انضم إلينا
اغلاق
هل ستختفي العملات النقدية في المستقبل؟ وما البديل؟

هل ستختفي العملات النقدية في المستقبل؟ وما البديل؟

New Scientist

مجلة علوم وتكنولوجيا
  • ض
  • ض

أصبحت العملات النقدية شيئًا فشيئًا من الماضي في الصين، حيث تخلّت نسبة كبيرة من المستهلكين عن الدفع نقدا لصالح الدفع باستخدام هواتفهم الذكية. وهذه الرؤية للاقتصاد غير النقدي قد تصبح واقعًا في جميع أنحاء العالم في المستقبل. ليست الصين وحدها من ترفض العملات النقدية المعدنية والورقية، بل تتربع السويد على قائمة أكثر البلدان التي تنتهج الدفع بلا عملات نقدية من الناتج المحلي الإجمالي، أي من تتبنى الاقتصاد غير النقدي. من ناحية أخرى، تتسارع وتيرة التغيير في الصين؛ فمنذ عام 2013، شهدت الصين أعلى نمو في عدد المعاملات غير النقدية من بين أكبر عشرة اقتصادات غير نقدية رائدة، وتمثل الآن حوالي 40% من معاملات التجارة الإلكترونية العالمية.

 

يهيمن نظام الدفع بالبطاقات في السويد، في حين يدفع الناس في الصين من خلال تطبيق محلي لخدمات الرسائل شبيهًا لتطبيق واتس أب (WhatsApp). في تطبيقي "أليباي" (Alipay) و"وي تشات باي" (WeChat Pay)، أصبحت أكواد الاستجابة السريعة (QR codes) منتشرة الآن في كل مكان في الصين، بما في ذلك المحلات التجارية والمطاعم ومحطات المترو وحتى بين الموسيقيين المتجولين والمتسولين. أي شخص يمتلك أحد التطبيقين على هاتفه الذكي، يمكنه مسح رمز الاستجابة السريعة لتحويل الأموال دون الحاجة إلى بطاقات الدفع أو جهاز قراءة الشرائح. ففي عام 2017 وحده بلغ مجموع مدفوعات الهاتف المحمول بهذه الطريقة 120 تريليون يوانًا (ما يعادل 17.5 تريليون دولارًا).

 

سارعت الهيئات التنظيمية في الصين لمواكبة هذا الازدهار، فبدأ سريان قانون التجارة الإلكترونية الجديد في بداية هذا العام، بهدف منح المستهلكين حماية قانونية أقوى عند شرائهم من خلال تطبيقات التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعية. بريان سوي، طبيب مقيم في شنغهاي، يشير إلى أنه لم يستخدم العملات النقدية منذ أكثر من عامين، حيث كتب: "إذا صادفت مكانًا يقبل النقد فقط، يميل الناس للغضب، لكني أحمل حوالي عشرة أو عشرين يوانًا (ما يعادل دولارًا ونصف أو ثلاثة دولارات) لحالات كهذه، لكنني لم أحتجها أبداً".

   

عندما تم إصدار "وي تشات" في عام 2011، كانت وظيفته الأساسية منصةً للمراسلة على غرار "واتس آب"

رويترز

  
عمليًا جميع من قابلهم يمتلكون على هواتفهم أحد التطبيقين "أليباي" و"وي تشات باي"، بما في ذلك عائلته القاطنة في المناطق الريفية الشمالية الشرقية وحتى الباعة المتجولين الذين يبلغون سبعين عامًا من العمر الذين يشتري منهم وجبة الإفطار أحيانا ويسمح "وي تشات" للمستخدمين بدفع الفواتير وحجز سيارات الأجرة والحجز الطبي وطلب الطعام والتسوق عبر الإنترنت.

 

وفقا لـِ ديف بيرش من شركة هايبرون الاستشارية، يكمن سر نجاح هذه المنصات في قدرتها على أداء خدمات متعددة ويقول: "المدفوعات جزء من خدماتها الأساسية، ولكن ما تقدمه هذه المنصات في الواقع هي مجموعة ضخمة من برمجيات الأنظمة الصغيرة (Microservices)". [وهي تقنية تطوير برمجيات حيث تُجزَّأ ويكون حجمها صغيرًا، والمسؤول عن تطويرها قسم كامل في الشركة قائم بحد ذاته].

 

عندما تم إصدار "وي تشات" في عام 2011، كانت وظيفته الأساسية منصةً للمراسلة على غرار "واتس آب". يمتلك "وي تشات" الآن أكثر من مليار مستخدم نشط شهريًا، يرسل المستخدمون رسائل نصية أو صوتية إلى الآخرين، كما يمكنهم أيضًا دفع الفواتير أو حجز سيارات الأجرة أو حجز موعد طبي أو طلب الطعام أو التسوق عبر الإنترنت. ترتبط جميع المدفوعات بـ "وي تشات باي"، وهي عبارة عن محفظة رقمية مدمجة في التطبيق.

 

يستخدم الباعة الأفراد "وي تشات" لبيع بضائعهم أو خدماتهم بشكل متزايد؛ والكثير منهم يعملون كمتسوقين شخصيين، ويُطلَق عليهم بالصينية "دايجو" (daigou)، وهم أشخاص يعيشون خارج الصين ولكنهم يشترون أشياء ليتم بيعها في الصين [بسبب عدم إمكانية وصول سكان الصين لمواقع إلكترونية معينة بسبب حظرها في الصين]. وفقًا للطبيب سوي، تحظى مستحضرات التجميل من كوريا الجنوبية واليابان بشعبية كبيرة، إضافة إلى منتجات الصحة والرضَّع الأسترالية. يعلّق سوي على طريقة الشراء هذه محذّرًا: "إنني أشتري فقط من أصدقائي"، لأن أشخاصًا كثيرين يبيعون منتجات مزيفة. ويضيف أن إحدى صديقاته، وهي ممرضة تسافر خارج الصين لشراء منتجات معينة وبيعها عبر "وي تشات"، وتجني من بيع هذه المنتجات أكثر من راتبها الشهري كممرضة.

 

  

يستخدم سوي أيضًا "أليباي" عدة مرات يوميًا للدفع لعدة أمور مثل استئجار الدراجات الهوائية وشراء تذاكر الأفلام أو استخدام وسائل النقل العام وإرسال طرود أو متابعة عمليات تسليم الطرود. لشراء سلعة ما، يستخدم موقع التسوق "تي مول" (Tmall) التابع لشركة العملاقة "علي بابا" (Alibaba)، وهو موقع يشبه "أمازون" (Amazon). ويتم التحقق من صحة المدفوعات باستخدام بصمة الإصبع أو رقم التعريف الشخصي (PIN) أو تقنية التعرّف على الوجه. يضع سوي كل مدخراته تقريبًا في "أليباي" بدلاً من الحساب المصرفي، لأن معدلات الفائدة أعلى.

 

في قسم الرعاية الصحية في "أليباي"، يمكنك الدردشة مع الأطباء للحصول على استشارة طبية بسيطة، أو البحث عن أجهزة مزيل الرجفان القلبي من حولك، أو البحث عن رقم اللقاح لحقنة ما للتأكد من أن الشركة المصنعة حقيقية. يعزو هانز هيندريسكي -طالب الأعمال التجارية والإدارة الصينية في جامعة سيدني بأستراليا- نجاح هذه المنصات إلى النمو الهائل للهواتف الذكية والنظام المصرفي الصيني المحافظ.

 

يقول هيندريسكي: "لقد أنشأت الصين نظامًا مصرفيًا لخدمة المؤسسات المملوكة للدولة إلى حد كبير. لم يكن لديهم حافزًا لدراسة تمويل المستهلك. كانت تلك هي الفجوة التي ملأها موقع علي بابا، حيث أسس أولاً نظامًا للدفع، وعلى هذا الأساس بدأ إنشاء هيكلية أساسية مالية كاملة". الآن، تجري تجارب على قدم وساق لربط تلك الهيكلية الأساسية بالدولة. تقوم الحكومة الصينية بتجريب "نظام الائتمان الاجتماعي" (Social Credit System) الخاص بها، وهو رصيد تقييم للظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطن الصيني، ويرتبط بالدفع وأنظمة البنوك الإلكترونية.

 

وُصِف هذا النظام بالمبتذل والديستوبي في تقارير وسائل الإعلام الغربية، ولكن ربما ذلك أمر مبالغ فيه. يقول دنكان كلارك، رئيس مجلس إدارة شركة "بي دي إيه الصين" (BDA China)، وهي شركة استشارات تجارية في بكين: "لم يمتلكوا في الواقع نظامًا ائتمانيًا وطنيًا فعالاً، إنهم يحاولون الآن إنشاء نظام ائتمان". كما علّق هيندريسكي على نظام الائتمان الاجتماعي قائلاً: "الأمر أشبه بنظامنا المصرفي حيث تحصل على تصنيف ائتماني (تقدير الجدارة الائتمانية) إذا تقدّمت بطلب للحصول على قرض عقاري".

   

يقول بيرش: "إذا أردت سرقة أموالك، فهذا يعني أنني سأضطر لسرقة هاتفك. وهذا صعب بما فيه الكفاية"

رويترز
  
الائتمان الاجتماعي

وفقا لكلارك، كانت خدمة سمسم الائتمانية (Sesame Credit) من "أليباي" هي أول من نشر هذا المفهوم، فهي تمنح المستخدمين تصنيفًا ائتمانيًا فرديًا يعتمد على المعاملات والمعلومات الأخرى. ويقول إن المستخدمين الذين حصلوا على درجات عالية يحصلون على مزايا مثل القدرة على استئجار دراجة دون دفع أي وديعة.

 

هذه الأنظمة ناجحة لأنها توفر الراحة والأمان، ويقول بيرش: "إذا أردت سرقة أموالك، فهذا يعني أنني سأضطر لسرقة هاتفك. ربما يعني ذلك أيضًا أن عليّ سرقة وجهك أو بصمتك، وهذا صعب بما فيه الكفاية". إن القياسات الحيوية الساكنة (Passive biometrics) مثل التعرف على الوجه أو الصوت والبيانات على الموقع والحركة، تضيف مستوى آخرًا من الضمان والأمان.

 

وهكذا، مع ازدياد اتصال النظام المصرفي الخاص والعام، يقدم النظام الصيني لمحة عن مستقبل بلا عملات نقدية، مرتبط بشكل أساسي بهاتفك، ومدمَجٌ تمامًا مع المجتمع، ويتفاوت هذا المستقبل من منطقة إلى أخرى، حيث لا يمتلك حوالي ثلثي الأفراد في المناطق الريفية في الصين، إمكانية الوصول إلى الإنترنت لكن هذا الأمر آخذٌ في التغيّر.

 

يقول كلارك: "الأسواق الحضرية في الصين مشبعة إلى حد كبير. وأحد مناطق النمو الكبيرة واقعة في المدن الريفية أو المدن ذات المستويات الأدنى من الاستثمار" من خلال استخدام تطبيقات مثل "ينديوديو" (Pinduoduo)، وهي منصة تسوق شبيهة بموقع "غروبون" (Groupon). والاتصالات بالهاتف المحمول آخذة بالانتشار باطراد في المناطق الريفية. يقول كلارك: "لقد كنت أمتطي الجمل لمدة ساعتين من هوتان في مقاطعة شينجيانج، ولا يزال لدي خدمة (4G) متوفرة على هاتفي".

   

تتجاوز "وي تشات" و"أليباي" الصين من خلال منافستهما على تجارة السياح الصينيين في الخارج

رويترز
  

كما تبذل الصين جهودًا لضمان عدم تخلف كبار السن عن مواكبة التطور، الذين قد يكونون أقل دراية بالتكنولوجيا، وتقوم بذلك عبر الدورات التدريبية على سبيل المثال. يقول هيندريسكي أن أكثر من خمسين مليون مستخدمًا تتراوح أعمارهم بين 55 و70 عاما يستخدمون "وي تشات"، وبالنسبة للكثيرين فإن طريقة الدفع من خلاله أبسط من النظام المصرفي البيروقراطي. شرح هيندريسكي ذلك قائلا: "يمكن للعائلات أن تضع بضع مئات اليوانات في حساب ’وي تشات‘ للأجداد لكي يستخدموه للدفع من خلاله".

 

تتجاوز "وي تشات" و"أليباي" الصين من خلال منافستهما على تجارة السياح الصينيين في الخارج. يَقبل كلا النظامين الآن الدفعات في العديد من البلدان، بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، كما شكّلت هاتين المنصتين شراكات مع تجار التجزئة لدعم التخفيضات، سيقوم بعض تجار التجزئة في أوروبا -بما في ذلك هارودز في لندن- برد ضريبة القيمة المضافة مباشرة إذا تم الدفع عبر تطبيق "أليباي".

 

ويعتقد هيندريسكي أن النموذج الصيني سوف يتكرر حتما على الصعيد الدولي. ولا زال يتعيّن النظر فيما إذا كان بوسع الناس خارج الصين استخدام تطبيقات شبيهة بـ"وي تشات". قد تشكّل مسائل حماية البيانات عثرة في تحقيق ذلك. في وقت سابق من هذا العام، منعت حكومة الولايات المتحدة شركة "آنت فاينانشال" (Ant Financial) -الشركة الأم لـ"أليباي"- من التمكّن من تحويل الأموال الأميركية عبر شركة"موني غرام" (MoneyGram) الأميركية بسبب مخاوف أمنية.

 

    

قد ينتهي عمالقة التكنولوجيا الآخرين بهزيمة المبتكرين الصينيين على الصعيد العالمي. في عام 2017، أطلقت شركة "آبل باي" (Apple Pay) حملة تسويقية تستهدف المستهلكين الصينيين. وفي عام 2018، أصدرت جوجل تطبيق (Pay)، الذي دمج نظامي "أندرويد باي" (Android Pay) و"محفظة جوجل" (Google Wallet) السابقين في نظام أساسي واحد. على غرار منافسيه الصينيين، يتضمّن التطبيق مدفوعات بين الأفراد، ويندمج مع خدمات طرف ثالث. في الهند، يقوم فيس بوك باختبار نظام تحويل أموال لِواتس آب. لذا، مع إقبال مستقبل بلا عملات نقدية، يتعيّن على الحكومات البدء في التخطيط لذلك، وضمان عدم تخلف أي فرد عن الركب. يقول بيرش: "علينا التأكد من أنه مستقبل شامل للجميع، حيث تعمّ فوائده على الجميع".

-------------------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: New Scientist ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار