انضم إلينا
اغلاق
مع التربوي الفلسطيني منير فاشة وحديث عن المدن والتربية وحكايات الكلمات

مع التربوي الفلسطيني منير فاشة وحديث عن المدن والتربية وحكايات الكلمات

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض

خلال الفترة من 15-18 فبراير/شباط كانت لنا أيام مع التربوي الفلسطيني منير فاشة في مجاورة جديدة انعقدت بمنطقة دهشور بالقاهرة، وفي صباحات هذه الأيام شاركَنا المعلم منير فاشة المشي الصباحي بين صحراء دهشور ومزارعها ومرعى أغنام فلاحيها، تحدثنا عن الزرع والغذاء، التربية والمقررات الدراسية ومشكلات التنمية والتعليم المنزلي، المدن التي عاش فيها والأخرى التي زارها، حدثنا عن نظافة طهران وحيوية المجتمع الإيراني وحماسته وتأثره بتجربة السكان الأصليين بالمكسيك، سألناه عن أمه وأبيه وأبنائه وأحفاده، ورحلة المجاورة كيف بدأت معه.

   

تشاركنا العديد من التجارب والكثير من القصص، حيث تحدث عن أزمة الإنسان المعاصر الذي فقد عيشه بالأمل لأجل العيش بالتوقعات، فأصابه القلق والكآبة، تحدث عن غزة وروح فلسطين الباقية، وتجربة عمله في جامعة بيرزيت وكراهيته لأميركا، تبادلنا بعض الضحكات والنقاشات الجادة أو ما أسماه فاشة "التحادث"، وشاركنا حكاياته مع الرياضيات ومع الكلمات، مررنا ببعض المواقف التي وقف عندها صامتا مصغيا حينا ومعلقا بحكمة في أحيان أخرى، فنذكر في إحدى الجولات الصباحية حينما مررنا على فلاح يفترش الأرض بجواره زوجته، وفي فمه الأرجيلة بينما تعد زوجته الشاي، تبادلنا السلام والتحية، ليبتسم المعلم منير معلقا على هذا المشهد قائلا:

  

"قعدة ولا أحلى منها، 7 الصبح يشربون الشاي والأرجيلة وسط الطبيعة وتجاورهم حيواناتهم، أديش رومانسية بسيطة وطبيعية وحقيقية، بدلا من تحديد مواعيد ونلبس أحسن ما لدينا، وتصير "عجقة" ولما يقعدوا سوا يتقاتلوا ويحاسبوا بعض". 

  

يرى فاشة أن هذا المشهد العفوي يدعم التغذية العاطفية، ويعكس العلاقة القوية مع الأرض، وأن أهل هذه الأماكن البعيدة عن القاهرة يستنشقون هواء نظيفا، كما أن حياتهم على رغم من عدم مثاليتها المطلقة ولكنها أقل قلقا من العيش في المدنية الحديثة، فرغم أنهم يصيبهم القلق أيضا، فإنه ليس قلقا على أشياء غير حقيقية كما يحدث في المَدَنية الحديثة، في هذا التقرير نستعرض الأسئلة التي تحاورنا فيها معه في هذه الصباحات وإجاباته عنها:

 

ميدان: من أين أتى اسم المجاورة؟

منير فاشة: الرسام محيي الدين اللباد هو أول من أطلق كلمة المجاورة، فخلال عام 2001 جمعنا لقاء مع اللباد في شرم الشيخ أثناء انعقاد ملتقى التربويين العرب، واتفقنا معه على هامش هذا الملتقى أن نجمع عددا من الفنانين في الوطن العربي في مرسمه ليتبادلوا الخبرات والتجارب الفنية، فرحب اللباد بهذا المقترح جدا، وذكر لنا حينذاك أنكم تحكون عن المجاورة، هذه المجاورة التي كانت تحدث في أروقة الجامع الأزهر قديما، وبالفعل سُميت هذه التجربة بالمجاورة، وقد كانت مجاورة من أجمل ما يكون، فالفنانون المشاركون بها أخرجوا إنتاجا جميلا ناتجا عن تفاعلهم هذه الفترة ودعمهم لبعضهم بعضا، كانت تتميز بروح المجاورة حيث لا سلطة هرمية ولا تراتبية، لا صح أو خطأ، وقد حكى اللباد عن هذه المجاورة الفنية في كتابه "نظر، الجزء الرابع".

       

نظر "يوميات المجاورة" لـ "محي الدين اللباد" (مواقع التواصل)

  

ميدان: هل كانت تجمعك علاقة بمحيي الدين اللباد قبل لقائك به في شرم الشيخ بداية الألفية؟

منير فاشة: أول مرة يكون لي علاقة مع محيي الدين اللباد حينما كان عمري عشر سنوات، من خلال مجلة السندباد، تلك المجلة التي كنا ننتظرها في رام الله بفارغ الصبر، كانت تصلنا عن طريق البريد، فلي خال هو الذي اشترك لنا فيها، وحينما التقيت بمحيي الدين اللباد وتحدثنا معا أخبرته أننا كنا نحب مجلتي السندباد والبعكوكة فترة طفولتنا، فقال لي إنه أحد مؤسسي مجلة السندباد، فدهشت لأني لم أكن أعرف ذلك من قبل، فقد عرفت السندباد في سنة 1951 وتعرفت على مؤسسها في 2003، كان "إشيء فظيع"، يا له من شعور رائع! كما أن محيي الدين اللباد أحد مؤسسي دار الفتى العربي التي أثّرت في طفولة الكثير من أبناء فلسطين، مما يدل على أن هناك تاريخا قويا وأفقا حضاريا يجمعنا نحن العرب.

    

ميدان: كيف بدأت فكرة المجاورة؟

منير فاشة: بدأت المجاورة خلال فترة السبعينيات في فلسطين، شجع على ظهورها الوضع الفلسطيني في السبعينيات حينما طُردت المنظمة من الأردن، كانت المنظمة مرجعيتنا وحينما خرجت من الأردن لم تعد مرجعيتنا، وهذا من أفضل الأشياء التي حدثت خلال هذه الفترة: "أننا تُركنا لوحدنا"، فلم يكن هناك سلطة سوى الحكم العسكري، والحكم العسكري ليس بمرجعية، فأصبح هناك حيوية في الضفة وغزة وخلقت أجواء جميلة، لذا في 1971 بدأت فكرة المجاورة وظلت معي إلى الحين.

 

وفي أواخر التسعينيات امتدت الفكرة إلى دول عديدة، ففي عام 1997 عملت أستاذا زائرا في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد، أخبرت رئيس المركز حينها أن معظم عملي لا بد أن يكون في العالم العربي وباللغة العربية، لا أحب أن أحكي في الهواء، كان رئيس المركز رجلا متنورا ومنفتحا، وهو روجر أوين وتوفي من فترة بسيطة، نادرا ما تجد أحدا مثله يعمل في مؤسسة أكاديمية ويمنح الأشخاص حرية للحركة وعمل ما يريدون دون قيود، فقد أعطاني مساحة واسعة للعمل، كان واثقا بي ثقة شديدة، لم أقدم له تقارير أبدا، عملت في هذا المركز لمدة عشر سنوات زرت خلالها 29 دولة، وبعض الدول أكثر من مرة كمصر ولبنان والأردن.

   

  

وخلال الفترة من 1997 حتى 2007 عقدت الكثير من المجاورات في الدول العربية وفي دول كباكستان وإيران والمكسيك والهند وبعض الدول الأوروبية والأفريقية وبعض دول أميركا اللاتينية، كانت الناس من مختلف الدول تتواصل معا وجها لوجه دون مؤثرات تقنية أو وسائط كالباور بوينت (power point)، كان هناك تنوع، ولم يكن المجتمعون من بلد واحد فقط، كان التحادث شيئا أساسيا، لم يكن هناك "concept paper" نسير عليها، قد يكون هناك موضوع كبير نتخذه إطارا عاما مثل موضوع اللغة في مجاورة أجادير بالمغرب، ولكن بشكل عام لم نكن نتقيد بأي شيء سوى التفاعل الحر بين المتجاورين وخبراتهم وتجاربهم في الحياة. 

  

ميدان: بالطبع المكان يؤثر في شكل المجاورة حتى لو انطلق من الفكرة نفسها التي يحكمها منطق التجاور والتحادث، فكيف تختلف باختلاف المكان الذي تنعقد به؟ وما أكثر المجاورات تأثيرا فيك حتى الحين؟

منير فاشة: المجاورات التي عقدت في إيران والمكسيك.

   

ميدان: يمكن أن نبدأ بالحديث عن ذكرياتك وتجربتك في إيران..

منير فاشة: في إيران من المستحيل أن نجد شخصا الشعر ليس جزءا من حياته، في إحدى المرات صادفت مجموعة أطفال خارجين من المدارس، سألتهم: "أي منكم يحفظ شعرا لحافظ ميرازي؟ ففوجئت أن الأطفال جميعهم يحفظون أشعاره عن ظهر قلب، فالشعر جزء من حياتهم، فلا يوجد بيت يضم عائلة من جميع الأجيال والأطياف لا يعرف الشعر، فالشعر والفن مكون أصيل في الإيرانيين، وأعجبني كذلك مستوى النظافة في طهران رغم أنها تضم نحو 20-25 مليون فرد، ولكن بها نظافة غير معقولة.

  

ولقد لاحظت أن الأكاديميا في إيران منفتحة أكثر من الأكاديميا الغربية، فعلى سبيل المثال، حينما طلب مني طالبان أن أشرف على أبحاثهم في الماجستير والدكتوراه، أخبرتهما بضرورة موافقة جامعتهما، فوافقت الجامعة دون أي تعقيد، وهذا غير معتاد في كثير من الجامعات. 

    

لقد وجدت شغفا عاليا جدا للتعلم في إيران، وهنا يظهر جزء من الحضارة، فثمة حيوية عالية جدا في إيران

مواقع التواصل
   

وكذلك حينما دُعيت لإلقاء محاضرة في طهران انتقدت ما يحدث في قم والتوجه نحو استبعاد الحوزة كوسيلة للتعلم، فقد كان هناك موجة كبيرة تتجه نحو وقف نظام الحوزة، فدُعيت في جامعة الأديان والمذاهب في قم لأحكي، وانتقدت هذا التوجه، فالحوزة المحل الوحيد لاستخدام المجاورة كوسيلة للتعلم، ولقي كلامي صدى لدى الطلاب على عكس المعلمين الذين كانوا رافضين لأنهم قد سافروا إلى الغرب وتعلموا في مؤسساته، فاعتادوا نظام الدورات والامتحانات والتعيين.

   

لقد وجدت شغفا عاليا جدا للتعلم في إيران، وهنا يظهر جزء من الحضارة، فثمة حيوية عالية جدا في إيران، فقد دعوني في جامعة الزهراء لإلقاء محاضرة بعدما وجدوا أنني أوظف مقولة الإمام علي "قيمة كل امرئ ما يحسنه" في التربية، فهم يعرفونها ولكنهم لم يربطوا بينها وبين التربية، فما زلت أذكر المحاضرة حيث لغوا كل الحصص، وجلسنا 3 ساعات كاملة، وحضر اللقاء رئيسة الجامعة والعمداء، وأكثر من 500 طالبة، وليس معتادا أن تجد محاضرة بها هذا العدد الكبير بالإضافة إلى الواقفين ولمدة 3 ساعات، فدُهشت.

  

فلم أصادف في أي جامعة هذا القدر من الحيوية، مما يعكس الحضارة والاهتمام الجاد بالمعرفة والتعلم، وقد استمرت العلاقة معهم عدة سنوات، وذهبت إلى هناك أول مرة في ربيع 2006، وخلال خمس سنوات زرتهم 6 مرات، وفي هذه المرات لم أذهب بمفردي، فكنت أدعو أناسا من الهند وباكستان وماليزيا ولم تكن مقتصرة على الإيرانين، فصارت مجاورات وليست محاضرات وكانت تجربة مدهشة، هذا لم يحدث في أي جامعة في الـ 29 دولة التي زرتها، ولم أستشعر ما شعرته في جامعة الزهراء.

    

أحد الحوزات العلمية في إيران (مواقع التواصل)

  

ميدان: لقد ذكرت في حديثك أن نظام الحوزة يعد صورة من صور المجاورة، ولكن ما نفهمه أن المجاورة لا يوجد فيها تراتبية ولا سلطة، بينما تعتمد الحوزة على سلطة المعلم "آية الله"؟

منير فاشة: قد يوجد مرجع في بعض المجاورات، كما أن الحوزات لا تعتمد على نظام الامتحانات ولايوجد بها هرمية قاسية، ففي الحوزات الطلاب يقرأون ويناقشون ويدرسون ويتحادثون وجها لوجه، وليس بها موبقات التقييم بالمؤسسات التعليمية الحديثة.

 

ميدان: وماذا عن تجربتك في عقد مجاورات بالمكسيك؟

منير فاشة: المكسيك بها تنوع حضاري غير معقول، فبعكس الولايات المتحدة ظل بالمكسيك مجموعات من السكان الأصليين، ورغم أن الحكومة سرقت بعض أراضيهم فإنهم ما زالوا محافظين على حضارتهم وثقافتهم. بدأت فكرة عقد مجاورة في المكسيك حينما قابلت في بوسطن بالولايات المتحدة أحد الأساتذة المكسيكين، وتحدثنا على هامش محاضرة أعطاها، واتفقنا على عدد من الأفكار، فحكى لي عن جامعة الأرض وهو أحد مؤسسيها، ودعاني لزيارة المكسيك، وخاصة مدينة "واهاكا". ومن خلاله تعرفت على حركة الزاباتِستا، فقد ساعدني على الاقتراب من عالمهم، لأنه جزء منهم وعاش في الأُطر والمؤسسات الحديثة ثم عاد وعاش وسط أهله، أنا شخصيا أراهم أكثر مجموعة ملهمة، وأراه شخصا ملهما.

   

ميدان: ما أكثر شيء ملهم بالنسبة لك في حركة الزاباتِستا؟

منير فاشة: في 1994 استولت الحكومة على أراضيهم، قاتلتهم فحملوا سلاحا واحتلوا بعض مراكز الشرطة في الولاية، أرسلت الحكومة جيشا لضربهم، ولكنهم كانوا قد رتبوا مع الطليان، فإيطاليا تختلف عن الدول الأوروبية، فالأحزاب اليسارية والشيوعية هناك لديها اهتمام بالقضايا السياسية والتحرير، فأرسلوا لهم دعما ماديا وبشريا، وكانت الكاميرا الرقمية قد ظهرت، فكان أمرا صادما ومحرجا للحكومة المكسيكية حينما تقتل شخصا في الأدغال لتجد صورته معلقة في روما، فاضطرت الحكومة لوقف القتال بعد 12 يوما فقط، وبدأ التفاوض بين الحكومة وحركة الزاباتِستا للحصول على حقهم في العيش وفق حضارتهم وثقافتهم.

   

حركة الزاباتِستا (رويترز)

  

فالملهم في حركة الزاباتِستا أنه ليس بها السلطوية والهرمية وغيرها من موبقات الحركات الاجتماعية الأخرى، كما عارضت حركة الزاباتِستا التعليم المؤسسي، ورفضت تلقي الخدمات من الحكومة المكسيكية، ولم تحارب حركة الزاباتِستا التعليم المؤسسي لأنهم يريدون بديلا عنه، ولكنهم كانوا على درجة وعي عالية بأن تعليمهم التقليدي هو البديل الأفضل لهم، حيث يتعلم الطفل من خلال عراكه مع الحياة والناس، وليس من خلال المناهج باللغة الإسبانية.

   

تجربة بيرزيت وفقدان حيوية أجواء السبعينيات

ميدان: نترك إيران والمكسيك ونذهب إلى فلسطين، وخاصة تجربة عملك بجامعة بيرزيت، فقد ظهرت بيرزيت في خضم حدث حيوي ثم تحولت لشكل مؤسسي، وأصبحت من أهم المؤسسات التعليمية في فلسطين، وقد عملت بها فترة طويلة ثم تركتها، فما تقييمك لتجربة بيرزيت منذ لحظة تأسيسها حتى الحين؟

منير فاشة: بيرزيت بدأت كمدرسة في 1924، كانت مدرسة أهلية، ثم مع عام 1951 أضيف إليها صف جامعي، وفي 1962 أصبحت كلية متوسطة، ومع 1973 تحولت لجامعة، في السبعينيات كانت الأجواء أكثر حرية، كانت الطرق مفتوحة فأتى إليها طلاب كثيرون من عكا لغزة، وكان هناك حوارات ونقاشات كأنها مجاورة وجو تعليمي بامتياز لم يرتبه أحد، فلم يكن لها حدود ولا أسوار، مفتوحة بلا قيود، الآن أصبح هناك حرس وأسوار وحدود وبطاقات للدخول، ففقد هذا الجو منذ 1978، فأصبح كل طالب يدخلها ويخرج بشهادة.

  

عملت بجامعة بيرزيت فترة طويلة حتى عام 1981، كنت لمدة ثلاث سنوات عميدا لشؤون الطلاب، وعشت فترة السبعينيات بها في أروع الأجواء التعليمية، وكنا نعمل الكثير من الأشياء ولكني لم أستمر بها، فبعد الانتفاضة الأولى تركت بيرزيت، وعملت في مؤسسة تامر، وهي اسمها مؤسسة ولكنها ليست مؤسسة، ولكنها تحتوي على روح المجاورة بلا سيطرة ولا سلطة، وظللت أعمل بها حتى 1997 حينما عملت في مركز دراسات الشرق الأوسط.

    

  

فقدت بيرزيت أجواءها العلمية الحيوية التي كانت حاضرة بقوة في السبعينيات مع سيطرة اللجنة الفلسطينية الأردنية المشتركة على التعليم، فأصبحت اللجنة مسؤولة عن تحديد ميزانية الجامعة والتمويل، وخسرنا جزءا كبيرا من حريتنا ولم يعد يفعل الناس ما يريدون، ويخضعون أكثر لشروط اللجنة ومتطلبات التمويل، كان رأيي أن نظل صغارا ونحافظ على هذه الروح، بدلا من التوسع ونفقد هذه الحيوية، فاللجنة الفلسطينية الأردنية المشتركة تتأثر بسياسة البنك الدولي وتخدم منظومته.

  

من أوائل من كتبوا بشكل جيد للغاية عن العولمة ومؤسساتها وسياساتها الكاتب المصري سمير أمين، وبيّن كيف أن العولمة مجموعة احتكارات: احتكار رأسمال، واحتكار المواد الخام، واحتكار المعلومات، مع الإنترنت قل الاحتكار الكامل للمعلومات، ولكن العولمة كليا هي ضبط السيطرة على ما يجري في عقول الناس، فحقيقة من يحكم هو البنك الدولي، ومن خرب الأوضاع في فلسطين هو البنك الدولي والاستجابة لسياساته، غزة بها حرية أكبر من الضفة، ولو تم منع وتوقيف المساعدات، سيصبح الوضع أفضل، لأننا سنرجع للاحتلال مباشرة بدون حراس.

  

ميدان: معنى ذلك أنك ترفض كل البرامج الإنمائية والمساعدات والمشروعات التنموية التي تقوم بها الهيئات الدولية؟

منير فاشة: إن برامج التنمية التي تأتي من المؤسسات الدولية أو الولايات المتحدة الأميركية مثل حصان طروادة، تحمل الجراثيم التي تقضي علينا، ففي قصة حصان طروادة حينما فشل الجنود في اقتحام الحصن، قدموا هدية كبيرة عبارة عن حصن خشبي كبير يحمل بداخله عساكر، وأقنعوهم أنها هدية سلام، وحينما دخل الحصان إلى الحصن، انتشر الجنود وتمكنوا من السيطرة على الحصن بعد عشر سنوات كاملة، فالمساعدات الأميركية تقدم على أنها هدية من الشعب الأميركي ولكنها تحمل أسباب هزيمتنا.

   

ميدان: يظهر في حديثك نوع من الحنين لفترة السبعينيات باعتبارها فترة زاهرة، فما أهم الحكايات التي ما زلت تذكرها عن هذه الفترة؟

منير فاشة: خلال هذه الفترة أغلقت إسرائيل المدارس، وبدأت العمل الطوعي، فعملنا نوادي للرياضيات والعلوم، ورتبنا حملة للقراءة والكتابة في 1972، فأصبح المجال مفتوحا للناس للقراءة خارج المقررات الدراسية، ولم نضع أي شروط أو قائمة محددة للكتب، أرفقنا مع هذه الحملة صفحتين بجريدة أسبوعية، صفحة منهما متاحة لمساهمة اليافعين والشباب من سن 10-20 سنة، أما الصفحة الأخرى فتركز على الشؤون التربوية، كان هناك جواز سفر للمرور لمرحلة جديدة وكتب جديدة، الجواز الأول بعد 8-9 كتب ثم بأخذ القارئ جوازا آخر، كان هناك 7 جوازات لقراءة 150 كتابا، ولم نعط جوائز غير القراءة ولم نحدد مكافآت أو حفلات تكريم، ولكن القراءة في ذاتها الهدف والغرض الرئيس، شارك في هذه الحملة الآلاف، ولم يكن هناك مدارس أو معيقات، وكان هناك إقبال كبير على الكتابة كذلك.

     

  

وما زلت أذكر قصة لطيفة، ففي قرية بجنين اسمها يعبد، كان هناك طفلة نشرت مقالا لها في الجريدة الأسبوعية ضمن حملة القراءة والكتابة، أخوها طالب بجامعة بيرزيت وأعرفه، أتى إليّ في المكتب، وحكى لي أن والده رجل متشدد وعلاقته سيئة بأخواته البنات، ولكن حينما نشرت أخته هذا المقال بالجريدة، احتضن أبوه الجريدة وأخذ يلف بها على المقاهي والبيوت، فخورا بأن اسمه مكتوب مع اسم ابنته، فتبدلت علاقته بابنته وأصبحت أفضل بكثير.

   

هذه القصة البسيطة حولت علاقة البنت بأبيها كليا، ولم أكن لأعرفها لولا أن أخاها طالب عندي بالجامعة، وتعطي هذه القصة مؤشرا مهما عن سبل التغيير، فكثيرا ما نجد خطابات متداولة عن حقوق المرأة وتحرير المرأة، ولكن هذا الخطاب يساعد على تمزق المجتمع ويخلق حالة من النزاع والمعاداة ويعقد الأمور أكثر، فهذه الفتاة حصلت على حقوقها والاحترام بدون خلافات كبيرة ولا مقاتلة وعناد مع أبيها.

  

وهذا يتشابه مع أحد مبادئ حركة الزاباتِستا، أن يتم التغيير من داخل التقاليد وليس خارجا عنها، فالكتابة شيء مقبول تقليديا وقد تغيرت العلاقة التقليدية السيئة بينها وبين أبيها لعلاقة حية أكثر دون خطابات التحرير والتمكين وإلخ، فقد تركت هذه القصة فيّ أثرا، فهذا ما أؤمن به سبيلا للتغيير وليس بالكلام الكبير.

   

ميدان: طرد المنظمة الفلسطينية من الأردن أحدث تغييرا إيجابيا في المجتمع الفلسطيني كما أوضحت سلفا، ولكن كيف أثرت هزيمة 67 عليك وعلى المجتمع الفلسطيني كذلك؟

منير فاشة: أول هزة زلزلت كثيرا من الأفكار والقناعات التي عشتها كانت مع هزيمة 67، كان عمري 26 سنة، وبدأت أفكر لأول مرة في الجذور، كان واضحا أن الخلل طالما أنه مستمر فإنه يكمن في الجذور، استغرقت وقتا حتى تتضح الأمور لي، قبل 67 كان أكثر اهتمامي بالتعليم، كنت أعيش في هذا الوهم، ومنذ 67 بدأت التغيير وبدأت أهتم بالتعلم، والتعلم هو اهتمامي الأساسي.

     

هزيمة 67 (مواقع التواصل)

  

ميدان: لم يحدث حالة من الشعور بالهزيمة والردة والإحباط بعد 67 بفلسطين؟

منير فاشة: أدّت هزيمة 1967 إلى حيوية، فهذه الهزيمة كانت هزيمة جيوش حكومية أكثر مما هي هزيمة شعب، لقد وجدت الناس في الهزيمة مناسبة لاستعادة دورهم، فكان ذلك من آثارها الجيدة، وظلت الأحداث مستمرة ولم تتوقف، كانت 67 البداية.

   

ميدان: تؤكد دائما أهمية التحادث والتحدث وجها لوجه، فهل تهتم بالثقافة الشفهية أكثر من الاهتمام بالقراءة؟

منير فاشة: لم أهتم بالمحادثة في حملة القراءة في 1972، كانت القراءة والكتابة هما ما بدأنا بهما، لأن التحادث موجود بطبيعة الحال، لو أردت عمل حملة في الوقت الحالي، سأقوم بحملة تحادث وليست حملة قراءة وكتابة.

   

ميدان: هل لديك رحلة خاصة مع القراءة؟ أو طقوس معينة للقراءة؟

منير فاشة: ربما كان أحد الأشياء التي ساعدتني على أن أتأمل أكثر هو أنني لا أقرأ كثيرا، فأنا لست قارئا نهما، حينما أقرأ كتابا فإنني أتحدث معه، ففي كل كتاب أقرأه هوامش كثيرة، لا أقرأ قصصا سوى سير الأشخاص الذين أحب أن أعرف قصصهم، أنا مؤمن أن كثرة القراءة تصيب بالتخمة مثل كثرة الأكل، إذا قرأ أحد ولم يكتب ولم يتأمل يتحول إلى مزيد من التراكم والتراكم ولا يسهل الفهم، فأنصح دائما بأن يصحب القراءة الكتابة، كتابة تأملات للكتاب وأفكاره وليس تلخيصا له، فلا أشجع القراءة المنفصلة عن التأمل والكتابة، لأن الثلاثة معا يساعدون على حسن الفهم.

   

ميدان: في كتابك "حكايتي مع الرياضيات" تحدثت عن والدتك وتأثيرها عليك، ولكن لم نرها سوى خياطة ماهرة تمارس الرياضيات الطبيعية، نريد الاقتراب من هذه السيدة أكثر التي أثرت في تكوينك..

منير فاشة: لم أستطع الكتابة عن رياضيات أمي وكيف تقوم بحساباتها وإلخ، ولكن حكيت كيف أثرت معرفتي بالرياضيات من خلال عملها عليّ وعلى علاقتي بالرياضيات المدرسية، فالرياضيات والعلوم من أسوأ أنواع الاحتلال، فالرياضيات المدرسية نوع من الاحتلال المعرفي، ورياضيات أمي عودة إلى الرياضيات الحية، فحياتي منذ ولدت احتلال وعودة وصراع من أجل العودة.

    

كتاب "حكايتي مع الرياضيات" لمنير فاشه (مواقع التواصل)

  

حينما انتبهت لرياضيات أمي اهتززت، فعالمها هو الذي أثّر فيّ وألهمني، وعندما كتبت عن علاقتها مع الدين والعائلة والحياة كتبته من منطلق رؤيتي لذلك وتأثيره فيّ وليس بكلماتها، الشيء الوحيد الظاهر في حياتها هو الخياطة نفسها، شيء نستطيع رؤيته واضحا ويمكن الكتابة عنه، أما كيف عاملتنا فهذا شيء غير مرئي.

   

ميدان: لماذا يقل الحديث عن الأب في كتاباتك مقارنة بحديثك عن أمك؟

منير فاشة: أبي ألهمني في أشياء كثيرة، كتبت مرة رسالة إلى البابا، بابا ألمانيا عندما سب الإسلام، وكتبت وقتها عن عالم أبي وأمي، وحينما زار البابا فلسطين طبعت من هذه الرسالة ألف نسخة ووزعتها.

   

ميدان: كيف بدأت تحب الرياضيات؟

منير فاشة: بدأت أحب الرياضيات بسبب معلمي الرياضيات، فقد كان لدينا مدرس يشرح الكسور العشرية من خلال قص الحكايات، والحكايات ترسخ في أذهاننا وتعلمنا.

  

ميدان: ذكرت في أكثر من لقاء لك أهمية اللغة والكلمات المتداولة، فكيف بدأت تنتبه إلى قضية اللغة، ما رحلتك مع الكلمات؟

منير فاشة: ساعد الوضع السياسي على ضرورة النظر في معاني الكلمات في العلم والتعليم والحياة، فلديّ قناعة كاملة أن الشراكة في تكوين المعنى نقطة مهمة لحماية العقل من سطوة وبلطجة الكلمات والمصطلحات الرسمية والتصنيفات الأكاديمية، فـ "السيرة الذاتية" (CV) لا تحكي شيئا عني، كله عن المؤسسات. فالسيرة الذاتية تُكتب بالكلمات المؤسسية والتصنيفات الأكاديمية، إننا عبيد للغة الرسمية إلا في التحادث والتنكيت، نصبح أكثر إبداعا وتحررا، لأننا نملك اللغة في هذه الحالة.

     

منير فاشة: المعرفة التي لا تتجلى في عمل ليست معرفة، لقد صرت أرى التعليم جرثومة تسلب، وأول شيء تسلبه هو اللغة الحية وتحل محلها الكتب المقررة

رويترز
   

وعد التعليم المؤسسي بالحصول على الشهادات لضمان فرص العمل في السوق، ثم صارت الشهادات كثيرة وبلا وظائف، وَعْدُ التعليم المؤسسي وعدٌ كاذبٌ، حينما أغلقت إسرائيل المدارس مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في 1987 فقدت عملي، ولم تفقد والدتي عملها، فلم يكن لأمي علاقة بشركة أو مؤسسة.

   

ولا تقدم المؤسسات معرفة يترتب عليها عمل، والمعرفة التي لا تتجلى في عمل ليست معرفة، لقد صرت أرى التعليم جرثومة تسلب، وأول شيء تسلبه هو اللغة الحية وتحل محلها الكتب المقررة ذات اللغة الميتة التي لا تستمد معانيها من الحياة. لقد استعدت عافيتي حينما توقفت عن استخدام ألفاظ المهنيين والخبراء، فلا بد من إعادة الاعتبار لكلمات الناس الحية، الحقيقية.

   

ومن أكثر القصص التي أحبها، حينما كتبت حكايتي مع الكلمات، تواصلت عبر سكايب مع مجموعة تتكون من 30-35 طالبا/ة من غزة، تتراوح أعمارهم 10-15 سنة، حكت لي طفلة منهم اسمها "أفنان" أنها كانت ترى نفسها "بشعة"، كانت تتألم من نظرات الناس وتعاملها مع نفسها أنها قبيحة وليست جميلة، ولكن حينما أحكي مع الناس يتنبهون لي ويستمتعون بطريقة حكيي وفكري، فحينما سألت المعلمة ما معنى الجمال، قلت إني أشعر بالجمال حينما أحكي وينتبه الناس لي، فكل الطالبات في الصف صفقوا لي، من هذه اللحظة شعرت أنني غيرت معنى الجمال من "حلا الوجه" لـ"حلا التعبير والفكر"، فقد تحررت أفنان من أخطبوط معنى الجمال التقليدي وأنقذت نفسها من الورطة التي تشابه الورطة التي نعيش فيها.

    

  

فكل إنسان شريك في توليد المعنى، جزء من استعادة قيمتنا ممارستنا حقنا في تكوين المعنى، المدارس قتلت كل ما هو حي في المجتمع، في 1929 انتقد الفلاحون في يافا التعليم الإنجليزي لأنه مزق علاقة الأطفال بالعائلة وعلاقة الأطفال بالأرض، فقد أصبح للطفل عالمان ولغتان، لغة حية بالبيت، ولغة رسمية في المدرسة، فاختراق هذه اللغة سهّل السيطرة علينا من قبل الاستعمار.

  

لا أحب في الإنجليزية سوى كلمات قليلة، فأحب كلمة بروفيسور، لأنها تعني أنه شخص يقول جهريا ما ينبت بداخله من خبرة وفهم، ولكن تحولت إلى شخص يقول ما لا يعنيه ولا يعني ما يقوله، ويستمر في الحكي حتى يكسب، فالحكي بهذه الطريقة يجلب له الترقية، فيظل في حلقة مفرغة، يكتب ما لا يعنيه ولا يعني ما يكتبه، وأصبحت الكلمة تحمل تراتبية ومنافسة وذعرنة تتناقض مع أصلها.

  

اللغة الرسمية خطيرة، قريبا حكى لي بعض الشباب في مصر عن منطقة حلايب وشلاتين، فلأهلها لغتهم المحلية، ولديهم ثقافتهم الخاصة، ولكن حينما تصفحت الموقع الإلكتروني الرسمي عن حلايب وشلاتين، وجدت لغة رسمية مجوفة لا تعكس شيئا من الواقع الفعلي، وخطورة هذه اللغة أنها قد تسيطر وتغير الواقع الحي الموجود في هذه المنطقة، فإذا فقدوا لغتهم فقدوا جوهر ثقافتهم وحياتهم وحضاراتهم.

  

بالنسبة للأطفال أكبر هدية تقدمها لهم هي الإصغاء، أن يُسمع دون مقاطعة أو حُكم عليه، فالإصغاء يساعد الطفل على بناء عالمه الداخلي بصورة مدهشة

مواقع التواصل
   

في الأردن نقوم حاليا مع مجموعة صغيرة بعمل قواميس للحياة اليومية للناس من خلال جمع كلمات مبنية على قصة وخبرة عايشوها بأنفسهم، كلمات حية يفهمها الناس ويتعاملون بها في الشارع، تبين جذور المعاني في الحياة، أنني أندهش من كلام بعض القاهريين، يتحدثون بسرعة ولديهم قدرة على التعبير دون تلعثم بسبب اللغة الحية والتحادث المباشر والاحتكاك بالكثير من الناس في الشارع، فاللغة الحية في حياة الناس اليومية.

   

ميدان: ولكن في اللغة اليومية للناس ثمة كلمات تعيد إنتاج النظام السلطوي، وتحمل جرثومة مترسخة من العادات السيئة في المجتمع كذلك؟

منير فاشة: نعم، ولكن ثمة فرق رئيس، أن هناك فئة واعية بمثالب هذه الكلمات، وثمة فئة أخرى غير واعية أو غافلة عن تأثيرها، ولكن في المعرفة الحديثة ليس هناك سوى إجابات واحدة وقادرة على تحويل كل شيء إلى نموذج أحادي، فعلى سبيل المثال إذا أحضرت مجموعة من علماء الاجتماع من طوكيو وألمانيا ومصر ووجهت لهم السؤال نفسه، غالبيتهم سيقدمون الإجابة نفسها، أما لو وجهت سؤالا عن تجربة أي شخص مع الدين، ستتنوع إجاباتهم بشكل مذهل. لذلك لا يمكن إلغاء التعددية في الدين لطبيعة الدين، ولكن الأيديولوجية الحديثة في العلوم والرياضيات تحدث دوجمة، أخطر ظاهرة في العصر الحديث هو الافتخار بالعبودية.

   

ميدان: بما أنك تعطي أهمية كبيرة للكلمات وتأثيرها، فلِمَ تستخدم كلمة التحادث وليس المشاركة على سبيل المثال؟

منير فاشة: يصعب تحويل التحادث إلى سلعة، فالتحادث يتم في الجذور، المشاركة في كل شيء ممكنة، فالديمقراطية مثلا شراكة في التصويت، ولكن كثيرا ما يُخدع الناس بهذه الكلمة، ويتوهمون أنهم من يتحكم في الأمر، ولكن في النهاية لا تحكم، المشاركة تتم على صعيد الأغصان، أما التحادث فنطق وإصغاء، وبالنسبة للأطفال أكبر هدية تقدمها لهم هي الإصغاء، أن يُسمع دون مقاطعة أو حُكم عليه، فالإصغاء يساعد الطفل على بناء عالمه الداخلي بصورة مدهشة.

     

  

ميدان: تحدثت عن أهمية اللغة في عملية التنشئة، ضرورة الإصغاء والتحادث وتبادل الكلمات الحية، فماذا عن الدين وكيف يُغرس الدين في الأطفال؟

منير فاشة: الدين أو الإيمان هو فعل وليس كلمات، الدين المعاملة، تعامل الشخص يوضح دينه، احترامه مع الناس والطبيعة وقيمه، كإجارة المستجير، الصبر والعطف، كل هذه الأشياء دينه، أما الدين كاسم لا شيء، الدين أن يربي أولاده على حسن التعامل. إن السياسة فعل، المعرفة فعل، الأخلاق فعل، الدين فعل، حتى الصمت فعل، عندما تصمت تعرف كليا الإصغاء للمكان وللآخرين، الإصغاء فعل.

  

ميدان: في الآونة الأخيرة ظهرت مبادرات كثيرة تدعم التعليم المنزلي، وترفض المؤسسات التعليمية، ولكن صاحب هذه الظاهرة شعور بعض الأمهات بالذنب، لأنها لا تستطيع بمفردها الوفاء بمتطلبات التعليم المنزلي، لأن زوجها يقضي أغلب وقته في العمل للوفاء بالتزامات المعيشة المادية نظرا للضغوط الاقتصادية الحالية، وتقيم في شقة بمفردها بعيدا عن أهلها وبعيدا عن بيئة بها التحادث فعل طبيعي حي، فأصبحت في حالة معاناة، ليس بإمكانها القيام بكل متطلبات التعليم المنزلي ولا ترضى بالتعليم المؤسسي، فما رأيك؟

منير فاشة: في النهاية الحياة اختيارات، لا يوجد حل للجميع، ولكن كل إنسان يفعل ما هو مقتنع به، بالنسبة لي التحادث هو في الجذور ومهم جدا، وفي بعض الأحيان قد يصعب أو يستحيل توفيره، لست من أقرر، وإنما الشخص هو من يقرر، كل شخص يحدد ما الأهم بالنسبة له ولظروفه وقدراته، ولذلك فالعائلة الممتدة أفضل كثيرا لتنشئة الأطفال من الأسرة النووية، فحينما تنشغل الأم فهناك العمة أو الخالة وإلخ.

     

ميدان: لا أحد يختلف على ضرورة العافية والتربية السوية للأطفال، ولكن وسائل تنفيذ ذلك تختلف جدا، فعلى سبيل المثال نجد في بعض الحالات أن المعلمين يرحبون بالضرب باعتباره وسيلة للتعلم والتربية وتحقيق العافية، لأن الضرب كان إحدى وسائل تعليمهم ولم يترك بهم أثرا سيئا، فكيف نتعامل مع هذه الحالات؟

منير فاشة: هنا تأتي فكرة المجاورة كشيء ليس به سلطة هرمية من أجل الوصول إلى قناعات، فلو كان هناك مجموعة مؤمنة بالضرب لا يمكن قمعهم، فميزة المجاورة أنها تجمع الاحترام وتبني عليه، فكل فرد شريك فعلي، فالمتحاورون تجمعهم رؤية يهتم  الجميع بالعمل على تحقيقها، من أسوأ ما يمكن تصوره أن هناك حلا جاهزا أوحد لكل مجموعة، قد نختلف على تأثير الضرب، ولكن مناقشة الضرب كوسيلة في التربية أو التعلم هو نقاش أقرب للأغصان وليس الجذور، إننا نحتاج إلى مزيد من الصبر. الحياة تحتاج إلى صبر، فالأرض التي تُزرع بالاستعانة بالكيماويات تُنتج أسرع ولكن ثمارها مؤذية، والنبتة التي تخرج على مهل مغذية أكثر.

      

  

غزة هي البقعة الوحيدة التي تحمل روح فلسطين

ميدان: ما رأيك في المجموعات التي تعمل بالمجال العام في الضفة وتحديدا رام الله حاليا، فالأجواء هناك تشبه نسبيا الأجواء في مصر خلال 2005-2011 من الانفتاح النسبي في المجال العام والحراك الثقافي والاجتماعي الذي صاحبه، ومن المجموعات هناك مثلا خالد عودة الله، فما رأيك في هذه المجموعات بشكل عام؟

منير فاشة: كل هذه المجموعات مهمة، ولكن ما يُحدث فرقا حقيقيا هم أهل غزة، لأنهم يعملون على مواجهة المشكلة الأساسية، العودة وليس إنشاء دولة، فغزة تعاود تذكير العالم أن مشكلتنا أننا سلبنا أراضينا، والحل أن نرجع لأراضينا.

 

ميدان: ولكن ثمة موجة عامة منتشرة بين الشباب في غزة وهي الرغبة في الهجرة، فالأوضاع سيئة والأفق يبدو ضيقا لكثير منهم، ومن يسافر فعادة لن يستطيع العودة لغزة مرة أخرى، فكيف ترى تأثير ذلك على القضية؟

منير فاشة: في النهاية ليس من يترك هو المهم، ولكن من يبقى، أحيانا يقوم المرء بما يستطيع القيام به، ولكن من الواضح أن ما يحدث في غزة هو ما يحمل روح فلسطين، الضفة لا تحمل روح فلسطين، والمخيمات في سوريا ولبنان والأردن ليس لديها القدرة على إحداث تغيير، وخاصة في سوريا مع التدمير الحاصل هناك، الوضع سيئ في غزة نعم، ولكنهم يقومون باستخدام وسائل ذكية للغاية، كمظاهرات العودة كل جمعة، إنهم يُرجعون القضية إلى جذورها: أن هناك شعب سُلبت أراضيه، أما في رام الله والضفة فقد اتخذوا طريق البنك الدولي، والبنك الدولي أكبر مخرب في القرن العشرين.

  

ميدان: ما رأيك في الحالة التي يصنعها عزمي بشارة وتأثير مشروعه في فلسطين والعالم العربي؟

منير فاشة: يفعل بعض الأشياء الجيدة، يساعد البعض على الخروج من فلسطين ليصبح لديهم فرص للعمل والدراسة، ولكنه ليس مثالا للحل، فالمكان الوحيد الذي يعطي أملا لفلسطين هو غزة، لأنها تنطبق مع مقولة جلال الدين الرومي "ربما أنك تبحث بين الأغصان عما لا يتجلى سوى في الجذور"، فمن يعمل في الأغصان ويترك الجذور في النهاية ينهار، معظمنا يشتغل على صعيد الأغصان ويترك الجذور، والفلاح قد يقلم الشجر ويترك الجذور تتلف، فأهل غزة هم الوحيدون الذين يشتغلون على الجذور.

     

عزمي بشارة (مواقع التواصل)

  

ميدان: من أبرز المفكرين العرب الموجودين على الساحة حاليا في رأيك؟

منير فاشة: كل الناس مفكرون، لا يوجد أحد يفكر وآخر لا يفكر، نريد التخلص من هذه الكلمة، لأنها وسيلة للقمع، فمثلا تفكير أهل غزة أنظف وأصفى من كل المفكرين الفلسطينيين.

   

ميدان: تتحدث كثيرا عن الحكمة، وعادة ما يُصوّر الحكيم باعتباره شخصا كبير السن خاض الحياة وعايشها، فهل ترتبط بالسن؟

منير فاشة: الحكمة تأتي إما من شخص عانى ويحاول أن يفهم ما حدث له، وإما من شخص تعرض لأشخاص آخرين يفكرون بشكل مختلف، زمن الحكمة ليس صعبا وإنما مغيب، ويحتاج إلى الصبر. 

  

أنني أكره زيف الحياة في أميركا ورفضت جواز السفر الأميركي

ميدان: نريد أن نعرج قليلا على مساحة شخصية، نريد أن نتعرف عليك كجد وكأب، ماذا عن أحفادك وعائلتك الصغيرة؟

منير فاشة: لدي ولدان، تامر وطارق، وثلاثة أحفاد، زوجتي وأولادي ممنوعون من إسرائيل من النزول إلى فلسطين، يتاح لهم القدوم كزيارات مؤقتة وليس إقامات دائمة، تزوجت من أميركية حينما كنت أدرس بالولايات المتحدة بالستينيات، حياتنا "مخربشة" بسبب المدنية الحديثة، حاولت أكثر من مرة تقديم إجراءات لمّ الشمل، ولكن لم تفلح هذه المحاولات، قبل 1993 كانت الأمور أكثر يسرا، ولم تكن هناك شروط، بالفعل مكثوا معي قبل 1993 بفلسطين سنوات بدون إذن بمقابل غرامة قليلة، أما حاليا فالوضع معقد، وبالنسبة لي أرفض العيش بأميركا، نعم درست خارج فلسطين، وزرت دولا كثيرة، ولكن في النهاية حياتي ليست كاملة خارج فلسطين. الأردن قريبة من فلسطين وليس هناك مشكلة بتجمع عائلتي هناك، وبالفعل حصلت زوجتي على جواز سفر أردني، فالأردن المكان الوحيد الذي يعترف بنا كمواطنين، لقد رفضت الحصول على جواز سفر أميركي.

  

ميدان: لماذا رفضت الحصول على جواز السفر الأميركي؟

منير فاشة: الناس تستغرب حينما أقول إن أميركا أكثر بلد لا أعرف أن أحكي فيه بصراحة، لأن الناس مبرمجون على فهم الكلمات على مقاسهم، وفيه أمراض نفسية، إنني أكره زيف الحياة هناك.

     

  

ميدان: ما أكثر ما تعلمته من أبنائك؟ وهل تعلموا منزليا أم في المدارس؟

منير فاشة: جاء إليّ ابني الأصغر عندما كان في الصف الرابع الابتدائي وقال لي إنه يضيق بالمدرسة ولا يحبها، ولكنه عاد وأكمل حتى الثانوية العامة، هو يهتم كثيرا بالطعام والزراعة، فدرس الكثير من الدورات المتنوعة المتعلقة بالطعام والزراعة، أي يدرس ما يريد فعليا تعلمه، فتفكيره تكاملي والمعرفة عنده ليست مجزأة، دائما ما كنت أتحدث عن غذاء العقل، ولكن ابني هذا جعلني أهتم كثيرا بالتغذية، ومرات كثيرة أجد نفسي أربط الأمور في الحياة بكيفية تعاملنا مع الأكل، فالعافية تستلزم التغذية الجيدة، التي تستلزم تربة سليمة وبذورا قوية، وهكذا حياتنا لا تنصلح إلا بالتربة السليمة ومناقشة المشكلات على مستوى الجذور.

  

ميدان: هل تحب الطبخ؟

منير فاشة: أكتر من الطبيخ بحب عمل السلطات، وهذا الاهتمام من ابني اللي طلع من المدرسة واهتم بالأكل، بعمل سلطات كتير، يوميا لازم يكون كمية سلطة مش زي المطاعم حبة بندورة وتلات شقات من الخس.

     

  

ميدان: هل تمارس حرفة الزراعة منذ فترة طويلة؟

منير فاشة: أنني أزرع منذ ثلاث سنوات في حديقة بيتي، أحرص على زراعة الخضراوات، وأشعر براحة حينما أعمل في الأرض، راحة لا مثيل لها، الطبيعة ليس لها بديل، شعور يغمرني بالرضا والسعادة حينما آكل مباشرة من الأرض، كما أن العلاقة مع الزرع تغير في الإنسان كثيرا، فتعلمه قيما كثيرة أولها الصبر، هناك ناس لم يقربوا تراب الأرض طول حياتهم، يعيشون بوهم المَدَنية الحديثة، حينما يخرج مع أبنائه يذهب بهم إلى مجمع تجاري (مول)، أو مدينة الملاهي، الطبيعي أن الأطفال تلعب وحدها، لقد قل الاهتمام بالزراعة، ولم يعد كل بيت يمتلك حديقته الخاصة، صار الناس يهدمون الأرض الزراعية ويبنون أبراجا.

   

ميدان: ما روتين يومك عادة؟ وتركز على التأمل، هل تربط بين المشي والتأمل؟

منير فاشة: لقد اعتدت أن أنام مبكرا وأستيقظ باكرا، بدون ذلك لا أجد "شحنا"، أما التفكير والتأمل ففي كل وقت، ولكن ذهني يكون أصفى في الصباح، فأنا أحب الصباح كثيرا.

   

ميدان: مع ختام هذه اللقاءات، ما الذي تريد أن تقوله في الأخير؟

منير فاشة: الإنسان المعاصر فقد العيش بالأمل، وانتقل للعيش بالتوقعات، وهذا سبب القلق والكآبة، أنني أذكر الناس بما هو موجود بيننا، استعادة الناس أنفسهم كمرجع وممارسة التأمل والاجتهاد والتحادث الشخصي والجمعي، نستعيد ما سُلب منا، نحن نعيش ضمن حضارة غنية مليئة بالحكم والقصص والتعددية، كل هذه الأشياء موجودة، نستعيد الأكل الصحي، حوض البحر المتوسط مكان للأكل الصحي.

  

عقد المجاورات لا يحتاج إلى ميزانيات، أن نعقد المجاورات اليومية مع الأصدقاء والأشخاص المحيطين بنا، نتجمع في البيت، أو "وين ما بيلاقوا يلموا حالهم"، ولقد كان ميدان التحرير أكبر مجاورة في العصر الحديث، لا بد للناس أن تتجاور وتتحادث.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار