انضم إلينا
اغلاق
حوار "ميدان" مع طبيب نفسي: كيف نتعامل مع الطفل الذي اعتُقل والده؟

حوار "ميدان" مع طبيب نفسي: كيف نتعامل مع الطفل الذي اعتُقل والده؟

زهرة العلا

محررة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

"كل شيء يداس بالنعال: الأخلاق والعواطف والقيم والأطفال، ونحن نتكلم وغيرنا يتكلم، لهذا قررت كتابة وثائق تلطم وحدها كل من يقرأها"(1)

    

هذا ما استهل به صلاح عيسى مقدمة كتابه "مجموعة شهادات ووثائق لخدمة تاريخ زماننا" الذي خطّه في السجن، أما هذه الحكايات وما سبقها على موقع "ميدان" "جدة وأم وطفلة.. ثلاث قصص لـ "ميدان" تحكي ما الذي يعنيه أن يُعتقل والدك وأنت طفل!" فلا تندرج تحت بند الوثائق التي "تلطم من يقرأها"، ولكنها محاولة للبحث عن مخرج. ومن الواضح أن المخرج الحالي الذي بإمكان الفرد التحرك في مساحاته لا يكمن في الحل السياسي أو الحقوقي وحدهما، لكن ثمة جانب آخر مهمل في تناول آثار الوضع السياسي في مصر على مستوى الشعور الفردي، وهو الجانب النفسي، وتحديدا ما يتعلق بأطفال المعتقلين الذين سنُسلط عليهم الضوء عبر هذا التقرير. فما يدعونا للاهتمام بهؤلاء الأطفال عدة أسباب، منها:

   

 - أن الطفل لا يمتلك القدرة على التعبير عن غضبه واحتياجاته، كما أن تجاهل العناية بالسلامة النفسية للأطفال؛ يعني أننا أمام كوارث ذات تأثير متراكم وممتد لعقود طويلة عبر أجيال مختلفة.

  

 - ولأن حضور الأب في حياة الطفل منذ لحظة ولادته حتى المراهقة؛ سبب أساسي لحياة أكثر أمنا للأطفال، وتنشئة أكثر استقرارا، فإذا شاءت الأقدار أو الظرف السياسي الراهن أن تحُول دون ذلك، فإن السؤال المُلح سيدور حول الكيفية التي يمكن أن نتجاوز بها هذه الأزمة بأقل قدر من الخسائر، واستيعاب احتياجات هؤلاء الأطفال والتعامل مع معاناتهم، والتعرف على بعض أعراضها قبل أن يتحول التاريخ إلى وثائق تلطم من يقرأها، حرفيا.

 

ولهذا كان لقاء "ميدان" مع الطبيب النفسي د. أحمد عبد الفتاح، المختص في البحث حول الآثار النفسية للاعتقال على الأطفال، والذي سيمدُّنا ببعض الإرشادات في التعامل مع الأطفال أثناء غياب الأب المُعتَقل.

   

ميدان: ما أصعب ما يواجهك في متابعة ملف أطفال المعتقلين؟

  

في الحقيقة، إحدى أكثر الصعوبات في متابعة الملف النفسي لأطفال المعتقلين أن ثمة حالة متزايدة من الإنكار، ورفض الإقرار بالضعف والآثار السلبية والاضطرابات النفسية المترتبة على ما حدث بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 بمصر، سواء على المعتقلين أنفسهم، مراهقين أو شبابا أو كهولا، وعلى زوجاتهم وأبنائهم وأُسرهم، بل على الحقوقيين أنفسهم المتابعين لملفات المعتلقين وقضاياهم. فالتغييرات التي نشهدها فيمن حولنا هي تغييرات نفسية وليست فكرية، فنحن لسنا في مناخ فكري صحي، ولكنه مناخ نفسي مأزوم.

 

وقليل من الأهالي من يتحدث أو يشارك تجارب الاعتقال وتأثيرها على حياته الاجتماعية والنفسية والصحية، وذلك خشية أن يُهاجم بأن هذا ضعف وأن عليه التظاهر بالثبات وعدم الهشاشة. وعلى الرغم من أن "مواقع التواصل الاجتماعي" أتاحت مساحة للبعض للتنفيس عن معاناتهم على صفحاتهم الخاصة، فإن الأغلبية ما زالت تُفضّل الصمت.

 

وبالنسبة للأطفال، فعادة ما تكتفي الأُسر بالحكم على الأطفال أنهم بحالة جيدة ولا يشتكون من شيء، لأنهم يأكلون ويشربون (ويتصرفون ظاهريا بشكل طبيعي)، فلا يلحظ أحد أن هناك مشكلة في الطفل، وثمة أمهات تنشغل بالضغوط المعيشية عن الالتفات إلى مشكلات أطفالها، وثمة فئة تتعامل بصورة ذهنية سلبية عن المرض النفسي: "أولادنا مش مجانين، إحنا مش هنروح العباسية".

   

ميدان: كيف يتفاعل الطفل مع أزمة اعتقال الأب؟

  

إن الطفل يشبه جهاز التسجيل، يلتقط كل شيء يحدث حوله ويحتفظ به، "فيتعلم" من "والديه" الثقة بالنفس ويكتسب منهما كيفية التعامل مع الحياة والعمل والناس، وفي لحظة الصدمة، يسجل الطفل ردود الفعل ممن حوله، فإذا غلبت مشاعر الخوف والرعب والغضب المكتوم والعجز على الأسرة؛ امتص الطفل المشاعر نفسها، وكانت ردود فعله مرآة عاكسة لما رآه من ردود فعل من حوله.

   

وتنعكس الأزمة على الطفل، وتظهر أعراض هذه الأزمة في اضطراب النوم والأكل والتعامل مع الآخرين، فقد يرفض الطفل النوم سوى في النور، ويعاني من أحلام مزعجة وكوابيس كثيرة، وبعض الأطفال في سن أكبر قد يرون أنفسهم جزءا من المعاناة فيتوقّفون عن التواصل والحكي مع الأم خوفا من زيادة العبء عليها. ويؤثر اضطراب النوم على جوانب أخرى في حياة الطفل، سواء في تحصيله الدراسي أو صحته البدنية، وتتزايد الضغوط النفسية عليه نتيجة لاضطراب النوم هذا، فيُعاب عليه نومه في المدرسة، وعدم انتظامه في الحضور، وضعف تحصيله الدراسي، وفي حالة وجوده في مجتمع مدرسي غير مُراعٍ لظروفه وأوضاعه النفسية يصبح الأمر أكثر تعقيدا.

 

يفتقد الطفل في هذه الأزمة شعوره بالأمان، ويتفاقم هذا الشعور لديه في حالة عدم التواصل مع الطفل والاستماع إليه، فيعيش في أوهام متزايدة ورعب مستمر، ويستشعر أن ثمة كارثة ستحدث وهو في انتظار حدوثها، ويعوقه ذلك عن الاندماج في مجتمعه المدرسي أو مع أصدقائه، ويكون أكثر عرضة للتنمر من زملائه، لأن عالم الأطفال قد يكون قاسيا في كثير من الأحيان على الطفل الانطوائي، مستغلا لضعفه.

   

كل ذلك قد يصيب بعض الأطفال بالخوف الشديد حتى من أداء بعض الأفعال اليومية البسيطة، كمثال، عرفت حالة لفتاة ترفض أن تركب المصعد بمفردها رغم أنها في الحادية عشرة من عمرها، ولا تذهب للدرس بمفردها، وتخشى الخروج من المنزل ليلا مهما كان الوقت مبكرا.

   

ميدان: هل تؤثر مشاهدة الطفل للحظة اعتقال الأب؟ وكيف؟

إذا كانت طريقة اقتحام قوات الأمن للبيت عنيفة ومفاجئة، فإن مشاهدة ذلك يهز شعور الطفل بالأمان، ويزيد من وطأة المشهد

الجزيرة
   

إن مشهد الاعتقال عموما من المشاهد الصعبة، وإذا كان عنيفا يزداد الأمر سوءا، وسيظل مصاحبا للطفل في أحلامه، ويتكرر ذلك التأثير مع مشاهد المحاكمة أو مشاهد العنف التي يراها حين الزيارة. إن عدم التعامل مع هذه المشاهد ومساعدة الأطفال للتعبير عن مشاعرهم ناحيتها، سيجعل مشهد الصدمة يتكرر ويُعاد ويرسخ بمضاعفات أكبر داخل الطفل بمشاعر الخوف والرعب والقلق نفسها ممزوجة بالغضب.

  

فإذا كانت طريقة اقتحام قوات الأمن للبيت عنيفة ومفاجئة، فإن مشاهدة ذلك يهز شعور الطفل بالأمان، ويزيد من وطأة المشهد حينما يجد والده في موقف ضعف، مما يهز صورته أمام عينه، فالطفل يرى أن والديه هما الحارسان القويان لعالمه، ويبرزان في مخيلته في المقام نفسه الذي يحتلّه أبطال الملاحم الإغريقية. إذ يكون الأب هو كتلة الأمان والقوة في العالم، فأي إساءة لمعاملة والده ومشاهدة ضعفه يهز الشعور بالأمان عند الطفل، ويساهم في زيادة وقع الصدمة عليه.

   

ميدان: هل يمكن أن تتسبب تجربة اعتقال الأب في اضطراب العلاقة بينه وبين أطفاله؟ وكيف؟

نعم، فقد يبدأ بعض الأطفال في لوم نفسه ولوم أبيه أنه قد تخلى عنه وتركه، يستدعي ذلك أثناء مقارنة نفسه بأصدقائه وآبائهم، ويعقد مقارنة متمثلة في السؤال التالي: كيف لم يتخل آباؤهم عنهم، بينما تركه يعاني هذا الاضطراب؟

 

يتجه الطفل لاعتقاد أن الأب هو سبب الأذى، رغم ما يُكنّه الطفل من مشاعر حب وعاطفة قوية تجاه والده، ليبدأ حينها الصراع والتأزم، وكأن الطفل يحارب نفسه بتلك المشاعر المتناقضة التي تضطرب بداخله. والأطفال في سن المراهقة هم الأكثر عُرضة للشعور بهذا الصراع النفسي، وخاصة أن سن المراهقة يزداد فيه الحرج ويزداد احتياج الأطفال إلى من يساعدونهم على استيعاب تحولاتهم الجسدية والنفسية.

   

ميدان: هل يختلف تأثير تجربة الاعتقال بحسب المرحلة العمرية؟

  

نحن نفتقر إلى قاعدة بيانات "واضحة" تهتم بأُسر المعتقلين وعدد أطفالهم وأماكنهم ومشكلاتهم الدراسية والصحية والنفسية، وبالتالي لا نجد، أو نملك، معلومات كافية عن أوضاع الأطفال في أعمار مختلفة، مع التأكيد أن واقع الأبحاث المقارنة في دول أخرى يشير أن ردود فعل الأطفال تختلف في الأسرة نفسها، وللأب والأم نفسهما، لكننا لا نقصد التعميم بقدر ما نريد بيانات تساعد على إعداد كتيب إرشادي للتعامل مع الأطفال في هذه الحالات. فإذا أردنا مقارنة البيانات المتاحة للتعامل النفسي مع أطفال المسجونين في الغرب مع ما نملكه نحن، فإننا متأخّرون للغاية.

 

ولكن ثمة تقسيم حسب الفئة العمرية بشكل مبدئي، بدون تقصٍّ جادٍّ لدراسات كمية في مصر، يخبرنا أن الأطفال حتى سن الرابعة لا يدركون كل تفاصيل الأزمة، وإن كانوا يشعرون بها، وتتسرب إليهم مخاوف الأهل. أما الفئة العمرية ما فوق أربع سنوات حتى سن المراهقة فإنهم قادرون على استيعاب أبعاد الموضوع، ولا ينبغي أن نخفي عنهم هذه الوقائع، لا يشترط إخبارهم بكل التفاصيل، ولكن هناك حالات تخفي الأسرة على الأطفال اعتقال أبيهم/أمهم، وهذا قد يزيد الأمر سوءا.

    

ميدان: ما تأثير عدم إخبار الطفل باعتقال الأب؟

إخفاء الخبر عن الأطفال بُغية حمايتهم قد يؤدي إلى آثار سلبية أكبر، فإخفاء الخبر عن الطفل يستلزم رسم عالم وهمي كامل لإحكام الكذبة، فالجميع في البيت يتفاعلون معه على اعتبار أن والده مسافر مثلا، فيعيش كل من في البيت على اعتبار هذه الكذبة واقعا، فيخلط الطفل بين حاجز الكذب والحقيقة، ويصعب عليه تفهّم الفارق، مما يرسّخ خللا منذ الصغر عند الطفل.

     

من أسوأ الأشياء كذب الأهل على الطفل، والأسوأ أن يكتشف الطفل ذلك، فلا يثق في أي تواصل معهم بعد ذلك

مواقع التواصل
    

وما يحدث عادة أن الطفل يعرف الخبر، ولكنه يعرفه من الخارج، وفي سياق غير مؤهّل فيه نفسيا لتلقّي الخبر، كأن يعرفه مصادفة في ظروف غير مناسبة وبدون تمهيد كافٍ له، فتكون استجابة الطفل للخبر أصعب، فيزداد وقع الصدمة عليه، ويتضاعف شعوره بالأزمة والشك وعدم الطمأنينة.

 

وتهتز ثقة الطفل بالبيت، فلا يثق فيما يتم إخباره به بُغية تهدئته وطمأنته. من أسوأ الأشياء كذب الأهل على الطفل، والأسوأ أن يكتشف الطفل ذلك، فلا يثق في أي تواصل معهم بعد ذلك. كما أن الطفل عند عدم إخباره بالواقع سيستعيض عن هذه المعرفة، استجابة للحيرة والقلق وعدم الإجابة عن أسئلته، ببناء تصورّه الخاص الذي سيكون أسوأ من الحقيقة، وسيربطه بخيالات مخيفة، وسيتخيّل مصيرا مأزوما لوالده أشد ضراوة من الواقع، سيعيش في فيلم رعب صنعه لسد فجوات أسئلته التي لم تُجب. إذن الواقع يخبرنا أن قول الحقيقة للطفل، بدون تفاصيل مزعجة له، مفيد أكثر من حجبها، ولكن دون الكذب عليه في الآن نفسه.

 

ميدان: هل ثمة فارق بين الفتيات والصبية في تجربة اعتقال الأب؟

كما قلت من قبل لا توجد للأسف بيانات كافية، لكن بالمقارنة وبما نملكه من بيانات شحيحة يمكننا القول إنه في سن صغيرة لا يمكن تمييز فارق كبير في تأثير غياب الأب بين الإناث أو الذكور، أما في سن المراهقة فالموضوع مختلف، فالتنمر كمثال لما يتعرّض له أطفال المعتقلين يوجد في أوساط الفتيات والشباب على السواء، ولكن نمط التنمر يختلف، والاستجابة له كذلك تختلف بين الذكور والإناث.

        

  

ميدان: كيف يمكن التعامل مع الأطفال أثناء زيارات السجن؟

يستعد الطفل منذ الصباح الباكر بارتداء زيٍّ مناسب للقاء الأب في المعتقل، يستمر الطفل طيلة ساعات سفر إذا كان خارج القاهرة بالإضافة إلى ساعات الانتظار في زحام وحر وإرهاق، حتى يصل لوالده وقد انتهت كل طاقته، فيُفاجأ مثلا بأن الزيارة أُلغيت وأنه لن يرى والده بعد كل هذا الجهد، فإذا أُخبر الطفل بهذا الخبر المحبط عندها سيلوم من حوله متسائلا: "أين وعدكم لي بالزيارة؟ لماذا لم ندخل؟".

   

وفي المرة التالية سيتساءل مُشكّكا: "هل سندخل؟ هل أنتم متأكدون؟"، عند حدوث هذا الموقف لا بد من التوقف والانتباه، لأن تلك علامة إنذار على أن الطفل يشُكّك في حديثهم، ولا بد حينها من معالجة الأمر والتعامل معه بشكل سليم والاستماع إلى الطفل.

 

وينبغي الاستعداد لاستقبال أسئلة الطفل بعد الزيارة عن تفاصيل كثيرة مثل القيود، ولماذا يُمسكون والده بهذه الطريقة؟ أو لماذا لا نتحدث مع بابا ونجلس معه وقتا أطول؟ ولماذا لا يعود معنا إلى البيت؟ وكثير من الأطفال يتمسّكون بآبائهم عند نهاية الزيارة، فالأفضل أن نتحدث إلى الطفل ونوصل له رسالة بأننا نتفهّم مشاعرك ورغبتك في البقاء معه واشتياقك إليه، ولكن لا تفعل هذا كل مرة حتى لا يغضب أو تتسبب له في الحزن، بالطبع سيكرر الطفل الموقف ولكن لا ينبغي أن نسأم من المحاولة وتكرار الحديث معه.

  

ميدان: كيف يمكن التفاعل مع أسئلة الأطفال خلال فترة الاعتقال؟

ثمة عدد من الإرشادات يمكن العمل بها للتفاعل مع الطفل خلال فترة اعتقال الأب، منها الآتي:

- لا تنقل المشاعر السلبية كالغضب والخوف إلى الطفل، أو الشعور بالخجل والعار، فتعامل الأهل مع اعتقال الأب بقدر كبير من السرية المصاحبة لحالات الاعتقال ينقل الشعور بالخجل والخزي والعار إلى الطفل، فكل المشاعر السلبية ستنتقل إلى الطفل وتنغرس بداخله بالضرورة.

    

 يُفضّل ألا يحضر الطفل جلسات المحاكمات، لأن الاتهامات الموجهة ضد الأب في محبسه قد تهز صورة الأب في عين أطفاله وتصيبهم بالشعور بالخجل من موقف والده

الجزيرة
     

- الإجابة عن تساؤلات الطفل واستفساراته والإنصات له دون ضيق من كثرة الأسئلة، على سبيل المثال حينما يسأل: "لماذا أخذت الشرطة والدي؟ وكيف؟ وهل أبي مجرم؟ ولِمَ لا يأتي إلى البيت معنا؟ ومتى سيخرج؟"، ونمط الإجابة لا يشترط أن يقول كل التفاصيل بدقة مطلقة، لأنها ستُسجّل في ذاكرة الطفل، وإن حدث أي تغيير ستهتز ثقته فيما يُقال له وربما لن يتفهّم الظروف الإجبارية المحيطة بتغير القرار، مثلا حينما يسأل الطفل: "متى سيخرج بابا؟"، نخبره بأنه قريبا وليس بعد شهر أو تاريخ محدد، أو قريبا سيخرج ولكن لم نعرف اليوم بعد، وهكذا.

 

- يُفضّل أيضا ألا يحضر الطفل جلسات المحاكمات، لأن الاتهامات الموجهة ضد الأب في محبسه قد تهز صورة الأب في عين أطفاله وتصيبهم بالشعور بالخجل من موقف والده.

 

ميدان: كيف يمكن التعامل مع مشاعر الكراهية التي تنمو داخل الأطفال كرد فعل غضبا من غياب الأب؟

تعرّض الأطفال لتجربة اعتقال أيًّ من والديه، وخاصة في سن التمييز ما بين 6 سنوات حتى 15 سنة، قد يغرس بداخله مشاعر الرفض والكراهية سواء لبلده أو لنفسه، فقد يتحوّل الطفل إلى شخص يحارب نفسه، يرى الجميع تستمر حياتهم بينما هو عالق لا يشعر أحدٌ بما يمر به من مشاعر أو بما يفتقده من أمان، يقول لنفسه: أنا لا أستطيع النوم وأعاني من مشكلات أخرى كثيرة بينما الجميع يذهبون إلى أُسرهم مرتاحي البال والأطفال ينامون في أحضان آبائهم شاعرين بالاطمئنان والارتياح لوجودهم.

 

مشكلة مشاعر الكراهية أنها حينما تكبر بداخل الطفل فإنها لا تتوقف، فلا بد من استيعابها والتعامل معها وعدم نقلها إليه قدر الإمكان من الكبار، وتفهم وجود هذه المشاعر بداخله دون لومه أو محاسبته عليها، وتمكينه من التعبير عنها بدون خجل بكل الوسائل المتاحة حتى بغير الكلام مثل الرسم أو الكتابة، أو غيرهما. ففي النهاية كراهية الطفل للبلد ستزيد من كآبته، لن تصل به إلا إلى طرق مسدودة، فبعيدا عن الموقف السياسي، فكرة الكراهية في ذاتها غير مفيدة، لأن الطفل -في الغالب- سيوجّه هذه المشاعر السلبية إلى نفسه أو أهله.

  

ميدان: ما التأثيرات الاجتماعية المترتبة على اعتقال الأب؟

ثمة أُسر قد تعتبر أن الاعتقال السياسي موقفَ عارٍ، وأعرف حالة يمنع الجد فيها الأطفال من زيارة والديه، وبعض الأُسر تظن أنها بمنع الأطفال من زيارة الأب المعتقل تحميهم من سخافة التفتيش أو أي ضرر نفسي أو بدني قد يتعرضون له في مكان كالسجن.

        

    

وقد يتعرض الطفل للنبذ من المجتمع نتيجة للخوف أو لأنه يختلف مع موقف والد الطفل السياسي، فبالتالي يشعر الطفل في هذه الحالة بأنه يحيا في عزلة إجبارية، وقد تفرض الأم على أطفالها هذه العزلة خشية عليهم من الاختلاط بالآخرين والتعرض للأذى من قِبَلهم نتيجة غياب رجل البيت وعدم وجود من يدافع عنهم وشعورها بالخوف المستمر، أو تقل الزيارات العائلية مع الوقت لغياب الأب، فيزداد شعور الأطفال بالعزلة.

    

وإذا وُجد الطفل في وسط مدرسي قد يغلب على المعلمين والطلاب رفض موقف والده السياسي، فقد يزيد ذلك شعوره بالانطواء والعزلة أو التعرض للتنمر والرفض من قِبلهم، ويزداد الأمر سوءا حينما يتعرض الطفل للتنمر أو الإيذاء اللفظي أو المادي ولا يحكي أو يشكو لأيٍّ من والديه، إما لإحساسه بثقل المسؤولية عليهم وعدم رغبته في زيادة العبء، وإما لعدم إحساسه بالأمان الكافي في الوسط الأسري نتيجة لغياب أيٍّ من الأبوين، فيزيد هذا من إحساسه بالانطواء نتيجة عدم قدرة الطفل على التعبير عن نفسه، فلا بد أن يُدفع للمشاركة والكلام وأن يُساعد في التعبير عما بداخله من مشاعر سلبية.

 

وثمة نقطة أخرى شديدة الأهمية في الآثار الاجتماعية المترتبة على غياب الأب، وهي أن الطفل يتعلم كيفية التعامل مع المجتمع من خلال تعامل الأب والأم والروابط الأسرية داخل أسرته الصغيرة، غياب الأب أو الأم يؤثر على هذا الجانب، لأن الطفل يفتقد النموذج الذي يتعلم منه والرافد الذي سيبني عليه تصوراته عن العلاقات الاجتماعية، ويمكن أن يمتد تأثيره في الروابط الأسرية والعاطفية المستقبلية للأطفال، فالفتاة قد تفتقر إلى نموذج لعلاقة زوجها المستقبلي معها، لأنها لم ترَ معاملة والدها لوالدتها مثلا، وهذا التأثير يمتد مع فترات الاعتقال الطويلة الممتدة للأب، خاصة خلال فترة المراهقة، التي تُعتبر أساسية في تكوين شخصية الأطفال.

 

لذلك فأصعب فترات غياب الأب حينما يكون أطفاله في المرحلة العمرية ما بين 6 سنوات حتى 15 سنة، فمهما تغيّرت شخصية الأفراد فيما بعد، تظل هذه المرحلة الأساسية في تكوينه نفسيا وعاطفيا، فأي تغيير في هذا التكوين يكون شديد الصعوبة فيما بعد.

   

ميدان: وماذا عن غياب الأم؟

  

هناك فيديو لابنة عائشة الشاطر المعتقلة حاليا يستحق أن يتحول لفيلم وثائقي، فكل كلمة قالتها هذه الطفلة تُعبّر عن كثير ممن يُماثلونها في التجربة القاسية لغياب الأم، تقول الطفلة فيه: "أختي الصغيرة مش بتنام بالليل، بتحلم بكوابيس، مش عارفين نروح المدرسة عشان الزيارة، ماما عملت ايه أنا عارفاها بقالي 12 سنة كويسة وطيبة وحنونة، ليه بيعملوا كده، أنا كرهت البلد"، فغياب الأب يمكن أن تحتويه الأم، أما غياب الأم فهو كارثة!

 

كمثال بسيط، الأم عادة هي المسؤولة عن صحة الأبناء وطعامهم، تعرف التطعيمات والجرعات الناقصة، أما الأب -خاصة في مصر- فليس على دراية كافية بكل هذه التفاصيل المهمة في حياة الأطفال، لذا فغياب الأم أكثر صعوبة على الطفل من كل الجوانب. كما أن غياب الأم خاصة قد يجعل الأطفال أكثر عرضة لترك المنزل، والانتقال بين عدة بيوت، ويتغير الأفراد الذين يعتنون بهم، مما يُسبّب لهم مشكلة عدم الاستقرار، وحتى لو كان الأب غير معتقل أيضا، سيكون أكثر انشغالا خارج المنزل، ويتعامل الأطفال حينها مع شخصيات مختلفة في وجهات النظر وفي أسلوب التربية، وأحيانا يضطر الزوج إلى التزوج بأخرى، مما يضاعف المشكلات على الأطفال وتتعدد مستوياتها النفسية والاجتماعية.

 

كما أن تغيير مكان إقامة الأطفال قد يتطلّب تغييرا للمدرسة والانتقال بشكل كامل لمنطقة جديدة بمجتمع آخر لم يعتده، فيشعر كأنه يُنتزع من وسطه لوسط آخر، فيأخذ فترة إلى أن يتقبّل هذا التغيير. وقد يتعرّض للتنمر من الأطفال الآخرين في هذا الوسط الجديد، أو يرفضونه لسلوكه المضطرب نتيجة للظروف التي يمر بها، أو لا يشعر بالراحة في الإقامة عند أقاربه.

   

وفي حالة الفتيات في سن المراهقة يزداد الأمر حساسية وارتباكا، فقد لا تتأقلم الفتيات على الإقامة مع رجال أجانب أغراب عنها، حتى وإن كانوا من الأقارب، فتضطر إلى ارتداء الحجاب طيلة الوقت، وهذه حالة لفتاة أعرفها، فقد كان مُرحّبا بها في إحدى عائلات أقاربها، ولكنها مضطرة للبس الحجاب طيلة اليوم، لوجود شباب في البيت، فبدأت تشعر بأزمة نفسية تفاقمت إلى حد الشعور بالكراهية للأسرة المستضيفة لها، وبدأ يظهر ذلك في تعاملها، إنها تفتقد البيت.

     

يتعرّض الطفل لصدمة نفسية بعد خروج الأب والأم، كما يتعرّض لصدمة نفسية بعد دخولهما المعتقل

مواقع التواصل 
      
وقبل ذلك كله فإن العناية بالأطفال والمراهقين ليست مسؤولية هيّنة، وبالتالي قد يستثقل الأهالي هذه المسؤولية، مما يجعل العلاقات الأسرية أكثر توترا، وخاصة أن المجتمع المصري تفتّت فيه الروابط الاجتماعية بشكل لم يسبق له مثيل، ولم تعد الأسرة الممتدة تقوم بدورها في مساندة أفرادها كما في السابق. ففي إحدى الحالات نجد أن الجد قد تخلى عن أحفاده وأعلن تبرؤه منهم، وتركهم أطفالا أكبرهم فتاة لديها 15 عاما بمفردهم في البيت دون أي رعاية مادية أو معنوية، بينما يساندهم بعض أهل الخير. فقد كشفت الأزمة عن بعض أسوأ ما فينا كبشر، كما كشفت عن كثير من الخير.
  

ختاما، يؤكد د. أحمد أننا لن نمحو كل آثار التجربة، ولن نمحو أثر الصدمة، ولكن ما نحتاج إليه هو العمل على تخفيف حدة الأزمة وآثارها الممتدة في حياة الطفل، ومنح الطفل القدرة على التعبير بحرية عما يشعر به وإعطاءه فرصة النشأة في دائرة مجتمعية آمنة، ومحاولة إبعاد الأطفال قدر الإمكان عن الصراعات السياسية بكل أنواعها، فهم ضحايا أبرياء لصراع لم يكن لهم فيه حق الاختيار، ومن حقهم أن يحيوا طفولتهم مثلما تنص عليها المواثيق والعهود الدولية كافة في أمان واستقرار.

     

ميدان: هل تنتهي أزمة الطفل بمجرد خروج الأب؟

يتعرّض الطفل لصدمة نفسية بعد خروج الأب والأم، كما يتعرّض لصدمة نفسية بعد دخولهما المعتقل، يتعرّض الطفل لزلزال عند دخول الأب للمعتقل، وتزداد حدّته بحسب تغيّر البيت أو الأشخاص الذين يقومون برعايته، فالطفل يحتاج إلى روتين ثابت في أولى سنوات حياته، ولا يُفضِّل التقلبات الكثيرة، وبعد الاعتقال بفترة، وحينما ترجع الحياة لروتينها، لا يجب أن نفاجئ الطفل مرة أخرى بتغيير الروتين بعودة الأب فجأة، يحتاج ذلك إلى تمهيد للطفل، فعادة ما يُفاجأ الطفل بمقولة: "افرح يلا هنروح نجيب بابا" دون تأهيله لذلك، أو تهيئته لاستقبال الأب الذي خرج للتو من تجربة قاسية، وسيواجه هو نفسه صعوبات في التأقلم بالإضافة إلى اضطرابات في ظروف العمل، وردود فعل قد تكون عصبية، قد يُعنّف أطفاله أو زوجته، ويضيق خُلقه فيضرب الطفل أو يعامله بشدة، فالأب يخرج وهو أكثر احتياجا إلى الراحة، ويحتاج إلى وقت للتعرف على التغيير في العالم الخارجي بعيدا عن السجن، ولذلك يحتاج الطفل إلى استيعاب المتغيرات الجديدة في حياته وتهيئته لذلك.

 

وإلا فقد يتحول الطفل إلى سبيل من سبل تفريغ الغضب للأب المقهور حينما يخرج، ويحتاج المُفرَج عنه إلى علاج نفسي وتأهيل أكثر لاستعادة لياقته النفسية وتوجيه مشاعره والتعامل معها بشكل صحي، حتى لا يجعل من الطفل طريقا لتفريغ مشاعره المضطربة بردود فعل قاسية باعتبار أن الأطفال هم الأكثر ضعفا. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار