انضم إلينا
اغلاق
يسعد ربراب.. لماذا سقط حوت الأعمال بالجزائر؟

يسعد ربراب.. لماذا سقط حوت الأعمال بالجزائر؟

عارف عبد البصير

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
   
تقديم
منذ أسبوع ونيف، وبعد القبض عليه في 22 من الشهر الماضي، أُودع أغنى رجل بالجزائر ورجل الأعمال الشهير "يسعد ربراب" الحبس المؤقت ضمن مجموعة من أبرز الرموز والشخصيات الجزائرية النافذة بعد إجبار "بوتفليقة" على الاستقالة، وقد ظهرت في الأيام القليلة الماضية شبهات حول تمويل "ربراب" لحملة "إيمانويل ماكرون" الانتخابية التي أوصلته لرئاسة فرنسا، وهي شبهات حملت أسماء أخرى، إلا أن ربراب بجانب "علي حداد" رجل الأعمال الجزائري واسع النفوذ أيضا كانا هما الاسمين الأبرز فيها، وفي خضم المطالبات الشعبية الحالية التي تطالب بإسقاط جميع رموز النظام السابق والتي وصلت لأقوى رجل في الجيش ورئيس الأركان "قايد صالح" نفسه، فإن هذا التقرير يسلط الضوء على أكثر رجال أعمال البلد الشمال أفريقي نفوذا وسطوة، ويستشرف مستقبله وشبكاته في إطار ما يُطلق عليه "حملة التطهير" الحالية، ومدى تأثيرها وفاعليتها على مستقبل الجزائر السياسي والثوري.

    

نص التقرير

في السادس عشر من مايو/أيار من العام الماضي 2018، نشرت الصحف الجزائرية بيانا قصيرا مثّل مفاجأة صادمة(1) لمعظم السياسيين والصحفيين والمهتمين بالشأن العام المحلي؛ حاملا توقيع "يسعد ربراب"، الملياردير العجوز الذي يعرفه الجميع اليوم كأغنى رجل في الجزائر، وواحد من أغنى عشرة رجال في أفريقيا في أدنى التقديرات، ولكن المفاجئ أن بيان "ربراب" لم يكن ماليا أو اقتصاديا أو استثماريا بحال وإنما سياسي بامتياز، حيث اختار الملياردير واسع النفوذ أن يراهن علنا ضد الحكومة متضامنا مع عرّاب الحقوقيين الجزائريين "علي يحيى عبد النور" في مواجهة محاولات الحكومة طرده من منزله الذي يقطنه منذ خمسين عاما على الأقل.

  

          

كان "عبد النور" دائما وأبدا مصدر إزعاج مزمن لشاغلي مقاعد السلطة في الجزائر، ومع تاريخه النضالي الكبير الذي يمتد لعهد الاستقلال، وشغْله منصب وزارة الفلاحة في عهد "هواري بومدين" قبل أن يستقيل من منصبه كأول وزير يستقيل في الجزائر بعد الاستقلال ويقرر التفرغ للعمل الحقوقي، مع تاريخ كهذا لم يكن من السهل اتهامه بالحزمة الحكومية المعتادة المكوّنة من تهم التآمر والخيانة، ورغم تعرضه للسجن والنفي خلال فترات من حياته، ظل "عبد النور" يتمتع بشعبية كبيرة داخل الجزائر تسبّبت في حالة استنكار واسع لجهود الحكومة الرامية لسلب منزله الذي يقطنه منذ عهد "بومدين".

    

غير أن ما كان جديرا بالملاحظة حقا هو السبب الذي دفع "ربراب"، مَن ترتبط مصالحه بالسلطة بشكل أو بآخر؛ للرهان ضد الحكومة بشكل صريح وواضح، بل والزج بشركته وجيش موظفيه الضخم الذي يبلغ عدده 18 ألفا في أدنى التقديرات في قلب معركة لدعم معارض حقوقي قوي للسلطة، معارض عُرف في تلك اللحظة بكونه أحد أشد المناهضين لنظام بوتفليقة، وأول المنادين بتفعيل المادة 88 من الدستور التي تطالب بإبعاد الرئيس لعجزه الصحي عن أداء مهام منصبه.

    

لكن دعم "عبد النور" كان فيما يبدو وسيلة بسيطة وغير مكلّفة لـ "ربراب" لإعادة تقديم نفسه كرجل أعمال غير تقليدي يواجه السلطة، وكانت تلك الطريقة التي اختارها لبيان انحيازه للشارع والرأي العام، في وقت تفاقم فيه الاستياء ضد نظام بوتفليقة، ليستغل الملياردير الشهير مكانة "عبد النور" كشخصية محترمة مقبولة لدى عموم الجزائريين، أو بمعنى آخر، وعلى الأرجح، فإن "ربراب" قد فطن مبكرا إلى أن دعم "عبد النور" سيُمثّل نقطة جيدة لاغتنامها في صراعه متعدد الجولات مع الحكومة، ويبدو أنه قد فطن مبكرا أيضا إلى أن مرحلة بوتفليقة قد أوشكت على الانتهاء، وبلا رجعة.

      

علي يحيى عبد النور (الجزيرة)

   

لم يكن ما حدث خطوة تقليدية لرجل أعمال حتى ولو كان فاحش الثراء مثل "ربراب"، فقد كان يمكن له أن يستخدم جزءا يسيرا من ثروته الضخمة ليُهدي منزلا فاخرا لـ "عبد النور" -كعادة رجال الأعمال في مثل هذه المواقف- بدلا من إضافة المزيد من الوقود للمعركة مع السلطة، ولكن "ربراب" لم يعد وقتها رجل أعمال عاديا، حيث بدا أن الملياردير الجزائري كان قد حسم موقفه مبكرا بالرهان ضد النظام، بعدما أعلن رفضه وقتها لترشح "بوتفليقة" لعُهدة رئاسية خامسة، في ظل أنباء ترددت عن استعداده لدعم مرشح بديل أو ربما الترشح بنفسه للانتخابات في نهاية المطاف، وأنه كان يستعد لإطلاق قناة تليفزيونية برأس مال ضخم يتم إنشاؤها خصيصا لهذا الغرض.

   

وكالعادة مع رجال المال أصحاب الطموح دوما، اندلعت شرارة البداية في صراع "ربراب" مع السلطة من طموحاته المالية التي رأى النظام الجزائري أنها يمكن أن تُمثّل تهديدا سياسيا. ونتيجة لذلك؛ فإن "ربراب" الذي بنى ثروته مستفيدا من علاقته القوية بالسلطة منذ البداية، قد بدأ يعاني آثار تحولات السياسة منذ عقد من الزمان على الأقل، وتحديدا منذ الواقعة الشهيرة في عام 2008، حين رفضت السلطات الجزائرية خطة له لإقامة مشروع صناعي واسع في منطقة رأس جنات الساحلية بولاية بومرداس في منطقة القبائل التي ينتمي إليها ربراب، وهو ما دفعه لطلب وساطة الرئيس الجزائري السابق "أحمد بن بلة" الذي كان يقيم آنذاك في جنيف، ولكن دون جدوى تُذكر.

  

على مدار العقد السابق، كان الصراع المكتوم بين "ربراب" والمقربين من الرئيس الجزائري بوتفليقة يتفاقم يوما بعد يوم، حيث شرعت السلطات في وضع قيود ضخمة على أنشطة "ربراب" في الجزائر، وهي قيود كثيرا ما نجح في تفاديها بمهارة، سواء بفضل علاقته مع بعض الأجنحة داخل النظام، أو بسبب نفوذه الكبير في دوائر السلطة في أوروبا، خاصة فرنسا وإيطاليا، لكن القشة التي قصمت ظهر البعير في علاقة "ربراب" مع نظام بوتفليقة تمثّلت في النزاع حول خططه لإنشاء مصنع لإنتاج خام الزيت من البذور في مدينة "بجاية" الساحلية، وهي جهود تم تعطيلها من قِبل الحكومة بحجة أن "سيفيتال"، الشركة المملوكة لربراب، لا تمتلك الأرض المحددة لتركيب مصنعها، ولا إذن استيراد للمعدات، وهو ما دفع السلطات لمنع الحاويات التي تحمل معدات "سيفيتال" من الإنزال في الميناء واضطرارها للعودة من حيث جاءت.

  

 شركة سيفيتال (رويترز)

   

كانت الحكومة قررت(2) فيما يبدو أن الأوان قد آن لتقليم أظافر "ربراب" عبر تقييد أنشطته في أهم المجالات التي يحتكرها وهي صناعة الزيت والسكر، من خلال منح عقد مصنع البذور لشركة "كوجي سي" المملوكة لعائلة "كونيناف" المقربة من بوتفليقة بالشراكة مع شركة "سيباكو" اللبنانية، وهو ما دفع "ربراب" لنقل معركته مع الحكومة إلى الشارع أخيرا، وفي الرابع عشر من مايو/أيار العام الماضي، وقبل يومين من بيان دعم "عبد النور" الشهير، كان الآلاف من عمال شركة "سيفيتال" -3000 منهم من مدينة بجاية- يتظاهرون في الشوارع ضد شركة إدارة موانئ "بجاية" منددين بالتعنّت الحكومي ضد مشروعات "ربراب" التي تولد التنمية والوظائف لهم، في مشهد تكرر في أكثر من مناسبة خلال الأشهر التالية، مع تجاوز عدد المتظاهرين 30 ألفا في بعض المناسبات.

     

كانت الرسالة التي حملتها مظاهرات "سيفيتال" واضحة ومباشرة، فوفقا لرسائلهم، لم تكن حملة الحكومة تستهدف سيفيتال وحدها أو ربراب على وجه الخصوص، ولكنها كانت جزءا من خطة واسعة النطاق لإعاقة التنمية في منطقة القبائل في ظل هيمنة المناطقية(3) على النظام السياسي الجزائري، واستشهدوا على ذلك بقيام الحكومة بإعاقة 143 مشروعا في منطقة القبائل منها مشروع لإقامة ملعب لكرة القدم يتسع لـ35 ألف متفرج، وكانت هيمنة هذه الشعارات السياسية إشارة واضحة لنجاح "ربراب" في تحويل صراعه مع الحكومة من معركة حول النفوذ الاقتصادي إلى قضية شعبية حقيقية.

     

قائد أركان الجيش الجزائري "أحمد قايد صالح"  (وكالات)

 

خلال الأشهر التالية، بدا لوهلة أن الرياح السياسية أتت بما تشتهيه سفن "ربراب" مع اندلاع الانتفاضة الشعبية ضد نظام بوتفليقة خلال الأسابيع الأولى من العام الحالي 2019، والتي أدّت في النهاية إلى استقالته مطلع أبريل/نيسان الماضي، مخلِّفا عملية إعادة تشكيل واسعة في صفوف النظام السياسي، إلا أنها عملية يبدو أنها لم تسر كما كان يتمنى "ربراب"، فمع تركز السلطة الفعلية في البلاد في يد رئيس أركان الجيش "قايد صالح"، يبدو أن صراعا أكثر حدة وخشونة على النفوذ تم تدشينه، وأسفر في نهاية المطاف عن اعتقال "ربراب" ضمن حملة مزعومة لـ "مكافحة الفساد"، مع حزمة تهم معدة جيدا؛ شملت ما سُمّي بـ "الكذب حول حركة رؤوس الأموال الخاصة به بين الداخل والخارج"، و"التلاعب بفواتير استيراد تجهيزات لمصانعه"، والاستفادة من الامتيازات الجمركية والمصرفية لاستيراد عتاد مستعمل على أنه عتاد جديد، لتبدأ بذلك جولة جديدة في حياة الملياردير العجوز خلف أسوار سجون السلطة الجديدة، أسوار يختبرها للمرة الأولى في حياته، وصراع لا يخوضه مع نظام سياسي هذه المرة، وإنما مع رأس النظام العسكري مباشرة.

   

إمبراطور الزيت والسكر

  

يحب "يسعد ربراب" -المولع بالحديث عن نفسه في وسائل الإعلام- تقديم نفسه كرجل أعمال عصامي، ففي أحد الحوارات الصحفية أخبر "ربراب" محاوره أنه بدأ ثروته بدخل يبلغ 120 دولارا فقط، وأنه كان يكسب مئة دولار فقط شهريا حتى منتصف السبعينيات، حين قرر فجأة تحويل مسار حياته بأكمله وخوض غمار عالم الصناعة والتجارة.

   

كان ربراب، ابن مقاطعة "تيزي ووزو" الشهيرة في منطقة القبائل في شمال شرق الجزائر، قد وُلد لعائلة متواضعة في منتصف الأربعينيات، قبل أن ينتهي به الحال طالبا في كلية تدريب المعلمين في مجال المحاسبة والقانون التجاري، لكنه قرر أن يهجر طريق التدريس مؤسسا أول مكتب محاسبة خاص به عام 1968، قبل أن يدخل شريكا في مؤسسة صغيرة لتصنيع الحديد، وفي عام 1971 استثمر أمواله في شراء أسهم في شركة الإنشاءات المعدنية "سوتيكوم"، وبحلول نهاية الثمانينيات كان الرجل الأربعيني قد أسس أول شركة خاصة له في مجال الحديد والصلب تحت اسم "ميتال سيدر"، ووظف فيها قرابة ألف شخص. وفي الوقت الذي بدا فيه أن القدر بدأ يبتسم لـ "ربراب" وأن استثماراته بدأت تؤتي أُكلها، اندلعت الحرب الأهلية في الجزائر بعد تدخل الجيش لإلغاء نتائج الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون مطلع التسعينيات، ونال "ربراب" نصيبه من ويلات الحرب بعد أن جرى تفجير مصنعه الرئيس بعشر قنابل، قبل أن يتلقى هو شخصيا تهديدات بالقتل أجبرته على الفرار من الجزائر ليستقر به المقام في فرنسا.

   

وحتى في منفاه، لم يُضع ربراب وقتا كعادته، حيث سارع لاستثمار جزء من الثروة التي صنعها من تجارة الحديد في مصنع "إيسلا مونديال" للحوم الحلال، قبل أن يشتري أسهم شريكه في المصنع ويمتلكه بمفرده، وبحلول الوقت الذي وضعت فيه الحرب الأهلية أوزارها؛ سارع "ربراب" بالعودة لبلده حيث أنشأ أهم شركاته على الإطلاق وهي مجموعة "سيفيتال" التي مارست أنشطة اقتصادية مختلفة، أنشطة شملت الزراعة والخدمات الزراعية وتجارة مواد البناء وتقديم الخدمات اللوجستية وتجارة السيارات (يمتلك ربراب توكيلي سيارات هيونداي وفيات في الجزائر)، لكن أهم أنشطة الشركة على الإطلاق كان عملها في صناعة وتجارة الزيت والسكر اللذين احتكرتهما الشركة بشكل كلي، لدرجة أن ربراب بات يعرف بالجزائر بلقبه الجديد "إمبراطور الزيت والسكر".

     

وبفضل نشاطها في مجال الزيت والسكر، نمت سيفيتال بسرعة كبيرة وحافظت على معدل توسع بلغ 30% سنويا، وارتفع عدد فروعها إلى 26 فرعا في مقدمتها المجمع العسكري الصناعي الذي يعد الفرع الأكثر ربحية في المجموعة، وفي غضون سنوات قليلة نجحت سيفيتال في تحويل الجزائر من مستورد إلى مصدر طبيعي للزيت والسمن، بعد أن وصل إنتاجها السنوي منهما إلى 450 ألف طن بحلول عام 2012. أما في مجال السكر، فقد مكّنت التقنيات المتطورة التي تمتلكها الشركة وعلى رأسها أكبر مصفاة لتكرير السكر في أفريقيا؛ مكّنت سيفيتال من إنتاج قرابة مليوني طن من السكر عام 2014 ذهب نصفها للسوق المحلية، وتم تصدير نصفها الآخر إلى 20 دولة في أفريقيا فضلا عن العديد من الشركات العالمية مثل كوكاكولا وفريرو روشيه، وقد جعلت هذه الأرقام الضخمة سيفيتال أكبر مصدر للمواد غير الكربونية في الجزائر، وثاني أكبر مصدر في البلاد بعد شركة النفط الوطنية "سوناطراك".

         

سونطراي (رويترز)

    

ورغم كل تلك النجاحات، يبدو أن "ربراب" بدأ يدرك(4) مع بداية العقد الماضي أن السوق الجزائري وحده لم يعد كافيا لتلبية طموحاته، مع تشبع السوق من السلع الاستهلاكية والركود النسبي اللاحق بفعل انخفاض أسعار النفط، ما دفعه للتطلع لتوسيع أعماله في الخارج، وكانت البداية عام 2012 حين تقدمت سيفيتال بعرض لشراء عملاق تجارة الدجاج الفرنسي "دوكس"، ورغم أن الصفقة فشلت في النهاية فإنها كانت مقدمة لسلسلة من صفقات الاستحواذ الناجحة التي قامت بها سيفيتال، والتي بدأت مع شركة تصنيع الألومنيوم الفرنسية أوكسو، وشركة ألاس الإسبانية لصناعة الألومنيوم أيضا، ثم شركة "فاغور براند" عملاق الأجهزة المنزلية الفرنسية، ولاحقا مصنع لوشيني للصلب في إيطاليا، وبخلاف ذلك أعلنت المجموعة عزمها استثمار مئات الملايين من اليورو في صناعة السكر في السودان، وصناعتي الزيت والسكر في إثيوبيا، ومزارع الخوخ في جيبوتي، والخدمات اللوجيستية في ساحل العاج، وصولا لصناعات الحديد والصلب والأغذية والسكر والزيت في كل من البرازيل وسريلانكا.

     

مكّنت استثمارات ربراب الخارجية رجل الأعمال الجزائري من إظهار قدراته الاقتصادية، مع نجاحه في تحويل العديد من الشركات التي أنقذها من حافة الإفلاس وإعادة هيكلتها لتقدم أداء اقتصاديا مثيرا للإعجاب، فعلى سبيل المثال ارتفع إنتاج شركة أوكسو الفرنسية من 200 ألف نافذة فقط عام 2013 إلى 2.1 مليون نافذة في عام 2018، فيما توسعت مبيعات براندت لتصل إلى 500 مليون يورو في عام 2016 مقارنة بـ 170 مليون يورو عام 2014.

     

لكن الصورة لم تكن وردية تماما في معظم الأحوال، فمع انطلاق معارك تكسير العظام بين الحكومة الجزائرية وإمبراطورية ربراب الاقتصادية، فإن استثماراته الخارجية لم تسلم من أصداء هذه المعارك، وفي حين أن الحكومة الجزائرية فشلت في إفشال مفاوضات ربراب للاستحواذ على براندت عبر عرقلة نقل مبلغ 37.5 مليون يورو من البنك المركزي الجزائري طلب ربراب تحويلها لإتمام الصفقة، حيث استعاض عنها بقروض فرنسية، فإنه فشل في الحصول على التسهيلات نفسها في صفقة مصنع لوشيني في إيطاليا، ما أجبره في نهاية المطاف على الرضوخ لضغوط الحكومة الإيطالية وبيع المصنع لشركة جيندال الهندية مقابل 75 مليون يورو تقريبا.

      

شركة براندت (مواقع التواصل)

   

بيرلسكوني القبائل الجزائرية

لطالما كانت ثروة "ربراب"، التي تُقدّر اليوم بـ 4 مليارات دولار، مثار تساؤل العديد من الجزائريين، خاصة وأن المناخ السياسي الجزائري لم يكن صديقا للأعمال في معظم الأحوال، وغالبا ما عمدت البلاد لفرض قيود كبيرة على حركة رؤوس الأموال الخاصة، في وقت سيطرت فيه الدولة والمقربون منها على مختلف قطاعات الأعمال التجارية، وهو مناخ جعل علاقة "ربراب" مع السلطة موضعا للتساؤل والتشكيك، بل والاتهام في كثير من الأحيان.

  

ومما عزز من التساؤلات العلاقة الوثيقة التي جمعت بين "ربراب" ورئيس جهاز المخابرات الجزائري الأخطبوطي "محمد مدين"، المعروف باسم الجنرال توفيق، الذي كان حتى وقت قريب -وقبل الإطاحة به من منصبه عام ٢٠١٥ ثم اعتقاله مؤخرا- يُعرف بأنه أقوى رجال الجزائر، لدرجة أنه كان هناك اعتقاد سائد بأن "ربراب" لم يكن سوى واجهة للإمبراطورية الاقتصادية لمخابرات مدين، وقد تنامت هذه الشكوك بشكل أكبر مع نمو أعمال ربراب وتوسع نشاطاته في قطاعات اقتصادية حيوية مثل السكر على حساب الشركات العمومية، وهو ما أدى في النهاية إلى القضاء على المؤسسة الوطنية للسكر، في الوقت نفسه الذي تعرض فيه العديد من رجال الأعمال الطامحين لضربات قاصمة من قِبل نظام بوتفليقة، وعلى رأسهم فتى الجزائر الذهبي "عبد المؤمن خليفة" الذي نجح في مراكمة ثروة تُقدّر بالمليارات خلال أعوام قليلة بفضل علاقته بالسلطة، قبل أن ينقلب نظام بوتفليقة عليه ويقوم بإغلاق بنك الخليفة بسبب قيام عبد المؤمن بتأييد منافس بوتفليقة "علي بن فليس" خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2004، رغم أن ذلك الإغلاق كلّف خزينة الجزائر قرابة 7.5 مليار دولار.

     

 الفريق محمد مدين (مواقع التواصل)

      

مثّلت تجربة "خليفة" درسا عمليا قاسيا لرجال الأعمال الجزائريين حول علاقتهم بالسلطة مفاده أن ممارسة الأعمال في البلاد تحتاج(5) إلى تحالف وثيق مع أحد مكونات "البوفوار" أو السلطة الجزائرية، التي تقاسمت النفوذ السياسي كما تقاسمت الثروات الاقتصادية، وهو درس استوعبه ربراب مبكرا حين سهّلت له القروض التي حصل عليها -بمساعدة صهره رئيس الحكومة السابق رضا مالك- بناء إمبراطوريته الاقتصادية، وهو ما دفعه للرهان على علاقته مع السلطة مجددا وهذه المرة تحديدا على علاقته مع رئيس المخابرات حينها "محمد مدين".

      

في ذلك التوقيت، سعى بوتفليقة لتمكين(6) طبقة جديدة من رجال الأعمال ترتبط بشكل وثيق بفريقه الرئاسي، وخاصة شقيقه سعيد، لمواجهة نفوذ شبكات المحسوبية السياسية المضادة المنقسمة بين الجيش وجهاز الاستخبارات، ولتعزيز موقفه في السلطة، وهو ما أدى في النهاية إلى ظهور شرائح منفصلة من رجال الأعمال، على رأسها المجموعة المرتبطة ببوتفليقة وفريقه الرئاسي مثل "علي حداد"، رئيس منتدى المؤسسات السابق وهي منظمة الأعمال الأبرز في البلاد والمعتقل حاليا، والأخوة "كونيناف" وغيرهم الذين استفادوا بشكل أفضل من العقود الحكومية وخطط الدولة لتدوير العائدات النفطية في الاقتصاد غير النفطي، بخلاف رجال الأعمال الذين ظلوا مرتبطين بالجيش وجهاز الاستخبارات، من اتفق الجزائريون على تسميتهم "رجال الدولة العميقة".

    

في هذا السياق؛ بدأت الخصومة بين "ربراب" ونظام بوتفليقة في الظهور، وبدأت الحكومة في تقييد أنشطة سيفيتال في الجزائر، ووقعت أولى المحطات الرئيسة في مسلسل التضييقات الحكومية ضد ربراب عام 2008 حين رفض النظام خطة ربراب لإقامة مشروع صناعي واسع في منطقة رأس جنات الساحلية كما ذكرنا، لكن عام 2011 كان هو العام الذي وصلت فيه الأمور إلى طريق مسدود بين ربراب وبوتفليقة، مع اندلاع التظاهرات الشعبية المعروفة إعلاميا باسم "ثورة الزيت والسكر" احتجاجا على ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهي تظاهرات جاءت متزامنة مع ثورات الربيع العربي، وكانت أزمة اعتقدت حكومة بوتفليقة أن "ربراب" ساهم عمدا في تغذيتها وتحريكها بتحكمه في أسعار السكر بفضل سيطرته على 85% من السوق، في ظل غياب تام للمنافسة.

    

  

لم ينس بوتفليقة لـ "ربراب" دوره المزعوم في أزمة السكر، والتي يبدو أنها حولت الأمر إلى خصومة شخصية بين الرجلين، وبدأ بوتفليقة في توسيع حربه ضد ربراب أو "برلسكوني القبائل" كما أطلق عليه مشبها إياه برئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني الذي استغل أعماله التجارية كبوابة لاقتحام عالم السياسة، وفي عام 2013 عرقلت(7) الدولة خططه لشراء مصنع ميشلان للإطارات، ولاحقا تدخلت(8) الحكومة لمنعه من الاستحواذ على مؤسسة الخبر الإعلامية بحجة أن القانون الجزائري يمنع أي شخص اعتباري من السيطرة على وسيلتين إعلاميتين معا، في ظل امتلاك ربراب لصحيفة "ليبرتي" بنسختيها العربية والفرنسية والتي كان يُسخّرها بالفعل في حربه ضد الحكومة.

 

وردا على هذه التضييقات، قرر ربراب التخلي عن القناع الجامد التقليدي لرجال الأعمال ملقيا بثقله في قلب السياسات المناهضة للحكومة، حيث قام بالانسحاب من منتدى المؤسسات، وأعلن معارضته لترشح بوتفليقة لولاية رابعة خلال انتخابات عام 2014 التي فاز بها بوتفليقة في النهاية، ليتفرغ بعدها لشن حملة شرسة على خصومه السياسيين الذين شكّكوا في أهليته وعلى رأسهم "محمد مدين" الذي حمّله بوتفليقة المسؤولية عن تسريبات ويكليكس الشهيرة التي كشفت عن سلسلة من العقود غير القانونية والفساد المالي لشركة سوناطراك، وهو ما اضطر بوتفليقة للتضحية بجزء من شبكة رجال الأعمال الخاصة به عبر إقالة صديقه المقرب ووزير الطاقة والمعادن "شكيب خليل" ورئيس شركة سوناطراك "محمد مزيان" وإبعاد العديد من دائرته الداخلية.

    

استثمر بوتفليقة ولايته الرابعة -أو الجزء الذي أمضاه منها واعيا على كل حال- في تفكيك شبكة محمد مدين الأمنية وتقويض مراكز القوى الأمنية والسياسية والاقتصادية المرتبطة به، وكان التضييق على إمبراطورية "ربراب" في قلب حملة بوتفليقة لتقويض خصومه السياسيين، ومثّلت أبرز جولات هذه المعركة قيام الحكومة بتعطيل خطط ربراب لإقامة مصنع لتكسير البذور لإنتاج خام الزيت في مدينة بجاية الساحلية، وتعطيل استيراد معدات لمصنعه الضخم للأدوات المنزلية التابع لشركته فاغور براند في مدينة سطيف، ولاحقا تعطيل استيراد المعدات لمشروع تنقية المياه الخاص به -بتكنولوجيا ألمانية- والمعروف باسم إيفكون.

    

استمرت هذه المعركة ثلاثة أعوام كاملة على الأقل، وشهدت مواجهة لفظية بين ربراب وبين وزير الصناعة عبد السلام بوشارب، مواجهة استخدم فيها ربراب سلاحه المجرب بتحريك عمال شركته نحو الشارع، وعلاقاته مع الدوائر السياسية في فرنسا وفي القلب منها الرئيسان السابق فرانسوا هولاند والحالي إيمانويل ماكرون، فيما واجهته الحكومة بالمزيد من القيود التنظيمية والقضائية التي طالت أعماله في الداخل وقيّدت قدرته على نقل الأموال إلى الخارج، وصولا للتلويح بإصدار مذكرة اعتقال ضده وهو ما دفعه للبقاء في فرنسا ورفض العودة إلى حين إعلان الحكومة صراحة عدم وجود نية لتوقيفه أو اعتقاله.

     

يسعد ربراب وإمانويل ماكرون (رويترز)

      

حرب النفوذ

يقول مؤيدو "ربراب" أنه لم يمارس السياسة ولم يكن جزءا منها، لكنّ أحدا منهم لا ينكر أنه كان بارعا في توظيفها واللعب على حبالها والصمود في مواجهة مكائدها وإدراك توازناتها، فحين أدرك ربراب أن السلطات الحكومية باتت جادة في تحجيمه وربما استئصاله، وأنه خسر جزءا كبيرا في رصيد ائتمانه باقتلاع محمد مدين وتفكيك شبكته في أخطر ما عرفته الجزائر في عشر السنوات الأخيرة؛ لما أدرك ربراب كل ذلك قرر أن يخوض المعركة بأوراقه الشخصية محوّلا إياها من معركة بينه وبين الحكومة حول النفوذ والكعكة الاقتصادية والثأر السياسي؛ إلى معركة شعبية جماهيرية حول التنمية والنيّات الحكومية المزعومة لتهميش منطقة القبائل التي ينتمي إليها ربراب ومعظم مؤيديه وتتركز فيها معظم استثماراته.

    

تقطن القبائل شرقي الجزائر العاصمة، وتتمتع تلك المنطقة بتضاريسها الجبلية المنفتحة على البحر المتوسط، وتضم اليوم ست محافظات جزائرية هي "تيزي وزو" و"بجاية" و"بومرداس" و"البويرة" و"سطيف" و"برج بو عريريج"، ومعظم سكانها من الأمازيغ، وتشتهر المنطقة بأنها معقل للثورات والتمرد ضد الدولة منذ الأربعينيات قبيل الاستقلال إبان ما عُرف باسم "الأزمة البربرية"، حين احتج الأمازيغ ضد تهميش وإقصاء لغتهم لصالح العربية وطالبوا بحماية الهوية الأمازيغية في دولة ما بعد الاستقلال.

    

لكن الأمور لم تكن أفضل حالا بالنسبة للأمازيغ بعد استقلال الجزائر مطلع الستينيات، حيث دأبت السلطات على فرض معاييرها لتحديد الهوية الوطنية وإقصاء الثقافة الأمازيغية مع تأكيد أول رؤساء الجزائر "أحمد بن بلة" على مركزية الهوية العربية للدولة الجديدة، فيما واصل سلفه "هواري بومدين" مسيرة التعريب وفرض اللغة العربية كلغة وطنية، ما تسبب في اندلاع المواجهات بين السلطة والأمازيغ بسبب صراعات اللغة.

      

أحمد بن بلة (يسار)، وهواري بومدين (يمين) (مواقع التواصا)

    

خلال الأعوام التالية، استمر الصراع حول مسألة الهوية الأمازيغية بأشكال مختلفة وصولا إلى حقبة الثمانينيات وتولي الشاذلي بن جديد رئاسة الجزائر، حين قرر الأمازيغ صوغ مطالبهم في حركات جماهيرية أكثر تنظيما، وشنّوا أكثر من موجة تمرد ضد السلطة أبرزها عام 1994 احتجاجا على قانون تعميم اللغة العربية، ثم في عام 2001 إبان أحداث الربيع الأسود التي شهدت مواجهات دامية بين قوات الأمن والمحتجين الأمازيغ، قبل أن يتدخل الرئيس بوتفليقة -ذو الأصول الأمازيغية- ويعلن حزمة قرارات شملت الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية، وإقرار مكونات الهوية الأمازيغية.

    

ورغم استقرار التمرد الأمازيغي بشكل كبير مع الإجراءات الحكومية في عهد بوتفليقة، فإن "ربراب" كان ماهرا في اللعب على وتر المناطقية في السياسة الجزائرية، وسعى لتأطير صراعه مع السلطة بوصفه صراعا بين رجل أعمال قبائلي وبين سلطة تتعمد تهميش منطقة القبائل، رغم أن عهد بوتفليقة شهد انتقال العديد من مراكز السلطة والمال إلى شخصيات قبلية، وكانت شعارات عمال سيفيتال المحتجين تحمل نبرة الاستياء من الحكومة، ليس فقط لتضييقها على أنشطة ربراب الذي يعد أكبر رب للوظائف في المنطقة، ولكن لخنقها فرص التنمية الاقتصادية في منطقة القبائل بشكل عام.

    

بالإضافة إلى ذلك، كانت الحالة الصحية لبوتفليقة المريض قد أغرت مختلف مكونات "البوفوار" الجزائري لإعداد أنفسهم لأجل محاصصة سلطوية جديدة في زمان ما بعد بوتفليقة، ولم يكن أسعد ربراب ليتخلف عن هذا الصراع، ففي الوقت الذي كانت الاستعدادات فيه تجري على قدم وساق لانتخابات عام 2019 في ظل خلافات داخل السلطة حول العهدة الخامسة لبوتفليقة، ألقى ربراب دعمه خلف الجنرال المتقاعد "علي غديري" الذي قدّم نفسه بديلا للنظام القائم، وقدم له "فيلا" خاصة لإدارة حملته الانتخابية، وكان يستعد لإطلاق قناة تلفزيونية تزامنا مع الحملة الانتخابية تحت اسم "ناس تي في"، وسط تكهنات بأن غديري -ومن خلفه ربراب- كان مرشح الدولة العميقة والجنرال "محمد مدين".

      

الجنرال المتقاعد "علي غديري" (مواقع التواصل)

   

لم تسر الأمور وفق تخطيط ربراب أو غيره على كل حال، وقلبت موجة الاحتجاجات الشعبية كل شيء رأسا على عقب داخل النظام الجزائري، فمع إعلان استقالة بوتفليقة بدا أن زمام الأمور آلت بشكل فعلي إلى يد رئيس أركان الجيش قايد صالح، الذي قرر(9) الانقلاب مبكرا على شركائه السابقين في السلطة، سواء من المرتبطين بالفريق الرئاسي وشقيق الرئيس السابق سعيد بوتفليقة، أو من المرتبطين برئيس المخابرات السابق "محمد مدين"، حيث قامت السلطات الجزائرية بتوقيف "ربراب" جنبا إلى جنب مع العديد من خصومه الافتراضيين من رجال الأعمال المرتبطين ببوتفليقة مثل علي حداد والإخوة كونيناف وغيرهم.

    

لم تقف حملة "التطهير" التي شنّها قايد صالح عند هذا الحد، فبعد أيام قليلة من اعتقالات رجال الأعمال كانت يد "قايد صالح" الطولى قد وصلت إلى زعماء الأجنحة المنافسة في نظام بوتفليقة، مع اعتقال شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة، ومحمد مدين، نفسه، وخلفه ونائبه السابق "عثمان طرطاق"، وتحويلهم إلى محكمة عسكرية بتهم التآمر ضد الدولة والمساس بسلطة الجيش، على خلفية اجتماع مزعوم لهم مع أجهزة مخابرات أجنبية للتآمر ضد الجيش والدولة، لينتهي بهم الحال جميعا من حلفاء ومتنافسين قدامى حول السلطة إلى رفقاء جدد في سجون السلطة الجديدة لأجل غير معلوم، ولكن ما يبقى معلوما للجميع أنه أيًّا كانت المدة التي سيقضيها "ربراب" ورفاقه في السجن، فإن ثمن حريتهم سيكون أكبر بكثير من المال، وأن عليهم أن يوطّنوا أنفسهم لقبول مساومة جديدة في حصة السلطة سيكون نصيبهم فيها جميعا أقل بكثير مما حظوا به في عهد بوتفليقة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار