انضم إلينا
اغلاق
دور النشر بريئة.. كيف تسببت السياسات الاقتصادية في غلاء أسعار الكتب؟

دور النشر بريئة.. كيف تسببت السياسات الاقتصادية في غلاء أسعار الكتب؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

خلاف حاد بين كاتب وقارئ، وصَلَ إلى أن يصف الكاتب المصري عمر طاهر قُرَّاء الكتب غير الأصلية أو المُزوّرة باللصوص، وقراءتهم بـ "القراءة الحرام". انطلقَ على إثر ذلك جدل واسع على مختلف المنصّات حول النقاش الجديد القديم حول "أسعار الكتب"، وحقوق القارئ والكاتب والناشر، دون أن تنتهي لصيغة توافقية، لأنّ أصل المشكلة ليس عند أيٍّ منهم في الحقيقة.

    

  

وفي حال كنت قارئا، فلا بد أنك مررت يوما بإحدى "خناقات الكتب" هذه، ولا بد أنك انتبهت لتزايد الشكوى في هذه المساحة، وأن أطراف سوق الكتاب كافة في المنطقة عموما، وفي مصر تحديدا، غير راضين، وهو ليس سخطا موسميا يتعلّق بقوانين العرض والطلب وحركة المبيعات في السوق، بل سخط جذري على وضع يزيد غرابة وتتفاقم مشاكله سنة وراء سنة. فالقارئ يرى أسعار الكتب مُبالغا فيها، ولا يستطيع بدخله الشهريّ العادي تحمّل تكلفة بضعة كتب جديدة في الشهر، وعلى الجانب المقابل، فإن الكاتب يرى عوائد تأليف الكتب "تافهة" لا يُعوّل عليها، ويكاد لا ينتظر من وراء كتابته سوى عوائدها المعنوية أو إن جامله الحظ بجائزة عابرة، كما أن الناشر يشتكي من قلة المبيعات، وضعف الأرباح، وبطء دورة رأس المال، رغم حصوله كناشر على معظم الكعكة. يطرح هذا الواقع مجموعة من التساؤلات التي تبحث عن جذر المشكلة، فماذا إن كان السبب بعيدا عنهم جميعا، ولا تعدو شكاواهم من بعضهم سوى تلويح في الاتجاه الخاطئ؟

    

   

تبسيطات ليبرالية: فقر القراء وطمع التجار

كجزء من الفكر الاقتصادي الشعبي في المنطقة العربية، عادة ما يُفسِّر الناس هذا التناقض الغريب بتفسيرات مباشرة تُركِّز على أعراض المرض وليس على أسبابه، تفسيرات "مالية" و/أو "أخلاقية"، مثل قِلّة دخول القُرَّاء النقدية وبالتالي عجزهم عن شراء الكتب، أو طمع الناشرين في تحقيق أرباح مُبالغ فيها من منتجاتهم؛ ما يدفعهم لاستغلال المستهلكين بالبيع بأسعار عالية، واستغلال المُنتجين من كُتّاب ومترجمين بشراء خدماتهم بأسعار منخفضة.

  

إلا أن هذه التفسيرات على ما فيها من بساطة تحمل بعضا من الصحة، لكنها لا تحمل تفسيرات اقتصادية دقيقة، فهي مجرد توصيفات أو أعراض لإشكالية اقتصادية أعمق، فعندما يكون الفارق بين أسعار السلعة ودخل مستخدميها ومستهلكيها فارقا ضخما، وضخامته مستمرة وشبه مزمنة، فلا يكون السبب الحقيقي للمشكلة سببا بسيطا يرتكز على انخفاض الدخل أو الأجور، كذلك عندما يكون المستوى العام لأسعار تلك السلعة مرتفعا، أي مرتفعا دائما وعند كل منتجيها وتُجّارها تقريبا، فإن تفسيرات الجشع الأخلاقية لا تُفسِّر جشع الجميع، فضلا عن أن الجشع ذاته مجرد صفة وإمكانية، لا يستطيع صاحبها تفعيلها ما لم يسمح له السوق بذلك، وهذا ما يجعل الأمر يحتاج إلى تفسيرات مُتعلِّقة بالسوق نفسه، وكيفية تكوينه لتلك الأسعار، بشقّيه من عرض وطلب أو إنتاج واستهلاك، وهذا هو المستوى الذي يصبح فيه التفسير اقتصاديا دقيقا.

     

      

سوق يُعاني الشيزوفرينيا

لو أنك من جيل الثمانينيات، أو أكبر قليلا، فلا بد أنك تتذكّر أوائل التسعينيات والمحاولات المتكرِّرة لادّخار مبالغ صغيرة من "المصروف" اليومي لشراء زجاجة "كوكاكولا" أو أيٍّ من الحلويات المُغلَّفة غالية الثمن، تلك المنتجات التي لم تكن الأُسَر تشتريها إلا في المناسبات، غير أنها تحوَّلت إلى منتجات بسيطة نشتريها اليوم بشكل اعتياديّ، فهل انخفض الفقر بمصر أم أن دخول المصريين الحقيقية قد ازدادت، أم أن المستوى المعيشيّ ارتفع بشكل "جذري"؟! كلنا يعرف الإجابة إن فتّش في محيطه عن حالات الفقر والمعاناة والبطالة وانخفاض الأجور، بما يغنينا عن الاستطراد، فما السر إذن؟!

   

يرجع جزء من هذا التغيُّر إلى تغيُّر أنماط الاستهلاك باتجاه غلبة السلع السوقية الجاهزة مثل عبوات المشروبات الغازية والأطعمة السريعة والحلويات المُغلَّفة، حتى في الريف الذي اعتاد سابقا استهلاك قدر أكبر من السلع ذاتية الإنتاج أو "البيتي" أضحى يستهلك السلع السوقية نفسها ويستغني تدريجيا عن الأطعمة "البيتي" مثل الخبز والفطير والجبن البيتي. إلا أن الشقّ الآخر والأكبر من هذا التغيُّر في أنماط الاستهلاك يرجع للانخفاض النسبي في أسعار هذه السلع، فالعشرون قرشا زمن الزجاجة الصغيرة من المياه الغازية وقتها تُعادل أكثر من ثلاثة جنيهات اليوم بحسابات التضخُّم الحقيقي الذي تعانيه مصر منذ عقود، فما السر أيضا؟!

 

يرجع تفسير هذا الانخفاض لارتفاع نسبة المُكوِّن المحلي في إنتاج كثير من هذه المنتجات، سواء من المواد الخام أو قوة العمل، وهو ما ينطبق على كثير من السلع التي أُنشئت مصانع لإنتاجها محليا أو أُنشئت فروع تعاقدت مع منتجيها العالميين بأنظمة الامتياز والوكالة المحلية (Franchising)، وهو ما يقودنا بالمنطق العكسي، أي في حالة السلع التي لم تعرف هذا التحوُّل وهي قطاع الكتب، للسبب الحقيقي والأكبر في الأسعار المرتفعة التي لا تُرضي قارئا ولا ناشرا.

   

   

فارتفاع نسبة المُكوِّن الأجنبي في المنتجات يُمثِّل أحد أهم روافد ارتفاع أسعارها، لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الأثر المباشر البسيط، بل الأهم أنه في سياقه المصري و"العالمثالثي" الأعم يُسهم ذلك المُكوِّن الأجنبي في خلق فجوة هيكلية بين أسعار السلع وأجور العمل في الاقتصاد عموما، هذا الفارق الدائم في السوق بين رواتب الجزء الأعظم من الشعب وبين الأسعار يخلق "وضعا غريبا" لا يكون معه السعر مُرضيا للمُنتج مهما ارتفع، ولا يسيرا على المستهلك مهما انخفض، وهذا في حالة الارتفاع والانخفاض المنطقيين وفقا للأوضاع الطبيعية في السوق، أي الأوضاع التي لا يتسبّب فيها عامل داخلي مثل انخفاض الصادرات الذي يُسبِّب انخفاض سعر السلع، ولا عامل خارجي مثل ارتفاع سعر صرف الدولار الذي يُسبّب ارتفاع سعر السلعة بشكل مفاجئ.

   

هذه الفجوة بين هياكل الأسعار المقبولة بين القُرَّاء/المستهلكين والناشرين/المُنتجين هي المسؤول الأول عن انخفاض حجم النشر في مصر ومعظم المنطقة، فبينما تُنتج دول متوسطة الدخل مثل تركيا ما يتجاوز 60 ألف عنوان في 580 مليون نسخة عام 2018م [1]، لا تطبع مصر أكبر الدول العربية سُكّانا، بحسب أكثر "التقديرات" [*] تفاؤلا، سوى ما يقارب عشرة آلاف كتاب سنويا، ولم يتجاوز عدد النسخ التي طبعتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، أكبر ناشر في مصر، حاجز المليون نسخة [2].

   

وعلى كثرة آثار هذه الفجوة باختلالها السعري بين المُنتجين والمُشترين، فإن أهم آثارها هو "رفع مخاطر الإنتاج" في قطاع إنتاج الكتب؛ ما يجعل المستثمرين يلتزمون بالجانب الآمن الخالي من المخاطر أو التجديد في نوعية الإنتاج، وهو ما يُفسِّر قلة المستثمرين في قطاع الكتب، وكذلك ثبات شكل الكتب الصادرة وتشكيلتها، واللجوء إلى المشاهير وأنواع الكتب التي تُحقِّق مبيعات كبيرة مثل الروايات والشعر العامي والتنمية البشرية، هذا على المستوى الإنتاجي، أما على المستوى الكمّي فيلتزم المستثمرون والناشرون بعدد محدود من الطبعات وكمية محددة من الإنتاج بشكل يزيد مشكلة ارتفاع الأسعار بأكبر من حجمها الحقيقي المرتبط بالفجوة الأوّلية نفسها، أي إن مشكلة ارتفاع أسعار الكتب مرتبطة أساسا بسلسلة مشكلات تبدأ من حضور المُكوِّن الأجنبي في صناعة الكتب، ثم أثر ذلك المُكوِّن الأجنبي على سلوك المستثمرين والناشرين سواء على المستوى الإنتاجي أو الكمي، مما يؤثر بشدة على حجم الإنتاج وسوق الكتاب في العالم العربي كله. لكن هل يخضع قطاع صناعة الكتب في مصر للمُكوِّن الأجنبي، وما الفجوة الهيكلية التي يخلقها هذا المُكوِّن الأجنبي، وما علاقة كل ذلك بالتبعية الاقتصادية والديون الخارجية؟

   

الفيل في الغرفة الخلفية: أمراض التبعية الاقتصادية

   

في البداية، ما الذي تعنيه التبعية الاقتصادية؟ إنها وضع يكون فيه اقتصاد بلد ما عاجزا عن تجديد نفسه بنفسه، أي النمو من عام لآخر، دون اعتماد على اقتصاد آخر أكبر، فلا تكتمل دورة نشاطه الإنتاجي وتدفقاته الاقتصادية "الأساسية" بداخله، بل لا بد أن تمر عبر الاقتصاد الأكبر أو تبدأ منه، بل أكثر من ذلك، وفي الحالات المتطرِّفة يكون الاقتصاد التابع نفسه مجرد جزء من دورة نشاط وتدفقات وسوق الاقتصاد المتبوع (الأكبر).

  

تُمثِّل فترة الاستعمار الأوروبي لأفريقيا أوضح مثال لهذه التبعية الاقتصادية، عندما كانت المستعمرات مُختصّة في إنتاج محصول واحد أساسي يتركّز معظم نشاطها الإنتاجي فيه، وتعتمد في تطوير إنتاجه وأسواق استهلاكه على ذلك المركز الاستعماري، حيث تخصَّصت مصر مثلا في إنتاج القطن، واعتمدت بشكل كبير على بريطانيا في التمويل والتطوير الإنتاجي، ويتبع هذه المرحلة نتيجة مفادها أن معظم الإنتاج يذهب كذلك لبريطانيا. وهكذا، يعتمد اقتصادها -مصر- في تجديده -ماليًّا وتكنولوجيًّا في مرحلة تحقيق الإنتاج- على بريطانيا، كما يعتمد عليها كذلك في مرحلة استكمال الدورة السوقية للسلعة، ففي حالة القطن تقوم بريطانيا بأخذ سلعة القطن الخام ثم تُعيد تصنيعه وتطرحه في الأسواق على التُّجار ثم يطرحه التُّجار في الأسواق.

  

هذا الوضع كان ينتج عنه سلسلة من الآثار الواسعة على مجمل بُنية الاقتصاد والمجتمع، فالتبعية لم تكن مجرد بيع مواد خام لدولة محتلة والاعتماد عليها في الإنتاج والتصنيع والسوق، بل تمتد آثار التبعية للنقود، حيث تُصبح عُملة البلد في ظل الاحتلال الأجنبي تعتمد بشكل أساسي على عُملة الدولة المحتلة، وبمجرد أن تخضع العُملة المحلية للعُملة الأجنبية تمتد التبعية الاقتصادية لتشمل مجمل نواحي الحياة، بداية من سياسات البنوك وحتى أسعار السلع الأساسية مثل السكر والزيت. وهذا بالضبط ما كان عليه الحال في مصر عندما كان الجنيه المصري مرتبطا بالجنيه الإسترليني، وكان بَنكُه المركزيّ هو نفسه البنك الأهلي ذو الإدارة الإنجليزية، وكانت السياسة النقدية تُرسم في لندن لتُنفَّذ في مصر بعيدا عن إرادة المصريين.

     

  

ما يُهمنا في هذا السياق أن التبعية تعني بالأساس في مرحلة ما بعد الاستعمار التقليدي غياب قطاع التجديد الرأسمالي بالاقتصاد، حيث ينقسم الاقتصاد لقطاع رأسمالي وقطاع استهلاكي، يتخصَّص الأول في إنتاج السلع الرأسمالية أو الآلات الإنتاجية، والثاني في السلع الاستهلاكية أو النهائية التي تُشبع حاجات الناس بشكل مباشر، ويُعتَبر القطاع الأول المسؤول عن إعادة الإنتاج في الاقتصاد بقطاعيه الرأسمالي والاستهلاكي معا، حيث تهلك الآلات بالاستخدام في الإنتاج، فيعوّضها بآلات أخرى، وقد يزيد عليها آلات جديدة بإنتاج أكبر وتكنولوجيا أحدث، بشكل يرفع الطاقة الإنتاجية الكلية في المجتمع، فيزيد قدرته على الاستهلاك، هذا هو تعريف إعادة الإنتاج بشكل مُبسّط.

   

وهكذا، فالسمة الأساسية، وبأكثر المعاني تبسيطا، للاقتصاد التابع هي عدم امتلاكه ذلك القطاع الرأسمالي، فهو يعتمد على الخارج بشكل كامل أو شبه كامل في الحصول على الآلات الإنتاجية، وتجديد إنتاجه الاجتماعي، ما يجعله معتمدا على الخارج حتى في توسّعاته البسيطة، أي بقاءه عند مستوى إنتاجه نفسه بدون نمو لمستوى أعلى، أي بدون إنتاج كمّ سلع وخدمات أكبر مما كان يُنتجه في السابق.

  

وقد يعتمد أي اقتصاد على الخارج في الحصول على بعض حاجاته الإنتاجية، كالمواد الخام والطاقة و"بعض" الآلات، لكن الاعتماد يختلف نوعيا عن التبعية التي يمتد فيها الاعتماد على الخارج إلى السلع الرأسمالية، لأن الأخيرة هي المحدد الأساسي للقدرة الإنتاجية كميًّا وكيفيًّا في المجتمع، إنها رأس المال الحقيقي بمعناه الحديث، فالنقود مهما كانت كمّيتها وقيمتها لا تعدو كونها مجرد مخازن قيمة ووسائل تبادل لا تنتج شيئا بذاتها.

   

التبعية الاقتصادية ومُعضلة سوق الكتاب

  

تؤدي التبعية -أولا- إلى رفع تكلفة تجديد القدرة الإنتاجية، أي تكلفة الاستثمار بشكل عام، بسبب الحاجة إلى الاستيراد المُستمر للسلع الرأسمالية المُكلِّفة من المراكز الرأسمالية بدلا من إنتاجها محليا بتكاليف أقل كثيرا، وهو ما يُقلِّل عدد المستثمرين ويرفع مخاطر الاستثمار، فيخفض نمو الإنتاج ومستوى التشغيل وبالتالي يؤثِّر على قوة العمل وأجور العمال، أما هذا الارتفاع في تجديد وتشغيل آلات الإنتاج فلا يتحمّل المستثمرون تكلفته وحدهم، بل يوزّعون تكاليفه لاحقا عبر قطاعات الاقتصاد المحلي كافة، فيقلل كميات إنتاج السلع والخدمات ويرفع أسعارها من جهة أخرى، ويؤدّي كلا الأثرين إلى زيادة الفقر عموما عبر رافد عدم التوازن بين الأجور (بسبب انخفاض الطلب على قوة العمل) والأسعار (بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج).

  

ثانيا: يرتبط بالتبعية ما يُعرف بالتبادل اللا متكافئ، والذي يعني بأبسط معانيه عدم عدالة التعامل التجاري بين الدول التابعة أو الطرفية والدول المتبوعة أو المركزية، حيث تبيع الأولى سلعها بأسعار منخفضة نسبيا وتتدهور باستمرار، بينما تبيع الثانية سلعها بأسعار مرتفعة نسبيا ومستقرّة إلى حدٍّ ما؛ ما يجعل تلك السلع التي تستوردها الدول التابعة، سواء كانت سلعا رأسمالية أو استهلاكية أو وسيطة أو مواد خام، مرتفعة التكاليف بمعايير ساعات العمل، فلو افترضنا على سبيل المثال مبادلة خمس وحدات من سلعة استغرقت ست ساعات عمل في دولة تابعة فقيرة، بوحدتين من سلعة أخرى استغرقت ساعتَيْ عمل فقط في دولة متبوعة غنية، فإن الدولة الفقيرة تكون من الوجهة العملية قد خصّصت أجر ثلاث ساعات عمل لديها لدفع أجر ساعة عمل واحدة في الدولة الغنية؛ ما يُمثِّل تبادلا غير متكافئ بمعايير القيمة الإنتاجية، أي عدد ساعات العمل، نتج عنه خسارة صافية للدولة الفقيرة ومكسبا صافيا للدولة الغنية، إلا أن هذه الخسارة الصافية لا تتحمّلها الحكومة ولا التُّجار وحدهم، بل يعيدون توزيعها على كل المنتجات برفع أسعارها أو فرض ضرائب تؤثِّر بالتالي على الأجور والقدرة الشرائية للدخل ومستوى المعيشة.

  

ثالثا: يجتمع أثر "رفع تكاليف الاستثمار" عبر السلع الرأسمالية مع أثر "التبادل اللا متكافئ" عبر السلع كافة، ليخلقا معا انفصالا هيكليا مزمنا بين الأسعار والأجور، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف الاستثمار إلى انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار من ناحية، ويؤدي كذلك إلى انخفاض التوظيف ومعه انخفاض الأجور من ناحية أخرى، ثم يأتي التبادل اللا متكافئ ليُعزِّز هذه الآثار من خلال التكاليف المُرتفعة للواردات كافة مع ما تحمله معها من تضخُّم مُستورد وارتفاع للأسعار كافة واستنزاف لقوة العمل أو قيمة الأجر الحقيقي للعمل.

     

  

وبينما تتضمَّن الأسعار المحلية في "سوق السلع" تكاليف "مُستوردة" مرتفعة نسبيا، من خلال احتياج القطاع الرأسمالي إلى التجديد والتطوير والمواد وقطع الغيار والخبرة الأجنبية، ومن خلال القطاع الاستهلاكي الذي يستورد منتجات أجنبية مرتفعة الأسعار، تتكوّن الأجور في المقابل في "سوق العمل" وفقا لإمكانات الاقتصاد المحلي والقدرة الشرائية للمستهلكين وهامش الأرباح التي يحصل عليها أصحاب رأس المال؛ مما يرفع تكاليف المعيشة المباشرة وغير المباشرة.

  

وكلما زاد الفارق بين الاقتصاد المحلي والاقتصاد العالمي، أو اقتصاد الدول المُصنِّعة للآلات والمواد الرأسمالية اللازمة للإنتاج، زادت أسعار السلع بينما تبقى الأجور في حالتها المستمرة من الضعف والركود؛ ما يعني زيادة الفارق بين الاثنين وتعمّقه وإدامة الاختلال الهيكلي بين الأسعار والأجور بالشكل الذي يتجلّى في الظاهرة الغريبة المُتمثِّلة في أن الأجور دائما منخفضة بالنسبة للعمال ومرتفعة بالنسبة لأصحاب العمل، مهما تحرّكت في أيٍّ من الاتجاهين صعودا أو هبوطا بسبب تلك الفجوة الدائمة بين الأسعار والأجور، والتي تتحرّك معهما في أي اتجاه، والتي يُعبِّر عنها المطلب الشعبي والعمالي "عايز تحاسبني عالمي، قبّضني عالمي".

  

ولا يتوقف الأمر عند هذه الفجوة المستمرة، بل تختلف مرونة استجابة الأسعار والأجور للتغيّرات في الاقتصاد، أي تستجيب لها بشكل غير متوازن، حيث ترتفع الأسعار بنسب متزايدة لا تلاحقها ارتفاعات الأجور؛ ما يؤدي إلى انخفاض الأجور الحقيقية، أي انخفاض كمية السلع والخدمات التي تستطيع الأجور النقدية شراءها، فلو كان أجرك عام 2010م يشتري عشرين كيلوجراما من اللحوم، ثم أصبح اليوم يشتري عشرة فقط منها، فيمكن القول بشكل تقريبي إن أجرك الحقيقي قد انخفض للنصف.

    

  

وينعكس هذا الاختلال في استجابات الأسعار والأجور في تناقص نصيب الأجور مقابل نصيب الملكية في الدخل القومي، فالأسعار لا تُحلّق في الفراغ ولا تذهب إلى كائنات فضائية، بل هي إيرادات الشركات والمؤسسات المشاركة في السوق، التي تدفع تكاليفها كافة بما فيها الأجور، ثم تحوُّل ما يتبقى إلى أرباح يحصل عليها مُلّاك تلك الشركات، وتشير دراسة لمعهد التخطيط القومي في مصر إلى تراجع حصة الأجور في الناتج المحلي الإجمالي من 46.4% إلى 30% بين عامَيْ 1959-2000م [3]، ويشير تقدير أحدث إلى تدهور الأجور التي تُمثِّل نصيب حقوق العمل في الناتج المحلي الإجمالي من 40% أوائل الثمانينيات إلى 26% عام 2011م، لصالح الأرباح التي تُمثِّل نصيب حقوق الملكية التي ارتفعت بالنسب المُكمِلة على التوالي [4].

    

يتصل كل ذلك بشكل مباشر بسوق الكتاب في مصر والعالم العربي، فالكتاب المنشور داخل مصر من خلال دار نشر مصرية غير حكومية يتضمن سعره الحق المادي للمؤلف والمترجم وحق الترجمة -إذا كان الكتاب مترجما-، بالإضافة إلى ثمن الطباعة وتصميم الغلاف وهامش ربح الناشر، كل ذلك يرفع من سعر الكتاب بالنسبة للقارئ، مما يجعله في ظل ذلك الاختلال المزمن بين الأسعار والدخل باهظ التكلفة بالنسبة للمشتري العادي. وبخلاف الأثر العام لهذا الاختلال من زيادة سوء توزيع الدخل وانتشار الفقر، بما له من آثار على "طلب المُستهلكين" ونوع السلع المطلوبة عموما، وضعف الاستهلاك الثقافي خصوصا [5]، فإن الأثر الأكبر له يكون من جهة "عرض المُنتجين" وشكل السلع الثقافية ونوعها وفئات استهلاكها المُستهدفة.

   

سوق نشر للقلّة: الأغلبية المُستبعَدة من سوق الكتاب

لا تُشير أزمة التبعية الاقتصادية فقط إلى الارتباط بين التبعية والتبادل اللا متكافئ من جهة، والاختلال الهيكلي بين الأجور والأسعار وسوء توزيع الدخل من جهة أخرى، بل تُفسِّر كذلك الجانب الاقتصادي من مُعضلة سوق الكتاب في مصر، سواء من جهة القلة الشديدة لحجم إنتاجه أو أسعاره المرتفعة والفلكية أحيانا لدى نسبة مُعتبرة من الناشرين، الذين يبدون كما لو كانوا مُتخصِّصين في النشر الفاخر للفئات الثرية فقط.

    

   

فهذا التراجع في حصة الأجور في الناتج يعني في المقابل ارتفاع حصة الربح في ذلك الناتج، أي عائد رأس المال من أي استثمار أو إنتاج يشارك فيه، وهو ما يصوغ هوامش الربح في قطاعات الاقتصاد كافة، حيث يعتاد أصحاب رؤوس الأموال توقُّع هوامش ربحية مرتفعة ما دامت الأوضاع الاقتصادية تخدمهم بضغط الأجور لصالحهم، وهي الهوامش التي يتوقّعون ارتفاعها من الأصل لتغطّي أسعار الفائدة المرتفعة في البلدان المتخلفة كمصر (باعتبارها تُمثِّل تكلفة رأس المال التي يجب أن يتجاوزها هامش الربح ليصبح الاستثمار مُجزيا)، ولذلك ليس من المُستغرَب أن تجد القول الشائع عن سياسة التسعير التي يتّبعها التُّجار في مصر: "الجنيه بجنيه"، أي لا بد أن يُحقِّق كل جنيه استثمار هامش ربح يبلغ جنيها، أي 100% بالتمام والكمال، وهو -لمَن لا يعلم- هامش ربح خارق بمعايير الأسواق الرأسمالية الطبيعية.

  

غير أن هذا الهامش الربحي المُرتفع الذي يستهدفه المستثمرون عموما يؤدي إلى أثرين إستراتيجيين في سوق النشر:

أولا: قلة المستثمرين في سوق النشر لضعف إمكاناته الربحية مُقارنة بنشاطات أخرى، كجزء من اختلال هياكل الأرباح بين القطاعات السلعية والقطاعات الخدمية في الاقتصاد المصري، حيث تتمتع القطاعات الخدمية مثل النقل والمطاعم وغيرها بربح أعلى في العموم، ما يجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين، وهو ما يُفسِّر تراجع الزراعة والصناعة بالمُجمل.

  

ثانيا: التركيز على المستهلكين مرتفعي الدخول، فاستهداف هوامش ربحية مرتفعة يدفع الناشرين للاعتماد في استرداد استثماراتهم على إستراتيجية "البيع القليل بهوامش مرتفعة"، أي بيع عدد قليل من الوحدات/الكتب بأسعار مرتفعة، فتجد انخفاض عدد نسخ الطبعات بشكل مستمر، ويدعم اعتماد هذه الإستراتيجية الطابع الاحتكاري لسوق النشر لقلة عدد الناشرين والمؤلفين في الوطن العربي، والأهم الطابع الكمالي نسبيا للسلع الثقافية في مجتمع فقير كالمجتمع المصري، ما يجعل خسارتهم من رفع الأسعار (ببيع كميات أقل) أقل من مكسبهم منها (بالبيع بأسعار أعلى)، حيث لا يؤثِّر المستهلكون/القُرَّاء الفقراء بشكل كبير على المبيعات من الأصل، فلا يؤثِّر إخراجهم من سوق الكتب كمشترين على أرباح الناشرين كبائعين.

    

  

يُفسِّر هذا الأثر الأخير ظهور تجارة الكتاب المُزوّر، حيث وجد هؤلاء "القُرَّاء الفقراء" الذين استبعدهم سوق النشر الأساسي مَن يتلقّفهم بأسعار أكثر ملاءمة، فهذه الفجوة السوقية المُتمثِّلة في طلب المستهلكين الفقراء كان لا بد أن يأتي مَن يسدّها، حتى ولو على حساب أطراف أخرى لم تتسبَّب في المشكلة من الأصل، مثل الكُتّاب.

  

وهذا ما يُعيدنا إلى عراك عمر طاهر وقُرَّاء الكتب المُزوّرة، فكلاهما يضرب في الاتجاه الخاطئ، مُتوهِّما خصومة غير حقيقية، أو مُعلِّقا فأس المُعضلة على كتف خصم ثالث شبه بريء هو الناشر، الذي يستجيب كأي مستثمر في سوق رأسمالي لخصائص السوق المحلي وهياكل أسعار وأرباحه، ما يعني أن جوهر المشكلة هو الطابع "المتخلِّف" التابع لاقتصادنا، الذي تتكاثّر آثاره وتنتشر في أغرب الصور وأبعد التجلّيات.

---------------------------------------------------------

هامش:

* ولا شك أن غياب البيانات الموثوقة والمنتظمة بخصوص المطبوع والمنشور يُمثِّل بذاته أمرا ذا دلالة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار