انضم إلينا
اغلاق
بعد حادث طائرة إثيوبيا.. هل طائرات العالم آمنة؟

بعد حادث طائرة إثيوبيا.. هل طائرات العالم آمنة؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

إن أول ما يمكن قوله بعد كارثة طيران شنيعة مثل تحطم الرحلة الجوية الإثيوبية التي أودت بحياة 157 شخصا كانوا على متنها هو أنها مأساة يعجز اللسان عن وصفها لمن هلكوا وللعائلات والمجتمعات والمؤسسات التي ستشعر إلى الأبد بآثار هذه الخسارة، لذا فإننا نتعاطف معهم جميعا. والأمر الثاني هو أن الكثير من التخمينات الأولية والتكهنات حول حوادث الطائرات قد لا تكون في محلها، فقد يستغرق الأمر شهورا أو سنوات لاكتشاف ما حدث بالفعل. (أو فترة أطول مثلما في حالة رحلة الخطوط الجوية الماليزية المفقودة، الرحلة 370، المختفية منذ أكثر من خمس سنوات).

 

تعد شركات الطيران الحديثة آمنة للغاية على صعيد التقديرات الإحصائية؛ فآخر حالة وفيات في شركات الطيران الأميركية -على سبيل المثال- كانت في أبريل/نيسان 2018، عندما انفجر محرك طائرة تتبع شركة ساوث ويست؛ ثم اصطدم الحطام بنافذة وسحب إحدى الراكبات جزئيا إلى الخارج فقضت نحبها فورا. وقبل ذلك بخمسة أعوام، تعرضت إحدى طائرات شركة آسيانا إيرلاينز الكورية لحادث نتيجة إساءة تقدير الهبوط في سان فرانسيسكو، راح ضحيته ثلاثة ركاب. وقبل ذلك، كان هناك امتداد آخر لعدة سنوات لم تقع فيه أي وفيات في عمليات الخطوط الجوية الأميركية.

 

كل ذلك لا يقلل من هول المأساة أو الرعب في هذه الحوادث، لكنه يساعد في توضيح استغراق وقت طويل لتحديد السبب. حيث دائما ما تتزامن حوادث الطائرات مع بعض الظروف الغريبة وبعيدة الاحتمال والمتطرفة، وذلك تحديدا لأن الكثير من المخاطر "المعتادة" قد دُرست بعناية واستُخدمت الكثير من خصائص الأمان للوقاية منها. لذلك لا يعرف أحد بعد ما حدث في كارثة الخطوط الجوية الإثيوبية، وأي شخص يدّعي اليقين الآن يجب أن ينظر إليه بعين الحذر. ولكن إليك دليل أولي لأنواع الأسئلة التي سوف يطرحها المحققون الجويون بشأن هذا الحادث:

   

جزء من حطام الطائرة الإندونيسية (رويترز)

  

* ما التشابه (المحتمل) بين هذا الحادث وكارثة الرحلة الإندونيسية "لاين إير" في أكتوبر/تشرين الأول 2018، والتي راح ضحيتها 189 شخصا؟

- إن التشابه الرئيسي المعروف حتى الآن هو أن كليهما اشتركا في الطراز نفسه الجديد نسبيا من الطائرة؛ وهي نسخة جديدة من بوينغ 737، والمعروفة باسم 737 ماكس 8. وأن كلتا الطائرتين تحطمتا بعد وقت قصير من الإقلاع، وليس في منتصف الرحلة مثل كارثة إير فرانس على المحيط الأطلسي قبل 10 سنوات، وكذلك ليس في طريق الهبوط، كما حدث مع تحطم طائرة ركاب كلوغان في طريقها إلى بوفالو في عام 2009.

 

* ما المميز أو المختلف في هذه الطائرة الجديدة؟

- تعتبر الطائرة طراز 737 من أكثر الطائرات التجارية شهرة في العالم. فهي تُنتج منذ الستينيات، وهناك أكثر من 10 آلاف طائرة منها في الخدمة. إذا كنت قد سافرت في أي وقت على متن إحدى طائرات شركة طيران ساوث ويست، فقد كنت في رحلة من طراز 737، لأنها كل ما تستخدمه الشركة. وكان التوحيد الكامل للأسطول جزءا مهما من نموذج أعمال ساوث ويست منذ البداية. (أجرى كاتب المقال مقابلة في السبعينيات مع مؤسس شركة ساوث ويست الناشئة آنذاك، الذي شدد على أنه مع وجود نموذج واحد من الطائرات يصبح كل شيء في إدارة شركة طيران أبسط). أي يمكن لأي طيار يعمل لدى شركة الطيران أن يقود أي طائرة تملكها الشركة، وكذلك يمكن لأي ميكانيكي في أي منشأة صيانة في الشركة أن يملك الأجزاء المطلوبة لأي طائرة تهبط؛ لأن جميع الطائرات من الطراز نفسه.

  

من الواضح أن صُنّاع هذا النوع من الطائرات قد استثمروا في سلسلة تطورية منها لمختلف الأسواق والظروف. وبالتالي نجد من طائرات بوينغ التسلسل الطويل الذي يبدأ بطائرة 707 التي عفا عليها الزمن الآن، إلى 747 الأيقونية التي تم إيقافها عن العمل، إلى كل من طائرات 777 و757 و787 "دريملاينر"، ثم إصدار بعد إصدار من طراز الطائرة 737.

  

* لكن ما الجديد في هذه الطائرة؟

طائرة بوينغ 737 ماكس (وكالة الأناضول)

   

يُعد جزء "الإصدار بعد الإصدار" هو الأمر المميز في طراز 737، حيث تحبها شركات الخطوط الجوية لأنها موحدة المعايير. فالتدريب وتأهيل الطاقم وقطع الغيار والصيانة، كلها أكثر تشابها مما لو كنت تتحول إلى طراز مختلف -مثل 787- أو تقوم بتحول جذري إلى إيرباص. غير أن شركات الطيران ترغب كذلك في تحسينات مستمرة؛ مثل محركات أفضل وأكثر كفاءة، وإلكترونيات طيران محسّنة وأنظمة أخرى، وبالطبع المزيد والمزيد من المقاعد. وهكذا، ينتقل نطاق الطراز 737 من الطائرات 737-100 في المرحلة المبكرة، والتي صُنعت لاستيعاب نحو 100 راكب، إلى أحدث الموديلات، والتي يمكنها استيعاب 200 راكب أو أكثر بناء على المخططات.

   

لقد أصبح جسد طائرات الطراز 737 أطول على مر السنين لاستيعاب المزيد من الركاب، وهذا جزء من الدراما المتعلقة بهذا الطراز الذي سقط في كلتا الرحلتين الإندونيسية والإثيوبية. حيث تحتوي طائرات ماكس الجديدة هذه على محركات أكثر قوة وأكثر كفاءة من طرازات 737 السابقة. ولكن نظرا لأن هذه المحركات الجديدة أكبر حجما من الإصدارات السابقة، فهي مثبتة على الأجنحة في مكان يختلف قليلا عن الأنواع السابقة من طائرات 737. وتداعيات هذا التحول معقدة للغاية (وموضحة في التقرير المفصل في صحيفة نيويورك تايمز لكلٍّ من جيمس غلانز، وجولي كريسويل، وتوماس كابلان، وزاك ويتشر، الذي نُشر الشهر الماضي). ولكن النقطة المهمة هي أن المكان الجديد للمحركات ربما قد غيّر خصائص التعامل مع الطائرة بطريقة دقيقة للغاية:

  

- تعمل طائرات ماكس مثل طائرات 737 السابقة ولا يحتاج الطيارون عليها إلى المرور بإجراءات التأهيل كاملة بشكل منفصل، كما لو كانوا سيفعلون عند التحول إلى طراز 787 أو أي طراز من إيرباص.

- تختلف قليلا عن 737 السابقة حيث تم إضافة نظام جديد وهو نظام التحكم الآلي للسيطرة عليها.

   

* ما نظام البرمجيات الجديد؟

- إنه شيء يسمى "MCAS" (نظام تعزيز خصائص المناورة)، والذي يحظى الآن بالاهتمام هو ما يسمى بنظام "منع التوقف المفاجئ". ورغم تشابه هذا المصطلح مع توقف السيارة المفاجئ، فإن هذا التوقف المفاجئ الإيروديناميكي لا علاقة له بالتوقف المفاجئ الذي يصادفه الناس عادة مع السيارات. ففي حالة توقف السيارة ينطفئ المحرك. أما في حالة الطائرة فهذا التوقف يحدث عندما يتم توجيه مقدمة الطائرة بشدة ضد الرياح القادمة. وعندما يحدث هذا، تتجاوز الطائرة "زاوية الهجوم"(1) (AOA). فيتوقف الهواء القادم عن التدفق فوق الجناح، كجزء من العملية التي توفر الرفع وتحافظ على ارتفاع الطائرة.

   

  

بمعنى آخر، يبدأ الهواء بالاصطدام بالجانب السفلي من الجناح فتكف الطائرة عن التحليق في الهواء. وعندما يحدث توقف مفاجئ في إحدى الطائرات، تتوقف عن الطيران وتبدأ في السقوط الحر مثل حجر يسقط من السماء. وإذا اكتشفت مستشعرات النظام أن مستوى "زاوية الهجوم" (AOA) الخاص بالطائرة أصبح مرتفعا بشكل خطير، مما يؤدي إلى توقف مفاجئ محتمل، فإن أدوات التحكم الآلية ستتدخل لدفع مقدمة الطائرة إلى أسفل، أيًّا كان ما يعتزم الطيار فعله في ذلك الوقت.

 

وللتشبيه بتكنولوجيا السيارات يمكن مثلا النظر إلى نظام مانع انغلاق المكابح في السيارة، والذي يكتشف متى يضغط السائق بقوة شديدة على المكابح، ويتدخل لمنع السيارة من الانزلاق. أو في نماذج مركبات ذاتية التحكم، قد نتخيل نظاما قد يمنع السيارة من الانجراف عن مسارها، أو أن تعبر الحاجز الفاصل إلى حركة المرور القادمة بالاتجاه المعاكس، أو أن تنجرف بعيدا تماما عن الطريق.

  

وحتى لو كان يعمل بشكل مثالي، فإن أيَّ نظام آلي مثل هذا له حدوده بالطبع. بالنسبة للسيارة، تعتبر الحالة الكلاسيكية في قرار لحظي: ماذا لو تجاوزت شاحنة الحاجز الفاصل وكانت تتجه نحوك تماما، لكنك إذا انحرفت لتبتعد عنها، ستدهس عائلة تسير على الرصيف؟ لا توجد إجابة صحيحة هنا، ولكن في الوقت الحالي سيكون معظم الناس (كما أظن) منزعجين لترك خيار الحياة والموت هذا بيد خوارزمية. ومع الطائرات (باستثناء الطائرات المقاتلة في المعارك، والطيارين البهلوانيين، والملائكة الزرق(2)، وما إلى ذلك)، هناك عدد أقل من هذه القرارات اللحظية. في العادة عندما يحدث خطأ ما، يكون لديك وقت للتفكير، لكن هنا في هذه الحالة يجب عليك الاستجابة الفورية.

    

   

إن القلق من الأتمتة في الطائرات يتعلق بفشل من نوع أبسط: وهو أن الأنظمة المحوسبة بطريقة أو بأخرى ستخطئ في تحديد موقع الطائرة، أو ما يحدث لها، أو معرفة ما المناورة الأكثر أمانا، وبالتالي تأخذ "بذكاء" الطائرة في الطريق مباشرة نحو الهلاك. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك تحطم طائرة الخطوط الجوية الأميركية في كولومبيا في عام 1995، حيث اعتقد الطيارون أنهم دخلوا في الطريق الصحيح في نظام الطيار الآلي للطائرة؛ وبسبب خلط حدث في أنظمة وضع العلامات دخلوا في إحداثيات الطريق الخاطئة وتوجهت الطائرة نحو تلك التي اختاروها، مصطدمة بجبل يصل ارتفاعه إلى 9800 قدم في الطريق. (اكتشفت تحقيقات ما بعد الانهيار أن الطيارين المتوفين أهملوا الجانب البرمجي. ووُجد أن أنظمة التوجيه كانت تعمل بشكل جيد حتى اللحظة التي دمرت فيها الطائرة)

   

* ما علاقة كل هذا بالحادث الإندونيسي وربما كارثة الرحلة الإثيوبية؟

- بعد أربعة أشهر ونصف من تحطم لاين إير في إندونيسيا، تشير الدلائل إلى أن نظام "MCAS" استمر في محاولة دفع مقدمة الطائرة إلى أسفل، حتى عندما كانت متجهة إلى الأسفل أكثر مما ينبغي، وكانت الطائرة تهبط باتجاه البحر. ويبدو أن الطيارين استمروا في محاولة سحب مقدمة الطائرة للأعلى مجددا، بينما ظل نظام "MCAS" يدفع بها إلى أسفل، وتغلب عليهم هذا النظام الآلي في النهاية.

   

والسؤال الذي لم تتم الإجابة عنه بعد حول هذا التعطل هو سبب عدم قيام الطيارين بإيقاف هذا النظام أو تعطيله. حيث تُضمّن أدوات أمان للإلغاء في حالات الطوارئ في كل نظام طيران تلقائي سمعت عنه. كما يناقش باتريك سميث (الطيار والكاتب في مجال الطيران) أنه من المحتمل أن الطيارين لم يفهموا كيف يعمل نظام "MCAS" الجديد، أو ما الذي سيحاول القيام به. وكذلك من المحتمل أنهم لم يكونوا على دراية بمكان أدوات الأمان، وربما حدث أي شيء.

   

هل كان هذا هو ما حدث مع الخطوط الجوية الإثيوبية أيضا؟ هل كان نظام مستشعر زاوية الهجوم الذي يحفز "MCAS" به عيب ما أو معطلا؟ هل كانت عناصر التحكم الأوتوماتيكية تحاول دفع الطائرة لأسفل أكثر فأكثر، بينما كان يكافح الطيارون لإبقائها تحلق عاليا؟ هل حاول الطيارون إلغاء أو تعطيل النظام؟ (عن طريق خفض رفارف الطائرة مثلا، وهو ما يحدث في كل عملية هبوط ويهدف إلى تعطيل نظام "MCAS" تلقائيا) أم كانوا متفاجئين ولم يعرفوا ما يفعله هذا النظام؟ هل كانوا يعرفون ولكن ما زالوا غير قادرين على تغيير المسار المؤدي للهلاك؟ أم كان هناك شيء آخر، شيء لا صلة له بالموضوع، مسؤول عن هذا الحادث؟ شيء لا علاقة له بهذا النموذج من الطائرات، أو هذه النظم الآلية الجديدة؟ في الوقت الحالي، أعتقد أن لا أحد يعلم. وهذا ما تحاول شركة بوينغ والسلطات الإثيوبية والمجلس الوطني لسلامة النقل وشركات الطيران في العالم أجمع اكتشافه.

     

  

هناك اختلافات كافية بين الحادثين -كالتقلبات في السرعة والارتفاع قبل الاصطدام- لدرجة أن الأسباب قد تكون غير متصلة نهائيا. في ظل محدودية المعلومات وتعدد الاحتمالات، يكتب باتريك سميث: بالنسبة إلى الطيارين، سيكون -أو ينبغي أن يكون- التعامل مع أمر خفض مقدمة الطائرة غير المرغوب فيه [الذي يقوم به نظام "MCAS"] سهلا نسبيا. يمكن إلغاء نظام مانع التوقف المفاجئ بسرعة من خلال مفتاح فصل. لذا فإن سبب فشل طياري لاين إير في القيام بذلك -لو كانوا قد حاولوا- غير واضح، لكن إن كانوا لا يعرفون خلل النظام في المقام الأول، فيمكننا تصور سيناريو نراهم فيه متوترين وغير قادرين على معرفة ماذا كان يحدث للطائرة وعاجزين عن معالجته بسرعة.

   

كتبتُ في نوفمبر/تشرين الثاني: "على الرغم من أنه يبدو أن هناك عيبا في التصميم ستحتاج شركة بوينغ إلى إصلاحه في أقرب وقت ممكن، يمكن للمسافرين الاطمئنان عند معرفة أن كل طياري طائرات ماكس يدركون تماما الآن هذه المشكلة المحتملة، وهم على استعداد للتعامل معها". رغم كل ذلك فإن حادث الخطوط الإثيوبية يجعلنا نتساءل؛ مع حداثة حضور تحطم طائرة لاين إير في ذهن أي طيار لطراز ماكس 737، فقد كان من المتوقع أن يتعرف الطاقم على الخلل على الفور ويتصرف وفقا لذلك. فهل أدركوا ما كان يحدث؟ هل فشل فصل النظام بطريقة ما؟ أم أن المشكلة كانت شيئا آخر تماما؟ لا نعرف حتى الآن، ولكن هناك الكثير على المحك هنا؛ بالنسبة لشركة بوينغ وشركات الطيران في العالم ولنا جميعنا كمسافرين حول العالم.

_______________________________________________

هوامش:

[1]  زاوية الهجوم (Angle of Attack) هي الزاوية التي يحتاج إليها الجناح أو الطائرة لإنتاج قوة الرفع (Lift force) اللازمة لرفع أو حمل الطائرة.

[2] هو فريق للاستعراض الجوي وتابع لبحرية الولايات المتحدة ويعرف رسميا بفريق البحرية للطيران الاستعراضي.

-------------------------------------------------------------------

ترجمة: سارة المصري.

هذا المقال مأخوذ عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار