هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
مقابلة خاصة مع وليد سيف: سأبقى حارسا على الذاكرة الفلسطينية و"سقوط غرناطة" أصبح وشيكا

مقابلة خاصة مع وليد سيف: سأبقى حارسا على الذاكرة الفلسطينية و"سقوط غرناطة" أصبح وشيكا

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

"البيان صناعة الجمال، في شيء جماله هو من فائدته، وفائدته من جماله، فإذا خلا من هذه الصناعة التحق بغيره، وعاد بابا من الاستعمال بعد أنْ كان بابا من التأثير". هكذا عبر الأديب العربي مصطفى صادق الرافعي على أهمية اكتساء الأدب بالبيان كصفة تنتزعه من العادي والمألوف إلى غير المألوف، ويتعدى من كونه حروفا متراصة منزوعة السياق إلى رسائل مؤثرة كاملة تنتمي إلى سياقها ومزاجها. وهذا ما أوحى به الكاتب والأديب وليد سيف في مقابلة له مع "ميدان" حين رجعنا إلى أسباب انتشار أعماله الدرامية كمادة أدبية يتداولها الجمهور، حيث لم تكن نصوصا أدبية جامدة، وإنما ألبسها روح الزمن الذي تخيلها به فكان لها بالغ الأثر كما يعلل سيف.

  

وفي الحين الذي تُنطقه أفكاره، ينطلق وليد سيف وكأنه كتاب يُقرأ أو نص روائيّ من شخصيات رسم تفاصيلها بدقة، ولتستحيل فلسفته في الحب حمائم زاجلة بين المحبين إذا ما نطقت عنهم، كما أن مشاهده التاريخية يتخذها الناشطون رسائل سياسية في وجه نظام مستبد، ولا عجب إذ يتناقل الناس اقتباسات من أعماله لنقد مجتمع غلبت عليه طباع التعنت والجاهلية، وهنا يحدث التفاعل الذي ينشده سيف من وراء كتاباته.

     

       

كثيرة هي الأسئلة التي تلوح في أفق من يتابع أعمال وليد سيف الأدبية على اختلاف أشكالها، فكيف وهو المنافح عن العربية نجده ينادي بالالتقاء مع الغرب؟ وهل يكتب التاريخ لفقر الحاضر أم أنها الرؤية المختلفة عن التاريخ التي تختلف باختلاف "وعينا بها ومواقعنا منا"؟ وكيف شكّل حالة خاصة في نقل الأدب إلى الدراما؟ وأين وصل الفصل الأخير من الدراما الأندلسية التي بدأها؟ وهل سيرى "سقوط غرناطة" النور بعد انتظار أكثر من عشر سنوات؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها كان لـ "ميدان" لقاء خاص مع الكاتب وليد سيف حول أفكاره وأعماله وآرائه حول الكثير من القضايا.

  

وحي سيرة الذات

بعد إصدار آخر مؤلفاتك "الشاهد المشهود سيرة ومراجعات فكرية"، ما الذي دفعك إلى كتابة سيرتك الذاتية في هذا الوقت؟ وكيف استقبلها الجمهور الذي اعتاد أن يرى ملامح شخصيتك من خلال الشخصيات التي ترسمها في كتاباتك؟

  

شعرت بإلحاح داخلي بكتابتها، وأعتقد أني بلغت من العمر ما يؤهلني لسرد سيرتي. كما أني أحببت أن أدمج بين السيرة الذاتية والمراجعات الفكرية المرتبطة بمحطات أساسية خلال سيرتي. أما عن الجمهور فكانت ردود الأفعال ممتازة، فاستقبله الفلسطيني والعربي بشكل عام بالدرجة نفسها، فهو لم يُكتب للفلسطينيين فقط، بل كتب للإنسان، لذا فإن كثيرا من القراء غير الفلسطينيين تفاعلوا مع الكتاب واستُقبل بالعاطفية نفسها عند الجميع لأن هناك جوانب إنسانية وفكرية كانت تتحول من الخاص إلى العام وتتحدث عن الشرط الإنساني بصورة عامة، وبالتالي كثير من الناس وجدوا شيئا من أنفسهم في هذا العرض.

    

   

عادة ما ترتبط كتابات السير الذاتية لدى القُراء بانحياز كاتبها لكشف الجوانب المضيئة فقط وإزاحة ما يمكن أن يعكر جمالية الصورة، وأنت في كتابك تحدثت كثيرا عن عالمك الداخلي من خلال سرد بعض المواقف، فهل تخيرت فعلا ما يكشف المضيء دون المظلم؟

   

أي سيرة ذاتية أو أي عمل أدبي هو انتقائي، لكنه لا يشوه الحقائق بالتأكيد، ولكن مفهوم السيرة الذاتية مختلف عن المفهوم العام الذي أصبح مفهوما شعبيا، أي إنها بوح حول الجوانب المظلمة في حياة الإنسان وفي سيرته وشخصيته. أنا لا أعتقد أن هذه هي السيرة الحقيقية؛ في الحقيقة ليس هناك جوانب حاولت أن أخفيها لكن بالتأكيد لم أذكر كل شيء، لأني لو أردت أن أفصّل في كل شيء لكان العمل أكبر بكثير، فهذا العمل استوى بأكثر من خمسمئة صفحة على الرغم من هذه الانتقائية، فقدمت القضايا الفكرية على أي قضايا أخرى، ببساطة لأني أردت أن يكون العمل فكريا في المقام الأول.

  

ولا أبرّئ نفسي، ولن أقدم نفسي باعتباري خاليا من الجوانب السلبية، لكني ذكرت المحطات الأساسية في حياتي إلى جانب المواقف الفكرية الأساسية وليس وراء ذلك شيء أبوح به مما يحرص الإنسان على إخفائه.

 


 

هل هناك ما وددت لو أنك أسدلت الستار عليه ولم تظهره للعيان؟ أو هل هناك ما فاتك تقديمه من زوايا حياتك للجمهور؟

  

كثيرا ما يخطر بالبال أن لو أضفت الموضوع كذا أو الموضوع كذا لكنها قليلة جدا، لأن "الشاهد المشهود" كتاب كبير، فلو أردت أن أضيف أشياء أخرى لتضخم وأصبحت قراءته أكثر صعوبة على قطاع عريض من الناس، لأنه من الصعب اجتذاب القُرّاء لهذا العدد من الصفحات دون أن يكون هناك ما يجذبهم إليه من النواحي الذاتية أو من النواحي الإنسانية والفكرية، فلم أتوقف كثيرا عند هذا. أما أن أحذف أشياء منه فلا أظن هناك ما ندمت على تقديمه.

   

    

ما سبب سرد مراحل الطفولة بهذه الدرجة من التفصيل في الكتاب وصبغها بصبغة عاطفية واضحة قد يراها البعض استعطافا مبالغا؟

  

أولا كان لهدف ذاتي وإنساني في الوقت نفسه، فعلى الرغم من أن الإنسان راكم مع الزمن تجارب واسعة واكتسب معارف متراكمة فإن الفترة الأولى من العمر، وأنا قضيتها في طولكرم، هي الفترة المؤسسة لعقلي ووجداني، وما زالت في أحلامي هي المشهد الذي أستعيده بتفاصيله المختلفة، بحيث بدا وكأن كل ما حدث بعد ذلك إنما هو تعليق أو هوامش على تلك الفترة، لأنها فترة التشكيل العاطفي، وهي تحيل إلى الصبا الأول بالتأكيد، ويحن الإنسان للصبا الأول في حد ذاته، فالحنين إلى الماضي ظاهرة إنسانية عامة.

  

ثانيا هي مرتبطة أيضا بفلسطين، فالجانب العاطفي ليس جانبا شخصيا فقط، وإنما هو جانب يتعلق بالتفاعل ما بين هذه الشخصية الناشئة وبين الظروف الفلسطينية المحيطة بها، سواء أكانت البيئة الطبيعية أو الظروف الاجتماعية والسياسية.

   

ذكرت في غير مكان في السيرة فلسفتك في الحب، فنجدها في علاقاتك المختلفة مع الأم والعم والحبيبة والأرض أيضا، كما نلمح جوانب من هذه الفلسفة في أعمالك الدرامية، فكيف تصف لنا الصورة الكاملة إذا ما جمعنا أجزاءها من مجموع أعمالك؟

  

ذكرت في الكتاب تجارب معينة، لكني لا أستطيع أن أتحدث عن فلسفة معينة في الحب، لأن الحب جزء من الشرط الإنساني خاصة إذا عممنا المفهوم كما جاء في السؤال، ليشمل ليس فقط الحب الرومانسي وإنما الحب للوطن والعائلة والأم والأب والإخوة والصداقة، هذا في الواقع جزء من الظاهرة الإنسانية التي لم أخترعها ولم أختص بها، لكننا كثيرا ما نفلسف الحب بأثر رجعي، أي عندما يقع الحب دون خيارات فلسفية، ولكن عادة بعد ذلك نحب أن نتأمل فيه، وهذا ما حدث.

    

       

كان لك حديث عن التعليم في الزمن القديم، وهو مختلف عما نسمعه من آبائنا وأجدادنا عن تلك الفترة من قوة وشدة في التعليم، بين القديم والحديث، هل أصبح التعليم أفضل الآن؟

   

للأسف لا أستطيع أن أتكلم بإيجابية كبيرة عن الوضع التعليمي في العالم العربي إذا قِيس بالنظم التعليمية في الدول المتقدمة، وهناك أسباب كثيرة، فطبيعة المشاكل الموجودة في الوقت الحاضر كان يوجد مثلها في السابق، ولكن هناك أيضا مشكلات من نوع جديد لم تكن موجودة، فالنظام التربوي قديما كان ينتظم فيه معظم الطلبة، أما الآن فالنظام التعليمي يقوم على التعددية، هناك مدارس أو مؤسسات تعليمية خاصة على مستوى عالٍ من حيث التقنيات التربوية والتعليمية ولكن لا يحظى بها إلا من يستطيعون -ماديا- أن يرسلوا أبناءهم للالتحاق بها. وعلى الرغم من تقدم مستواها التعليمي والعلمي فإنه يغلب عليها التغريب، أي إن معظمها لم يصل إلى تسوية متوازنة ما بين الاهتمام بالهوية الثقافية العربية والإسلامية من جهة، والانفتاح على الثقافات الإنسانية عامة مع تطوير التقنيات التربوية من جهة أخرى، فالمجتمع أصبح مقسوما ويكرس واقع التباين.

 

فهذه المدارس كونها متقدمة على المدارس الأخرى العامة ستنتج طلبة ستكون حظوظهم في الحياة أفضل من حظوظ الآخرين، وبالتالي هناك عدد كبير من الطلبة الذين يمتلكون ملكات ذهنية متقدمة، لكنهم لا يحوزون فرصة الدراسة في مؤسسة تربوية متقدمة تستطيع أن تعطيهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم ولتطوير مهاراتهم وقدراتهم وملكاتهم.

 

فمثلا، أنا لا أحب إرهاق التلاميذ منذ وقت مبكر بالمادة المعلوماتية بدلا من التركيز على الملكات الذهنية التحليلية النقدية التي تهيئهم بعد ذلك لاستيعاب المعلومات بسهولة أكثر وتحليلها ومن ثم القدرة على التركيب والإنشاء والإبداع، لكن هناك تركيز أكثر على الكم على حساب النوع، حتى في المدارس والمؤسسات الجيدة والمتقدمة.

 

طبعا في القديم كان النظام التربوي قاسيا على الطلبة، والذين يستفيدون من فرصة التعليم بصورة خاصة هم من يمتلكون قدرات ذهنية متقدمة، بينما يقوم النظام التربوي بسحق المتوسطين أو من هم دون ذلك، ممن يستطيعون إكمال تعليمهم في الواقع، ولكن بسبب الضغوط المعنوية وأحيانا الجسدية الثقيلة عليهم كانوا يفضّلون ترك المدارس والبحث عن فرص أخرى في الحياة خارج المنظومة التربوية.

   

   

   

لكن الناس يميلون إلى إحاطة الماضي بهالة رومانسية انطلاقا من مسألة الحنين إلى الماضي "النوستالجيا"، لأنهم الآن تحرروا من عبء قديم فيستطيعون الآن وهم ناجحون أن يتحدثوا عن الماضي وهم يضحكون أحيانا ويتندّرون بقصص أساتذتهم ويركزون على جانب القوة مقارنة مع الوضع التربوي الراهن، فيقول أحدهم إن التعليم في الماضي أقوى في مجال الرياضيات أو اللغة العربية، ويتناسون في الواقع الأعداد الكبيرة من الطلبة الذين تسربوا من المدارس بسبب الضغوط والقسوة أحيانا في التعامل معهم.

 

فلسطين.. الذاكرة والحاضر

في مرحلة التعليم الجامعي وجدت نفسك تبحث عن إجابات لأسئلتك خاصة فيما يتعلق بالنضال الفلسطيني وقتذاك، والتحقت بحركة فتح لفترة ثم تركتها ولم تعد تنتظم في أي حركة أو حزب؟ فما السبب

  

لأني أحب أن أكون مستقلا وأن أعبر عن نفسي ومواقفي دون أي إلزامات من أحد، لكني لا أرفض فكرة الجماعات المنظمة وهي جزء من المجتمع المدني ووجودها مهم ضمن الشروط المدنية الصحيحة. وخروجي من حركة فتح كان في وقت مبكر، في السنة الرابعة من الدراسة الجامعية، ولكني كنت أتعاون مع منظمة التحرير في الأنشطة التربوية الدولية، أما بعد "أوسلو" فلم يعد يجدي البقاء في الحركة.

  

الانقسام القائم بين الفصائل الفلسطينية، و"أوسلو" هي الضرر الأعظم وما نتج عنها من تنسيق أمني مع "إسرائيل"، وإعلان الرئاسة الفلسطينية أن الكفاح المسلح مرفوض رفضا تاما وإسقاط المقاومة تماما. إلا أن هناك ما يمكن فعله كالاتفاق من جديد على الثوابت الفلسطينية الوطنية، يجتمع عليها جميع القوى لتشكيل جبهة عريضة تجتمع على مشروع وطني يهدف إلى إنهاء الاحتلال بغير قيد أو شرط.

  

بالنسبة لي سأبقى إلى الأبد أرفض اغتصاب وطني فلسطين من النهر إلى البحر، مهمتي أن أبقى حارسا على الذاكرة الفلسطينية، وأن الوطن الفلسطيني هو الوطن الفلسطيني المعروف من رأس الناقورة إلى سيناء ومن النهر إلى البحر، حتى لو كان هناك دولة فلسطينية على جزء من الوطن الفلسطيني هذا لا يجعل الدولة مطابقة للوطن الذي لا يمكن أن يتغير تعريفه على الإطلاق.

   

   

"الإخوة الأعداء"

تحدثت عن "آفة النصوص حين يوحي بها اللصوص" كيف تتجلى هذه الجملة في عصرنا المليء بالمنابر ومنصات التعبير؟

  

المنتج الثقافي في العادة ليس بريئا، وإنما يعبر عن موقع الإنسان في المجتمع وعن محتوى وعيه ومواقفه الفكرية والسياسية وغير ذلك، وفي كل الأحيان فإن النظام الاجتماعي السياسي السائد يخلق ثقافته الخاصة به حتى بغير وعي من قطاع واسع من الناس الذين يستدخلون هذه الثقافة التي تخدم الواقع نفسه وتسهم في تكريس هذا الواقع، لأننا حين لا نوجه الناس توجيها نقديا، وعندما لا تحرص الثقافة على التفكير النقدي والتحليلي، يسهل توجيه الناس والتأثير عليهم بما يخدم مصالح الجهات المتنفذة في هذا الواقع. وهناك من يتأثر بوعي؛ أي إن النفاق موجود، فنجد أشخاصا ينافقون للقوى المتنفذة من خلال نصوصهم.

  

فيما يخص الغرب، فبسبب وجود الحريات المدنية فإنه لا يخضع فقط للتأثير الرسمي والمؤسسات الرسمية وبالتالي يمكنه التحرر من عبئها إلى حد ما، ولكن هناك قوى مؤثرة في الوعي وتسهم في تشكيله، والفرق بيننا وبينها أنها غير منظورة هناك وتكتسب وجها إنسانيا وأحيانا وجها علميا، فمن هنا قدرتها على التأثير أشد من قدرة القوى المتنفذة في مجتمعنا على التأثير، لأنك لا تشعر أنك مسير بقوة وتوحي بأنك أنت صاحب القرار في نفسك ومواقفك، ولكنها تنفذ إليك دون أن تشعر، ببساطة لأنها تدير وعيك بطريقة غير منظورة.

  

القوى المؤثرة فينا نحن تدير وعينا بطريقة فظّة وبالتالي في كثير من الأحيان نتمرد عليها ونرفضها، بل لا نثق بها، لأن الثقة بيننا وبين المؤسسة الرسمية ضعيفة جدا مقارنة مع المجتمع الغربي، وبالتالي حتى لو قال النظام الرسمي كلاما صحيحا فعلى الأرجح لا نصدقه ونقاومه.

  

لا بد أن نتذكر أن المجتمعات الغربية المتقدمة مجتمعات أكثر تخصصا من المجتمعات التقليدية، فالسياسة في حد ذاتها هناك تخصص ومهنة، فالناس يفوضون للسياسيين العمل السياسي ويكتفون باختيارهم من خلال صناديق الاقتراع، لكن السياسة في مجتمعاتنا العربية ليست مهنة يختص بها المسؤولون السياسيون، فهي بالنسبة لنا شرط وجود تتعلق بقضايا وجودنا ومستقبلنا، وبالتالي فهي مزروعة في كل إنسان فينا ولكن بأقدار مختلفة من الوعي. ومع ذلك حتى الناس الذين يقاومون الخطاب الرسمي هناك قوى أخرى غير رسمية تؤثر بهم تأثيرا قويا جدا وقد يكون أحيانا خطيرا، بمعنى أن ليس كل من يعارض الخطاب السياسي السائد يأتي بخطاب تحرري حقيقي، فنحن نعيش أحيانا تحت تأثير هذا الوهم بأن كل من يقاوم خطابا معينا فهو يقدم خطابا مقبولا، بل أحيانا يكون الخطاب الرافض للخطاب الرسمي ليس أقل قمعية وتزويرا منه، وليس أقل قدرة على تغييب الوعي.

    

   

ماذا عن الخطاب العربي الغربي؟ ما توصيفك لحالته الراهنة؟ وهل هناك نضج ملموس في التعاطي مع الغرب؟

   

النقطة المركزية التي أحب أن أوصلها هي أنه بقدر ما نرفض الخطاب الاستشراقي الذي أنتجه الغرب عن الشرق، والذي لم يكن يكتشف حقائق عن الشرق بقدر ما كان يخترع الشرق، أي إنه يصوغه على نحو معين بما يتفق مع مصالحه ومع علاقات القوة ما بين الغرب المتغلب والشرق المغلوب في ذلك الحين، فقدم صورة عن الشرق وكأن الشرق عبارة عن عقل أو ظاهرة متجانسة تماما، وأنها ثابتة ساكنة لا تتغير، فجرى الحديث عن العقل العربي ومكوناته وكأنها حقائق ظاهرة تسيّر العربي دون وعي منه أو إرادة، إلا أن الثقافة لا تمارس هذا الدور القسري، لأن الثقافة ليست حقيقة موضوعية خارجية ثابتة تسيّرنا، وإنما نحن في الواقع نستدخلها ونستثمرها بطرق مختلفة أحيانا بما يتفق مع مواقفنا ومواقعنا ومصالحنا، إذن فكما أننا نرفض هذا الخطاب الذي ينمط الشرق يجب أن لا نقع في الخطأ نفسه عندما ننظر إلى الغرب فنتحدث عنه باعتباره حقيقة أو ظاهرة واحدة متجانسة أو باعتباره عقلا ثابتا واحدا، فالغرب أكثر من غرب وهناك قوى مختلفة.

 

إن الغرب أحيانا قد يخلق الداء ويخلق الدواء لأنه الفاعل الأساسي -مع الأسف الشديد- في الواقع القائم. لا نقول هذا تمجيدا للغرب، بل لنبرز الاختلال القائم والفجوة القائمة بين الغرب والشرق بصورة عامة. هناك كثير من الخطابات النقدية التي فككت الخطاب الغربي الاستعماري الإمبريالي المركزي وهي خطابات غربية، ونحن في الشرق استفدنا من هذه الخطابات في نقد الغرب ومن ثم في فهم أنفسنا، لأننا بقدر ما نفهم الآخر يزداد فهمنا لأنفسنا.

   

كثيرا ما ننظر إلى العلاقة بين هاتين الحضارتين على أنها علاقة قطبية، فكيف يمكننا إيجاد نقاط تقارب تشاركية لا تبعية وسط هذه الأحداث؟

  

الحقيقة الغائبة عن الوعي العام أن العلاقة بينا -أي الحضارة العربية والإسلامية- وبين الحضارة الغربية علاقة مركبة، ولعل هاتين الحضارتين هما أكثر حضارتين في العالم بينهما تبادل وتداخل ثقافي وتقارب مكاني، فأحيانا تضللنا الجغرافيا؛ فنسمى نحن والصين والهند "شرقا"، فنتوهم بأن بيننا وبين الحضارة الصينية أو اليابانية أو الهندية أكثر مما بيننا وبين الغرب، لكن تاريخيا العكس هو الصحيح، فنحن بيننا قواعد كثيرة مشتركة، لذلك أسميتُ هذه العلاقة بأنها أشبه ما تكون بـ "الإخوة الأعداء"، ولعل أحد وجوه الصراع مع الغرب راجع للتشابه في كثير من الجذور المشتركة بيننا وبينهم والتبادل الثقافي الذي حصل، فعلى سبيل المثال، المسيحية واليهودية خرجتا من الشرق ولكن الغرب تبنّاهما باعتبارهما قاعدة ثقافية أساسية في تعريف حضارته، ولذلك تسمى الحضارة الغربية أحيانا بالحضارة المسيحية اليهودية، بينما في الحقيقة هي مستجلبة من الشرق.

    

   

كما أن الغرب يؤسس حضارته الحديثة على الحضارة اليونانية، وأنا أعتقد أنه استملك الحضارة اليونانية بأثر رجعي، وإنما هي في حينها لم تكن غربا، ففكرة الغرب مقابل الشرق لم تكن موجودة أيام الحضارة اليونانية، فهي كانت تنتمي إلى حضارات حوض البحر المتوسط، فالعلاقة بينها وبين حضارات ما بين الرافدين والحضارة السورية والحضارة المصرية القديمة أكبر مما كان بينها وبين أي مصدر غربي آخر. وقد أسهم الكثير من الفلاسفة والمفكرين السوريين في ذلك الحين في التأسيس للحضارة اليونانية، وتخلى الغرب عنها في الفترة التي تبنى فيها المسيحية واعتبرها حضارة وثنية لا يقبل تداولها، في الوقت الذي بدأت فيه الحضارة الإسلامية تصعد واستطاعت أن تستوعب الكثير من الحضارة اليونانية وامتزجت معها، بعدها أخذها الغرب فيما أخذ من الحضارة العربية الإسلامية، فالتبادل بيننا تبادل قوي جدا، والذي حصل أنه عندما صعدت الحضارة الإسلامية كانت الحضارة الغربية في تراجع، ثم بعدما بدأ العالم الإسلامي ينحط كانت الحضارة الغربية في صعود، وبالتالي ارتبط في ذهن الجميع أن صعود إحدى الحضارتين مشروط بهبوط الأخرى، والذي عزز ذلك التداخل والتقارب المكاني، فامتدت الحضارة الإسلامية في كثير من المناطق التي كانت تحكمها الدولة الرومانية، ثم بعدما انقلبت الظروف وبدأ الغرب يتفوق، بدأ يمتد في المناطق العربية الإسلامية ويؤثر فيها، فالحضارتان بينهما الكثير من التبادل الثقافي منذ الحروب الصليبية، وهي التي مما لا شك فيه لعبت دورا في نقل العلوم والثقافة الإسلامية إلى الغرب، ثم عن طريق الأندلس، ليأخذ الغرب الكثير من الإنتاج الفكري للحضارة العربية والإسلامية، ثم أصبح الغرب بعد ذلك مهيمنا ثقافيا، فهي علاقة معقدة لا نستطيع أن نأخذها في بُعد واحد.

    

هل يسمح الواقع السياسي والاجتماعي الذي نعيشه الآن بتبني هذه الرؤية؟

  

للأسف ربما المرارات المرتبطة بالاستعمار الغربي والمظالم التي أوقعها الغرب الاستعماري الإمبريالي على العالم العربي والإسلامي بحكم هذا التغلب الذي ما زال جاريا، وهذه المظالم التي ما زالت قائمة يندفع الكثير من الناس إلى أن يحركهم الخوف على هويتهم المهددة فينغلقون على أنفسهم، وهذه ردة فعل غير مجدية حتى وإن بدت في لحظة معينة أنها مجدية. في المقابل ستجد أن هناك أناسا مستلبون للغرب تماما ويظنون أن التخلي عن الهوية العربية الإسلامية هو شرط للحاق بالغرب، فنجد أنفسنا بين الثنائيات الحدية المتفاصلة؛ إما الاستلاب التام وإما الانغلاق التام، وحقيقة الأمر أن العالم لا يسير بهذه الطريقة لا سيما في العصور الحديثة التي تقوم على الاعتمادية المتبادلة.

 

ونحن نشهد منذ سنوات عملية ما يسمى بالعولمة التي كان من المأمول أن تفتح الأبواب لتبادل متكافئ ما بين الحضارات والثقافات، لكن الذي حدث أن العولمة كلمة تبدو لطيفة لعملية ازدياد سيطرة الثقافة الغربية أو الخطابات الثقافية الغربية على المجتمعات غير الغربية، فكلمة عولمة توحي بأن كل العالم يسهم فيها بأقدار متكافئة، لكن حقيقة الأمر أن العولمة تنطلق من مراكز مدنية وحضارية وسياسية غربية، وأن الآخرين يتلقونها ويعيدون إنتاجها ولا ينتجون أمثالها كي يصبح تبادلا متكافئا ما بين الأطراف المختلفة. فنحن لا نسهم بخطاب العولمة أو الثقافات الناشئة عن العولمة إسهام الغرب فيها وإنما نقوم بدور المستهلك، ولن نستطيع أن نسهم فيها دون أن يكون هناك نهوض وإسهام حضاري، وهو ما له شروط كثيرة أخرى كالتحرر من التبعية والتنمية الشاملة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، لكن في الأوضاع الراهنة وأوضاع الاستبداد والفساد ونهب الثروات والتبعية للغرب، فلن نستطيع أن ننتج إلا في حدود معينة، وللأسف نحن بصورة عامة عالة على الغرب -من الناحية العلمية والمعرفية-، فمن أنتج من العرب نظريات في العلوم الطبيعية على نحو ما ينتج في الغرب؟ وأين مراكز الأبحاث التي عندنا لكي تنتج وتشارك في الإنتاج العالمي للعلوم؟ وحتى على مستوى العلوم الإنسانية، هل هناك من أسهم في إنتاج نظرية في علم الاجتماع متداولة على مستوى عالمي في منطقتنا؟ أو في علم النفس أو الفلسفة أو غيرها، فعندما نتحدث عن الإنتاج المعرفي العربي نتحدث عن الماضي، فنحاول أن نصل حاضر الغير بماضي الذات، فنربط الإنتاج المعرفي الغربي الحديث ببعض الجذور بالمعرفة العربية والإسلامية.

    

   

حين تصبح الدراما أدبا مصورا

عُرفتَ بالأعمال الدرامية أكثر من أي نتاج أدبي آخر، وهي ذات صيت أوسع من الأعمال التي كتبتها بين دفتي كتاب، فما سبب الاهتمام الأكبر بالدراما وتقديمها على الكتابة الأدبية والفكرية؟

  

الذي صرف اهتمامي وطاقتي إلى الأعمال الدرامية أنها تستجيب لرغبة وشغف داخل نفسي، ومن ناحية أخرى أن اللغة السمعية البصرية الآن قادرة على الوصول إلى الناس وإحداث التأثير المطلوب أكثر من الأعمال المطبوعة، مع أني لا أقلل من المواد المطبوعة ولا أقول إن المادة السمعية البصرية يمكن أن تحل محلها تماما، ولكن لا شك أن كتابة أعمال سمعية بصرية للدراما ورفع مستوى الدراما إلى مستوى الأدب كان له تأثير كبير على قطاع واسع من الجمهور من خلفيات ومستويات ثقافية مختلفة، وهذه هي قيمة العمل السردي، لأن فيه من المادة الحكائية ما يجذب قطاعات مختلفة من الناس، ثم يتفاوت الناس في طرق استقبالهم الفكرية للعمل نفسه وفي ذائقتهم الفنية وملكاتهم النقدية، فهناك مستويات مختلفة من الاستقبال والتأويل والتذوق، ولكن تبقى هناك مادة حكائية قادرة على اجتذاب هؤلاء جميعا، وهذا ما لا يتوفر في كثير من المواد المطبوعة التي تخاطب فئة محدودة من الناس.

  

والدليل نقولات الناس من الأعمال الدرامية، فتجد أنهم التقطوا مقتطفات ما كنت أظن أنهم يتلقفونها ويتداولونها ويعيدون إنتاجها كما لو كان الكتاب مطبوعا، لأنها وصلت إليهم ليس فقط من خلال الكلمة وإنما من خلال الموقف الدرامي، وهذا ترك تأثيرا عقليا وعاطفيا في الوقت نفسه، وهذا خصوصا إذا كانت الدراما أدبا مصورا، وهذا ما أعتقد أن أعمالي اختصت به حيث نقلت الأدب إلى مستوى الدراما المصورة.

 

لذلك من مشاريعي القادمة أن أحوّل أعمالي الدرامية إلى مادة مطبوعة، إما بأعمال روائية تنتظم في شروط الرواية، وإما من نوع الأدب السردي الجديد الذي يلعب الحوار فيه بصورة خاصة دورا استثنائيا وأكبر مما يلعبه في الرواية العادية حتى لا أحرم الناس تأثير الحوار المباشر مع هذه الشخصيات.

   

       

بين مسلسلي "الدرب الطويل" و"التغريبة الفلسطينية" أعوام قليلة رغم أنهما يستندان إلى ذات القصة الممتدة من ثلاثينيات القرن الماضي وحتى عام 1968، لماذا يلجأ الكاتب إلى إعادة إنتاج وكتابة روايته؟ وما الذي استجد في حاضرك لتعيد إنتاج الماضي؟

   

المادة الأساسية واحدة، فأنا كتبت "الدرب الطويل" في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي ولكن لم تتوفر له ظروف إنتاجية مناسبة، ثم أُتيحت فرصة أخرى أفضل، وبالتالي أعدنا إنتاج العمل مع بعض التعديلات والانتقاءات، لأن المسلسل الأصلي طويل جدا فكان لا بد من الانتقاء.

 

كما أن الواقع بعد الثمانينيات فرض أسئلة أخرى؛ فلا يمكن للكاتب أن يتحرر من أسئلة الواقع الملحة، فعندما يكتب عملا في فترة من الفترات ثم يعيد معالجة ذات الموضوع في فترة أخرى قد يركز على جوانب لم يكن قد أخذها بعين الاعتبار من قبل، أو يقلل من التركيز على بعض الجوانب التي لم تعد أسئلتها ملحة في ذلك الحين. ولكن قد لا ينطبق هذا كثيرا على "الدرب الطويل و"التغريبة الفلسطينية"، ببساطة لأن قضيتهما هي القضية الفلسطينية، فلم يتغير شيء في الرواية والسردية الفلسطينية خاصة في الفترة التي عولج فيها المسلسلان، لذا كانت التغيرات محدودة على مستوى المعالجة، ولكن الإمكانيات الإنتاجية التي توفرت في "التغريبة" كانت ممتازة، والأستاذ حاتم علي (مخرج التغريبة الفلسطينية) بذل جهدا خاصا في هذا العمل، فقد كان بينه وبين هذا العمل تفاعلا عاطفيا من نوع خاص لأنه اختبر الهجرة، فأصوله من الجولان، وهجروا من هناك، فعاش فترة من حياته في مخيم اليرموك، فهو على تفاعل مباشر بأوضاع الشعب الفلسطيني، إضافة إلى المواقف الفكرية المتعلقة بالقضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية لكل إنسان عربي.

   

ما بعد عام 1968 أعوام مليئة بالتغييرات على مستوى القضية الفلسطينية، فهل من الممكن تقديم عمل يعالج هذه الأحداث؟ أم أن هناك ما يحول دون معالجة هذه القضايا؟

  

القضية الفلسطينية معين لا ينضب من الأحداث والمعالجات الدرامية والأعمال السردية، لذا من الممكن فعلا أن أقدّم عملا بهذا الاتجاه، على شرط ألا يكون امتدادا لقصة "التغريبة الفلسطينية"، لكن الأمر يحتاج إلى كثير من التفكير، لأننا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكن أن نقدم العمل الدرامي المصور إذا لم يكن هناك جهة تتبناه إنتاجيا وقنوات تعرضه.

 

وكما نعلم بعد حرب عام 1967 حدثت تعقيدات والتباسات كثيرة، ليس فقط بين المقاومة والمحيط العربي، بل في داخل الفصائل نفسها، وداخل الفصيل الواحد أيضا، وقد حدثت تطورات مختلفة تتناقض وتتضارب حولها الروايات، ونحن نبحث عن الرواية الفلسطينية التي يجتمع عليها الوجدان الفلسطيني والعقل الفلسطيني والثوابت الفلسطينية، وبالتالي عملية الانتقاء يجب أن تكون ذكية وأن تأخذ بعين الاعتبار طرق الوصول إلى جمهور الدراما المصورة.

    

    

تغيّر نمط الرقابة على الدراما والسينما بحيث أصبح أكثر شدة من ذي قبل، فهل سيؤدي هذا التغيير إلى خلق تعقيدات لتقديم عمل درامي فلسطيني جديد يعالج فترة ما بعد احتلال الضفة واتفاقية أوسلو؟

  

نعم بلا شك؛ فالآن القيود على الفكر والتعبير الحر وعلى الأعمال الدرامية التي تصل إلى قاعدة واسعة من الناس أشد مما كان في السابق، وهناك حساسيات معينة لدرجة أن مصطلح "القضية الفلسطينية" قد تنفر بعض الجهات أن تتعاون في إنتاج أو بث عمل فيها لأنها ممكن أن تُحرّك الشارع والوجدان العربي، وهذا -مع الأسف الشديد- عند بعض القوى أمر غير مرغوب به في الوقت الحاضر.

  

إلا أن هناك نقطة مهمة، وهو أن الكثير من الناس -حتى في السابق- يتعذر بأن الرقابة تحول بينه وبين أن يعبّر عن نفسه، وكنت في الواقع أقف موقفا مختلفا إلى حد كبير، ببساطة لأن العمل الفني الحقيقي لا يتعامل مع الخطاب المباشر، فالعمل الذي يقدم موعظة مباشرة يسقط فنيا، كأي عمل إبداعي ومنه الأدبي أيضا، لذا فإن السؤال ليس ما الذي تريد أن تقوله فقط، بل كيف ستقوله لتقدم القيمة الجمالية فضلا عن الرسالة التي تريد أن توصلها، فإذا أحبطت القيمة الجمالية والفنية أحبطت الرسالة نفسها، لذا فالأشكال الفنية والإبداعية لها شروطها السابقة، فأنت لا تحتاج إلى أن تكون مباشرا ليس خوفا من الرقيب ولكن امتثالا لطبيعة الشكل الأدبي أو الفني الذي تتعامل معه.

 

لا أحب أن أعتذر دائما بالواقع القائم لكي يتهرب الإنسان من مسؤوليته عن تقديم أعمال تعبر عن ضميره وعن هموم الناس، فهناك طرق مختلفة؛ فإن لم تستطع أن تقول هذا بعمل مصور فهناك أشكال أدبية أخرى وعليك أن تتحمل مسؤولية ذلك.

    

    

هناك من يتهم العرب بأنهم يمتلكون التاريخ ولا يمتلكون الحاضر، لذلك كثيرا ما يتغنون بالتاريخ. فما سبب تفضيلك لكتابة الدراما التاريخية عن المعاصرة؟

  

التاريخ ليس العودة للماضي؛ فأين الماضي؟ وهل من أحد يدلنا عليه؟ الماضي ليس حقيقة موضوعية خارج وعينا الحاضر به، ونحن نعيد تشكيل الماضي وسط مواقفنا من الحاضر الذي نعيش فيه وشروطه، ونفترق على تأويل الماضي وتوصيفه انطلاقا من اختلافنا على مواقفنا من الحاضر. فمن يقول إن المعالجة الدرامية التاريخية هي رجوع للماضي؟ بل هي استخدام المادة التاريخية لطرح أسئلة تمس الواقع الذي نعيش فيه، بل تطرح أسئلة ذات طابع إنساني غير مقيدة بزمان ومكان معينين، وهذا ما حاولت أن أفعله في معظم أعمالي، ولذلك الناس تداولوا الكثير من المقتطفات التي تخاطب الواقع أو تخاطب الإنسان بكليته والشرط الإنساني أيضا.

 

إضافة إلى ذلك أنا لا أقوم بعمل تسجيلي يقدم سردا تاريخيا لمرحلة ما، وإن كانت أيضا غير بريئة من الموقف والرؤية، فمثلا الواقع الذي نعيش فيه ونتشارك في العيش فيه والتفاعل معه روايتنا عنه مختلفة؛ فما نسميه انتفاضة يسميه غيرنا شغبا، وما نسميه ثورة يسميه غيرنا إرهابا، وما نسميه استبدادا يسميه غيرنا أمنا وأمانا، وهكذا.

 

فتختلف الروايات باختلاف وعينا بها ومواقفنا منها ومواقعنا من هذا المجتمع ورؤيتنا العقدية والفكرية في النهاية، فالذي يقرر مدى راهنية العمل ليس المادة هل هي تاريخية قديمة أو حديثة، إنما الرؤية التعليلية والمعالجة الفكرية والدرامية للمادة، وإلا لماذا كتب نجيب محفوظ روايات استلهمت التاريخ المصري القديم، هل كتبها ليعرّف الناس بالتاريخ؟! وإلا كان من الأولى أن يؤلف كتابا في التاريخ المصري القديم، لكنه كتب رواية تحقق القيمة الجمالية والفكرية الإنسانية من خلالها ويمكن إسقاطها على الواقع القائم بل على الشرط الإنساني بصورة عامة.

 

وهذا أيضا ما فعله شكسبير ولا نزال نقرؤه ونعيد إنتاجه مسرحيا وسينمائيا بمستويات مختلفة من التأويل بصورة مستمرة، لأنه استخدم مادة تاريخية لتحليل الإنسان وتقديم نماذج إنسانية موجودة في وقت من الأوقات ولكنها تتمظهر بصورة مختلفة في ظروف مختلفة. وهذه مهمة العمل الأدبي والإبداعي، فهو ليس ظرفيا، قد ينطلق من الظرفي إلى الإنساني ولا يتوقف عند الظرفي وليس مجرد تسجيل لوقائع.

    

   

ونحن بالعادة نفصل بين النص المطبوع وبين الأشكال الفنية الشعبية؛ فهناك ما نسميه أشكال الثقافة العليا وأشكال الثقافة الشعبية. قبل أكثر من خمسين سنة كان الحد الفاصل ما بين هذين النموذجين من الثقافة واضحا ولكل جمهوره، لكن في الوقت الحاضر بدأ الحد الفاصل ما بين أشكال الثقافة الشعبية، مثل السينما والمسرح وغيرها وبين أشكال الثقافة العليا مثل الروايات والمسرحيات الجادة، بدأ ينهار وبالتالي أصبح الجمهور واحدا لهذا وذاك. من هنا أصبح بالإمكان أن ينتقل الأدب من كونه مادة مطبوعة ليصبح مادة مطورة دراميا، وأن تنتقل الدراما المصورة لأن تصبح كتابا في الوقت نفسه.

  

وكوني جئت من خلفية أدبية نقلت معي الأدب إلى الدراما، وبدا للبعض أنها مغامرة لأن الجمهور عام، لكن الحقيقة أن مراهنتي كانت صحيحة لأن هناك مادة حكائية تجتذب مستويات مختلفة من المشاهدين، وفي الوقت نفسه هناك قيمة أدبية وفنية وإنسانية وفكرية تسلم نفسها لمستويات مختلفة من التأويل والاستقبال ومن التفاعل الفكري والوجداني.

   

مرّ على آخر جزء من الدراما الأندلسية التي قدمت ما يقارب الثلاثة عشر عاما، وكنت قد ألزمت نفسك بجزء رابع لهذه السلسلة وهو "سقوط غرناطة"، فمتى سيحط ركابه؟

  

أستطيع أن أقول الآن إنه قادم بالفعل، فأنا أعمل على إحيائه الآن، وكنت قد أعددت المادة التاريخية من سنوات وأعددت المعالجة الدرامية بصورة عامة، بل كنت قد بدأت في كتابة بعض الحلقات، ثم حصلت ظروف حالت دون أن أستكمل المشروع، أما الآن فأنا أستأنف المشروع مع إضافات؛ لأني أفكر ألا يتوقف العمل عند سقوط غرناطة بل أن يمتد إلى ما بعد سقوطها ليصور محنة المورسكيين -العرب المنصّرين- وما تعرضوا له من اضطهاد وعذاب على أيدي سلطات محاكم التفتيش.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار