انضم إلينا
اغلاق
أنقاض الحرب الباردة.. هل انتصرت الرأسمالية على الشيوعية؟

أنقاض الحرب الباردة.. هل انتصرت الرأسمالية على الشيوعية؟

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
إذا ساد الاعتقاد بأنّ الرأسمالية انتصرت على الشيوعيّة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، فهذا التقرير  المترجم من "فورين أفيرز" يقول لا، مَن انتصر هي المحسوبيّة لا الرأسماليّة! فهل هذا منطقيٌّ أصلًا؟

 

نص التقرير
عندما انهارَ الاتحاد السوفياتيّ قبل 26 سنةً، كان هناك اتفاق عامّ على أنّ الغرب قد ربحَ الحرب الباردة. وهذا ما أكّده الازدهار والإمكانيات التي تنتظر مواطني الدول الغربية، وذلك في مقابل الركود السياسيّ والاقتصاديّ الذي يعاني منه هؤلاء في الدّول الشيوعيّة. وكانت الخلاصة الطبيعيّة، التي كثيراً ما رُدّدت وكُرّرت آنذاك، أنّ الرأسماليّة قد هزمت الشيوعيّة أخيرًا.

 

كان هذا الإعلان الكاسح صحيحاً جزئيّاً فقط. فإذا تناولَ المرء الرأسماليّة والشيوعيّة على أنهما البروباغندتان الوحيدتان في الصراع بعد الحرب العالمية الثانية، لكان من السّهل أن يرى بأن الأخيرة قد تعرضت لضربةٍ قاتلةٍ. ولكن كان هناك بروباغنديّ ثالث خفيّ يقع بينهما. وكان هذا هو النظام الذي تمّ تعريفه اليوم بصورة أفضل باسم المحسوبيّة (Cronyism). فإذا فازت الرأسمالية على المتنافسيْن الآخريْن في عام 1991، فلم يدم انتصارها طويلاً. وفي السنوات التي تلت ذلك، فإنّ المحسوبية هي التي استحوذت على حصة متزايدة من النشاط الاقتصاديّ. إذ يوضّح مسحٌ لتوزيع القوّة والمال في جميع أنحاء العالم بلا شائبة أنّ المحسوبيّة، لا الرأسماليّة، هي التي سادت في نهاية المطاف.

 

تعريف المحسوبيّة

تحدث المحسوبية عندما يتواطأ المسؤولون الحكوميون ونخب رجال الأعمال ليعودوا بالنفع على أنفسهم بطرق من شأنها أن تكون مستحيلة إذا اقتُصرت على صفقات تجارية

رويترز
  
ما هي المحسوبيّة؟ لقد اعترضتُ، في مقال سابق، على مصطلح "الرأسماليّة المحسوبيّة" على أساس أنّ المحسوبية في حد ذاتها تتناقض مع مبادئ الرأسمالية، ويجب ألا يُنظَر إليها على أنها مشتقة منها. بالأحرى، إنّ المحسوبية هي نظامٌ منفصلٌ يندرج بين الرأسماليّة والاشتراكيّة التي تسيطر عليها الدولة. وعندما ينجرف بلدٌ ما من الرأسمالية نحو الاشتراكيّة، فإن الفترة الانتقاليّة هي التي تحكم فيها المحسوبيّات البلد.

 

تزعم المحسوبيّة الانتقاليّة أنّها رأسمالية، في حين أن الاشتراكيّة تدعي أنّها مساواتيّة. لكنهما متشابهان جدّاً، باستثناء حجم مجموعة المحسوبيين في الأعلى. ففي المجتمعات المحسوبية، تستخرج مجموعة كبيرة حصّةً متزايدة من ثروة المجتمع لأنفسهم ولشركائهم. وفي النظم الاشتراكيّة، تتنافس مجموعة أصغر بوحشيّة على الثروة والسّلطة: لأن الاقتصادات المساواتيّة عادةً ما تكون أقلّ كفاءة في توليد الثروة، وقد يكون هناك القليل من الالتفاف، مما يجعل الاقتتال الداخليّ بين القادة الاشتراكيين أكثر شراسةً.

 

يقدّم مالكولم سالتر من جامعة هارفارد تعريفاً ناجعاً للمحسوبية باعتبارها انتقالا بين الرأسماليّة والاشتراكيّة، رغم أنه يلتزم بمصطلح "الرأسماليّة المحسوبيّة". وفي ورقته البحثيّة 2014 "الرأسماليّة المحسوبيّة، النموذج الأميركيّ: ما الذي نتحدّث عنه ههنا"، يكتب: "إنّ الرأسماليّة المحسوبة، التي جُردت من خصائصها الأساسيّة، تنقل وجهة نظر مُتقاسَمة -تصل أحياناً إلى التواطؤ- بين الصناعات ومنظميها والكونغرس تؤدي إلى سياسات واستثمارات "بزنسيّة" وديّة تخدم المصالح الخاصّة على حساب المصلحة العامّة."

 

باختصار، تحدث المحسوبّية عندما يتواطأ المسؤولون الحكوميّون ونخب رجال الأعمال ليعودوا بالنفع على أنفسهم بطرق من شأنها أن تكون مستحيلة إذا اقتُصرَت على صفقات تجاريّة. ويقوّض التواطؤ كلاً من الديمقراطيّة في الحكومة والمنافسة في مجال الأعمال التجاريّة، وبالتالي فإنّ له آثاراً ضارة على المستويين، قصير الأجل وطويله.

     

ففي الحالة الأولى، تتعرض المبادئ الديمقراطيّة المتمثلة في التمثيل العادل والمساواة في فرص الحصول إلى الخطر بسبب التأثير السياسيّ الأكبر الذي يقع على الأفراد والمصالح المترابطة بشكل جيّد من خلال وعود ضمنية أو صريحة بالتبرّعات الانتخابيّة أو عن طريق وظائف مربحة في المستقبل في القطاع الخاصّ.

 

وفي الحالة الثانية، تتعرض مبادئ عدم التدخل في المنافسة الحرة والمكافآت العادلة للخطر عندما يسعى الرأسماليّون الضعفاء أو الفاشلون إلى تدعيم أوضاعهم في السوق من خلال أنظمة مواتية أو لتأمين عمليات الإنقاذ الحكوميّة عندما يبدو الإفلاس أمراً لا مهربَ منه. وفي ظلّ المحسوبية، فإنّ كل هذه المقايضات تصبح عملةً مشتركةً، ولكنها لا تتوفر إلا للاعبين الكبار الأثرياء، على حساب الشركات الصغيرة والمواطنين العاديين.

 

ويُعيّن سالتر أيضاً العناصر الثلاثة الرئيسة في عُدّة الرأسمالية المحسوبيّة: مساهمات الحملة للمسؤولين المنتخبين، والضغط الشديد على الكونغرس ووكالات كتابة الأحكام، و[فتح] باب دائريّ بين الخدمة الحكوميّة والقطاع الخاصّ. وعلى الرغم من أن العديد من الصناعات يمكنها، بشكل معقول، الاستفادة من الأنشطة الاستخراجيّة والاستئجاريّة، فإنّ البعض منها أكثر انبطاحاً لها من صناعات أخرى تاريخيّة. وكما تلاحظ [صحيفة] الإيكونوميست، فإن قطاعات التمويل والطاقة والبنية التحتيّة والعقارات جميعها لها تاريخٌ مثير للقلق في اجتذاب المحسوبيين.

 

جموح المحسوبيّة
إن بلداً كغينيا الاستوائيّة الغنيّة بالنفط كان لديه نصيب ثابت من الناتج المحلي الإجمالي لكلّ فرد بلغ 000 48 دولار في عام 2012 قبل أن ينخفض سعر النفط. ومع ذلك، فقد احتلت المرتبة 144 من 187 بلداً، وهو مقياس لعدم المساواة في الدّخل (رويترز)
  
دعونا بعد تحديد المحسوبية ندرس الآن انتشارها في عالم اليوم. وقد يكون من الصعب التحقُّق من ذلك، لأن الصلات بين الحوافز الشخصيّة والسياسة العموميّة ليست دائماً غير قانونية أو واضحة أو حتى معروفة. وبالتالي، من الصعب أيضاً قياس حجم المحسوبية في سياق معين: أي الحكم بشأن ما إذا كانت -إن وُجِدت- مشكلة كبيرة أم صغيرة. ومع هذا، فإنّه يمكننا أن نستخلص بعض الاستنتاجات حول مدى حدوث المحسوبية في الاقتصاد (المحسوبيّة بوصفها مساهمة) من خلال النّظر في نتائج ذلك الاقتصاد ( أي إنتاجيّته). وهنا، يمكن أن تكون أربعة مؤشرات رئيسة بمثابة أمارات تحذيريّة بشأن أين يمكن للمحسوبيّة أن تحكم.

 

أولًا، ينبغي اعتباره "ضوءاً أحمرَ" إذا كان بلدٌ ما يسجّل ضعفاً في مؤشرات الفساد المقبولة على نطاق واسع (مؤشر مدركات الفساد الدوليّ مثلاً) واقتصاده مهمين عليه من قبل الصناعات الاستخراجيّة. ففي العديد من هذه الأماكن، تعمل النّخب الحكوميّة والتجاريّة جنباً إلى جنب بطرق تزيد من سيطرتها على السلطة والثروة، وتغلق الفرص أمام المنافسين. وفي كثير من الحالات، يتلقى هؤلاء الأفراد المساعدة لاستثمارات من شركات أجنبيّة، وغالباً ما تكون في قطاعيْ الطاقة أو التعدين، ساعيةً إلى كسب رضا السلطات المحليّة من أجل ضمان حقوق الاستكشاف. وهنا أيضاً، ترسّخ الرهانات العالية والكميات الكبيرة من المال مواقف النّخب، ويحصل ذلك في كثير من الأحيان على حساب المواطنين العاديين.

 

وتعطي بعض الدول المنتجة للنفط مثالاً جيّداً على هذه الظاهرة. مثلاً، إنّ بلداً كغينيا الاستوائيّة الصغيرة الغنيّة بالنفط كان لديه نصيب ثابت من الناتج المحلي الإجمالي لكلّ فرد بلغ 48,000 دولار في عام 2012 قبل أن ينخفض سعر النفط. ومع ذلك، فقد احتلت المرتبة 144 من 187 بلدًا في معمل جيني التابع للأمم المتحدة، وهو مقياس لعدم المساواة في الدّخل. كما أنها سجلت قياساً سيئاً بشأن مؤشرات الفساد، مع وجود حصة كبيرة من عائدات النفط يدّعى أنها صارت حقاً لهؤلاء الأقربين من الرئيس وأسرته.

 

ومع إغلاق دائرة التدفقات النقديّة، يضع العديد من هذه النخب في البلدان النامية جزءًا كبيرًا من أصولها في العقارات في المدن الغربية مثل لندن أو نيويورك، أو في الحسابات المصرفيّة السويسرية أو الخارجيّة. ثم يتم توجيه حصة كبيرة من هذه الأصول إلى مديري الأصول وصناديق التحوط وغيرها في المراكز المالية الكبيرة في العالم -ليس فقط نيويورك ولندن وهونغ كونغ، بل أيضاً جزر كايمان وبنما وقبرص وغيرها من الملاذات الخارجيّة.

  

في حال كان اقتصاد بلد ما يعتمد بإفراطٍ على صادرات الموادّ الخام أو سلع ذات قيمة مضافة منخفضة، لا على الإنتاجيّة أو الابتكار، فإن المحسوبيّة قد تكون عاملاً مهيمناً في ذلك

رويترز
  

ثانياً، إذا كان البلد متراجعاً بشأن التعدديّة السياسيّة واستقلال القضاء والمساواة الجندريّة، أو حقوق الإنسان، فيمكن افتراض أنّ المحسوبية تشكّل عاملاً. ويبين مؤشّر سيادة القانون الذي أعدّه مشروع العدالة العالميّة أن فنزويلا مثلاً لديها أسوأ مرتبة بشكل عام، وهي أقلّ من أفغانستان التي مزقتها الحربُ. ويعاني البلد أيضاً من درجات منخفضة جداً بشأن تدابير الحكومة الحرّة والعدالة المدنيّة والعدالة الجنائية. ههنا أيضاً ليس من المستغرب أن تتولّى القرارات المتعلقة بالحكم والأعمال التجارية زمرة صغيرة من الناس. وما فنزويلا سوى المثال الحيّ الحالي على المحسوبية ذات النمط الاشتراكيّ، حيث تمّ تهميش نخبة سابقة من المحسوبيين قبل شافيز والاستعاضة عنها ببنية جديدة للسلطة يُدعَى أنه مساواتيّة غير أنّها ليست سوى بنية قائمة على المحسوبيّة مثل سالفتها التي حلّت هي محلّها.

 

لقد بقي الاقتصاد الفنزويليّ في حالة انحسار، بيد أنّ المسؤولين عن ذلك قد استخرجوا كميات هائلة من الثروة. وقد ألقى نشطاء التهم بأنّ أفراداً من أسرة الرجل القويّ السابق شافيز جمعوا ثروات شخصيّة ضخمة على حساب الشّعب. ويُقال إن وريثه، أي الرئيس الحالي نيكولا مادورو، هو أحد السياسيين الأعلى أجراً في العالم. وقد اغتنت حاشيتُه أيضاً خلال سنوات عمله في منصبه. وقد حدث هذا كلّه في حال تدهورت الأحوال المعيشيّة للمواطن الفنزويليّ العادي بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة.

 

ثالثاً، في حال كان اقتصاد بلد ما يعتمد بإفراطٍ على صادرات الموادّ الخام أو سلع ذات قيمة مضافة منخفضة، لا على الإنتاجيّة أو الابتكار، فإن المحسوبيّة قد تكون عاملاً مهيمناً في ذلك. وتعد غينيا الاستوائية وفنزويلا مثاليْن جيدين ههنا كذلك. ولكن فيما بين الدول الكبيرة، تتناسب البرازيل وروسيا أيضاً مع التوصف. فكلاهما يعتمد اعتماداً كبيراً على صادرات السلع الأساسيّة، وكلاهما غارقٌ في الفساد والمحسوبيّة. مثلاً، في البرازيل، كُشفَ التواطؤ طويل الأمد بين الحكومة وقطاع الأعمال في شبكة من الفضائح التي مسّت بالمسؤولين الحكوميين والمديرين التنفيذيين في شركات طاقة وبنية تحتيّة وماليّة كبرى، وهي شركات بتروبراس، وأوديبريخت، وشركة بتغ باكتوال.

 

رابعاً، يمكن أن تعني اللامساواة في الدخل المرتفع أنّ المحسوبية قد لعبت دوراً في الحد من المنافسة في ذلك الاقتصاد. فليست الدول المتقدمة محصنة ضدّ هذا المرض، حيث إنّ المحسوبيّة واللامساواة قد نما جنباً إلى جنب في الولايات المتحدة منذ منتصف التسعينيّات. ويأتي جزءٌ كبير من هذه اللامساواة من إغْناء الأفراد الذين يعملون في القطاعات الفرعيّة للصناعات مثل الطاقة والتمويل والقانون والعقارات.

  

استمدّت المصارف الاستثمارية مليارات الدولارات من الرسوم عن طريق الاكتتاب بتريليونات في الأسهم والديون منذ أوائل التسعينيّات، وقد تملّقت الزعماء الأجانب وسماسرة السلطة الآخرين وحصلت على عقود ضخمة في المقابل، بعضها لم يكن دائماً في مصلحة الشعب (رويترز)

  

وهناك أدلّة كثيرة على أن المحسوبيّة مشكلة متوطّنة في بلدان "البريكس" (BRICS) [البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا -م] والاقتصادات النامية الأخرى. ولكن كم من هذه المحسوبيّة أفسدت اقتصادات الدول الغربيّة المتقدمة؟ هذا السؤال مهم؛ لأنّ هذه المجتمعات تفخر بأنها جديروقراطيّات (Meritocracies) تنافسية مع مؤسسات متوازنة زمنيّاً ومُختبَرَة. وهناك عدة طرق لتقييم ذلك: أولاً بالنظر إلى الأموال التي تدفقت من البلدان النامية إلى بلدان متقدمة النموّ؛ ثانياً باستخدام مجموعة أدوات سالتر (Salter)؛ وثالثاً عن طريق دراسة مؤشرات المخرجات الأربعة التي تمّت مناقشتها أعلاه.

 

وهناك أدلة كثيرة على أنّ نخب العالم المتقدم استفادت من الثروة التي ولدتها الصين وغيرها من الدول الناشئة. وقد استمدّت المصارف الاستثماريّة مليارات الدولارات من الرسوم عن طريق الاكتتاب بتريليونات في الأسهم والديون منذ أوائل التسعينيّات. وقد تملّقت الزعماء الأجانب وسماسرة السلطة الآخرين وحصلت على عقود ضخمة في المقابل، بعضها لم يكن دائماً في مصلحة الشعب في تلك البلدان الأجنبيّة. مثلاً، إنّه من الواضح أن بعض البلدان الغنية بالنفط في أفريقيا قد عقدت صفقات مع شركات الطاقة الأجنبيّة التي كانت مفيدة للنخب المحليّة، ولكنها ضارة بالمواطنين العاديين.

 

وعلى المنوال نفسه، قام مدراء الأصول في الصناديق الخارجيّة بتطوير تدفقات دخل جديدة مربحة تدير الثروة التي تستثمرها نخب دول الأسواق الناشئة في اقتصادات أكثر أمناً وأكثر تقدماً. وقدرت شبكة العدالة الضريبية في عام 2016 أنّ 12 تريليون دولار من البلدان النامية وحدها كانت متوقّفة في ملاذات خارجيّة. ويُعتقد أنّ الرقم الإجماليّ، بما في ذلك الأموال الناشئة من الدول الغنية، أعلى بكثير.

 

ويمكن أن تؤدي العقارات الثابتة عملها بالطريقة نفسها، وذلك من خلال بيع الشقق في أسواق مستقرّة سياسيّاً إلى الأوليغارشيين من اقتصادات الأسواق الناشئة والفاسدة. وكثيراً ما يكون ضخّ الأموال في الصناديق المغطاة والعقارات الثابتة شديدة الفخامة خياراً استثماريّاً رديئاً، ولكن بالنسبة إلى الأوليغارشيين الأثرياء، فهي رهانات أكثر أماناً من الحفاظ على سلطانه/ها القضائيّ، حيث يؤدي تغيير السياسة إلى زيادة خطر نزع الملكيّة.

  

في الربع الأخير من عام 2015، كانت 58% من جميع مشتريات العقارات التي تزيد قيمتها على 3 ملايين دولار في الولايات المتحدة من قبل شركات ذات مسؤولية محدودة بلغت 61.2 مليار دولار

غير معروف
  

وقد ازدهر سوق الوحدات السكنية المشتركة الفخمة لسنوات في الولايات المتحدة، حيث تجذب مدن مثل نيويورك وميامي مليارات الاستثمارات الأجنبية. وقال التقرير الذي نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في 2016 إنّ "ما قد لا يدركه الكثير من الأميركيين هو أن الشركات الوهميّة المملوكة للأجانب تلعب دوراً كبيراً في الاقتصاد الأميركي من خلال سوق العقارات". وواصل التقرير: " في الربع الأخير من عام 2015، كانت 58% من جميع مشتريات العقارات التي تزيد قيمتها على 3 ملايين دولار في الولايات المتحدة من قبل شركات ذات مسؤولية محدودة، وليس من أشخاص بأعينهم. وإجمالاً، بلغت هذه المعاملات 61.2 مليار دولار، وفقًا لبيانات شركة زيلو لقاعدة البيانات العقارية". وفي عام 2015 أيضاً، قدّر تقرير شامل صادر عن "صحيفة نيويورك تايمز" أنّه في ستة من أبنية مانهاتن الأغلى، امتلكت الشركات الوهميّة بين 57 و77% من الوحدات السكنّية.

 

والحال أنّه عند النّظر في مؤشرات الناتج الأربعة، نرى أن الأربعة جميعها منتشرة بشكل متزايد في الاقتصادات الغربيّة. ومنذ أوائل التسعينيّات، نما القطاع المالي وغيره من الصناعات التي تسعى إلى الحصول على الإيجار بسرعة لتأسيس حصّة أكبر من الناتج المحليّ الإجماليّ وأرباح الشركات.

 

وبالمثل، أصبح استقلال السّلطة القضائيّة موضع تساؤل في السنوات الأخيرة بسبب الالتفاف، وما أسماه جيسي إيسينجر بـ"التقارب النخبويّ"، وهو ما يعني ميل الأشخاص الذين دخلوا الكليّات نفسها والذين عملوا في نفس الشركات يثمّنون التعاون مع بعضهم البعض على المواجهة، حتى في الحالات التي تكون المواجهة ضروريّة فيها. وفي الوقت نفسه، توقفت إنتاجية الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، وأصبحت أرباح الشركات الأميركيّة تعتمد بشكل متزايد على العمليات الأجنبيّة.

 

وأخيرا، وكما أشار العالمُ الاقتصاديّ توماس بيكيتي وآخرون، فإنّ تركيز الثروة نما بشكل مطرد منذ عام 1980. وأظهرَ بيكيتي أنّ نسبة الدخل التي تراكمت إلى الإحصائيات الأعلى بقيت قريبة من 30% لمدة ثلاثة عقود بعد عام 1950. ولكن ابتداء من عام 1980، نمت هذه النسبة بشكل مطرد حتى اليوم، حيث غدت قريبة من 50%. ولكي نكون منصفين، ليس كل هذا الارتفاع يمكن عزوه إلى المحسوبية وانخفاض المنافسة. فقد لعبت التكنولوجيا أيضاً والقدرة على الاستفادة من العلامات التجارية القوية في الأسواق الخارجية الجديدة دوراً في ذلك. ولكن لا شك في أن الأشخاص الذين كانوا في وضع جيد في القطاعات الاستخراجية قد استفادوا بشكل غير متكافئ. ومن بين هؤلاء المديرون التنفيذيون لبعض السلع والشركات المالية.

 

انتصار المحسوبية

العلاقة الغامضة بين إدارة ترمب ومصالح روسية غير محددة تعزز فكرة أن الأموال والنفوذ المنبثق عن الاقتصادات الأصغر يمكن أن يكون لهما تأثير عميق على التآكل ومؤسسات الدول الغربية الغنية

الأوروبية
  
ويشير رصيد الأدلة إلى أنه إذا فاز نظام اقتصادي واحد بعد سقوط الشيوعية السوفياتية، فإنه لم يكن أن الرأسمالية خرجت من الغرب إلى بقية العالم. بالأحرى، كان النظام المنتصر هو المحسوبية، التي انتشرت من بقية العالم لتتحكم في الولايات المتحدة وأوروبا.

 

في الواجهة اليوم، فإن العلاقة الغامضة بين إدارة ترمب (المكونة من مشغلي التمويل والعقارات والطاقة والقانون) ومصالح روسية غير محددة تعزز فكرة أن الأموال والنفوذ المنبثق عن الاقتصادات الأصغر يمكن أن يكون لهما تأثير عميق على التآكل ومؤسسات الدول الغربية الغنية. إن سمة المحسوبية الخاصة بترمب تهزأ من المجاملات الأخلاقية التي كانت تقيد أسلافه من جميع المشارب الأيديولوجية.

 

والحال أن هذا المستوى من المحسوبيّة المفتوحة لم ير أبداً في الولايات المتحدة منذ فترة طويلة جداً، إن كان قد وُجدَ أصلاً. لكنه يعتمد على عقود من التآكل التي انتقل حينها الاقتصاد المفتوح ظاهرياً للولايات المتحدة أكثر فأكثر من مبادئ عدم التدخل التي كانت قائمة منذ وقت طويل وأقرب إلى المحسوبية الحقيقية.

 _______________________________________

  

مترجمٌ عن: (فورين أفيرز)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار