيني مستبعدا في المستقبل المنظور. حيث من المتوقع للاستهلاك الخاص، الذي كان يتصاعد من 35% من الناتج المحلي عام 2010 حتى 39% العام الماضي، أن يستمر في قيادة النمو الاقتصادي الصيني، لا سيما في الوقت الحالي. بينما تعمل الصين على توسعة شبكة الأمان الاجتماعي ومخصصات الرعاية، مما سيؤدي إلى تحرير الادخار الخاص للاستهلاك.

  

في حين حظي الاقتصاد الأميركي بأطول توسع في التاريخ، وباتت دائرة الهبوط والانكماش تلوح في الأفق هذه الفترة، حيث انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2% في الربع الثاني هذه السنة، مقارنة بانخفاض 3.1 في الربع الأول. الحرب التجارية ستؤدي إلى انخفاض بمقدار نصف نقطة مئوية على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، وهو بطء نمو كافٍ لإدخال البلاد في حالة الركود المتوقع، وهو ما يمكن أن يدفع ترمب لإيقاف الحرب.

    

الصين والولايات المتحدة مترابطتان بشدة اقتصاديا، حيث يمثل كل واحد للآخر الشريك التجاري الأضخم، وأي محاولة لفصلهما اقتصاديا ستؤدي إلى عواقب كارثية على كليهما

رويترز
   

هذه إذن إحدى الطرق المعقولة لإنهاء الحرب التجارية، فتداعياتها لم تطرق أبواب الأميركيين بعد، لكن ثمة نقطة تحول ستحدث عندما يبدأ الاقتصاد بتكبد الخسائر. إن استمرّت الحرب التجارية، فإنها ستعرّض نظام التجارة الدولية كله للخطر، وهو نظام يعتمد على التقسيم العالمي للعمل، بحسب الميزة التنافسية لكل بلد. بمجرّد ألا يعود هذا النظام أهلا للثقة، أي عندما يتم تعطيله، على سبيل المثال، بالمقاطعة والتدابير العدائية التي تأتي بها الحروب التجارية، ستنفصل البلدان عن بعضها بعضا.

 

إن الصين والولايات المتحدة مترابطتان بشدة اقتصاديا، حيث يمثل كل واحد للآخر الشريك التجاري الأضخم، وأي محاولة لفصلهما اقتصاديا ستؤدي إلى عواقب كارثية على كليهما وعلى العالم بأسره، حيث سترتفع الأسعار بالنسبة للمستهلك، ويتباطأ النمو الاقتصادي العالمي، وتتعطل سلاسل التوريد، كما أن الصعوبة ستزداد على النطاق العالمي، حيث سيؤدي الانقسام الرقمي، في التكنولوجيا، وفي الإنترنت، وفي الاتصالات، إلى عرقلة الإبداع على نطاق واسع بحيث يحدّ من آفاق وطموحات الشركات التكنولوجية.

 

جوانب مشرقة

لا يبدو أن الحرب التجارية التي يشنّها ترمب ترمي إلى خفض العجز التجاري، لكن إدارته ترى التعريفات الجمركية وسيلة لإبطاء الصعود الاقتصادي الصيني. في محور هذه المناورة ثمة تصور بأن ارتباط النظام الحاكم الصيني بالأنشطة الاقتصادية يُمثِّل تهديدا فريدا للولايات المتحدة. يصرُّ روبرت لايتهايزر، ممثل التجارة الأميركية، على أن هدف التعريفات هو دفع الصين إلى مراجعة طريقتها في القيام بالأعمال التجارية. لكن المفارقة تكمن في أن القطاع الخاصّ الصينيّ تأذى بصورة خاصة من الحرب التجارية، حيث يُمثِّل 90% من الصادرات الصينية (و43% منها تعود لشركات مملوكة أجنبيا).

 

استمرار الحرب التجارية سيضعف القطاع الخاصّ، وهو ما قد يدفع الصين إلى الالتزام بشراء كميّات أكبر من السلع الأميركية كجزء من التسوية. لكن هذا سيتم من خلال الحكومة، وليس عبر القطاع الخاص. ينبغي للولايات المتحدة أن تدرك بأنَّ تأمين التزام من هذا النوع سيدفع الحكومة الصينية ببساطة للحفاظ على حضور قوي في الشؤون الاقتصادية. إن السياسة التجارية التي تتبعها إدارة ترمب تهدد بإضعاف أهدافها المعلنة، وينبغي للمسؤولين الأميركيين إعادة النظر في تحليلهم للاقتصاد الصيني، فالاعتقادُ بأن هنالك "نموذجا اقتصاديا" فريدا للتطور الاقتصادي يفرض بديلا وتهديدا لأنظمة الاقتصاد الليبرالي هو ضرب من الجنون الذي يفتقد لأي سياقات أو مقدمات تاريخية.

   

بإمكان الصين الحفاظ على زخمها الاقتصاديّ فقط عبر تنفيذ إصلاحات بنيوية في اقتصادها بحيث تنتقل إلى اتجاه أكثر تحررا وانفتاحا من السوق

رويترز
   

لقد حققت الصين نموا متسارعا على مدار الأربعين سنة الفائتة بالابتعاد عن النظام القديم القائم على سيطرة الدولة على السوق. اليوم، يلعب السوق دورا هائلا في توزيع الموارد، والقطاع الخاص مسؤول عن أكثر من ثلثَيْ الاقتصاد. لكنّ القطاع الذي تتحكّم به الحكومة كبير جدا، كما أنه غير فعّال، وتبذيريّ ويحتضر، إنه مهلكة أكثر منه ميزة للاقتصاد. كما أنه مصدر تباعد متزايد بين الصين والغرب، الذي يخشى، ولأسباب مقنعة، من أن تقوم الحكومة الصينية بإعانة ودعم الشركات المملوكة للدولة دون وجه حق. هذه التدابير تحتاج إلى التغيير، وهذا يسري على الصين وشركائها على حدٍّ سواء.

 

بإمكان الصين الحفاظ على زخمها الاقتصاديّ فقط عبر تنفيذ إصلاحات بنيوية في اقتصادها بحيث تنتقل إلى اتجاه أكثر تحررا وانفتاحا من السوق. إنَّ عليها أن تضمن وصولا متكافئا للتجارة والاستمثار في أسواقها، وتطوير نظام أفضل لحماية الملكية الفكرية. هذه التدابير ستسرّع مسار الإصلاحات التي دشّنتها الصين قبل 40 عاما مضت، والتي أدّت إلى صعود قطاع خاص حيوي في الصين واندماج الاقتصاد الصيني في السوق العالمي.

 

إن تسريع العملية لن يكون بلا آثار جانبية، كما أنه سيلقى مقاومة أصحاب المصالح الخاصة في البلاد. لكن التغييرات ستفيد الصين وشركاءها التجاريين على حدٍّ سواء، بمَن فيهم الولايات المتحدة. ينبغي لبكين والولايات المتحدة مشاركة هذه الأهداف في المفاوضات التجارية، وإن نجح الطرفان في تحقيق هذه الأهداف، فسيفوز كلاهما في الحرب.

 

إنه في صالح كلا الطرفين الانتقال من التفكير الصفري ورسم نهاية مرحلية للصدع الذي تلوّح به الحرب التجارية. وأفضل حلّ هو ليس تقريب الحواجز وإنما تمزيقها وتحرير التجارة أكثر فأكثر. للإبقاء على هيمنتها العالمية وقيادتها في المضمار التكنولوجيّ، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى الصين، وهي أسرع الاقتصادات القائمة على الاستهلاك نموًّا في العالم. للحفاظ على زخم صعودها الاقتصادي، تحتاج الصين إلى تنفيذ مزيد من الإصلاحات ومواصلة الانفتاح على السوق العالمي. في النهاية، سيؤدي مزيج من التعاون والتنافس ضمن نظام يستند إلى القواعد لتحقيق أعظم الإمكانيات لكلا البلدين والاقتصاد العالمي ككل، كما تعلّمت كل الأمم التجارية على مدى التاريخ.

 __________________________________________________

الهوامش

[1] تتهم الصين بسرقات ضخمة في قضايا الملكية الفكرية، من قبيل براءات الاختراع والعلامات التجارية والعديد من الإنتاجات الإبداعية.

[2] في الاقتصاد، الخسارة الفادحة (المعروفة أيضا باسم العبء الزائد أو عدم كفاءة التخصيص) هو فقدان الكفاءة الاقتصادية التي يمكن أن تحدث عندما لا يتحقق التوازن للسلعة أو الخدمة أو لا يمكن تحقيقه.

----------------------------------------------------------------

ترجمة: فرح عصام.

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا عبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار