انضم إلينا
اغلاق
صُناع هوية أم طلاب سلطة؟.. ميدان يحاور "العناني" حول الإخوان المسلمين

صُناع هوية أم طلاب سلطة؟.. ميدان يحاور "العناني" حول الإخوان المسلمين

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

كثيرا ما لف جماعة الإخوان المسلمين حجاب من الغموض، فالسرية التي تنتهجها الجماعة منذ نشأتها حتى الآن، شكّلت حاجزا أمام فهم ما يدور حقيقة داخل الإخوان المسلمين، بدءا من الكيفية التي يتم بها تجنيد أعضائها، ومرورا بآليات التواصل الداخلية، والمناهج التربوية، والتراتبية القيادية، وانتهاءً بالهيكلية المشكّلة لجسد الإخوان المسلمين. سريّة صاحبتها -كما جرت العادة تجاه ما هو مجهول- أساطير حيكت وقصص نُسجت حول هذا الكيان الممتد في مختلف مناطق العالم، والذي برز حضوره بصورة واضحة عقب اندلاع ما يُعرف بثورات الربيع العربي، ليصعد إلى واجهة الفعل السياسي في عدد من البلدان العربية، مع حفاظه على سرية التنظيم الداخلي كما اعتاد دائما.

 

تتابين الآراء وتتجاذب وتختلف جذريتها تجاه الإخوان المسلمين، لكن الأدبيات التي تسعى لتفكيك وفهم البُنى الداخلية للجماعة ظلّت محدودة رغم الأهمية الاجتماعية والسياسية والفكرية التي احتلتها الجماعة طوال العقود الماضية، ومن هنا تأتي أهمية كتاب "داخل الإخوان المسلمين: الدين والهوية والسياسة" كمساهمة قدمها الدكتور خليل العناني لتسليط الضوء على عدد من المساحات المجهولة التي ساهمت في تشكيل هذا التنظيم، لذلك اتجهنا في موقع "ميدان" لإجراء حوار مع العناني حول بعض الأفكار التي ناقشها الكتاب، وبطرح عدد من الأسئلة التي يمكن أن تتولّد مع قراءة هذه المساهمة.

    

    

الإخوان المسلمين.. التنظيم الأكثر تعقيدا!

بداية دكتور خليل، لماذا اخترت الإخوان المسلمين تحديدا لأطروحتك رغم ما أصبح يعتقده محللون بكون دورهم أصبح في حكم المنتهي؟

أولاً شكراً لكم ولموقع "ميدان" على إجراء هذه المقابلة معنا. ثانياً، بدأت العمل على أطروحة الإخوان المسلمين قبل حوالي عشر سنوات وذلك حين ذهبت لإعداد أطروحة الدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة دورهام ببريطانيا أواخر عام ٢٠٠٩. وقتها كانت الجماعة لاعباً أساسياً في الحياة السياسية المصرية، وهو ما ثبت بعد ذلك حين قامت ثورة يناير ٢٠١١ التي خرجت منها الجماعة بمكاسب سياسية كبيرة أوصلتها للبرلمان وللرئاسة في مصر. ولكن الأهم من ذلك كان محاولة لفهم واحدة من أقدم وأعقد الحركات والجماعات السوسيودينية التي تمارس السياسة منذ أكثر من تسعين عاماً ليست فقط في مصر وإنما في العالم الإسلامي وفي الغرب. ويمكن القول بقدر من الثقة أن ما نعرفه عن جماعة الإخوان أقل بكثير من واقعها. فنحن نتحدث عن جماعة سرية منذ أكثر من نصف قرن، الظاهر منها أشبه بـ"قمة جبل الثلج"، أما "الغاطس منها فهو كثير وغير معروف للباحثين، ناهيك عن الجمهور العادي.

ويزيد من التعقيد عدم وجود قراءات وكتابات موضوعية ورصينة عن جماعة الإخوان المسلمين خاصة في مصر. فأغلب ما كُتب عن الجماعة منذ عودتها للحياة السياسية أوائل السبعينات وعلى الأقل حتى بداية الربيع العربي، يقع ما بين الإطراء أو الهجوم. فإما نجد أنفسنا أمام كتابات أو مذكرات لقيادات وأعضاء الجماعة وأشهرها موسوعة "الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ" التي كتبها محمود عبد الحليم، عضو الهيئة التأسيسية للإخوان أو مذكرات علي عشماوي آخر قادة التنظيم الخاص، أو مذكرات الحاجة زينب الغزالي، أو مذكرات الدكتور توفيق الشاوي... إلخ. على الجانب الآخر نجد كتابات غارقة في الهجوم والخصومة الإيديولوجية للإخوان ومن أبرزها كتابات القيادي اليساري الراحل رفعت السعيد وكذلك الصحافي صلاح عيسى والمؤرخ سعيد رمضان وأخيراً صحفيي النظام الحالي في مصر وهم كُثُر، أو أولئك الذين تتبناهم وتصرف عليهم دول غارقة في الخصومة للإخوان مثل الإمارات والسعودية.

يقول عناني: بالرغم من دراستي الطويلة لجماعة الإخوان المسلمين والتي تمتد لحوالي عقد ونصف، يمكنني القول بقدر كبير من الثقة والصدق، بأنني لم أسبر أغوارها بشكل كامل حتى الآن

الجزيرة
 

لذا لم يكن أمامي، كباحث مستقل، ينشد الفهم والدراسة الموضوعية، دون تحزب أو خصومة أو ما يمكن أن نسميه "إخوانوفوبيا"، أن أبدأ رحلة الفهم والدراسة ولم أجد سوى الميدان. أي أن أبدأ من الظاهرة نفسها وأتركها تتحدث عن نفسها، وهو ما فعلته، ولا أزال، في معظم كتاباتي عن الإخوان المسلمين وعن الإسلاميين بوجه عام. وهو منهج جديد في دراسة الجماعات والحركات الإسلامية يعتمد على الملاحظة الإثنوغرافية، وعمل مقابلات مع أعضاء الجماعة وقياداتها لفك شفرتها.

وبالرغم من دراستي الطويلة لهذه الجماعة والتي تمتد لحوالي عقد ونصف، يمكنني القول بقدر كبير من الثقة والصدق، بأنني لم أسبر أغوارها بشكل كامل حتى الآن. فهي جماعة عميقة، وما هو معروف عنها أقل بكثير من واقعها. بالطبع، يلعب السياق السياسي دوراً مهماً في الموضوع، فمن الصعب أن تدرس جماعة وتقوم بتفكيك بنيتها الفكرية والتنظيمية وهي في حالة قمع واضطهاد مستمرين. ناهيك عن المخاطر الأمنية العديدة التي يمكن أن يتعرض لها الباحث والمبحوث في نفس الوقت.


وبوجه عام فإن دراستي للإخوان والإسلاميين، كفاعلين غير رسميين، ليست هدفاً بحد ذاته، وإنما تتجاوزهم من أجل دراسة وفهم العلاقة بين الدين والمجتمع، وذلك كجزء من اهتمامي بحقل "الاجتماع الديني". وهو ما يجعلني أختلف مع سؤالك قليلاً بأن "دور الإخوان بات في حكم المنتهي". فأنا لست مشغولاً بالدور السياسي أو الديني للإخوان، وإنما بالطلب الاجتماعي على الدين، خاصة في ظل عملية التجريف الروحي والرمزي التي تجري داخل مجتمعاتنا بهدف إدخالها قسراً في عالم متخيل للحداثة متصادم ومحارب للدين كمسألة إيمانية. وعموماً فهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها الجماعة لهذا القمع. صحيح أنها الأقسى والأعنف، ولكن للتاريخ مكره ومفاجآته.


لماذا "مصَّرت في كتابك "الإخوان المسلمين" رغم اتساع رقعة تأثير التنظيم عالميا في أكثر من جغرافيا وبسياقات تختلف عن التنظيم المصري؟

الكتاب يستهدف إخوان مصر، وهو رحلة في عقلها الجواني، وتفكيك للشخصية الإخوانية منذ بداية الانضمام للجماعة وحتى تركها. وفضلاً عن أهميتها ، تكاد تكون الجماعة الأم في مصر من أقل الجماعات دراسة بشكل أكاديمي موضوعي مقارنة بفروعها وذلك لأسباب متعددة منها أنها لا تزال جماعة سرية يصعب معرفة ما يحدث بداخلها، ومنها ما يتعلق بالبعد الأمني حيث يتجنب كثيرون من أعضائها الحديث مع الباحثين خوفاً من أن يتم اختراقهم من قبل الأمن، ومنها ما يتعلق بعدم وجود أدوات بحثية ناجعة يمكنها أن تتفادى النظرة السطحية لجماعة معقدة مثل جماعة الإخوان. وبالتالي فأنا لم أمصّر الكتاب ولكن اخترت بوعي وبقصد التركيز على الجماعة الأم لتفكيك بنيتها الإيديولوجية وفهم تعقيدها التنظيمي، وتفسير خياراتها السياسية.

 

لدينا نموذجين محسوبين على الإخوان المسلمين "حماس" الفلسطينية و "النهضة" التونسية، هل ينطبق سياقك التحليلي والتفكيكي عليهما؟ خاصة فيما يخص "الهوية" و "الشباب" و "الكفاءة السياسية"؟

السياق التحليلي مختلف بحسب ظروف كل جماعة أو حركة، ولكن هناك قواسم مشتركة في جميع الحركات التي تنتمي للإخوان منها ما يتعلق بعمليات التربية والتنشئة داخل المحاضن الإخوانية، ومنها ما يتعلق بالبنية التنظيمية خاصة على المستوي القاعدي (مجلس الشورى، المكاتب الفرعية أو الجهوية، الشعبة، الأسرة، إلخ). وبالتالي فإن عملية بناء الهوية تتشابه من حيث الطريقة وربما المضمون ولكن هناك اختلاف في الكفاءة السياسية التي تتأثر بالسياق بشكل كبير.


ذكرت في كتابك أن الإخوان "صناع هوية" وليسوا مجرد طالبي سلطة، وذكرت أيضا أن الإخوان حركة اجتماعية، فهل هناك حركات اجتماعية وسياسية لا تصنع هوية لأتباعها؟ وما الجديد الذي تتفرّد به الجماعة؟

صناعة الهوية هي أحد الوظائف الرئيسية للحركات الاجتماعية فيما يطلق عليه علماء الاجتماع وخبراء الحركات الاجتماعية التمايز أو التفرد differentiation، وهنا تتقاطع جماعة الإخوان مع هذه الحركات. لكن الجديد، أو دعنا نقول المختلف أو المغاير الذي تتفرد به جماعة الإخوان عن غيرها، يتمثل في أمرين: أولهما هو العملية المنظمة والممنهجة لبناء الهوية الجماعية لأفرادها وأعضائها، وفي عمق هذه الهوية وكثافتها.

يرى العناني أن الخروج من الجماعة ليس أمراً سهلاً من الناحية النفسية أو العاطفية، وإن حدث فإنه يترك أثراً طويل المدى لدى الخارجين لا يتم التخلص منه بسهولة

مواقع التواصل 
 

بالنسبة للأمر الأول، فعلى العكس من الحركات الاجتماعية الأخرى، فإن الانتماء للإخوان لا يتم تلقائيا بمجرد إبداء الرغبة في ذلك. فكما ذكرت في الكتاب نقلاً عن أحد من قابلتهم من شباب الجماعة فإن "الجماعة تنتقي أعضاءها". كما أن مستويات العضوية في الجماعة ليست واحدة وإنما متعددة تبدأ مع مرتبة المحب وتنتهي مع مرتبة العامل وبينهما مراتب أخرى كالمؤيد والمنتسب والمنتظم. وكل مستوى من العضوية له مهامه وواجباته وطقوسه، وهناك متابعة مستمرة لأداء العضو لهذه المهام، إما من أجل التصعيد أو التضعيف حسبما هو معروف في الجماعة.

وبالنسبة للأمر الثاني، فإن عمق الهوية الإخوانية، كما أسميتها في الكتاب، ينبع من خلال عملية طويلة ومتواصلة من التنشئة والتعبئة النفسية والفكرية داخل محاضن الجماعة وهي عديدة تبدأ مع الأسرة (أصغر خلية تنظيمية إخوانية) وحتى الكتائب والمعسكرات والمؤتمرات العامة للجماعة. لذلك فإن الخروج من الجماعة ليس أمراً سهلاً من الناحية النفسية أو العاطفية، وإن حدث فإنه يترك أثراً طويل المدى لدى الخارجين لا يتم التخلص منه بسهولة ولعل هذا ما يجعل الجماعة مختلفة عن غيرها من الحركات الاجتماعية.

 

بينت في بداية كتابك، أن الطرح الذي تقدمه يتحدى عددا من السرديات التقليدية والسائدة بشأن الإسلاميين والتيار الإسلامي عامة، فما هي أبرز السرديات التي يتحداها، وأين تكمن أهميته في اللحظة الراهنة؟

ما قصدته بالسرديات التقليدية في الكتاب هو طرق البحث والتناول التي كانت تُتبّع في دراسة الإسلاميين والتي سادت منذ أواخر السبعينات (على خلفية قيام الثورة الإيرانية) وحتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ أي حوالي عقدين ونيف من الزمن. حيث هيمن على حقل الدراسات الإسلامية تيارين أولهما هو التيار الاستشراقي الجوهراني الذي لا يفرّق بين الإسلام والمسلمين والإسلاميين. وبالنسبة إليه فإن المشكلة ليس في خطاب وسلوك المسلمين أو الإسلاميين وإنما في الدين الإسلامي ذاته. وأهم ممثلي هذا التيار برنارد لويس ودانيل بايبس وبسّام طيبي. أما التيار الثاني فهو الذي يتبنى السردية السياقية contextual ويرى أن ظهور الإسلاميين هو مجرد رد فعل على أزمات الدولة الحديثة في العالم العربي كالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتي نجم عنها مشاكل البطالة والتمدن والاغتراب ... إلخ.

أي أنهم ينفون عن الإسلاميين صفة الفاعلين المستقلين agents ويعتبرونهم مجرد فاعل تابع subject خاضع للبنية التي تحكم الدولة الحديثة. كلا التيارين قاما بتسطيح الظاهرة الإسلامية، كلٌ بطريقته الخاصة. أما ما أطرحه في الكتاب فهو أن التيار الإسلامي هو تيار وإن كان ينطلق من رؤى معينة للكون والحياة والهوية مصدرها الدين، شأنه في ذلك شأن بقية التيارات التي لديها مرجعيات فكرية وأيديولوجية مختلفة كالماركسية والليبرالية والإنسانوية وغيرها، إلا أنه تيار يتأثر بمحطيه الاجتماعي والسياسي ويتفاعل معه ويؤثر فيه، ويسري عليه ما يسري على بقية التيارات من صعود وهبوط، ونجاح وسقوط، وتطور وتغير، إلخ. بكلمات أخرى، مقاربتي، ولست الوحيد هنا الذي يتبناها، تتعاطى مع الإسلاميين باعتبارهم فاعلين واعين بأنفسهم وبدورهم وبأهدافهم ولديهم حسابات عقلانية قائمة على المكسب والخسارة وهكذا.


ذكرت في كتابك أن حسن البنا اتجه بالأساس لمخاطبة الطبقات الدنيا والشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة التي كانت عُرضة للتهميش بسبب الحرمان الاقتصادي والتقسيمات الطبقية. فهل نفهم من هذا أن الجماعة استندت في انتشارها على المهمشين لا على قوة أفكارها؟

الإخوان بدأت كجماعة "مدينية" أي في المدن الكبرى كالإسماعيلية والقاهرة، واعتمدت في تكوينها على الطبقة الوسطى من المهنيين (المدرسين والمحامين والأطباء ... إلخ) لذا كانت تسمى بحركة "الأفندية"، ولكن بعد ذلك انتشرت الجماعة خارج المدن ووصلت القرى والنجوع في ريف مصر شمالاً وجنوباً بفضل جولات حسن البنا في هذه البلدان والتي سجلتها مذكرات الإخوان. الانتماء للإخوان له أسباب عديدة من أهمها بساطة أفكارها وقدرتها الإقناعية خاصة لدى شرائح الطبقة الوسطى والشريحة العليا من الطبقة الدنيا.

كذلك هناك من ينضم للإخوان لتعويض التهميش الاجتماعي والطبقي والرغبة في الاحتماء بجماعة أو حركة ذات هوية تضامنية متماسكة يمكن أن تحميه من سطوة الدولة ومن يدور في فلكها. وهنا من ينضم للإخوان من أجل الترقي الطبقي باعتبارها قاطرة تصهر بداخلها أبناء الطبقات المختلفة. وبالمناسبة فإن الأفراد لا يختارون الانضمام للجماعة ولكنها هي من تحدد من ينضم إليها حسب مواصفات واشتراطات معينة، وبعد فترة معينة من التمحيص والتدريب والتنشئة.

 

أشرت إلى أن البنا وظّف مفهوم الشمولية من أجل نزع الشرعية عن الأيديولوجيات الأجنبية، مثل الشيوعية والرأسمالية والقومية، فهل يعني ذلك أن البنا كان واعيا تماما بتأثير تلك الحركات، ومن ثم استخدم ذات الميكانيزمات لتأسيس جماعة "شمولية" إن صح الوصف؟

لا أعتبر البنا رجل دين أو رجل وعظ فقط، وإنما كان بنّاءً أو مهندس تنظميات حركية وناشط اجتماعي أو ما يمكن أن نسميه social entrepreneur وهو قطعاً كان على علم بالإيديويولوجيات الكبرى في وقته كالشيوعية والرأسمالية والنازية إلخ. ولكن موضوع الشمولية نابع من فهمه للإسلام باعتباره دين رسالي يجب أن يتجسد في حياة المؤمنين به اليومية، وأن يقدم إجابات على جميع الأسئلة. لذا فإن البنا هو أول من استخدم مفهوم شمولية الإسلام وهو ما يميزه عن غيره ممن سبقوه من الدعاة مثل محمد عبده ورشيد رضا، كما أنه جعل الإخوان يختلفون عن غيرهم من الحركات والجماعات التي تركز أنشطتها على المجال الديني أو التربوي أو الخيري. فالإسلام بالنسبة له "دين ودولة، وسيف وقرآن وعقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف...".

وفقا لدكتور خليل العناني فإن الهوية الإخوانية لا تقف عند حدود الأفكار ولكنها تمتد للممارسات، فهي أشبه بشفرة أو كود يتمثله أعضاء الجماعة في حياتهم اليومية

رويترز
   
في قلب التنظيم

بالتطرق لتفصيلات الجماعة من الداخل، ذكرت أن عضو الإخوان لا يكون كذلك فقط حين اجتماعاته مع أعضاء الجماعة، ولكن تنعكس ما وصفته بـ "النزعة الإخوانية" على أدق تفاصيل حياته، فكيف يحدث ذلك، ولماذا استخدمت مصطلح النزعة هنا، وهو المصطلح المعبّر عن التحكم بالدوافع؟

الهوية الإخوانية لا تقف عند حدود الأفكار ولكنها تمتد للممارسات. فهي أشبه بشفرة أو كود يتمثله أعضاء الجماعة في حياتهم اليومية، وهي دليل على مصداقيتهم وإخلاصهم للفكرة الإخوانية أمام بعضهم البعض وأمام المجتمع. هذه الهوية لا تحدث بين يوم وليلة أو في فراغ، وإنما نتيجة لعملية متواصلة من التنشئة والتعبئة بحيث يصبح لدى الشخص طقوس معينة، ولغة معينة، وهيئة معينة تجعل الفرد مختلفاً ومتمايزاً عن الآخرين. فالإخوان هم مجتمع بذاته له طقوسه، ولغته، وعالمه الخاص.

 

وضحت أن نظام التجنيد والتصعيد داخل الجماعة صمم ليتوافق مع عملية التماثل الهوياتي، حيث أن الترقي داخل صفوف الحركة يفرض على الأعضاء تلبية متطلبات، والقيام بتكليفات محددة تعكس مدى ولائهم واستعدادهم للانصياع لأيديولوجية الجماعة وقيادتها، فهل نفهم من ذلك أن الجماعة تعيد إنتاج نفسها وأن احتمالية التغيير في الأفكار تكاد تكون مستحيلة؟

  

لم أقصد هذا على الإطلاق، وإنما قصدت أن عملية التجنيد والتصعيد والتنشئة داخل الإخوان تتم وفق أدوات وشروط معينة يلتزم بها كل أخ كنوع من إظهار الولاء والانتماء للفكرة وللتنظيم. ولا يعني ذلك أن الإخوان جماعة متجانسة فكرياً، وإنما يعني أنها جماعة متماسكة تنظيمياً. فالجماعة، على الأقل خلال مراحل تأسيسها الأولى، كانت متنوعة فكرياً وإيديولوجيا، بحيث تجد فيها الأزهري والسلفي والصوفي، ولكن هذا التنوع تراجع بدرجة كبيرة خلال العقود الأخيرة بسبب جمود التنظيم وسيطرة مجموعة من الصقور على الجماعة بدءاً من المرشد العام مصطفي مشهور وحتى الآن.

 


أظهر الكتاب التنظيم الصارم لحركة الإخوان، وأن النزعة التي تتجلى في تفاصيل العضو الإخواني في حياته اليومية هي التي تخلق هذه اللّحمة بين أعضاء التنظيم، كما بينت القيمة الرمزية المرتفعة التي تحوزها القيادات العليا، مع كل ذلك تظهر عدد من الصراعات الداخلية، تتجلى إحداها بالصراع بين الجيل الجديد من الشباب في مواجهة القيادات القديمة، بالإضافة للخلاف الذي طرحته في الكتاب بين المحافظين وما يمكن تسميتهم بالإصلاحيين داخل الجماعة. ألا يعبر هذا الصراع عن مخالفة لمبادئ الطاعة والثقة والالتزام التي عرضتها في كتابك بوصفها مؤسسة للهوية الإخوانية، وتجاوزا للحتمية التي تبدو في سياق التنشئة الاجتماعية الصارمة والترقية التي تستند على الولاء الكامل لأفكار الإخوان.. فكيف يحدث هذا التناقض الظاهري؟

  

الفترة التي يغطيها الكتاب هي من ١٩٨١ – ٢٠١١ ومن الصعب الحديث خلالها عن صراع، وإنما اختلاف أو خلاف داخل الجماعة بين جناح يهيمن على الجماعة والتنظيم ويخشى الانفتاح على أفكار مغايرة لما يعتقده، وجناح آخر أكثر انفتاحاً وقبولاً بالآراء المختلفة وهذا الجناح الأخير تم قصقصة ريشه حتى ترك الجماعة في مرحلة ما بعد ثورة يناير ٢٠١١. أما مبادئ الطاعة والثقة والالتزام فهي كما قلت شفرة للسلوك اليومي داخل التنظيم ولا تتنافى بالضرورة مع وجود خلافات أو اختلافات في الرأي وتظل الكلمة النهائية لقيادة التنظيم ممثلة في مكتب الإرشاد والمرشد العام.
   

تطرقت للمراحل "شديدة الحذر والانتقائية" بمختلف مستوياتها، والتي يمر بها أي مُستهدف من قبل الإخوان بهدف تجنيده، وفي إحدى الإستراتيجيات ذكرت تعبير "مطاردة الفريسة"، فهل ترى هذا المصطلح الذي عادة ما يُستخدم في عالم "الغابة" ملائما لما يقوم به الإخوان؟

تعبير "مطاردة الفريسة" هو مجرد تعبير رمزي يصف حالة معينة من التجنيد ليس أكثر، وهو يعكس مهارة الإخوان في جذب وتجنيد الأعضاء الجدد من خلال أدوات وميكانيزمات لا تتوافر لدى جماعات وتنظيمات أخرى. ولم أجد تعبيراً يصف هذه الحالة أفضل منه.


   

الواقع السياسي.. ومستقبل الجماعة

على الرغم مما صنعته البيئة القمعية التي أحاطت بالإخوان في أزمات متتالية ما زالت تشكل هاجسا للجماعة، إلا أنك ذكرت بوضوح أن الجماعة استفادت، وانتفعت، من هذا العداء الذي تشنه السلطات، ومن البيئة القمعية التي تعيش فيها ، فكيف حدث ذلك؟

كما أوضحت في الكتاب، فإن قمع الإخوان تحت حكم مبارك لم يكن كله "ابتلاء" وإنما صبّ في مصلحة أطراف معينة داخل التنظيم كانت توظف القمع من أجل عدم القيام بأية مبادرة إصلاحية داخلية للوائح الجماعة أو لإعطاء مساحة للوجوه الإصلاحية المنفتحة. ولكن يجب التأكيد على أن القمع أيام مبارك كان قمعاً جزئياً وليس استئصالاً كلياً كما هي الحال الآن.

   

هل الواقع السياسي القمعي الحالي للجماعة والحملة الشرسة التي يشنها السيسي بكل أسلحته تجاه الجماعة، بالإضافة للخلافات المتصاعدة داخل الإخوان، يمكن أن تعمل على تفكيك هذه البنية الصلبة للجماعة التي حافظت على وجودها رغم الأزمات الكثيرة التي مرت بها منذ نشأتها؟ وكيف ترى مستقبل الجماعة في مصر؟

لا شك أن الأزمة الحالية التي تمر بها الجماعة هي أزمة غير مسبوقة حتى بمعايير الخمسينات والستينات. وأحد أوجه تميز هذه الأزمة أنها جاءت بعد الثورة وبعد وصول الإخوان للسلطة وفشلهم في إدارتها، وسوء حساباتهم وخياراتهم السياسية. كما أن هناك أزمة قيادة، وأزمة شرعية داخلية خاصة في ظل صعود تيار جديد من الشباب الذين دفعوا، ولا يزالون، ثمناً باهظاً سواء لأخطاء القيادات، أو لوحشية النظام الحالي. الجماعة الآن أشبه بجسد يرقد داخل غرفة "العناية المركزة"، غير قادر على الحركة، وأطرافه مشتتة، وعقله في حالة سكون.

 


عُرض في الآونة الأخيرة فيلم "في سبع سنين" الذي أنتجته قناة الجزيرة، والذي عرض التحولات التي أصابت قطاعا واسعا من الشباب المصري بعد فشل الثورة المصرية، تحولاتٌ طالت عددا لا بأس به من أبناء الإخوان المسلمين، فما رأيك بما استعرضه الفيلم، وهل يعبر حقيقة عن التحولات التي يشهدها المجتمع المصري؟

  

لست متفاجئاً مما شاهدته في فيلم "في سبع سنين" على الإطلاق، بل إنه لم يعرض سوى جزء ضئيل من التغيرات والتحولات التي حدثت، ولا تزال، داخل الإخوان منذ الثورة، وخاصة بعد انقلاب الثالث من يوليو ٢٠١٣ وحتى الآن. أقوم الآن بعمل دراسة حول تأثير السجون والمنافي على أعضاء الإخوان، وقمت بعمل مقابلات مع العديد من الأعضاء سواء داخل السجن أو ممن قضوا عقوبتهم وخرجوا، كما قمت بعمل مقابلات مع عدد كبير من الإخوان في المنافي، وسمعت قصصاً كثيرة مشابهة لما جاء في الفيلم. فهناك من الإخوان من ترك الجماعة، بل وترك الدين كلياً وألحد، ومنهم من انضم لجماعات العنف مثل داعش وغيرها، ومنهم من فقد الثقة في الجماعة وفي قيادتها، ومنهم ما لا يزال بالجماعة... إلخ.

      
كل هذه التحولات تعكس حجم الصدمة التي حدثت للجماعة، وتكشف أن الجماعة ليست شيئاً متجانساً كما أشرت من قبل. والمشكلة أن البعض يتعاطى مع الإخوان باعتبارهم جماعة "معصومة" وأن أعضاءها "ملائكة" وليسوا بشراً يسري عليهم ما يسري على الآخرين. وافتراضنا أن شخص تم تعذيبه بشراسة أو فقد أخيه أو أبيه أو أحد أقاربه أمام عينيه، أو سيدة فقدت عائلها الوحيد أو تعرضت للاعتداء اللفظي والجسدي عليها أن تظل كما هي دون تأثير هو افتراض ساذج. لا يعني هذا قطعاً أن كل من تعرض للتعذيب أو مر بتجربة مماثلة أن ينتهي إلى نفس نهايات من جاؤوا بالفيلم، ولكن ما أود قوله أن الأمر طبيعي ولا يجب التهويل منه أو اعتباره أمراً "غرائبياً".
  

  
في النهاية.. ما أبرز التحديات التي واجهتها خلال رحلة كتابتك؟

التحديات عديدة منها ما يتعلق بإمكانية عمل مقابلات مع أكبر عدد من الجماعة بحيث يعكس بنيتها التنظيمية وتكوينها الاجتماعي والقيادي. ومنها ما يتعلق بالحصول على معلومات مفيدة وحقيقية وليست معلومات موجهة للباحثين. ومنها ما يتعلق ببناء ثقة مع أعضاء الجماعة بحيث يتحدثون بأريحية كباحث مستقل وهو ما تطلب مجهوداً كبيراً. وأخيراً ما يتعلق بتوافر معلومات دقيقة عن الجماعة من حيث عددها، ومصادر تمويلها، وكيفية إدارة شؤون الجماعة داخلياً. وقد حالفني الحظ في الحصول على بعض هذه المعلومات، ولكن ظل جزء منها مجهول ولا نعلم عنها شيئاً حتى الآن. فالإخوان جماعة عميقة وأشبه بصندوق أسود كبير، المعروف منه أقل بقليل مما لا نعرف عنه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار