انضم إلينا
اغلاق
من الخرطوم إلى تل أبيب .. طريق الهجرة المُقلق

من الخرطوم إلى تل أبيب .. طريق الهجرة المُقلق

بثينة اشتيوي

محررة سياسة
  • ض
  • ض

تسعة وعشرون عامًا والرأس اشتعل شيبًا، ذهبت ولا زالت ساعاتها وأيامها وسنواتها يقف صاحبها حائرًا تائهًا، متسائلًا عند مداخل شلال السلبوقة، ما نعرفه بولاية نهر النيل، عما جناه من عمره حتى اللحظة؟
 

مع نسمات فجر كل يوم، يلجأ أحمد، وهو ليس باسمه الحقيقي، إلى النيل لجوء الحيران، ومع ضيق مجرى الشلال وتدفقه المائي، يضيق أفقه أيضًا، وتضيق خيارات حياته إلى أن تبدو ميتة في نظره، فلم يعد لنضوج الفكر والعقل وعظمة الشأن مكان في أحلامه، كما كانت تراود والده، حينما عاين ثورة أكتوبر (تشرين الأول) عام 1964، ثورة بأفكار ملهمة، باعتبارها أول ثورة عربية شعبية، أنهت الديكتاتورية العسكرية وأزاحت قيادة الجيش سارقة الحكم بعد عامين من الاستقلال عام 1956، وسط حضور شبابي رافض لسياسات القمع وعسكرة المجتمع، ثورة لم تعد تعني لأحمد أي شيء.
 

السودان والربيع العربي

ما يجول في خاطر الشباب اليوم في السودان، هو السبيل للخروج من بلد أصبحت حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها مغمسة بالتضليل

رويترز
 

لا مكان لأفكار من عاش ثورات السودان والانقلابات العسكرية التي أعقبتها في ذهن أحمد، ولم تعد جبال البحر الأحمر ومرتفعات الحبشة الشاهقة، وروافد النيل التي يؤمها كثير من السياح عامًا بعد عام تستوطن قلبه.
 

حتى أن ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر عام 2010، وامتدت حتى وصلت مصر وليبيا وسوريا واليمن، وخاضها شباب في ريعان عمرهم، لم تعد اليوم مؤثرًا ومحركًا للشاب للمطالبة بحريته وعدالته الاجتماعية، فكل ما يهمه مستقبله حتى وإن كان خارج موطنه الأصلي.
 

ما يجول في خاطره اليوم كما العديد من شباب السودان، هو السبيل للخروج من بلد أصبحت حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها مغمسة بالتضليل، والقمع، والتضييق على الحريات، حتى أن دراسته للهندسة الكهربائية قبل سبع سنوات لم تنر له طريق العمل في بلد ظن أنها الحاضنة لفكره وعقله وطموحه.
 

يحكي لنا العشريني، ويتمنى أن يهاجر إلى إسرائيل أو دول أوروبية، بعدما سمع من أصدقاء له وصلوا إلى تل أبيب قبل بضع سنوات بطريقة غير شرعية، دفعوا خلالها بضع آلاف من الدولارات، أنهم يمارسون فرص عملهم بشكل طبيعي، وبدأوا في مراحل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وعندما تواجهه بالأمر، يعتقد أحمد أن الأمر لا يتعلق بحب إسرائيل من عدمه، وإنما هي براغماتية بحتة ببساطة، وهو رأي بدأ ينتشر كما يبدو، فالسودان دولة تقتل أحلام شبابها كما يبدو، وتسير على خطى عدد لا بأس به من دول الربيع العربي، وإسرائيل كيان تبدو فرصه الآدمية فيه أكثر استقرارًا.
 

الشباب والهجرة

50 ألف من الكفاءات السودانية من أساتذة الجامعات والأطباء والصيادلة والمهندسين والعمال المهرة، هاجروا بدافع تحسين أوضاعهم المعيشية

رويترز

يبدو أن أرقام جهاز تنظيم شؤون المغتربين في السودان تتفق مع رغبة السودانيين في الهجرة، في أواخر العام الماضي، فإن نحو 50 ألفاً من الكفاءات السودانية، من أساتذة الجامعات والأطباء والصيادلة والمهندسين والعمال المهرة، هاجروا بدافع تحسين أوضاعهم المعيشية، بينهم 300 أستاذ من جامعة واحدة خلال عام واحد فقط.
 

هجرة تشبه هجرة الطيور، تزامنت مع تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية، من غلاء للوقود والكهرباء والدواء، وما رافقها من احتجاجات شعبية مناهضة لسياسات الحكومة السودانية.
 

في احصاءات سابقة، أعلنت الحكومة أنها فقدت 34% من كوادر العلماء والباحثين في المركز القومي للبحوث، بعد أن شكلت وزارتا العلوم والاتصالات، والتعليم العالي والبحث العلمي، لجنة للنظر في وضع معالجات تحد من هجرة العقول، بيد أن الأرقام في الوقت الحالي تشير إلى ارتفاع ملحوظ في الهروب من الواقع السوداني إلى عالم أكثر رحابة.
 

هذا ليس عالم أحمد بمفرده، فـ «داوود» يسير على نفس خطى التفكير، داوود نور، خريج كلية الاقتصاد قسم الدراسات السكانية من جامعة البحر الأحمر، أرهقه تفكيره كثيرًا بعد الانتهاء من سنوات الدراسة عام 2013، مع شعور طاغٍ بالإحباط، بعد فشله في العثور على فرصة عمل كانت ترهق ذهنه مدة عامين متواصلين، إلى أن قرر الخروج من موطنه إلى فرنسا.
 

قبل الذهاب إلى فرنسا، تقطعت معظم سبل العمل أمام داوود، ولم يكن عيبًا في نظره العمل في «مخبز» مع أصدقاء له في الجامعة تخرجوا من كليات الهندسة والطب، لأن العمل في مؤسسات الدولة والخاصة يتطلب واسطة لا يمتلكوها، واسطة يعرفها الشباب السوداني بمصطلح «فيتامين واو»، يشرحون به انخراط بعض الخريجين في وظائف حكومية مرموقة، لوجود أقارب لهم من أصحاب النفوذ في السلطة.
 

خريج آخر من كلية الطب، وصديق لداوود، قرر العمل في مجال نقل الركاب، وقتها دارت الكثير من الأفكار لديه حول أهمية شهادة جامعية تحمل تخصصًا في الطب، أتعبته ست سنوات متواصلة، ولكن دون جدوى.
 

يمكن القول هنا، أن جامعة «باريس 8»، التي التحق بها كطالب دراسات عليا في تخصصه قبل عام من الآن، هي التغيير الدراماتيكي في البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية له، فضلًا عن انفتاحه حول العالم الخارجي، بعدما كانت السودان ملاذًا لقمع الحريات، وتتبع المعارضين.
 

يربط طالب الماجستير انعدام الحريات، وغياب الديمقراطية في السودان مع إطلالته الأولى إلى الحياة عام 1989 ومجيء الرئيس الحالي (عمر البشير) إلى البلاد عبر انقلاب عسكري، إذ لا معانٍ واضحة للتجديد والتغيير في ظل غياب الدستور ودولة القانون، وسيطرة العسكر على مجريات الحياة.
 

رحلة الشك والمخاطر

السودان كواحدة من دول ما تحت الطاحونة الأفريقية، تعيش حتى اللحظة صراعات سياسية معقدة منذ عقود عدة

رويترز
 

في هذه الحالة، تعد الهجرة من السودان شرعية، لكن العشرات من الشباب سلكوا طرقًا غير قانونية محفوفة بالمخاطر، رغم علمهم المسبق بذلك، فاجتازوا دولًا عدة حتى وصلوا إلى مبتغاهم، ومنهم من كان قلب وظلمات البحر نهاية أحلامه، فعبر سنوات طويلة، عرف عن السودان أنها الدولة التي تمهد الطريق للآلاف من مواطني دولتي إثيوبيا وإريتريا للعبور نحو أوروبا، بيد أن تزايد عمليات التهريب والاتجار بالبشر رفعت من أسهم الهجرة واللجوء عالميا لديها مؤخرا.
 

رحلة الشك والمخاطر عبر دول الجوار والغرب يسردها صحفي سوداني، حيث تبدأ مغامرة المهاجرين الأفارقة من معسكر «الشجراب» جنوب مدينة «كسلا» الواقعة على حدود السودان الشرقية، ويتجهون إلى شمال السودان عبر طريق صحراوي حتى بلوغ الحدود الليبية. ومثل هذه الرحلات الحاملة في طياتها ألوانًا متعددة من الموت، أودت بحياة 800 مهاجر لقوا مصيرهم غرقًا العام الماضي، فضلًا عن عثور السلطات البحرية الإيطالية على جثث أخرى قادمة من أرتيريا وأثيوبيا وليبيا، وغيرها من الدول الإفريقية منتصف عامنا الحالي.
 

السودان، كواحدة من دول ما تحت الطاحونة الأفريقية، تعيش حتى اللحظة صراعات سياسية معقدة منذ عقود عدة، أفرزت عن ارتفاع في معدلات الاكتئاب والصدمة النفسية في صفوف السودانيين، في مقدمتهم الشباب بالطبع، كما تشير أرقام منظمة «لنتحد لأجل البصيرة»، خاصة بعد انفصال الجنوب عن السودان، حتى باتت أمراضًا طبيعة وروتين يومي يعيشه الشباب في معظم مناطق النزاع.

 

تل أبيب المفضلة

بدأت الحكومة الإسرائيلية بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 استخدام سياسة هجرة جديدة

رويترز
 

«إسرائيل لم تجوع الشعب السوداني، ولم تضربه بالكيماوي، ولم تجند شبابه في معارك لا طائل منها، فهي توفر المأوى والعمل والأمن للعشرات من الشباب السوداني الفار من جحيم الإسلاميين» -الطيب عبد السلام، روائي سوداني.
 

لا مشكلة لدى الروائي السوداني «الطيب عبد السلام» في الهجرة إلى إسرائيل والاستقرار بها، فلا زالت محاولاته جارية على قدم وساق منذ عام 2011، أي مع انفصال جنوب السودان عن شمالها.
 

بعض محاولاته للهجرة باءت بالفشل، بعد منع السلطات السودانية الحاكمة له بالمغادرة، بسبب آرائه وأفكاره المناهضة لنظام البشير، فهو من الشخصيات المثيرة للجدل داخل الوسط السياسي، حيث يبرر فرصة ذهابه إلى «تل أبيب» إن حاز عليها بأنها ليست عدو للسودان، وإنما لنظام «الإسلام السياسي الذي اقتلع البلاد منذ ربع قرن»، في إشارته لنظام البشير.
 

أمام الشاب السوداني في الوقت الحالي ثلاثة خيارات، إما العمل مع مخابرات الدولة ليصبح تابعًا لها فكريًا، وإما الهجرة خارج البلاد وقتما تغلق الأفق أمامه، فيما الخيار الأخير الانهزام أمام الحياة والانتحار منها، كما يراها الروائي عبد السلام.
 

في المقابل، تحكي النيوزويك عن حجم مراقبة السلطات الإسرائيلية لمن يتسلل إليها من الأفارقة، خاصة السودانيين والإريتريين والأثيوبيين، فمنهم من توفر له تل أبيب فرص عمل، وآخرين يُرفض طلب لجوئهم، حسب المصلحة الإسرائيلية في مدى الاستفادة منهم كأيدي عاملة.
 

لا يقف الأمر عند هذا الأحد، بل بدأت الحكومة الإسرائيلية بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 استخدام سياسة هجرة جديدة، تمنح من خلالها المهاجرين الاختيار لترك البلاد إلى بلد ثالث في إفريقيا، يفترض أنه ملاذ آمن، أو السجن إلى أجل غير مسمى كما جرى مع عديد الشباب الأفارقة، ومحاولات التسلل إلى العاصمة الإسرائيلية يسبقها دفع أموال باهظة لعصابات تهريب البشر، من ينتشرون داخل سيناء المصرية، فمنهم من يقتصد طريقه، ومنهم من تحجزه السلطات المصرية، ويوضح مركز اللاجئين والمهاجرين الإسرائيلي المعلومة أكثر فأكثر، فيذكرنا في إحصائية أخيرة له العام الماضي بوجود ما يقارب الـ 45 ألف طالب لجوء هناك، وصلوا من أفريقيا مرورًا بجزيرة سيناء.
 

كثرة هذه الطلبات تعتبرها إسرائيل مؤشرًا ساطعًا على حالة هروب جماعي من الواقع السياسي والاجتماعي، العربي في نسبة ليست بالهينة منه، هروب تنظمه حكومات ديكتاتورية تنتهك حقوق الإنسان عبر ارتكاب جرائم إبادة جماعية.  
 

من ينظر إلى هجرة الشباب الإفريقي وتحديدا السوداني وتفاقمها إلى إسرائيل في السنوات القليلة الماضية، يجد أنها تزامنت مع قضية إقليم دارفور المتأزمة منذ سنوات طويلة، وحلم صناع القرار في تل أبيب كعادتهم داخل كثير من الدول العربية بتأجيج الصراع في السودان، بعدما تم توقيع اتفاق السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2005.
 

في الواقع الحالي داخل الأراضي السودانية، والتي شهدت في السنوات القليلة الماضية احتجاجات شبابية ضد القمع وغلاء الأسعار، والتضييق على أصحاب الآراء المناهضة لنظام البشير، كان آخرها حينما أعلنت الحكومة رفع أسعار الوقود والكهرباء، يبدو مبكرًا الحديث عن ربيع سوادني مشابه لما جرى في بعض الدول العربية.
 

تفسير ذلك يرجع إلى فقدان ثقة الشباب بالأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة في الوقت نفسه، والتي أفرزت عن حالة من الإحباط واليأس لا زالت تخيم عليهم، بعد أن ترجمها الواقع السياسي اليوم.
 

«لا يمكننا التنبؤ بثورة شبابية من عدمها، الشباب فقدوا الثقة بجميع الأطياف السياسية السودانية، فالأحزاب تتسلق عبر نضالاتهم بغية الوصول للسلطة، والحكومة تفتقر إلى دعم الشباب عبر الخطط والمشاريع» -عباس محمد، صحفي سوداني.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار