انضم إلينا
اغلاق
٨ رسوم بيانية تفضح خرافة تطور العالم!

٨ رسوم بيانية تفضح خرافة تطور العالم!

  • ض
  • ض
مقدمة

هو ستيفن بنكر، عالم النفس الكندي الأميركي، والمدافع الشرس عن فكرة أن "العالم يتقدم نحو الأفضل" ضد من يصفهم بـ "الرجعيين" من مفكرين ومثقفين وأكاديميين لديهم موقف مخالف لهذه النظرة، ففي الحين الذي يعد فيه بنكر مثقفا محبوبا لدى أقوى وأرقى مجموعات المجتمع العالمي، وأن عمله يقدم الأساس المنطقي للكثيرين من نخبة هذا العالم لمواصلة الممارسات التي تعرّض البشرية للخطر، فإن كاتب هذه المقالة "جيرمي لينت" يسعى للرد عليه بصرامة على حد وصفه. تتضح ملامح هذه النظرة بصورة أمثل في كتابه "التنوير الآن: عن المنطق والعلم والإنسانويّة والتقدم". يقول بنكر إن "العالم يتقدم"، لكن الكاتب، يسأل هنا: "يتقدم لصالح من؟" محاولا تحرير مفهوم التقدم، حديث الاختراع والصياغة نسبيا، عبر تناوله ضمن أطر أخرى، لينزع ويُفكّك الدلالات التي اكتسبها هذا المفهوم، بعيدا عمّا أسماه "حجج ستيفن بنكر الخادعة"، وذلك عبر سلاح ستيفن بنكر نفسه: الأرقام والإحصائيات والرسوم البيانية.


نص التقرير

حان الوقت لكي يسترد التقدميون رسالة "التقدم". إنَّ ستيفن بنكر يحاول أن يستأثر بفكرة عظيمة لا يملك أي حق فيها، عبر التقييد الخادع لمفهوم التقدم باقتصاديات السوق الحر وقيم أحزاب الوسط.

في كتابه "التنوير الآن: عن المنطق والعلم والإنسانويّة والتقدم" الذي نُشر في وقت سابق من هذا العام، يجادل ستيفن بنكر بأن النوع البشري لم يسبق له أن حظي بكل هذه الموارد وذلك بفضل قيم ينسبها إلى التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر. ويلوم بنكر على أولئك الذين يشغلهم ظرف العالم الحالي بوصفهم أشخاصا تشاؤميّين لا يفعلون سوى تحريض الرجعيين المنغلقين، ويُمجّد النهج النيوليبرالي التكنوقراطي المهيمن على حل مشكلات العالم باعتباره النهج الوحيد الذي نجح في الماضي، والذي سيظل يقود البشرية على طريق النصر في الحاضر.

أثار كتابه ردود أفعال قوية، إيجابية وسلبية على حد سواء. على الجانب الإيجابي، اعتبر بيل جيتس "التنوير الآن" كتابه المفضل على الإطلاق. أما على الجانب السلبي، فقد طالت بنكر انتقادات واسعة من قِبل جمهرة من المفكرين البارزين، فمثلا، يصف جون غراي في صحيفة "نيو ستيتسمان" الكتاب بأنه "محرج" و"ضعيف". وفي سياق آخر، يرى ديفيد بيل في مقال على صحيفة "ذا نيشن" أن كتاب بنكر "دوغمائي، ويقدم رؤية موغلة في التبسيط، ومفرطة التفاؤل للتاريخ البشري"، فيما يعبر جورج مونبيوت في صحيفة "الغارديان" عن أسفه لهذه "الثقافة الضحلة" وهذا "التبرير المدفوع"، على حد وصفه، والذي يهين "مبادئ التنوير التي يدّعي بنكر أنه ينافح عنها".

في ضوء هذا كله، قد تتساءل: ما الذي تبقّى لكي تضيفه؟ بما أنني قرأت كتابه بعناية، أعتقد أن من الضروري محاسبة بنكر على بعض الجدالات الخطيرة المغلوطة التي يوردها. ذلك أن بنكر، في النتيجة، مثقف محبوب لدى أقوى وأرقى مجموعات المجتمع العالمي، وكان قد حاور نخبة العالم هذا العام في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس حول مخاطر ما يسميه "الصوابية السياسية"، كما سُمّي واحدا من بين أكثر مئة شخصية مؤثرة في العالم في مجلة التايم. وبما أن عمله يقدم الأساس المنطقي للكثيرين من نخبة هذا العالم لمواصلة الممارسات التي تعرّض البشرية للخطر، يتوجب علينا مواجهته برد تفصيلي صارم.

إنني أتفق مع الكثير مما أورده بنكر. فكتابه المحشو بخمسة وسبعين رسما بيانيا يقدم أدلة دامغة على قرون من التقدم في العديد من المناحي التي ينبغي أن تهمنا جميعا: تراجع حاد في العنف من كل الأنواع، تقابله زيادات مذهلة في الصحة وطول العمر والتعليم وحقوق الإنسان. إنها وجاهة سردية بنكر بالتحديد، التي تجعل العيوب في جداله شديدة الخطورة. هذه العيوب تستتر تحت مثل هذه الطبقة الواهنة من البيانات والبلاغة التي تحتاج إلى كشفها بعناية. لهذا السبب فإن ردي على بنكر سينطلق من أرضيته نفسها: سأفعل مثله في كل قسم، وأقيم حجتي بناء على بيانات واقعية ممثّلة في الرسم البياني.

هذا النقاش ضروري بوجه خاص لأن التقدم، في نظري، أحد أهم مفاهيم هذا العصر. أرى نفسي، بطريقة شائعة، شخصا تقدميا. إن التقدم هو ما أهتم به بشغف أنا والآخرون الواقفون على ضفافه. وبدلا من التنازل عن هذه الفكرة لصالح زمرة من التكنوقراط النيوليبراليين الذين يُشكّلون جمهور بنكر الأساسي، أعتقد أن علينا أن نحفظها، أن نحتفي بها أينما كانت، وأن نفهم قضاياها الحقيقية، والأهم من ذلك، أن نضمن استمرارها في شكل يمكن للأجيال القادمة على هذه الأرض أن تتمتع به. وآمل أن تساعد هذه المادة على القيام بذلك.

التغوّل

في الوقت الذي كان بنكر على وشك أن يضع اللمسات الأخيرة على مسودته، كان هناك 15 ألف عالم من 184 دولة يوجهون تحذيرا شديد اللهجة للإنسانية. نظرا لاستهلاكنا المفرط لموارد العالم، أعلن العلماء أننا نواجه "خسارة كارثية واسعة النطاق للتنوع البيولوجي"، وحذروا من أن الوقت ينفد و"قريبا سيكون الوقت قد فات على تدارك هذا المسار المخيب".


وقد تضمن التحذير تسعة رسوم بيانية متقنة وتحليلا جرى بحثه وصياغته بعناية يُظهِر أن التأثير البشري على النظم البيولوجية بدأ يتزايد، على العديد من الأصعدة، بوتيرة غير مسؤولة. تظهر ثلاثة من هذه الرسوم البيانية المقلقة هنا: ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، الانخفاض في المياه العذبة المتاحة، والزيادة في عدد المناطق غير الصالحة للحياة (نطاقات الموت) للمحيطات، نتيجة الجريان السطحي للأسمدة الصناعية.

لم يكن هذا الإنذار هو الأول من نوعه. قبل ذلك بخمسة وعشرين عاما، في عام 1992، قام 1700 عالم (بمن فيهم أغلبية الحائزين على جائزة نوبل) بتوجيه تحذير مماثل إلى القادة الحاكمين في أنحاء العالم كافة، داعين إلى الاعتراف بالحالة الهشة للأرض، وإلى انبثاق أخلاقيات جديدة من إدراكنا لمبدأ "كلنا على المركب نفسه". توضح الرسوم البيانية الحالية بشكل صارخ مدى قلة اهتمام العالم بهذا الإنذار منذ عام 1992.

بالمجمل، توضح هذه الرسوم البيانية التجاوز الإيكولوجي: حقيقة أن حضارتنا تستغل موارد الأرض بشكل أسرع من الوقت الذي تستغرقه الموارد لكي تتجدد. يكتسب التجاوز خطورة خاصة لأن حلقات ردود الفعل بطيئة نسبيا: إذا كان رصيد حسابك المصرفي الجاري يقترب من الصفر، فإنك تعلم بأن العواقب ستكون وخيمة إن استمررت بكتابة الشيكات. على مقياس أوسع، يبدو الأمر كما لو أن حضارتنا تواصل أخذ القروض البنكية لكي تزود الحساب بالأموال، ثم تدّعي بأن مصدر هذه الأموال دخل شهري ونحتفل نحن بـ "التقدم" المستمر. لكي تنفد الأموال في النهاية، وتنتهي اللعبة.

يدّعي بنكر احترامه للعلم، لكنه يتجاهل بوقاحة خمسة عشر ألف عالم وهم يطلقون التحذيرات اليائسة للإنسانية. ليلجأ، عوضا عن ذلك، إلى أسلوب بلاغي ساخر سافر يصبغ أولئك المعنيين بتغوّل الإنسان على البيئة بوصفهم جماعة "أيديولوجية شبه دينية… ديدنهم معاداة الإنسانية والكراهية، واللامبالاة بالمجاعات، واسترسالهم في تخيلات عقيمة عن كوكب مهجور، والمساواة النازية الطابع للبشر بالحشرات، ومسببات الأمراض، والسرطان. ثم يستخدم اثنين من أكثر الأمثلة تطرفا في صنع فزاعة تدعم وصفه الهزلي. هناك قضايا جديرة بالمناقشة حول موضوع الحضارة والاستدامة، لكن التعامل مع موضوع على هذا القدر من الجدية بالكلام المشحون بالعواطف هو أمر لا يمكن تبريره أخلاقيا ودليل مذهل على ادعاء مونبيوت بأن بنكر "يهين مبادئ التنوير التي يدّعي أنه ينافح عنها".

عندما يأخذ بنكر الموضوع على محمل الجد، يشجع مبدأ "الحداثوية البيئية" بوصفها الحل: اعتقاد نيوليبرالي تكنوقراطي بأن مزيجا من الحلول القائمة على السوق والإصلاحات التكنولوجية سيحل جميع المشكلات البيئية بطريقة سحرية. غير أن هذا النهج لا يأخذ في الحسبان العوامل الهيكلية المسببة لتغولات الإنسان على البيئة، بمعنى وجود اقتصاد عالمي قائم على النمو يعتمد على تسييل الموارد الطبيعية والنشاط البشري باستمرار. دون تغيير هذا الهيكل، لا مفر من التغوّل. الشركات متعددة الجنسيات، التي يقوم عليها في الوقت الحاضر تسعة وستون اقتصادا من بين أكبر مئة اقتصاد في العالم، مدفوعة بزيادة القيمة المالية لمساهميها على المدى القصير، بغض النظر عن الأثر طويل المدى لذلك على البشرية. ومع انخفاض موارد المياه العذبة، على سبيل المثال، يريدون شراء ما تبقى منها وبيعه في زجاجات بلاستيكية للاستهلاك السريع أو معالجتها في مشروبات سكرية، ودفع المليارات في البلدان النامية نحو السمنة عبر التسويق المتقدم. في الواقع، وإلى أن تتداعى الحضارة ذاتها، فمن المرجح أن تؤدي زيادة الكوارث البيئية إلى تعزيز الناتج المحلي الإجمالي للبلدان المتقدمة حتى في الوقت الذي تعاني فيه المناطق الأقل تقدما من عواقب وخيمة.

تقدمٌ لصالح من؟

وهذا السؤال من شأنه أن ينقلنا إلى موضوع أساسي آخر في سردية التقدم التي يتبناها بنكر: من الذي ينعم بهذا التقدم فعلا؟ يُخصّص بنكر جزءا كبيرا من كتابه للرسوم البيانية التي تُظهِر التقدم العالمي في جودة الحياة الإنسانية ككل. ومع ذلك، فإن بعض إغفالاته وأخطائه التي أوردها حول هذا الموضوع كانت واضحة للغاية.

عند مرحلة، يوضح بنكر أنه "على الرغم من جذر الكلمة، فإن "الإنسانوية" لا تستثني ازدهار الحيوانات، ولكن هذا الكتاب يركز على رفاهية الجنس البشري". ولا غبار على ذلك، لأن أي حيوان غير بشري قد لا يتفق على أن الستين عاما الماضية كانت فترة ازدهار. في الواقع، في حين أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي زاد 22 ضعفا منذ عام 1970، فإن نطاق الموت للمخلوقات التي نتشارك معها الأرض قد اتسع. كما هو مبيّن في الشكل 2، فقد جاء التقدم البشري في استهلاك المواد على حساب انخفاض 58٪ في الفقاريات، بما في ذلك انخفاض صادم بنسبة 81٪ من الحيوانات في أنظمة المياه العذبة. ومقابل كل خمسة طيور أو خمس سمكات عاشت في نهر أو بحيرة عام 1970، هناك الآن واحد فقط.


لكننا لسنا بحاجة إلى النظر لخارج الجنس البشري من وجهة نظر بنكر الانتقائية للتقدم. يسعده أن يخبرنا أن "العنف العنصري ضد الأميركيين الأفارقة تراجع في القرن العشرين، وانخفض أكثر منذ ذلك الحين". لكن ما يرفض الإبلاغ عنه هو الزيادة الكبيرة في معدلات حبس الأميركيين من أصل أفريقي خلال الفترة نفسها (الشكل 3). الرجل الأميركي من أصل أفريقي أصبح الآن أكثر عرضة للاعتقال بستة أضعاف من الرجل الأبيض، مما نتج عنه إحصائية مؤسفة، تشير إلى أن واحدا من كل ثلاثة رجال أميركيين من أصل أفريقي حاليا يتوقع اعتقاله في حياته. والخلاصة المريعة من ذلك هي أن العنف العنصري ضد الأميركيين الأفارقة لم يتراجع أبدا، كما يقترح بنكر. وبدلا من ذلك، أصبحت هذه العنصرية مؤسسية في السياسة القومية للولايات المتحدة فيما يُعرف باسم "الانتقال من المدارس إلى السجون".






هل يرفع المد الصاعد كل القوارب؟

هذا يقودنا إلى واحد من الأخطاء الحاسمة في التحليل الإجمالي لدى ستيفن بنكر. إنه عبر تحليل أرقامه بطريقة تعوزها البصيرة، يروّج بلا شك لإحدى الأساطير النيوليبرالية العظيمة في العقود العديدة الماضية: إن "المد الصاعد يرفع كل القوارب"، وهي عبارة يستغلها دون خجل من نفسه وهو يحصد فوائد اللا مساواة. كانت هذه هي الحجة التي استخدمها المحرضون الأوائل على اقتصاديات عدم التدخل النيوليبرالي، مثل رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، لخفض الضرائب على الأثرياء، وخصخصة الصناعات، وتقليص الخدمات العامة بهدف زيادة النمو الاقتصادي.

يُثير بنكر نقطتين أساسيتين هنا: أولا، يجادل بأن "عدم المساواة في الدخل ليس عاملا أساسيا في الرفاهية"، مستشهدا بالأبحاث الحديثة التي تشير إلى أن الناس مرتاحون بالمكافآت التفاضلية التي ينالونها بناء على مقدار جهدهم ومهارتهم. ومع ذلك، وكما يعترف بنكر نفسه، يظل لدى البشر ميل قوي نحو الإنصاف. إنهم يريدون أن يشعروا أنهم إذا ما عملوا بجد، فإنه سيمكنهم أن يكونوا ناجحين بناء على ما يقومون به، وليس بناء على الأسرة التي ولدوا لها أو ما يصادف أنه لون بشرتهم. إن المجتمعات الأكثر مساواة هي أيضا أكثر صحة، وهو أمر مفقود بشكل واضح في النموذج الاقتصادي الحالي، حيث أصبحت الفجوة بين الأغنياء والفقراء شاسعة لدرجة أن أغنى ستة رجال في العالم (بمن فيهم بيل غيتس، صديق بنكر العزيز) يمتلكون الآن ثروة كبيرة تعادل ثروة نصف سكان الأرض.

إخفاق بنكر قد يكون في نقطته الثانية، جدل المد الصاعد، الذي يوسع نطاقه للاقتصاد العالمي. هنا، يحكي بنكر قصة كيف قام برانكو ميلانوفيتش، وهو خبير اقتصادي سابق في البنك الدولي، بتحليل مكاسب الدخل بالنسبة المئوية في جميع أنحاء العالم على مدى فترة العشرين عاما 1988-2008، واكتشف شيئا أصبح يُعرف على نطاق واسع باسم "رسم الفيل البياني"، لأن شكله يشبه شكل الفيل مع خرطومه. وخلافا للاعتقاد الشائع حول تزايد عدم المساواة في العالم، يبدو أن هذا الرسم البياني أظهر أنه في حين أن أعلى 1٪ حققوا في الواقع أكثر من نصيبهم العادل في الدخل، فإن الشرائح المئوية الأدنى من سكان العالم قد حققوا القدر نفسه. يبدو أن الطبقات الوسطى في البلدان الغنية قد فاتها الاستفادة من الأمر.

غير أن هذا الرسم البياني عديم المعنى في الواقع لأنه يحسب معدلات النمو كنسبة مئوية من مستويات الدخل المتباينة على نطاق واسع. قارن بين مسؤول تنفيذي في "وادي السيليكون" يكسب 200 ألف دولار سنويا مع واحد من ثلاثة المليارات شخص الذين يعيشون حاليا على 2.50 دولار في اليوم أو أقل. إن حصلت مديرة تنفيذية على زيادة في الأجور بنسبة 10٪، فيمكنها استخدام مبلغ 20.000 دولار لشراء سيارة صغيرة جديدة لابنتها المراهقة. في أثناء ذلك، فإن الزيادة نفسها بنسبة 10٪ من شأنها أن تضيف، على الأكثر، 25 سنتا إلى 25٪ لكل واحد من ثلاثة المليارات. في الرسم البياني رقم 4، يوضح الاقتصادي مجيد جمال الدين من منظمة "أوكسفام" أن "رسم الفيل" الأصلي (الخط الأزرق) يتناقض مع التفاوتات في مستويات الدخل المطلقة (الخط الأخضر). الفرق صارخ.

"رسم الفيل البياني" يخفي بأناقة حقيقة أن أغنى 1٪ قد اختبروا نموا مطلقا بنحو يفوق دخل أفقر نصف سكان العالم بخمس وستين مرة. في الواقع، إن التفاوت لا يتراجع على الإطلاق، وإنما يتصاعد بسرعة في الاتجاه الآخر. وبحسب حسابات جمال الدين، بالمعدل الحالي، سيستغرق الأمر أكثر من 250 سنة لمداخيل العشرة في المئة الأكثر فقرا لكي يصلوا فقط متوسط ​​الدخل العالمي البالغ 11 دولارا في اليوم. وبحلول ذلك الوقت، وبمعدل الاستهلاك الحالي للدول الغنية، من الأسلم القول إنه لن يتبقى لهم شيء لينفقوا ما يجنونه عليه. في الواقع، إن "المد الصاعد" للبعض لا يكاد يساوي قطرات من المليارات التي يمتلكها الآخرون.




المقياس الحقيقي للتقدم

أحد أركان كتاب بنكر هو الارتفاع المتفجر في الدخل والثروة الذي شهده العالم في القرنين الماضيين. إن استعرنا كلمات الخبير الاقتصادي انجوس ديتون، سنسمّيه "الإفلات الكبير" من الأعباء التاريخية للمعاناة الإنسانية، ويُظهِر مخطط (الشكل 5، يسار) الارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والذي يبدو أنه يقول كل شيء. كيف يمكن لأي شخص عاقل أن يدحض هذا الدليل على التقدم؟




ليس هناك شك في أن العالم شهد تحولا في الرفاهية المادية في المئتي عام الماضية، ويوثق بنكر هذا بالتفصيل، من زيادة توافر الملابس والمواد الغذائية والنقل، إلى الانخفاض العالمي المهم على ما يبدو بشكل كبير في تكلفة الضوء الاصطناعي. ومع ذلك، هناك نقطة يبدأ عندها ارتفاع النشاط الاقتصادي بالانفصال عن الرفاهية. في الواقع، يقيس الناتج المحلي الإجمالي فقط المعدل الذي يقوم فيه المجتمع بتحويل الطبيعة والأنشطة البشرية إلى الاقتصاد النقدي، بغض النظر عن جودة الحياة الناجمة عنه. أي شيء يسبب النشاط الاقتصادي من أي نوع، جيد أم سيئ، يضاف إلى الناتج المحلي الإجمالي. على سبيل المثال، يؤدي التسرب النفطي إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي بسبب تكلفة تنظيفه: كلما كان التسرب أكبر، كان الناتج المحلي الإجمالي أفضل.

إن هذا التباعد ماثل مأساويا في الحياة اليومية في أرجاء العالم كافة، ويتم إخفاؤه بقسوة في الإحصائيات العالمية عن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي عندما تدمر المصالح القوية للشركات والمصالح السياسية حياة الضعفاء باسم "التقدم" الاقتصادي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يشرح تقرير حديث نشرته صحيفة "الغارديان" كيف أُجبر السكان الأصليون الذين يعيشون على ضفاف نهر زينغو في غابات الأمازون المطيرة على ترك أراضيهم لإفساح المجال لمجمع "بيلو مونتي" الكهرمائي في ألتاميرا بالبرازيل. يروي أحدهم، رايموندو براغو غوميز، كيف "لم أكن بحاجة إلى المال لكي أعيش سعيدا. كان بيتي كله طبيعيا... كانت لدي قطعة من الأرض حيث زرعت القليل من كل شيء، كل أنواع أشجار الفاكهة. كنت أصطاد أسماكي، وأصنع دقيق المانيوك... لقد قمت بتربية بناتي الثلاث فخورا بما كنت عليه". الآن، يعيش هو وعائلته بين تجار المخدرات خلف النوافذ المحظورة في أكثر مدن البرازيل عنفا، ويحصلون على معاش تقاعدي حكومي، يترك له نحو خمسين سنتا في اليوم لإطعام نفسه وزوجته وابنته وحفيده، بعد تغطية الإيجار والكهرباء. في هذه الأثناء، ونتيجة لدخول أسرته الإجباري في الاقتصاد النقدي، فلا بد أن الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل قد ارتفع.

بنكر يدرك فظاظة الناتج المحلي الإجمالي كمقياس، لكنه يستخدمه بشكل متكرر في كتابه، لأنه يدّعي "أنه يرتبط بكل المؤشرات على ازدهار الإنسان". لكن هذا يأتي عكس ما اكتُشف عندما قام الاقتصاديون بتعديل الناتج المحلي الإجمالي بحيث يشمل العوامل الرئيسة الأخرى التي تؤثر على ازدهار الإنسان. أحد المقاييس البديلة المرموقة الأخرى، مؤشر التقدم الحقيقي (GPI)، يقلل من الناتج المحلي الإجمالي للعوامل البيئية السلبية مثل تكلفة التلوث، وفقدان الغابات الكبرى ونوعية التربة، والعوامل الاجتماعية مثل تكلفة الجريمة والتنقل. ويزيد مقياس العوامل الإيجابية المفقودة من الناتج المحلي الإجمالي مثل الأعمال المنزلية والعمل التطوعي والتعليم العالي. وقد تم قياس ستين عاما من مؤشر التقدم الحقيقي التاريخي للعديد من البلدان في جميع أنحاء العالم، والنتائج تدحض ادّعاء بنكر ارتباط الناتج المحلي الإجمالي بالرفاهية بشكل مدوٍّ. في الواقع، كما يتضح من الخط الأرجواني في الشكل 5 (يمين)، اتضح أن التقدم الحقيقي العالمي قد بلغ ذروته في عام 1978 وانخفض باستمرار منذ ذلك الحين.

ما الذي أدّى إلى تحسين الصحة العالمية؟

إحدى أهم ثيمات بنكر هو التحسن المؤكد في الصحة العامة وطول العمر الذي تمتع به العالم في القرن الماضي. هي قصة قوية تحرك المشاعر؛ متوسط ​​العمر المتوقع في جميع أنحاء العالم قد تضاعف خلال القرن الماضي. وفيات الرضع في كل مكان هي أقل مما كانت عليه في الماضي. كما أن التحسينات في المعرفة الطبية والنظافة الشخصية قد أدّت إلى إنقاذ حياة الملايين من البشر. يقتبس بنكر بشكل مناسب عن الاقتصادي ستيفن راديليت بأن هذه التحسينات "تحتل أسمى مرتبة في الإنجازات في تاريخ البشرية".

إذن، ما السبب الجوهري وراء هذا الإنجاز العظيم؟ يمزج بنكر بين ما يعتبرهُما المحركين المزدوجين للتقدم: نمو الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة المعرفة. النمو الاقتصادي، بالنسبة له، نتيجة مباشرة للرأسمالية العالمية. "على الرغم من أن المثقفين قد يبصقون ما في أفواههم دهشة عند قراءة دفاع عن الرأسمالية"، كما يقول بتصريحه المعتاد المبالغ فيه، "فإن فوائدها الاقتصادية واضحة جدا بحيث لا تحتاج إلى إثبات بالأرقام". يرجع إلى شكل يسمى منحنى بريستون، من ورقة كتبها صامويل بريستون نشرت في عام 1975، يُظهِر وجود علاقة بين الناتج المحلي الإجمالي ومتوسط ​​العمر المتوقع الذي أصبح أساس مجال الاقتصاد التنموي. يقول بنكر: "إن إجمالي نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يرتبط بطول العمر، والصحة، والتغذية". وفي الوقت الذي يتشدق فيه بالمبدأ العلمي "الارتباط لا يقتضي السببية"، فإنه يؤكد بوضوح على السببية، مدعيا ​​أن "التنمية الاقتصادية تظهر كمحرك رئيسي لرفاه الإنسان" ثم يختتم فصله بنكتة عن عميد الجامعة، بعرض يقدمه مارد ما، بالاختيار بين المال أو الشهرة أو الحكمة. يختار العميد الحكمة لكنه يأسف لذلك، ويتمتم: "كان يجب عليّ أن آخذ المال".

كان من الأجدى لبنكر التفكير بعمق أكبر في العلاقة بين الارتباط والسببية في هذا الموضوع بالغ الأهمية. في الواقع، هذا ما تفعله ورقة حديثة كتبها كلٌّ من وولفجانج لوتز وإنديل كيبيد بعنوان "في الصحة والتعليم: إعادة رسم منحنى بريستون". جاء منحنى بريستون الأصلي مع شذوذيّة: العلاقة بين الناتج المحلي الإجمالي ومتوسط ​​العمر المتوقع لا تبقى ثابتة. وبدلا من ذلك، فإنه في كل فترة يتم قياسها تنتقل إلى أعلى، مما يظهر متوسطا أكبر لمتوسط ​​العمر المتوقع لأي ناتج محلي إجمالي معين (الشكل 6، على اليسار). أوضح بريستون، وأتباعه، بما فيهم بنكر، هذا الأمر بالادّعاء أن التقدم في الطب والرعاية الصحية يجب أن يحسّن الأمور في جميع المجالات.




لكن لوتز وكيبيد استخدما نماذج انحدار متطورة متعددة المستويات لتحليل مدى الترابط الوثيق بين التعليم ومتوسط ​​العمر المتوقع مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي. ووجدوا أن متوسط ​​المستوى التعليمي لبلد ما كان دليلا أفضل بكثير على متوسط ​​العمر المتوقع من الناتج المحلي الإجمالي، كما أنه قضى على الشذوذ في منحنى بريستون (الشكل 6، إلى اليمين). العلاقة مع الناتج المحلي الإجمالي كانت زائفة. في الواقع، يشير نموذجهم إلى أن الناتج المحلي الإجمالي والصحة مدفوعان في نهاية المطاف بكمية الأطفال الذين يتلقّون التعليم. هذه النتائج لها آثار هائلة على أولويات التنمية في السياسة الوطنية والعالمية. لعقود من الزمان، هيمن الشعار النيوليبرالي، القائم على أساس منحنى بريستون، على التفكير السائد، ارفع الناتج المحلي الإجمالي للبلد، وستأتي الفوائد الصحية بعده. يوضح كلٌّ من لوتز وكيبيد أن السياسة الأكثر فاعلية هي الاستثمار في التعليم للأطفال، مع كل الفوائد المترتبة على نوعية الحياة التي سيجلبها ذلك.

نكتة بنكر قد انتهت. في الواقع، على مدى العقود القليلة الماضية، اختار العميد المال. الآن، يمكنه أن ينظر إلى البيانات ويتمتم: "كان يتعين عليّ أخذ الحكمة".

معادلات كاذبة، انقسامات كاذبة

وكما نرى بشكل متزايد، فإن العديد من أخطاء "بنكر" تنشأ من حقيقة أنه يخلط بين قوتين محركتين مختلفتين خلال القرون القليلة الماضية: تحسنات في العديد من جوانب التجربة الإنسانية، وصعود رأسمالية نيوليبرالية عدم التدخل "Laissez-fair". سواء كان ذلك بسبب الاستدلال الخاطئ من جانبه، أو إستراتيجية واعية بالتضليل، فإن النتيجة هي نفسها. سيأخذ معظم القراء عن كتابه انطباعا راسخا بأن رأسمالية السوق الحرة هي المحرك الأساسي للتقدم البشري.

بنكر نفسه ذكر أهمية تجنب هذا النوع من الخلط. إن "التقدم"، كما يقول، "لا يكمن في القبول بكل تغيير بوصفه تغييرا جزئيا من حزمة ضخمة... وإنما في تفكيك خصائص العملية الاجتماعية قدر الإمكان لتحقيق أقصى قدر من الفوائد البشرية مع تقليل الأضرار". لو أنه أخذ هو بنصيحته بجدية أكبر!

بدلا من ذلك، يزيّن كتابه بسيل لا نهائي من المعادلات الخاطئة والثنائيات الكاذبة التي تقود القارئ إلى استنتاج مفاده أن التقدم والرأسمالية هما جزء من الحزمة ذاتها. إن أحد أفضل الحلول لديه خلقُ تكافؤ خاطئ بين التطرف اليميني والحركة التقدمية اليسارية. بحيث يخبرنا أن الفصائل الرجعية التي قامت عليها رئاسة دونالد ترمب كانت مدفوعة برواية يشاركها العديد من أشد معارضيها، مفادها أن مؤسسات الحداثة فشلت وأن كل جانب من جوانب الحياة في أزمة عميقة، أي إن الجانبين يتفقان اتفاقا بشعا مفاده "إن تدمير هذه المؤسسات سيجعل العالم مكانا أفضل". حتى إنه يذهب إلى حد توريط بيرني ساندرز في كارثة انتخابات عام 2016: "إن اليمين واليسار من الطيف السياسي"، كما يقول، "ساخطون بسبب عدم المساواة الاقتصادية لأسباب مختلفة، التي تلتوي حتى تلتقي ببعضها بعضا، وقد ساهم التشاؤم السائد حول الاقتصاد الحديث في انتخاب الرئيس الأميركي الأكثر تطرفا في الآونة الأخيرة".

يكمن في نموذج بنكر السياسي الاعتقاد بأن التقدم لا يمكن أن ينشأ إلا من رحم السياسة الوسطية التي يتبناها الكثيرون في الحزب الديمقراطي. إنه يكرس وجود ضديّة زائفة من"اليمين مقابل اليسار" استنادا إلى نسخة من السياسة في القرن العشرين ظلت منسية لأكثر من جيل. "اليسار"، كما يكتب، "تخلف عن الركب بسبب ازدرائه للسوق ورومانسيته مع الماركسية". ويعقد مقارنة بين "رأسمالية صناعية"، أنقذت البشرية من الفقر العالمي، وشيوعية، "جلبت مجاعات الإرهاب العالمي، والتطهير، ومعسكرات الاعتقال، والإبادة الجماعية، وتشرنوبيل، والحروب الثورية الكبرى، والفقر على غرار كوريا الشمالية قبل أن تنهار في كل مكان آخر بفعل تناقضاتها الداخلية الخاصة".

من خلال رسم هذا المشهد باللونين الأسود والأبيض، وهذه الملامح المانوية لخيرية الرأسمالية مقابل الشر الشيوعي، يغيب عن بنكر رؤية النماذج المعقدة والمتطورة لمستقبل مفعم بالأمل، بُنيت على مدار عقود من قِبل مجموعة واسعة من المفكرين التقدميين. تتجنّب وجهات النظر الجديدة من اليسار التقليدي إلى اليمين هذا التقسيم الزائف البنكريّ. مستكشفين بدلا من ذلك إمكانيات استبدال نظام يتيح إمكانات أكبر من الإنصاف والاستدامة والازدهار البشري بنظام اقتصادي عالمي مدمر. باختصار، نموذج للتقدم المستمر في القرن الحادي والعشرين.

بما أن المقام يضيق عن ذكر قادة الفكر في الحركة التقدمية، يظهر رسم بياني لهذا النوع من التفكير في الرسم البياني 7. ويعرض نموذجا متكاملا للاقتصاد، يسمى بـ "اقتصاد دونات"، والذي تم تطويره من خلال الاقتصادي الرائد كيت راوورث. تُمثّل الحلقة الداخلية، المسماة المؤسسة الاجتماعية، الحد الأدنى لمتطلبات الحياة الأساسية، مثل الطعام والماء والإسكان، المطلوبة لإمكانية حياة صحية. بينما تُمثّل الحلقة الخارجية، المسماة "السقف البيئي"، حدود الأنظمة التي تعطي الحياة للأرض، مثل المناخ المستقر والمحيطات الصحية، والتي يجب أن نبقى في إطارها لتحقيق رفاهية مستدامة لهذه الأجيال القادمة. تبين المناطق الحمراء داخل الحلقة النقص الحالي في توافر الحاجيات الأساسية لسكان العالم؛ توضح المناطق الحمراء خارج الحلقة مدى تجاوزنا بالفعل الحدود الآمنة للعديد من أنظمة الأرض الأساسية. إن هدف الإنسانية، ضمن هذا النموذج، هو تطوير سياسات تجلبنا إلى الفضاء الآمن والعادل "للدونات" الواقعة بين الحلقتين.




إن راوورث، مع العديد من الآخرين الذين يهتمون بشغف نحو التقدم البشري في المستقبل، يركز جهده، لا على النوع العقيم، والثنائيات التي يروج لها بنكر، وإنما على تطوير أساليب جديدة لبناء مستقبل يكون لصالح الجميع على أساس أرض مزدهرة مستدامة.

التقدم يحدث بسبب... التقدميين!

هذا يقودنا إلى الرسم البياني النهائي، وهو في الواقع واحد من رسوم بنكر الخاصة. ويبيّن الانخفاض في السنوات الأخيرة من عمليات البحث على شبكة الإنترنت عن النكات الجنسية والعنصرية. بالإضافة إلى الإحصائيات الأخرى، يستخدم هذا الدليل كإثبات في حجته بأنه خلافا لما قرأناه في العناوين اليومية، فإن الأفكار السابقة الرجعية القائمة على نوع الجنس والعِرق والتوجه الجنسي هي في الواقع في تناقص. يعزو ذلك في جزء كبير منه إلى "التابوهات الحميدة عن العنصرية، والتمييز على أساس الجنس، التي أصبحت بديهية لدى الناس".



قد نسأل أنفسنا كيف حدث هذا التقدم؟ كما يورد بنكر نفسه، فإنه لا يمكننا أن نفترض بأن هذا النوع من التقدم الأخلاقي قد حدث من تلقاء نفسه. إذ يقول: "إذا رأيت أن هناك كومة من الغسيل قد تقلصت، فلا يعني ذلك أن الملابس قد غسلت نفسها، بل يعني أن شخصا ما قد غسل الملابس. إذا انخفض نوع من العنف، فإن بعض التغير في الوسط الاجتماعي أو الثقافي أو المادي قد أدى إلى انخفاضه... وهذا ما يجعل من المهم معرفة أسبابه، بحيث نكثّفها ونطبقها على نطاق أوسع".

بالنظر إلى التاريخ، يدرك بنكر أن التغييرات في المعايير الأخلاقية جاءت لأن العقول التقدمية انفصلت عن الأطر المعيارية لمجتمعاتها وطبقت أخلاقيات جديدة مبنية على مستوى أعلى من الأخلاق، ثم أخذت على عاتقها توعية الناس، حتى نشأ الجيل القادم على اعتماد خط الأساس الأخلاقي الجديد. "حملات التشهير العالمية"، كما يشرح، "حتى عندما بدأت طموحا صرفا، أدت في الماضي إلى انحدار ضخم في العبودية، والمبارزة، وصيد الحيتان، وعصب القدمين، والقرصنة، والقرصنة التفويضية، والحرب الكيميائية، والأبارتايد، واختبارات النووي في الغلاف الجوي".

من الصعب أن نفهم كيف يمكن للشخص نفسه الذي كتب هذه الكلمات أن يستدير ويكيل الإساءات ضد من يذمّهم بوصفهم "شرطة الصوابية السياسية، ومحاربي العدالة الاجتماعية" المحاصرين في "سياسة الهوية"، ناهيك بكرههم للحركة البيئية التي "تخضع للمصالح الإنسانية إلى كيان ترنسندنتالي، هو النظام البيئي". يبدو أن بنكر ينظر إلى كل التطور الأخلاقي من عصور ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا على أنه "تقدم"، ولكن أي ضغط لتحويل المجتمع بشكل أكبر إلى جانب قوسه الأخلاقي باعتباره لعنة.

هذه هي المفارقة العظيمة في كتاب بنكر. إنه في كتابته أنشودة للتقدم التاريخي، يتخذ موقفا متحفظا بشدة تجاه أولئك الذين يريدون الاستمرار فيها. يبدو الأمر كما لو أنه يرى نفسه في قمة الجبل، حاملا لافتة تقول: "كل التقدم يتوقف هنا، ما لم يكن وفقا لشروطي".

في الواقع، العديد من الخطوات العظيمة التي تم اتخاذها في تأمين التقدم الأخلاقي الذي صاغه بنكر جاء من الأفراد الشجعان الذين اضطروا إلى اقتطاع جزء من وقتهم لمقاومة إهانة بنكر وهم يكرسون حياتهم للحد من معاناة الآخرين. عندما أكد توماس باين على "حقوق الإنسان" في عام 1792، حُوكم وأُدين غيابيا من قِبل البريطانيين بتهمة التشهير. وستمر ١٥٠ سنة أخرى قبل أن تعترف بفكرته العظيمة عالميا في اﻷمم المتحدة. أُلقي القبض على إميلي بانكهورست سبع مرات في كفاحها للحصول على حق المرأة في الانتخاب، وكان يكرهها باستمرار "المعتدلون" في ذلك الوقت لنهجها الراديكالي في السعي إلى شيء أصبح الآن قاعدة لا نزاع فيها. عندما نشرت راشيل كارسون كتاب "الربيع الصامت" في عام 1962، مع أول عرض فاضح للاستخدام العشوائي لمبيدات الآفات، تم التنديد بموقفها الانفرادي على أنه هستيري وغير علمي. بعد ثماني سنوات فقط، سار 20 مليون أميركي لحماية البيئة في يوم الأرض الأول.

حان الوقت لكي يسترد التقدميون رسالة "التقدم". ستيفن بنكر يحاول أن يستأثر بفكرة عظيمة لا يملك أي حق فيها، عبر التقييد الخادع لمفهوم التقدم باقتصاديات السوق الحر وقيم أحزاب الوسط. إن التقدم في جودة الحياة، بالنسبة للبشر وغير البشر على حد سواء، أمر جدير باحتفاء أي كائن يحمل قلبا في جوفه. لم يحدث ذلك من خلال الرأسمالية، وفي العديد من الحالات، تم تحقيقه على العكس من "السوق الحرة" التي يتبناها بنكر. أنا شخصيا أشعر بالفخر لكوني تقدميا، ومع آخرين كثيرين، لتكريس طاقتي لتحقيق التقدم لهذه الأجيال والأجيال القادمة. ولئن فعلنا ذلك، فإنه لن يكون بفضل ستيفن بنكر وحججه الخادعة.

_______________________________________________

هذا المقال مأخوذ عن resilience ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار