انضم إلينا
اغلاق
المليشيات العراقية.. قوات إيران العابرة للحدود

المليشيات العراقية.. قوات إيران العابرة للحدود

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

"جنود الأسد لا يقاتلون، وعندما يقاتلون فإنهم يذبحون المدنيين فقط، الجيش السوري عديم الجدوى، أعطني كتيبة واحدة من الباسيج وسوف أستطيع احتلال البلد بأكمله." - قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني

 

لا يمكن أن تخطئ العين هذا الحماس المتقد الذي يظهر في نبرة حديث الشاب الثلاثيني ذي اللحية الخفيفة، والذي يرتدي ملابسًا تبدو عليها البساطة الواضحة، أثناء وقوفه أمام الكاميرا، بينما تدور في خلفية المشهد تجهيزات حربية روتينية، وتحركات عشوائية لمقاتلين يحملون أسلحة خفيفة. "نحن مع الإمام حتى آخر قطرة دم، إن قال حربا فحرب ولو أراد السلم فهو السلم"، كما قال. لم يكن الشاب سوى أحد المقاتلين في صفوف الحرس الثوري الإيراني إبان الحرب العراقية الإيرانية، على الجانب الإيراني من الجبهة كما يبدو بالمقطع. ولكن المفاجأة هي أن الشاب، الذي يبدو أنه يتحدث الفارسية بطلاقة كما العربية، لم يكن إيرانيًا بحال. قبل بضع سنوات، كان الفتى نفسه قد تخرج للتو في جامعة بغداد في قلب العراق بعد أن أتم دراسته لتخصص الإحصاء.


مطلع الثمانينيات، كان هادي العامري يخطو خطواته الأولى في إيران قادمًا من سوريا، بعد أن اضطر لمغادرة العراق شأن العديد من الناشطين الشيعة المعارضين لنظام صدام حسين. كانت إرهاصات الحرب العراقية الإيرانية قد بدأت بالفعل في أعقاب قيام الثورة الإسلامية في إيران. وسرعان ما أسس هؤلاء المنشقون
فيلق بدر، الجناح العسكري للمعارضة الشيعية ضد نظام صدام. خاض العامري ورفاقه الحرب ضمن صفوف الحرس الثوري، حيث تعرفوا لأول مرة على رجال الحرس مثل قاسم سليماني ومرتضى قرباني، هذه العلاقة التي ستصبح فيما بعد أحد المفاتيح الحيوية للنفوذ الإيراني في بغداد في أعقاب الاجتياح الأمريكي.

 

عاد العامري ورفاقه إلى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث نجح العامري في الحصول على مقعد في البرلمان ضمن حصة منظمة بدر من مقاعد ائتلاف دولة القانون، بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، قبل أن يتولى منصب وزارة النقل أيضًا. لم يكن غريبًا أن يصل مقاتل سابق في الحرس الثوري، وحامل للجنسية الإيرانية إلى مقعد الوزارة في عراق ما بعد الاجتياح الأمريكي. ومصداقًا لذلك فإن جميع الأعضاء الشيعة في مجلس الحكم الانتقالي، أول هيئة للحكم تشكلت في عراق ما بعد صدام، جرى تعيينهم بعد مصادقة قاسم سليماني.

 

وشأنه شأن جميع رجال سليماني، لم يُكن العامري يومًا احترامًا للجيش العراقي، أو لأي من الجيوش النظامية، وربما يكون ذلك هو أبرز ما تعلموه من الحرب العراقية الإيرانية، وهو أن هذه الجيوش عديمة الجدوى، سواء كان ذلك في المواجهات العسكرية المباشرة بين الدول، أو حتى في مواجهة موجات التمرد داخل الدولة. لم يكن مستغربًا إذن أن يتهم العامري الجيش العراقي بالخيانة، وهو الذي كان مرشحًا لتولي قيادته قبل أشهر من اتهامه. بالنسبة للرجال من طراز العامري، فإن المناصب السياسية على بريقها ليست سوى غطاء لتمرير التحركات الميدانية التي يجيدونها، والتي لا يمكن أن توقفها ترهات السياسة. حين تولى العامري وزارة النقل، لم يجد الرجل غضاضة في وضع كل إمكانيات الوزارة في خدمة فيلق بدر والحرس الثوري، بداية من نقل المقاتلين والسلاح من إيران إلى سوريا برًا وجوًا، إلى توفير مقرات التدريب لميليشياته في الأماكن الحيوية، ومنها مطار بغداد. في نهاية المطاف، تقدم العامري باستقالته من الوزارة في عام 2014 ليعود إلى الموقع الذي يجيده، ويحبه أيضًا، على الرقعة.

 

الظواهر الأولى لعصر الثورة
 

"إنّ التعبئة هي إحدى الظواهر المدهشة لعهد الثورة. لقد ألهم الله إمامنا العظيم أن يؤسس التعبئة، ويودع مصير الثورة ومسؤوليتها بيد الشباب" - علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية.

(رويترز)


في منتصف عام 2014 بدا أن فرانكشتاين ظهر في بغداد بالفعل، أو في الموصل إن تحرينا الدقة. تسبب سقوط الموصل في يد تنظيم الدولة الإسلامية، والفرار المهين لوحدات الجيش العراقي، في تحفيز متسلسلة من المواقف والقرارات لا تزال ترسم المشهد العراقي إلى اليوم. ورغم الخلاف الذي لا يخفى على أحد بين الرجلين، فإن رجل الدين الشيعي الأبرز في العراق آية الله علي السيستاني تلبسته لحظة "ثورية خمينية" بامتياز، حين أطلق فتواه الشهيرة بالدعوة إلى "الجهاد الكفائي" من أجل "حماية العتبات المقدسة"، وتحرير الوطن من "الأعداء الداخليين والخارجيين". إلا أن العامري، ومن قبله سليماني، لم يكونا بحاجة إلى فتوى من السيستاني أو غيره، فكل ما يحدث الآن يثبت لهم بشكل ما أنهم على صواب: هذه الجيوش عديمة الجدوى، ولا يفل الميليشيات -وحتى الجيوش- إلا الميليشيات، ولا ينبغي على المقاتل أن يخلع حلته وإن اكتسى برداء السياسة. وفي الوقت الذي يمكننا أن ندعي فيه أن العراق يمكن أن يعاني فقرًا في أي شيء، فإنه لا يعاني بالتأكيد أي نقص في مخزونه الوافر من الميليشيات المسلحة.

 

سرعان ما تشكل ما أصبح يعرف باسم "الحشد الشعبي"، ضامًّا تحت لوائه الميليشيات الشيعية الموجودة بالفعل في العراق منذ الاجتياح الأمريكي، وعلى رأسها منظمة بدر بقيادة العامري (الذي يقود أيضًا مجلس شورى المقاومة الإسلامية الذي يتولى التنسيق بين سائر فصائل الحشد)، وعصائب أهل الحق وسرايا السلام (الاسم الجديد لجيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر) وكتائب حزب الله العراق وغيرها، إضافة إلى عشرات الميليشيات الجديدة التي تأسست في أعقاب دعوة السيستاني للجهاد وأبرزها لواء الإمام علي، وكتائب علي الأكبر، وفرقة العباس. يضم الحشد الشعبي في الوقت الراهن قرابة 70 ميليشيا شيعية مختلفة الأعداد والتوجهات لكل منها هيكله التنظيمي ومنطقة نفوذه وحتى مرجعيته الدينية. بالنسبة إلى العامري ورفاقه، فإن هذه لعبتهم التي يعرفونها جيدا منذ الأيام الخوالي.

 

خلال أشهر قليلة من تأسيسه، أصبح الحشد الشعبي هو القوة المقاتلة الكبرى في العراق. وفي وقت كان الجيش العراقي يعاني فيه نقصا كبيرا في أعداد المقاتلين، لم تواجه فصائل الحشد الشعبي أي صعوبات في التجنيد، ويمكننا تبين ذلك فيما نطق به أحد مجندي الحشد قائلًا: "أي شخص في البلاد سيختار الانضمام إلى الحشد وليس إلى الجيش، عندما أذهب يوميًا للعمل في الحشد فأنا أنسى أن لدي زوجة وأطفالا لأن لدي دوافع قوية للشهادة"، وفي حين لا يمكن التقليل من دور الغطاء الديني الذي يغلف عمليات الحشد الشعبي، فإنه لا يمكن أيضا إغفال دور تلك الصورة السيئة للجيش العراقي، الذي صار يمثل بالنسبة للعراقيين رمزًا للمحسوبية والفساد وانعدام الكفاءة. وتقع العوامل الاقتصادية في القلب من جاذبية الحشد أيضًا بفضل ميزانيته الضخمة، والتي تتزايد عامًا بعد عام، فيعتبر الانضمام لصفوف الميليشيات مجزيًا من الناحية المادية مقارنة بالانضمام للجيش النظامي، حيث يصل راتب المقاتل إلى حوالي 500-600 دولار، وهو يفوق راتب المجند في الجيش، في حين أنه يعمل لمدة أيام ويحصل على راحة لمدة 10 أيام بالتتابع.

 

لعب العامري ورجاله دورًا بارزًا في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية في تكريت والفلوجة، وهم يشاركون حاليًا في الحصار المفروض على التنظيم في الموصل، ويُتهمون بممارسة أعمال طائفية في المناطق التي يسيطرون عليها. ومع ذلك فإن هزيمة تنظيم الدولة ليست إلا هدفًا قصير الأجل بالنسبة إلى هذه القوات شبه العسكرية التي تتحكم فيها إيران، والتي تمارس ضغوطًا على الحكومة العراقية لكسب الشرعية في أروقة السياسة، وهو ما تحقق لها بالفعل، بعد إقرار البرلمان العراقي قانون الحشد الشعبي أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث جرى الاعتراف بالحشد كجزء من القوات المسلحة العراقية، تتبع القائد العام للجيش العراقي. ومن وجهة نظر العامري ورجاله، فإن هذا القانون يمثل خطوة كبرى في طريق تحقيق أحد أهم أحلامهم القديمة.

 

رجال «الباسيج» الجدد
 

"الدور القيادي لقائد الثورة الإسلامية لا ينبغي أن يتم حصره ضمن حدود معينة." - جابر الرجبي ممثل عصائب أهل الحق العراقية في طهران.

هادي العامري (رويترز)


لا يشعر العامري بأي خجل من الاعتراف بأن تجربة الحشد الشعبي مستلهمة من تجربة التعبئة في إيران، ويبدو أن هذه هي المزية الفريدة التي يشترك فيها جميع وكلاء إيران وأنصار تجربتها في المنطقة، وهي أنهم لا يجدون غضاضة في إعلان فروض الولاء، في تجاوز صارخ للأعراف السياسية المألوفة والمترسخة للدول القومية، ولعل هذا هو أكثر ما يثير قلق خصوم إيران بشأن ما يطلقون عليه دومًا "تصدير الثورة"، حيث يؤمن الشيعة الموالون لإيران بحاكمية "الولي الفقيه" على المسلمين الشيعة أينما كانوا. على سبيل المثال، يعترف حزب الله اللبناني بتلقي الدعم والمساعدة من قبل إيران، كما أن العديد من المسؤولين العراقيين الرسميين لا يجدون غضاضة في الإقرار بدعم إيران للحشد الشعبي. بالنسبة إلى هؤلاء فإن الثورة الإسلامية ونماذجها ومؤسساتها هي الأطر المثالية التي ينبغي أن تتم محاكاتها دومًا كمصدر للإلهام.

 

وفي القلب من هذا الإلهام الثوري تقع قوات الباسيج. تأسس الباسيج الإيراني بعد قيام الثورة الإسلامية بأمر من الخميني، بهدف تشكيل منظمة شبه عسكرية تمثل القلب الحقيقي لـ"ثورة إيران الإسلامية"، ويبلغ اليوم عدد مقاتلي الباسيج أكثر من مليون مقاتل، إضافة إلى 11 مليونا من قوات الاحتياط، ولا يعد الباسيج مجرد فرقة عسكرية وإنما منظمة اجتماعية سياسية تمتد بطول المجتمع الإيراني، فيضم الباسيج واحدًا من بين كل ثلاثة طلاب إيرانيين، نسبة تعود إلى قانون نافذ في إيران يخصص 40% من المقاعد الجامعية لأعضاء هذه المليشيا. كما يمتلك الباسيج أكثر من 50 ألف مكتب ومقر تنتشر في جميع أنحاء الدولة الإيرانية، ويسيطر أعضاؤه على 65% من الوظائف الحكومية، ويتلقون مكافآت مالية وقروضًا ميسرة وخصومات على الرحلات الدينية لزيارة المدن "المقدسة"، ويحظى أبناؤهم بفرص أفضل في التعليم.

 

لا تفتقر منشورات الصحف ومراكز الأبحاث العالمية إلى تلك المقاربات المقارنة بين الحشد الشعبي والباسيج الإيراني، وكما يبدو من تصريحات العامري التي أشرنا إليها سلفًا، فإن مثل تلك المقاربات ليست وليدة خيال الصحفيين. تطل هذه الروح "الباسيجية" في قلب أفكار وتشكيلات وشعارات وأهداف الحشد الشعبي، بداية من فكرة "التعبئة أو الحشد" ذاتها وحتى الاسم الذي يتشابه بشكل واضح مع اسم المنظمة الإيرانية "سازمان بسيج مستضعفين"، أو منظمة تعبئة المستضعفين كما تترجم بالعربية. وفي وقت يرتبط فيه تأسيس الحشد الشعبي بفتوى السيستاني وسقوط الموصل في يد تنظيم الدولة، فإن رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي يتبنى رواية مخالفة نسبيًا، فيؤكد أنه هو من بدأ تأسيس الحشد الشعبي قبل عدة أشهر من سقوط الموصل وفتوى السيستاني، ثم جاءت هذه التطورات لتعطي الزخم لحالة التعبئة. وبالرغم أن العديد من المعلقين يميلون إلى التشكيك في رواية المالكي، نظرًا لأغراضها السياسية الواضحة، فإن الظهور السريع والمنظم لمديريات التجنيد يوحي أن قدرًا من التنظيم المسبق وقف خلف تأسيس الحشد، في وقت تسارعت فيه الدعوات القادمة من طهران تطالب بتأسيس حرس ثوري عراقي عبر جمع وتوحيد الميليشيات الشيعية. وبدا أن هذه القوة المنتظرة للميليشيات العراقية مهمة بالنسبة إلى طهران، بقدر أهميتها بالنسبة لرجالها في العراق سواء كانوا من حملة السلاح أو من ذوي الياقات البيضاء.

 

الممر الاستراتيجي: طموحات عابرة للحدود
 

"إذا خسرنا سوريا فسوف نخسر طهران، نحن نحول كل هذه الفوضى إلى فرصة." - قاسم سليماني موجها حديثه للسياسي العراق أحمد الجلبي في عام 2014.

ما لا يمكن الخلاف حوله هو أن هناك آلافا من جنود الميليشيات الشيعية من العراق وغيرها شاركوا بالفعل في معارك حلب، إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد، وبعض هذه الميليشيات تم نقلها بين البلدين تحت سمع وبصر الحكومة العراقية.

رويترز
 

لا يعترف سليماني ورجاله غالبًا بما يرونه "حدودًا وهمية مرسومة" بين الدول، ويستمتع رجل الظل بحياة مثيرة يتناول فيها وجبة إفطاره في العراق، ويخلد إلى النوم في سوريا، وهي الإثارة ذاتها التي يبدو أن العامري كان يشعر بها حين أعلن أن دمشق طلبت من الحشد الشعبي الانتشار في سوريا، في أعقاب طرد الدولة الإسلامية من العراق، وأن قوات الحشد سوف تقوم بتأمين الحدود بين البلدين.

 

يمكننا أن نزعم -ولن نكون مخطئين في ذلك على الأرجح- أن تصريح العامري مثل تخفيضًا كبيرًا لحقيقة الدور الذي تلعبه الميليشيات العراقية في الحرب السورية، حيث أن بعض هذه الميليشيات موجود بالفعل في سوريا بشكل شبه رسمي منذ عام 2013، وعلى رأسها حركة النجباء، الميليشيا العراقية المنشقة عن (عصائب أهل الحق)، والتي توجهت مباشرة للقتال في سوريا "للتغلب على الخمول المسلح في العراق آنذاك" كما يقول مؤسسها أكرم الكعبي. وحامت حول العامري نفسه الكثير من الشكوك بشأن علاقته بسوريا، وقد اتهمه الجنرال جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي المنتظر في إدارة ترامب، بتسهيل حركة الأسلحة إلى سوريا، رغم إصرار الأول على نفي ذلك. ولكن ما لا يمكن الخلاف حوله فعلًا هو أن هناك آلافا من جنود الميليشيات الشيعية من العراق وغيرها شاركوا بالفعل في معارك حلب، إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد، وبعض هذه الميليشيات تم نقلها بين البلدين تحت سمع وبصر الحكومة العراقية، رغم إصرارها على نفي ذلك.

 

لا يبدو أن دور هذه الميليشيات اقتصر على قتال تنظيم الدولة في العراق، أو حتى دعم نظام الأسد في سوريا، بقدر ما تضطلع بأكثر المهام حيوية بالنسبة إلى إيران، وهي مهمة تأمين قوس النفوذ عبر العراق وسوريا انتهاءً إلى البحر المتوسط، وهي المهمة التي صارت إيران وميليشياتها أقرب إلى تحقيقها من أي وقت مضى.

طريق طهران إلى المتوسط عبر ميليشياتها الشيعية (الجارديان)



يمثل شريط الأراضي الذي يسيطر عليه الحشد الشعبي غربي الموصل البقعة الأكثر حيوية في هذه الخطة. يبدأ الطريق من نقاط الإدخال التي استخدمتها إيران تقليديًا لدعم الميليشيات الموالية لها، ويمر عبر بعقوبة عاصمة ديالى 60 ميلًا إلى الشمال من بغداد، مرورًا ببلدة الشرقاط في محافظة صلاح الدين، التي انتزعها الحشد الشعبي في سبتمبر (أيلول) للعام الماضي، بينما المحطة القادمة للممر هي سنجار، وهو ما يفسر حصار الميليشيات الشديد لتلعفر، الواقعة على الطريق إلى سنجار (معقل اليزيديين التقليدي) والرابضة الآن تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل بشكل
شبه رسمي في صفوف الحشد الشعبي.

 

يمر الطريق إلى سوريا عبر معبر الربيعة وصولًا إلى كوباني ثم عفرين الواقعة تحت سيطرة الأكراد، اتجاهًا نحو حلب وإدلب ثم حمص قبل أن ينحرف شمالًا مخترقًا المناطق العلوية وصولًا إلى اللاذقية، حيث موقع الموالين للأسد على البحر المتوسط. لا تقتصر هذه الخطة على الجهود العسكرية فقط، ولكنها تتضمن استراتيجية محكمة لإعادة توطين الشيعة العراقيين واللبنانيين في المناطق التي هجرها أهلها من السنة في سوريا، وهو ما بدأ يظهر بوضوح في مضايا والزبداني وفي حمص، حيث بدأ توطين المئات من العائلات الشيعية بهدف التحكم في التوازن الديموغرافي وتوفير عمق بشري للممرات الاستراتيجية. وفي الوقت الذي يمثل فيه تأمين هذا الممر ذروة الانتصار الاستراتيجي لإيران، فإنه يعني أيضا أن مهام الحشد الشعبي آخذة في الاتساع، وأنه من الواضح أنها أصبحت تتجاوز بشكل كبير تلك المهمة الشكلية التي تم تأسيسه من أجلها.

 

ومع كون نشوة الانتصارات قد أسكرت رؤوس قادة الحشد الشعبي، إلى درجة أن أكرم الكعبي زعيم حركة النجباء صار يتوعد بالسير إلى معقل الدولة الإسلامية في الرقة، إلا أن طريق الميليشيات العراقية في سوريا لن يكون مفروشًا بالورود كما هو الحال في العراق، فمن ناحية فإن هذه الميليشيات سوف تواجه صعوبات كبيرة في التقدم في المناطق غير الشيعية، ومن ناحية أخرى فإنها تواجه خطر الاصطدام مع تركيا التي توسع هي الأخرى أنشطتها في سوريا ضمن عملية "درع الفرات"، بخلاف أزمة الشرعية التي تواجه عمل هذه الميليشيات، التابعة نظريًا للحكومة العراقية، في سوريا مقارنة بالحال في العراق.

 

البقاء .. إلى حين
 

"الخطر الأكبر على المنطقة في العراق يأتي من الميليشيات الشيعية العراقية وليس من داعش." - ديفيد باتريوس مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق.

القيادي الشيعي محمد صادق الصدر (رويترز)


على طول الطريق الممتد بين مدينتي النجف وكربلاء في جنوب العراق يمكننا أن نرى بسهولة لافتات تمجد وجوه متطوعي الحشد الشعبي الذين قتلوا في الحرب ضد تنظيم الدولة. تعكس هذه الدعايات طموح "الباسيج العراقي" في ترسيخ سلطته الاجتماعية. ولكن المصاعب التي يواجهها الحشد الشعبي عسكريًا تعد هينة إذا ما قورنت بالمسار الذي تحتاج الميليشيات إلى قطعه لتطوير الثقافة التنظيمية اللازمة للتحول إلى "حركة تحرر وطني" كما تدعي، ثم إلى منظمة اجتماعية راسخة في المجتمع العراقي، خاصة في ظل السمعة الطائفية لميليشيات الحشد في المناطق السنية.

 

هناك تحد آخر يتعلق بالمجتمع الدولي الذي لم يطور بعد نظرة مستقرة في التعامل مع الميليشيات الشيعية، في ظل انشغاله بالحرب ضد تنظيم الدولة، ولكن وزير الدفاع الأمريكي المنتظر يبدو أنه يحمل نظرة أكثر صرامة تجاه طموحات إيران وتحركات الميليشيات الموالية لها. ومن ناحية أخرى، ينذر التركيب غير المتجانس للميليشيات بتفاقم الخلافات في أي وقت، فرغم سيطرة إيران على أكثر من نصف ميليشيات الحشد الشعبي، فإن العديد من أعضاء هذه الميليشيات يستمدون شرعية نضالهم من فتوى السيستاني، الذي بإمكانه أن يحول الحشد إلى مجموعة من الوكلاء الإيرانيين التابعين للدولة، إن سحب فتواه بعد نهاية المعارك الكبرى مع تنظيم الدولة داخل العراق، بما يعني أن أي توتر محتمل بين الحكومة العراقية الحليفة لإيران، وبين المؤسسة الدينية العراقية التي يقودها السيستاني الخصم الديني للنظام الإيراني، يمكن أن تضع الحشد الشعبي أمام اختبار كبير للولاء.

 

ظلت النظرة القومية مهيمنة لعقود على الفكر السياسي الشيعي في العراق، فكر رسم معالمه القيادي الشيعي الكاريزمي محمد صادق الصدر، وهي النظرة ذاتها التي تصبغ فكر السيستاني نفسه، الذي لا يبدو معنيًا بشكل كبير بمعارك إيران عبر الحدود المفتوحة. لا يزال الرجل يتمتع بنفوذ كبير وبإمكانه الإطاحة بأية حكومة في العراق إن رفع دعمه عنها بشكل واضح، أسوة بما حدث مع نوري المالكي.

 

الحقائق التي يراها الجميع الآن هي أن الحشد الشعبي يوسع نفوذه ميدانيًا وسياسيًا وماليًا بشكل مثير للقلق، وبالنسبة إلى إيران لا تزال هناك قائمة طويلة من المهام التي تستدعي تقوية ودعم الباسيج الجديد. ولكن بخلاف الحقائق التي تُفرض على الأرض بقوة السلاح، فإن الحشد الشعبي لا يزال أبعد ما يكون عن التحول إلى منظمة عسكرية شعبية أشبه بالباسيج الإيراني، وهو في جوهره لا يعدو كونه مجموعة من الميليشيات التي جمعتها الظروف والفرص تحت راية واحدة. أما القوانين فبإمكانها إقرار الرتب وتوزيع التشكيلات والتحكم في المخصصات المالية، ولكن تبقى هناك حقائق لا تغيرها المراسيم، هي من عينة الحقائق ذاتها التي أثبتت مرارًا وتكرارًا أن عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي ارتد إلى مجموعة من العصبيات الضيقة، وأنه ليس بإمكان أحد الآن أن يغير ذلك. 

آخر الأخبار