انضم إلينا
اغلاق
إيثار الفقراء.. كيف تفوقت أوغندا على أوروبا باحتواء اللاجئين؟

إيثار الفقراء.. كيف تفوقت أوغندا على أوروبا باحتواء اللاجئين؟

  • ض
  • ض

يعترف خالد بأنه لم يتوقع ما رأى، فعندما يتعلق الأمر بمخيمات اللاجئين تكون الصورة الأقرب إلى الخيال هي خيام متلاصقة، تحدّ مكانها أسوار متراصة من سياج معدنية تحرسها الشرطة، بينما تصبح عملية التحرك ما بين الخيام، أو إلى المخيم ذاته، دخولا وخروجا عملية صعبة، فيما تمر الحياة بطيئة وضجرة في انتظار ما ستؤول إليه الأمور. لكن الأمر لم يكن هكذا في مخيم "إمفيبي"، أو في غيره من مخيمات أقامتها أوغندا لاستقبال اللاجئين والهاربين من جحيم الحروب في دول الجوار كالسودان وروندا والكونغو.

 

يعرفه الناس بخالد حسيني (1)، مؤلف رواية "عدّاء الطائرة الورقية" العالمية ذائعة الصيت. يحكي الروائي الشهير عن إحدى زياراته لأوغندا مندهشا من تعاطف الأوغنديين مع اللاجئين القادمين لهم، وبينما يعزي بعضهم الأمر إلى أهوال الحرب ومصائبها مما يستوجب التعاطف، يعتبره آخرون عرفانا بالجميل.

 
من هؤلاء كان يحيى، مزارع أوغندي منح قطعة أرض مجانية للاجئ سوداني يُدعى مايك، لكن الأمر لم يكن مصادفة، فيحيى لم ينس ما فعله والد مايك حينما استقبلهم لاجئين من أوغندا في السودان منذ حوالي ثلاثين عاما بحفاوة مطلقة مقدما لهم كل مساعدة ممكنة، لذا عندما دارت الدائرة، ونفث تنين الحرب الأهلية نيرانه في السودان، هرب مايك بعائلته هذه المرة إلى أوغندا، وفتحت الدولة أبوابها أمام القادمين، وكذا الأهالي ومنهم يحيى ذو الـ 51 عاما، فقد حان الوقت بالنسبة لهم لرد الجميل (2).

 


لم تكن حالة يحيى استثنائية فيما يتعلق بتعامل أهالي أوغندا مع اللاجئين، كما لم تكن قضية اللاجئين في أوغندا امتثالا للقوانين الدولية مثلا بقدر ما كانت سياسة عامة اتبعها النظام الأوغندي للتعامل مع اللاجئين، سياسة فتحت أوغندا بها الباب لحوالي 1.3 مليون لاجئ من دول عدة، مكّنتهم الحكومة من امتلاك الأراضي والمؤسسات كالمواطنين، ومن العمل على أراضيها في الزراعة والتجارة، ليصبح بإمكانهم الاعتماد على أنفسهم دون الحاجة لانتظار مساعدات رسمية، لتتحول التجربة الأوغندية مع اللاجئين إلى نموذج (3) لا يتغلب بفارق شاسع فقط على الاتحاد الأوروبي باعتباره وجهة هجرة اللاجئين الرئيسة حاليا، بل أيضا كحالة نجحت في الاستفادة من الوجود المكثف على أراضيها لخدمة أهدافها الإنمائية، ومساعدة مئات الآلاف من البشر دون تهميش أو إقصاء.

 

البداية

في عام 2012 وضعت ورقة بحثية (4) خاصة بمركز دراسات اللاجئين، كجزء من قسم التنمية الدولية بجامعة أكسفورد، خطوطا عريضة للعلاقة بين مفهوم "اعتماد اللاجئين على أنفسهم" وبين قطاع الأعمال الخاص بأوغندا، في العاصمة كمبالا تحديدا، كإحدى إستراتيجيات تطوير الأوضاع الاقتصادية للاجئين خاصة في ظل تزايد أعدادهم يوما بعد يوم، ودون إهمال أن التزايد يتم في هذه الحالة بدولة أفريقية فقيرة نسبيا.

 
تتعامل أوغندا المحاطة بالصراعات من كل اتجاه على فترات متفاوتة مع أمور اللاجئين بطريقة مختلفة تماما مقارنة بأقرانها الأفارقة وأيضا بالدول المستقبلة للاجئين عامة، وهي سياسة بدأتها عام 2006 عندما أصدرت تشريعا جديدا يمنح الحق لكل لاجئ في التحرك بحرية داخل الدولة، وكذا القدرة على العمل والعيش في المجتمع المحلي لا في المخيمات الخاصة بهم فقط.

 


كانت أوغندا قد وقّعت بالفعل كافة الاتفاقيات الدولية الخاصة بشؤون اللاجئين، لكن التشريعات الداخلية للدولة لم تعكس المعايير التي التزمت بها دوليا، وهو ما سعت الحكومة لتغييره بشكل كبير في تشريع 2006، معتمدة على مبدأ مساعدة اللاجئين لأنفسهم اقتصاديا بدلا من انتظار مساعدة رسمية محلية أو من منظمات الإغاثة الدولية. بدأ الاختبار الحقيقي لفعالية هذا المبدأ مع تزايد أعداد اللاجئين داخل أوغندا خمسة أضعاف، أعوام ما بين 2007-2012، لتصبح أوغندا عام 2012 ملجأ لحوالي مائتي ألف شخص من جنسيات مختلفة، انتشروا في أنحاء الدولة وكذا في مستعمرات خاصة كان بعضها في العاصمة كمبالا.

 

يرغب اللاجئون بداهة في أوضاع اقتصادية واجتماعية أفضل لهم ولأسرهم حتى في دول اللجوء، لذا يُفضّل أغلب المهاجرين إلى أوروبا مثلا الوجود في ألمانيا لا اليونان، وعندما تمنح دولة كأوغندا للمهاجرين فرصة الوجود في أي مكان يريدون يختار اللاجئون الوجود في العاصمة والمناطق الحضرية فيها، أملا في الحصول على فرصة أفضل للعمل والتعليم والخدمات الاجتماعية، لكن التزايد المطرد لأعداد اللاجئين يجعل ارتكازهم في العاصمة أو المناطق الحضرية عامة دون غيرها مشكلة تُضاف إلى الأعباء الاقتصادية الأوغندية.

وكحل جزئي لهذه المعضلة اختارت الحكومة أن تمنح عددا لا بأس به من اللاجئين قطعة أرض لبناء منزل ومزرعة، ما يمنح كل فرد/عائلة نوعا من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويدع الفرصة للحكومة للتعامل مع الأعداد الجديدة الوافدة إليها عاما بعد عام، وفي وقت كانت فيه أوغندا بإمكاناتها المتواضعة، وبمساعدات محدودة لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين، تسعى لتمكين اللاجئين على أراضيها، كان الاتحاد الأوروبي على قوته وإمكاناته يسعى لسد كل الطرق أمام المهاجرين واللاجئين بداية إلى أراضيه، وصولا إلى تمويل شبكة مراكز الاحتجاز وتجارة البشر الليبية بالكامل.

 

ترى كاثرين كوستيلو، أن قوانين الاتحاد الأوروبي جعلت إمكانية وصول اللاجئين بأمان وبشكل قانوني إلى البلد التي يرغبون بتقديم طلب اللجوء إليها شيئا "شبه مستحيل"

رويترز
 

يشرح كولن بندي، الزميل الفخري بكلية غرين تمبلتون-جامعة أكسفورد، كيف تحولت أوروبا من مستقر سابق لملايين اللاجئين من دول العالم إلى طاردة لهم (5)، فيعود إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث صاحبت كلا منهما تورط أوروبا في استقبال ملايين المهاجرين واللاجئين من دول عدة، ما كان يمر بسلاسة بعد انتهاء الحرب وعودة المهاجرين إلى دولهم أغلب الأمر، لكنه يرى أنه برغم ذلك فقد نأت أوروبا بنفسها بمعزل عما يحدث في العالم، وهو ما جعل أزمة لاجئي التسعينيات نتيجة لتفتت الاتحاد السوفياتي والحرب اليوغوسلافية، ثم "الحرب على الإرهاب" في أفغانستان والعراق، يظهران توجها أوروبيا قائما إلى الآن لمنع الهجرة بدلا من السعي لإيجاد حل للمشكلات المتسببة في هروبهم بداية إليها.

 

يُضيف فرانسوا كريبو، مقرر الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان للمهاجرين، إلى ما سبق أنه بـ "حجة السيادة الإقليمية سعت أوروبا لوضع أنظمة رقابة صارمة على حدودها أمام الأعداد المتزايدة للمهاجرين"، بينما ترى كاثرين كوستيلو، بروفيسورة مشاركة بمركز دراسات اللاجئين بجامعة أكسفورد، أن قوانين الاتحاد الأوروبي جعلت إمكانية وصول اللاجئين بأمان وبشكل قانوني إلى البلد التي يرغبون بتقديم طلب اللجوء إليها شيئا "شبه مستحيل"، لأن منظومة اللجوء الأوروبية المشتركة تشترط أن يكون الأفراد "على أراضٍ لا تتبع الاتحاد الأوروبي، بل على أراضٍ تتبع الدولة المعنية ليتمكنوا من تقديم طلب اللجوء"، ولأنه شرط شبه تعجيزي، وليس باستطاعة اللاجئين الحصول على تأشيرة دخول للدولة المعنية بداهة، وليس لديهم وسيلة نظامية/رسمية للوصول إليها دون أن تعترض طريقهم قوانين بلادهم المحلية، أو الحروب الداخلية، أو قوات حدود الدول الأوروبية، فإنه ليس ثمة طريقة للوصول إلى أوروبا سوى شبكات التهريب.

 

بالإضافة إلى إغلاق حدودها جهة البلقان التي كانت طريقا مفتوحا لعبور المهاجرين، اتجهت أوروبا ما بين أعوام 2004-2008 بشكل كبير إلى التركيز على حماية حدودها الجنوبية (6)، وخاصة مع ليبيا، نقطة الوصل في طريق الهجرة عبر أفريقيا إلى أوروبا خلال البحر المتوسط، وفي حين قامت إيطاليا بمباركة الاتحاد الأوروبي بتوقيع عدة اتفاقيات مع القذافي، كان آخرها اتفاقية الصداقة عام 2008 التي تستهدف من بين عدة نقاط التنسيق المشترك بين الدولتين لحماية السواحل ومنع عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية، فقد تلا ذلك -وصولا إلى 2011 تحديدا ومقتل القذافي في ليبيا- تنسيقا مشتركا في عمليات مراقبة السواحل والقبض على المهربين، وفي بعض الأحيان إعادة أوروبا لقوارب المهاجرين من المياه الدولية إلى ليبيا، مخالفة بذلك القوانين الدولية للاجئين، وقوانين الاتحاد الأوروبي نفسها، واتفاقيات حقوق الإنسان.

   

أزمة اللاجئين الرابعة

يستطرد يحيى قصّ حكايته لخالد، حيث يحيا في قرية شمالي أوغندا تُدعى بيديبيدي، قائلا إن القرية لم تكن تحوي طرقا ممهدة أو مركزا للرعاية الصحية أو مدرسة، لكنها حوت كل ذلك في تسعة أشهر فقط بعد وصول اللاجئين إليها. ورغم أن القرية الأوغندية الصغيرة والفقيرة تُعد أكبر تجمع للاجئين في العالم باحتوائها أكثر من 272 ألف لاجئ فإن السياسات التقدمية التي أتاحتها الحكومة، مع تعاون الأوغنديين أنفسهم لتنفيذها، ساهما بشكل كبير في تحسين الأوضاع بالقرية.

 

يعيش الناس هناك حُلم "منظمة الوحدة الأفريقية" واقعا (7)، هكذا يحكي وليام جونز، مسؤول الأبحاث السابق بمركز دراسات اللاجئين، قاصا زيارته أواخر 2013 لمخيم ناكيفالي للاجئين الواقع على حدود أوغندا ورواندا، فقد بلغ عدد اللاجئين في المخيم حينها حوالي 60 ألفا من رواندا والكونغو والصومال، إلى جانب جنسيات أخرى يعيشون بجانب بعضهم البعض، ويصف جونز أحوال المخيم، البعيد إلى حد ما عن المدن، بأنه يحقق اكتفاء ذاتيا من الثروة الحيوانية والزراعية، وهي ثروة لم يكتف السكان بتحقيق حاجتهم منها فقط، بل تجاوزوا ذلك بالتصدير إلى مدن أوغندية أخرى، كما أن المخيم يحوي دورا للسينما ولا يخلو من الهواتف الذكية التي يقوم على خدمتها برج الهاتف المحمول الكائن في منتصفه.

 

أحد مخيمات اللاجئين شمال أوغندا (رويترز)


تتشارك مخيمات اللاجئين في أوغندا الأوضاع ذاتها (8)، كما يحكي حسيني، حيث يعيش اللاجئون بحرية وسط إمكانية امتلاك أرض زراعية والعمل والحصول على الخدمات الاجتماعية اللازمة، تجربة مدحها فيليبو غراندي، المفوض السامي للأمم المتحدة في زيارته لأوغندا على هامش قمة التضامن مع اللاجئين والمقامة في (يونيو/حزيران) الماضي بكمبالا (9). ورغم التزام أوغندا الدائم باستضافة اللاجئين كما يصف غراندي فإن الأوضاع الاقتصادية الفقيرة أساسا في الدولة تجعل من الصعب استمرار التجربة دون مساعدة، وكان هذا تحديدا هو الهدف من قمة التضامن، إذ تعهدت الدول والمؤسسات المشاركة بتقديم حوالي 358 مليون دولار لدعم الجهود الأوغندية مع اللاجئين.

 

بينما تسعى أوغندا للحصول على المساعدة في سبيل دعم تجربتها، يصف فرانسو كريبو أزمة أوروبا فيما يخص اللاجئين بأنها "ليست أزمة قدرات بقدر ما هي إحدى مشكلات الزعامة السياسية"، فمقابل استضافة أوغندا وحدها لما يزيد عن مليون لاجئ نجد أن حوالي مليوني لاجئ، على مدار خمس سنوات بأوروبا، إذا ما تم توزيعهم على 28 دولة أعضاء الاتحاد فسيتم حل المعضلة، لكن عراقيل الدخول إلى الاتحاد الأوروبي تزداد يوما بعد يوم، حيث يمعن الاتحاد في إضافتها عاما بعد عام لوقف تدفق اللاجئين إليه.

 

تصف منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها (10) للعام الحالي عن قضية اللاجئين في الاتحاد الأوروبي مساعي الاتحاد فيما يخص القضية بأنها "تهدف إلى الحدّ من وصول اللاجئين إليه محاولا تصدير الأزمة إلى بلدان أخرى على استعداد لاستقبال اللاجئين على أراضيها"، فالخوف الأوروبي من تأثيرات محتملة على الأمن والهوية الثقافية، كما يصفه التقرير، جعل استجابة الاتحاد للاجئين تتجاهل حقوق الإنسان مقابل مكاسب إستراتيجية أخرى.

 

متظاهرون يرفعون علم الاتحاد الأوروبي ضد سياسة الاتحاد في تعامله مع اللاجئين  (رويترز)


صعَّد الاتحاد الأوروبي خلال العامين السابقين تحديدا من أساليب حماية الحدود عبر النمسا وفرنسا وسويسرا، بينما منع دخول المهاجرين من حدود بلغاريا ومقدونيا واليونان، ووقع اتفاقية إعادة اللاجئين مع تركيا مقابل مليارات اليوروهات، ساعيا دوما لإيجاد بلدان آمنة، من دول العالم الثالث خاصة، تقبل استقبال اللاجئين على أراضيها مقابل أموال وتسهيلات سياسية وعسكرية وغيرها.

 

مع كل ذلك، فإن وصف أوضاع اللاجئين في أوغندا بـالمثالية ربما لا يبدو دقيقا، خاصة في ظل وجود حوالي 19.7% من الأوغنديين تحت خط الفقر وفقا لتقرير البنك الدولي للعام الماضي 2016 (11)، بينما يعاني اللاجئون في مخيمات عدة من نقص المياه والرعاية الصحية وكذا الأمراض المزمنة كالملاريا والإيدز (12)، لكن مقارنة بسيطة بين ما تستمر أوغندا في تقديمه للاجئين رغم أوضاعها الاقتصادية السيئة أمام ما يستطيع الاتحاد الأوروبي، كونه القوة الاقتصادية الثانية عالميا، تقديمه لمئات الآلاف من اللاجئين على حدوده، وللمخيمات والمراكز الحدودية النائية والمنعزلة التي ينتظر فيها اللاجئون لسنوات دون تواصل مع العالم الخارجي ودون معرفة لما سيؤول إليه مصيرهم، أمام مقارنة كتلك لن تربح القارة الأوروبية بالتأكيد، بينما تهزمها دولة عالم ثالث أفريقية فقيرة فيما تحب القارة دوما تصدير سمعتها بها: حقوق الإنسان، أي إنسان.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار