انضم إلينا
اغلاق
عودة الفلول.. تونس والمصير المجهول

عودة الفلول.. تونس والمصير المجهول

  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
يعتقد الكثيرون أن تونس، مهد ثورات الربيع العربي، قد نجحت في تخطّي المرحلة الانتقالية دون الحاجة إلى استخدام العنف كوسيلة لتحقيق الديمقراطية على عكس ما حصل في شقيقتها ليبيا. لكن الحقيقة تقول إن الأحزاب التونسية، مثل حركة النهضة، التي تخلت عن الكثير من صلاحياتها لتفادي أزمات عدة كانت ستعصف بتونس، بل إن الحكومة التونسية الحالية تحاول التعاون مع النظام السابق بغية تجنب حرب أهلية أو عودة فلول نظام بن علي بالقوة. هذه المجازفات كانت لها نتائج سلبية على نهج الديمقراطية التونسي، الأمر الذي سيولد تحديات أمام الشعب التونسي، والحكومة التونسية، والمجتمع الدولي في السنوات القادمة.

    

نص التقرير
خلال أسبوع واحد وحسب قامت الحكومة التونسية باتخاذ ثلاث خطوات مقلقة هي في مجملها مؤشّر على تقهقر كبير تشهده الديمقراطية التونسية. كان القرار الأول في 11 (سبتمبر/أيلول) حينما وافق البرلمان التونسي على إزاحة 13 وزيرا من أصل 24، واستبدالهم بوزراء تجمعهم صلات بنظام زين العابدين بن علي الذي أسقطته الثورة التونسية عام 2011. 

 

أتى القرار الثاني بعد الأول بثلاثة أيام، بعد جدل امتد لسنوات حول قانون الإصلاح الاقتصادي المثير للجدل الذي سنّه الرئيس السبسي، والمعروف باسم "قانون الإصلاح الإداري"، يومَ مرره البرلمان بواقع 119 صوتا إلى 98 صوتا، مقابل 90 عضوا امتنعوا عن التصويت. يمنح القانون العفو لعدة موظفين حكوميين ارتكبوا الرشوة أثناء حكم بن علي للبلاد، دون إخضاعهم لأي شكل من أشكال المساءلة القانونية. تعدى هذا القرار على الجسم الرسمي للعدالة الانتقالية، سلطة لجنة الحقيقة والكرامة المكلفة بتحقيقات تهم الفساد وجنايات اقتصادية أخرى. يخوِّل القانون الحكومة إيقاف جميع التحقيقات الموجهة ضد هؤلاء المتهمين بالفساد طوال فترة عملية العدالة الانتقالية.

 

الشعب التونسي يشعر أنه معزول عن الحكومة، فنسبة ثقة المواطنين بالحكومة التونسية انخفضت من 62٪ بعد انتهاء الثورة التونسية إلى 35٪ فقط

غيتي
   

أعلنت الحكومة أخيرا، يوم 18 (سبتمبر/أيلول)، تأجيل أول انتخابات محلية ديمقراطية، كانت الانتخابات مقررة بتاريخ 17 (ديسمبر/كانون الأول)، إلى تاريخ ثالث يرجح أن يكون أثناء (مارس/آذار) لعام 2018. وكان يفترض، أصلا، البدء بالانتخابات في (أكتوبر/تشرين الأول) 2016، لكنها أُجِّلت إلى (مارس/آذار) 2017، ثم مرة أخرى إلى (ديسمبر/كانون الأول) لعدة أسباب لوجستية وسياسية، كان من بينها استقالة رئيس لجنة الانتخابات صيف هذه السنة، الأمر الذي عطّل العملية التحضيرية للانتخابات. مع أن كل واحد من هذه الإجراءات هو إشكال في حد ذاته، لكنها جميعا تشي بمحاولة مرتبة سلفا من قبل حكومة السبسي لعرقلة التقدم الديمقراطي في تونس.

 

رأيت بنفسي حجم التوترات التي ولّدتها هذه القرارات في تونس أثناء زيارتي هناك، وتبين لي أن الشعب التونسي يشعر أنه معزول عن الحكومة بعد أن تحدثتُ مع نشطاء سياسيين وموظفين حكوميين. والدليل على ذلك دراسة قامت بها منظمة " باروميتر العرب" التي بيّنت هبوط نسبة ثقة المواطنين بالحكومة التونسية من 62٪ بعد انتهاء الثورة التونسية إلى 35٪ فقط. بالرغم من استشارة الحكومة للشعب في عدة إجراءات سابقة لكن هذه القرارات الثلاثة لم تتضمن رأي الشعب التونسي، وهذا ما جعل بعض من تحدثت إليهم في تونس يؤمنون أن الحكومة تقوم بإجراءات غير شرعية من أجل مصالحها الشخصية.

 

يتجلى الانقسام بين الشعب التونسي والحكومة التونسية بوضوح في الشوارع. في 2015، وفي بواكير سن قانون الإصلاح الاقتصادي، ظهرت حملة "مانيش مسامح" ضد القرار الحكومي للتسوية الاقتصادية الذي سيحمي مرتشي النظام السابق من العقوبات الأمنية. لكن السبسي وأعضاء حزبه "نداء تونس" يرون أن حمايتهم ستدر بالدخل على تونس وستتيح الفرصة للحكومة لفتح صفحة جديدة تضمن مستقبلا أفضل للدولة. في النهاية تم تفعيل القرار بعد محاولة الشعب التونسي إلغاءه لمدة سنتين، لكن الشعب التونسي لم يسكت آنذاك، بل هدد بنشر أسماء البرلمانيين الذين وافقوا على هذا القرار وأسماء المرتشين الذين تحاول الحكومة حمايتهم.

   

هناك توقعات بأن السبسي يحاول تجديد صلاحياته ليستطيع التدخل في البرلمان التونسي الذي يعتقد أنه غير فعال وغير مُجدٍ (رويترز)

  

كنتيجة لعدم تقبل الشعب التونسي للأحزاب السياسية أصبح لزاما عليهم التعبير عن الاستياء في الشارع بدلا من التصويت في صناديق الاقتراع. في عام 2014 أعرض ثلثا الشباب التونسي عن التصويت في ثاني انتخابات ديموقراطية في تاريخ تونس، مما أدى إلى تجنب الحكومة التونسية الشباب التونسي بعد ذلك. ما دامت التفرقة موجودة بين الشعب التونسي والمرشحين السياسيين سيزداد الفكر الإسلامي المتطرف في البلاد بسبب الغضب العارم بين أبناء الشعب التونسي، فقد انضم آلاف من الشباب التونسي إلى تنظيم الدولة، والعديد من العمليات الإرهابية التي وقعت في مدينتي تونس وسوسة عام 2015 قام بها بعض الشباب التونسي الذين تدربوا على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، بل هناك احتمالية قدوم آلاف الجهاديين التونسيين من سوريا والعراق إلى تونس.

 

هذه التطورات أدت إلى انقسام حاد بين الحكومة والشعب، وأكدت توقعات الشارع بأن الحكومة منشغلة عن الديمقراطية التونسية بتفعيل خططها. قبل الإعلان عن الحكومة التونسية الجديدة قابلت بعض التونسيين في (يونيو/حزيران) 2016 ومنهم صحفي تونسي قال لي "النظام السابق قد عاد!". يظن الكثير من الشباب التونسي أن ثورتهم قد ضاعت سدى بعد أن أهملت الحكومة الحالية مبادئها الديمقراطية التي كانت موجهة ضد عودة نظام بن علي إلى الساحة. ناهيك عن انتشار الذعر بين أبناء الشعب التونسي عندما صرح السبسي على إحدى الشاشات التونسية المحلية في 18 (سبتمبر/أيلول) الماضي بنيّته تغيير دستور عام 2014 الذي كان أحد نجاحات الثورة التونسية. هناك توقعات بأن السبسي يحاول تجديد صلاحياته ليستطيع التدخل في البرلمان التونسي الذي يعتقد أنه غير فعال وغير مُجدٍ.

 

يجب على الشعب التونسي الاتحاد مع المعارضين السياسيين في تونس لمنع أي عقبة أمام تقدم الديمقراطية التونسية بعد ثورة 2011، وستكون الانتخابات الرئاسية القادمة إحدى أهم المراحل التي يجب على المعارضة التونسية استغلالها لتغيير المسار الدبلوماسي في بلادهم. لكن هناك مخاوف من إعراض الشعب التونسي عن الانتخاب، فحسب إحصائيات قامت بها مؤسسة جمهورية عالمية في شهر (أغسطس/آب) سيشارك 45٪ فقط من الشعب التونسي في التصويتات الرئاسية القادمة. لجذب الشارع التونسي إلى الانتخابات يجب على جميع الأحزاب السياسية في تونس تقديم خطط مستقبلية لمواجهة جميع المشكلات الأمنية والاقتصادية في البلاد. 

    

وجود تنظيم الدولة في ليبيا مُقلق جدا وقد يُشكّل خطرا على أمن تونس وديمقراطيتها

رويترز
  

أيضا يجب على المجتمع الدولي (الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي) تقديم الدعم المالي والمعنوي للشعب التونسي، فالشعب التونسي سيكون بمنزلة رقابة على الحكومة الحالية، عن طريق حضور جلسات البرلمان وتسجيل خطب أعضائه، وأيضا تقييم وعود السياسيين في الحكومة. وعن طريق الإعلام يجب على الشعب التونسي إخبار العامة سواء في تونس أو في الدول الغربية بآخر المستجدات السياسية الحاصلة في حكومتهم.

 

يجب على دول البحر المتوسط والمحيط الأطلسي الانتباه لما يحدث في تونس، فالكثير من حكام الغرب يعتقدون أن تونس مقارنة بدول عربية أخرى مُدمَّرَة لا تحتاج إلى مساعدتهم، مع أن تونس تمر بمرحلة انتقالية غير مضمونة تماما. فوجود تنظيم الدولة في ليبيا مُقلق جدا وقد يُشكّل خطرا على أمن تونس وديمقراطيتها. لذلك، ولكي لا تذهب أرواح التونسيين التي أزهقت في ثورة 2011 سدى، يجب على دول المنطقة والدول الغربية مساعدة تونس في تخطي هذه المرحلة الانتقالية بأمان لتحقيق الديمقراطية المرجوة للشعب التونسي. 

------------------------------------------------------
 
مترجمٌ عن: فورين أفيرز
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار