انضم إلينا
اغلاق
"عسكرة الكلمة".. قصة تحول الإعلام المصري لواجهات استخبارية

"عسكرة الكلمة".. قصة تحول الإعلام المصري لواجهات استخبارية

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

لا يخيل للأغلب أنها شركة إنتاج إعلامي كبيرة، محاطة بقدر من غموض غير مألوف لمثيلاتها. لا تكاد الشركة تمتلك موقعا رسميا على شبكة الإنترنت، باستثناء امتداد محجوز باسمها يقودنا إلى صفحة بطيئة التحميل لا تزال تحمل شعارها القديم(1)، في حين أن حضورها الاسمي على مواقع التواصل الاجتماعي لا يقل غموضا، فصفحتها، غير الرسمية على ما يبدو، على فيسبوك يلامس عدد معجبيها بالكاد 1500 شخص فقط، تتصدرها صورة غلاف رديئة التصميم تحوي نفس الشعار القديم، محاطا بشعارات بعض منافذها الإعلامية، والأكثر غرابة أنه لم يجر تحديثها منذ أربع سنوات تقريبا.

 

يبدو ذلك وضعا يليق بمشروع ناشئ لم يحظ بنصيب كاف من الدراسة، أو بشركة مغمورة تعمل بصورة غير رسمية، أو حتى بوكالة دعائية صغيرة اضطرت لإغلاق أعمالها بشكل مفاجئ تحت وطأة ضغوط مالية، لذا ما يدعو للغرابة أن يكون هذا هو حال وواجهة مؤسسة يعرف الجميع اليوم أنها تمتلك حصة معتبرة من سوق الإعلام الخاص في مصر، بما يشمل شبكة تلفازية ضخمة مكونة من بضع قنوات، وموقع إخباري، وموجة بث إذاعي واسعة الانتشار، مع حضور قوي لافت في مجال التسويق والدعاية المصري.

 

هذا الغموض، الذي يبدو متعمدا على الأرجح، سرعان ما تزداد إثارته للريبة كلما تتبعنا المزيد من تفاصيله، فخلف هذه الترسانة الإعلامية الضخمة، والواجهة المعتمة، يقف شخص يشار إليه بالأوساط الإعلامية باسم "المهندس طارق"، وهو رجل تخلو شبكة الإنترنت على اتساعها من صورة واحدة له(2)، أو تسجيل مرئي أو حتى سيرة ذاتية تدل عليه، في حين تقودنا الإشارات المتفرقة نحو رجل أعمال اسكندري اعتاد الاستثمار في مجال الأراضي والعقارات والسيارات، ويحمل نفس ذاك الاسم الذي يبحث عنه الجميع: "طارق عبد ربه إسماعيل عبد التواب"، المعروف إعلاميا باسم "طارق إسماعيل".

 

تروّج الأوساط الإعلامية أن "طارق إسماعيل" هو ضابط سابق في أحد أجهزة المخابرات، وبرغم عدم وجود دليل محقق على ذلك فإن الحديث حول الارتباط بين إسماعيل وجهاز المخابرات الحربية على وجه الخصوص يعود إلى سنوات طويلة، منذ بدأ الرجل العمل في تجارة الملابس في مدينة الإسكندرية، قبل أن ينقل نشاطه إلى تجارة السيارات حين أسس شركة "الطارق" للسيارات في أواخر الثمانينيات، حيث حصلت شركته وقتها على وكالة مجموعة من الشركات العالمية، وأشهرها "كرايسلر-مصر"، قبل أن يدخل إلى عالم المقاولات والأراضي، مستغلا علاقته بكل من اللواء علاء أبو زيد، المدير السابق للمخابرات الحربية بالمنطقة الغربية ومحافظ مطروح الحالي، إضافة إلى حسن عبد الرحمن، رئيس جهاز مباحث أمن الدولة في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، اللذين سهلا له الحصول على أراضٍ من الدولة بقيمة مئات الملايين من الجنيهات، وبأسعار أقل من قيمتها الفعلية، كما ضمنا حمايته من أي صور المساءلة القانونية.

 

 شركة دي ميديا المملوكة لطارق إسماعيل (مواقع التواصل)

 

بيد أن ظهور اسم إسماعيل على الساحة الإعلامية لأول مرة كان في مطلع عام 2013، بعد قيامه بتأسيس شركة "دي ميديا"، التي قامت على الفور بإثبات حضورها على الساحة عبر إطلاق راديو "9090" الإذاعي وموقع "مبتدأ" الإلكتروني. لم يكن مقر "مبتدأ" الكائن خلف أسوار الكلية الحربية في مدينة نصر مجرد مفارقة ذات دلالة، فالموقع الناشئ أثبت في وقت مبكر علاقته بالأجهزة السيادية المصرية، عبر انفراده بنشر بعض أخبار القوات المسلحة، وهي علاقة بدت واضحة منذ لحظة مُنحت خلالها "دي ميديا" رخصة البث الإذاعي الخاضعة لسيطرة الأجهزة السيادية المصرية، وهي رخصة حُرم منها عشرات رجال الأعمال المرموقين قبلا تحت دعاوى الأمن القومي.

 

يعمل "المهندس طارق" اليوم كواجهة لإمبراطورية إعلامية ضخمة، تضم، إضافة إلى راديو "9090" ومبتدأ، كلا من قناة الناس الفضائية السلفية، بعد استيلائه عليها بعد إغلاقها منتصف عام 2013، ضمن حملة النظام العسكري الجديد وقتها لغلق وسائل الإعلام الموالية لجماعة الإخوان المسلمين، وتضم الإمبراطورية أيضا شبكة قنوات دي إم سي (DMC)، إحدى المجموعات الإعلامية الأضخم والأحدث انضماما إلى عائلة البث الفضائي بمصر. ومع الغموض الكبير لاستثمارات رجل الأعمال المثير للجدل، وتوغله المفاجئ وغير المبرر في نشاط لم يسبق له أن أبدى اهتماما به، فإنه لا يمكن تجاهل إشارة يظهرها(3) السجل التجاري رقم (74227)، الصادر عن الإدارة العامة للسجلات التجارية في القاهرة، والذي يظهر هوية شركاء إسماعيل الاسميين في مجلس إدارة مجموعة "دي ميديا"، حيث يظهر اسم يبدو مألوفا للكثيرين في مصر اليوم: "عباس مصطفى كامل محمد"، أو اللواء "عباس كامل"، مدير مكتب جنرال المخابرات الحربية السابق "عبد الفتاح السيسي"، ومدير مكتبه كرئيس حالي، وكاتم أسراره الأبرز.

 

في ظل ذلك، لا يمكن أن يُصنّف "المهندس" على أنه رجل أعمال تقليدي تتوسع مصالحه واستثماراته لفضاء الإعلام بقدر ما يمكن اعتباره واجهة لمصالح جهة أو جهات يبدو أن هناك اعتبارات تقيّد عملها في هذا الفضاء بشكل رسمي(4). لم يخف الرئيس السيسي في أكثر من مناسبة في الأعوام الماضية "ضيقه الشديد" من التغطيات الإعلامية لأداء حكومته، وولعه بإعلام عصر الستينيات، حيث كانت وسائل الإعلام جميعها خاضعة لسيطرة الحكومة وموالية بشكل تام للرئيس جمال عبد الناصر، وعلى الأرجح، وكما تثبت الوقائع التالية هنا، فإن همسات السيسي تلك لم تكن مجرد أمنيات عابرة، ولكنها كانت بمنزلة إشارة البدء لخطة ستُدخل الإعلام المصري إلى عصر جديد، أو تُعيده إلى عصر قديم إن توخينا الدقة، عصر لم تكن فيه وسائل الإعلام مناصرة للسلطة فحسب، ولكنها مؤممة بشكل تام لخدمة مصالحها وترويج سردياتها الدعائية، وبدون أدنى قدر من التسامح مع أي خطاب مخالف أو معارض، ولو جاء على سبيل حفظ ماء الوجه. عصر يتقدمه رجال لا يمثلون مصالحهم بشكل تقليدي، بقدر ما يعملون كوكلاء عن السلطة، مشكلين جهاز بروباغندا ضخم هو أقرب ما يكون في وظيفته، حقيقة لا مجازا، إلى إعلام عصر الستينيات.

 

عصور البروباغندا

منذ تلك اللحظة التي فتح فيها فهمي عمر، المقدم في الإذاعة المصرية ورئيسها فيما بعد، الميكروفون أمام الضابط أنور السادات لإلقاء بيان حركة الضباط الأحرار، في السابعة والنصف صباح يوم 23 (يوليو/تموز) عام 1952، كان من الواضح أن النظام المصري الجديد الآخذ في التشكل قد قرر أخذ الإعلام على محمل الجد. لم يكتف الضباط حينها ببث بياناتهم، ولكن الجيش قام في أعقاب ذلك بالسيطرة على مبنى الإذاعة لمدة 40 يوما متواصلة، من أجل ضمان امتثال الهيئة الإعلامية الأهم لسياسات السلطة الجديدة.

 

كانت مصر قد أصبحت دولة رائدة في قطاع البث بالعالم العربي، حيث سبقت لإطلاق أول خدمة إذاعية تديرها الدولة في الشرق الأوسط في عام 1934. وقد أدرك الضباط منذ اللحظة الأولى أهمية الإذاعة في دولة ضربت الأمية فيها حوالي 75% من تعداد سكانها، لذا احتكر النظام الناشئ منذ ذاك الحين القطاع الإذاعي، قطاع ظل لفترة طويلة أشبه بقلعة سيادية حصينة، رفضت الدولة لعقود، وبشكل حاسم حتى وقت قريب، أي شكل من أشكال المشاركة فيه من خلال حظر منح تراخيص البث الإذاعي لأي جهات خاصة.

 

 

ومع تلك الأهمية لقطاع الإذاعة عند النظام العسكري فإنه أولى اهتماما مماثلا لشتى منافذ التأثير الجماهيرية، بداية من صناعة سينمائية فرضت عليها رقابة صارمة، بل وصنعت الكثير من أفلامها بتكليف مباشر من الدولة(5) ، وصولا إلى صحافة تحولت بدورها إلى إحدى أدوات السيطرة الحكومية، بعد إقدام عبد الناصر على تأميمها بشكل كامل في (مايو/أيار) عام 1956، وهي خطوة آلت بموجبها جميع المؤسسات الصحفية الخاصة إلى المنظمة السياسية القانونية الوحيدة في البلاد(6) ، وهي الاتحاد الوطني، الذي سُمّيَ لاحقا بـ "الاتحاد الاشتراكي العربي". وقد تألفت ترسانة وسائط الإعلام المطبوعة التي سيطرت عليها الدولة آنذاك من ستة دور نشر، تم مصادرة معظمها من القطاع الخاص، حيث قامت هذه الدور الستة (الأهرام والهلال وروز اليوسف والأخبار والتحرير والقومية) بإصدار 55 مطبوعة يومية وأسبوعية وشهرية. ولم تلبث الأمور طويلا حتى تم تطوير جميع وسائل الإعلام المصرية، بشكل سريع وممنهج، إلى جهاز دعائي ضخم واقع تحت سلطة وزارة جديدة تم تأسيسها باسم "وزارة الإرشاد القومي"، وهو جهاز تشكل من مزيج من محطات البث الإذاعية، المنطلقة بلغات عديدة، وآلة مطبوعات صحفية ضخمة، ليؤديا معا في تناغم مهمة واحدة: التعبير عن رسالة النظام وتأكيد دوره الإقليمي.

 

في عام 1960 بدأ البث التلفازي الأول في مصر، وكان على البلاد أن تنتظر حتى عام 1970 من أجل إنشاء اتحاد الإذاعة والتلفزيون كهيئة مراقبة وتنظيم لجميع القنوات الأرضية، قبل أن يبدأ الاتحاد في التحول بشكل سريع إلى شبكة بيروقراطية ضخمة مكونة من ست إدارات مختلفة، أبرزها دائرة الأخبار المتمتعة بالامتياز الحصري لبث الأخبار والبرامج السياسية، وهو امتياز لم تغيره ثورة الفضائيات في الألفية الجديدة، والتي ظلت مضطرة للتحايل عبر مناقشة الأخبار من خلال البرامج الحوارية.

 

في منتصف التسعينيات سمحت سياسات الانفتاح السياسي والاقتصادي في عهد السادات بحدوث انفراجة نسبية في المشهد الإعلامي، عبر ظهور وسائل الإعلام الحزبية التي جاءت متزامنة مع سماحه بتأسيس الأحزاب السياسية. ومع ذلك فقد ظل امتياز نقل الأخبار محصورا بين وسائل الإعلام الحكومية النمطية، ووسائل الإعلام الحزبية ضيقة الانتشار والغارقة في الخطاب الأيديولوجي، قبل أن تشهد مصر نقطة تحول إعلامية كبرى مطلع التسعينيات حين اندلعت حرب الخليج، وعرف المصريون خلالها القنوات الفضائية لأول مرة(7) ، عبر محطة "سي إن إن" التي قدمت بثا مجانيا لجميع أنحاء المنطقة خلال فترة الحرب، وقامت بتقديم الأخبار بطريقة ثورية مقارنة بالتلفاز الحكومي، لدرجة أن حسني مبارك نفسه صرح خلال إحدى المقابلات أنه كان يتابع الأخبار عبر شاشتها.

 

في وقت كان فيه الإعلام الخاص يتلمس خطواته الأولى مبتعدا عن سطوة الحكومة فإنه وجد نفسه في مواجهة ترسانة قانونية قمعية تم نسجها بهدف منع قيام إعلام مستقل بشكل كامل في أي وقت

لم يكن ذلك حال مبارك وحده، فقد وجد المصريون أنفسهم متسمّرين أمام شاشاتهم يتابعون، للمرة الأولى، بثا لأخبار لم تتم فلترتها من خلال وزارة الإعلام(8)، رغم أن مصر كانت قد دخلت للتو عصر البث الفضائي عبر القناة الفضائية المصرية، لكن بثها لم يختلف كثيرا عن التلفاز الحكومي. وحتى مع تجاهل مؤثرات بصرية وسمعية أدخلتها "سي إن إن" للبث الإخباري لأول مرة، لم تكن المحطة الأميركية تمارس ذلك النمط التقليدي من البث المعتاد، والذي يقوم فيه المذيع بقراءة الأخبار أحيانا حتى دون أن يكلف نفسه عناء النظر إلى الكاميرا. وعلى مدى العقد التالي تواصلت ثورة البث، وواصل المصريون متابعة محطات فضائية من بلدان أخرى صنعت طفرة في تقديم الأخبار على النمط الأميركي.

 

مع نهاية العقد، وتحديدا في عام 2000، كانت مصر على موعد مع دخول عصر الفضائيات الخاصة. ولم يمض الكثير من الوقت قبل أن تنشأ إمبراطوريات إعلامية كانت مملوكة لرجال أعمال وثيقي الصلة بنظام مبارك، فيما بدا أنه امتياز حصري منحه مبارك للنخبة. بدأ الأمر عام 2001 مع تلفاز "دريم" المملوك من قِبل رجل الأعمال البارز "أحمد بهجت"، المستثمر الأشهر آنذاك في مجال الأجهزة الإلكترونية، قبل أن تنطلق في العام التالي شبكة تلفاز "المحور" المكونة من ست قنوات على يد رجل الأعمال الأبرز في مجال الأسمنت "حسن راتب"، ولاحقا شبكة تلفاز "الحياة" لصاحبها رجل الأعمال "السيد البدوي" رئيس حزب الوفد، ثم قناة "أون إي" بشراكة بين رجل الأعمال المصري "نجيب ساويرس" والتونسي "طارق بن عمار".

 

أدركت الدولة مبكرا أن القضية ليست أكثر من مسألة وقت قبل أن يصل البث الفضائي إلى كل منزل في مصر، وأنه من الأفضل لها أن يتحلق المصريون حول فضائيات مصرية خاضعة لسيطرة نخبة مقربة من الدولة، وتتمتع بهامش حرية -محكوم في كل الأحوال- أعلى من التلفاز الحكومي، بدلا من أن ينصرفوا تدريجيا إلى متابعة وسائل إعلام أجنبية خارج السيطرة. ورغم أن تراخيص البث الفضائي ظلت مقصورة على رجال الإعلام المحظيين فإن تدفق الفضائيات المفتوحة مثّل ثورة كبيرة في بث التغطيات، مع قدر أقل من الرقابة الحكومية. وقد تزامن ذلك الانفتاح مع انفراجة مماثلة في مجال الصحافة لتدخل عصر الصحافة الخاصة المستقلة، من أدخلت بدورها نمطا مغايرا في التعامل مع الأخبار، والذي رغم أنه لم يرق في أي وقت، باستثناء حالات نادرة، إلى الانتقاد الجدي للسلطة فإنه ركّز على المشكلات اليومية واحتياجات المواطنين العاديين، في مقابل التركيز المفرط على الأنشطة الحكومية الذي ظل دوما السمة المميزة للإعلام الحكومي.

 

ولكن في وقت كان فيه الإعلام الخاص يتلمس خطواته الأولى مبتعدا عن سطوة الحكومة فإنه وجد نفسه في مواجهة ترسانة قانونية قمعية تم نسجها على مدار خمسة عقود كاملة بهدف منع قيام إعلام مستقل بشكل كامل في أي وقت، وبدأ الجميع في مواجهة الحقيقة العارية، وهي أن موجة الانفتاح النسبي في عهد مبارك لم تكن أكثر من استجابة النظام للتغيرات الحتمية في تقنيات الإعلام، في محاولة لإعادة إنتاج قبضة حديدية جديدة، بتناغم أكثر مع عصر لم يعد فيه بالإمكان احتكار وسائل الإعلام على النمط التقليدي من قبل النظام.

 

القبضة الحديدية

كان على الصحفيين أن يدفعوا أثمانا كبيرة للحفاظ على هامش ضيق وفرته لهم ثورة البث الفضائي، ثم ثورة الإنترنت، في ظل أجواء تداخل فيها العمل الإعلامي في مصر مع مجموعة متشابكة من قوانين معقدة كبّلت قدرة الصحفيين على العمل بحرية. فبخلاف قانون الصحافة، تشابك عمل وسائل الإعلام مع شبكة نصوص قانونية متعددة كقانون العقوبات، وقانون وثائق الدولة، وقانون الأحزاب، وقانون موظفي الخدمة المدنية، وحتى قانون الاستخبارات. ورغم أن المادتين 47 و48 من الدستور المصري، ما قبل ثورة يناير 2011، ضمنتا حرية التعبير وحرية الإعلام على التوالي، كان يمكن للحكومة دائما الالتفاف على هذه المواد من خلال القوانين المقيدة، حيث كان هناك ما يقرب من 35 مادة في مختلف القوانين تفرض عقوبات على وسائل الإعلام، تتراوح بين الغرامات وأحكام السجن، كان أبرزها قانون الطوارئ الذي حُكمت مصر بموجبه لمعظم الفترات بين عامي 1958 و2011، والذي أتاح فرض حظر النشر لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ومحاكمة الصحفيين أمام المحاكم العسكرية.

 

كان قانون "اغتيال الصحافة" سيء السمعة قمعيا ومقيدا لدرجة جعلته غير قابل للاستمرار حتى في ظل نظام مبارك، خاصة مع اعتراض الجميع عليه بمن فيهم الموالين للنظام

رويترز

  

ورغم أن قانون سلطة الصحافة المعروف باسم القانون رقم 148 لعام 1980 قضى باستقلالية الصحافة، واعترف بها كسلطة رابعة، فإنه شدد من سيطرة الحكومة من خلال قصر ملكية وسائل الإعلام على الأحزاب والأطراف الاعتبارية، وتقييد ملكية الأشخاص للصحف على ملكية جماعية للمصريين، مع اشتراط ألا يمتلك أي شخص أكثر من عشرة في المئة من رأس المال الكلي للصحيفة. ثم جاء قانون الصحافة رقم (93) لعام 1995 في عصر حسني مبارك، والذي عُرف شعبيا باسم "قانون اغتيال الصحافة"، ليطلق رصاصة الرحمة على حرية الصحافة المصرية، حيث أدرج القانون مصطلحات جديدة ضمن إطار الجرائم الصحفية، مثل "ازدراء مؤسسات الدولة" و"نشر الأخبار المغرضة"، حتى وإن كانت صحيحة، كما أنه جاء مصحوبا بتعديل قانون العقوبات بإلغاء مادة تمنع الحبس الاحتياطي للصحفيين بسبب ما ينشرونه من آراء وأفكار ومعلومات، وسمح بفرض عقوبات طويلة بالسجن مع غرامات كبيرة على الصحفيين المدانين بالتشهير، وهو قانون بررته الحكومة بعبارة شهيرة صارت مثالا للتندر الشعبي فيما بعد، حين وصفت حرية الصحافة بأنها "تهديد للديمقراطية".

 

كان القانون (93) سيء السمعة قمعيا ومقيدا لدرجة جعلته غير قابل للاستمرار حتى في ظل نظام مبارك(9) ، خاصة مع اعتراض الجميع عليه بمن في ذلك رؤساء تحرير الصحف الحكومية الموالين للنظام، وهو ما دفع النظام إلى استبداله في النهاية بالقانون 96 لعام 1996، والذي أدخل تحسينات هامشية نظرية على قيود تأسيس الصحف، بينما ظل منح الرخصة الفعلية قرارا أمنيا، ولكنه احتفظ بمعظم المثالب الرئيسة، بما في ذلك حظر النشر وإمكانية حبس الصحفيين في قضايا النشر، وأدت هذه القيود الصارمة إلى ازدهار الصحافة المصرية الخارجية، حيث كان يتم توزيع الصحف داخل مصر، في حين كان مقرها قانونا خارج البلاد، فيما عرف وقتها بظاهرة الصحافة القبرصية(10)، وكانت أهم الصحف اللاجئة إلى هذه الحيلة هي صحيفة الدستور في إصدارها الأول، وصحيفة صوت الأمة، لكن حتى هذه النشرات ظلت خاضعة لسيطرة وزارة الإعلام، مع إمكانية فرض رقابة على التوزيع، أو توقفه بصرف النظر عن مكان طبع هذه المنشورات، وكانت النتيجة هي صحافة مرخصة من الخارج، مقابل الكثير من القيود على المحتوى، قبل أن تقرر الحكومة بعد عقد من الزمان تفعيل القانون (96)، وتمرير بعض الرخص المعطلة أمنيا، ما أدى إلى ظهور الصحف المستقلة مثل المصري اليوم والشروق والدستور.

 

نجح دستور 2012 في رفع يد السلطة عن الإعلام بشكل كبير، ما أتاح الفرصة لاستمرار ثورة تأسيس المنافذ الإعلامية الجديدة المنطلقة مع تنحي مبارك

لم تكن الأمور في قطاع البث أفضل حالا، حيث أشرفت وزارة الإعلام، المنشأة في عام 1970، على هيئة الإذاعة والتلفاز المصرية المملوكة للدولة. ومع دخول تقنية البث الفضائي مطلع التسعينيات سمحت الدولة بإقامة فضائيات خاصة بعد الحصول على تراخيص من المنطقة الحرة في مدينة نصر، والتي تحولت فيما بعد إلى مدينة الإنتاج الإعلامي وخضعت لإشراف وزارة الاستثمار، وهي جهة لا علاقة لها نظريا بأنشطة البث. وقد مثّل هذا الإطار القانوني الغامض أداة للضغط على القنوات الخاصة والتحكم في تراخيصها، رغم أنها ظلت تتمتع بسقف حرية مرتفع بالمقارنة مع التلفاز الأرضي، وحتى مع الفضائيات الحكومية.

   

خلال تلك الفترة تحولت الرقابة الذاتية ببطء لتصبح الأداة الرئيسة للسيطرة على محتوى وسائل الإعلام، دون الحاجة إلى تدخل الحكومة المباشر في معظم الأحوال. في عهد عبد الناصر كان الرقيب العسكري يجلس في غرف الأخبار الصحفية ويتدخل مباشرة في إنتاج الأخبار، وفي وقت لاحق انتقلت عملية المراقبة إلى دور الطباعة، حيث كان يتم منع الصحف المتضمنة لمحتوى مخالف. وفي النصف الأول من عهد مبارك كانت الرقابة تتم عبر إخضاع جميع أجهزة الإعلام الحكومية بشكل ما للقيود الحكومية، ووضعها تحت سلطة محررين مهنيين من المقربين من الدولة. وفي النصف الثاني من عهده، ومع الاتساع الإجباري لدائرة النشر الصحفي والبث التلفازي، عمد النظام إلى خلق تلك الرقابة الذاتية على تقديم المحتوى(11)، من خلال الترغيب أو الترهيب: الترغيب بتقديم الامتيازات للصحفيين الملتزمين بالحدود، سواء كانت هذه الامتيازات داخل المؤسسات الحكومية أو داخل المؤسسات الخاصة المملوكة لمقربين من النظام، والترهيب عبر ردع المتجاوزين للحدود، ووضعهم تحت تهديد دائم يتراوح بين فقدان وظائفهم والسجن.

 

مع اندلاع الثورة المصرية والإطاحة بمبارك كان على الإعلام المصري أن يقف لأول مرة في مواجهة هذا الإرث الضخم من التشريعات والأعراف القمعية. وحظر الإعلان الدستوري للمجلس العسكري بعد الثورة فرض الرقابة على الإعلام، كما نص على حرية وسائل الإعلام وحرية التعبير في المادتين (12) و(13) لكنه اشترط ممارستها "في إطار القانون". فيما جاء دستور 2012 حاويا لأول مرة مواد لا تضمن فقط حرية الرأي، ولكن تكفل أيضا حرية الوصول إلى المعلومات، في حين تم الحفاظ على قانون العقوبات الذي يجرم التشهير. غير أن الفارق الحقيقي الذي قدمه الدستور الجديد كان تمكين الأفراد من تأسيس الصحف وامتلاكها عبر إخطار بسيط، مع إلغاء العقوبات القمعية ضد الصحفيين في حالات الجرائم الناجمة عن ممارسة مهنتهم. أما على الصعيد التنظيمي فقد ألغى الدستور الجديد وزارة الإعلام، ونص على تشكيل ثلاثة مجالس مستقلة للإشراف على الإعلام، مع أنه لم ينص على الضمانات الكافية لاستقلال هذه المجالس.

 

نجح دستور 2012 في رفع يد السلطة عن الإعلام بشكل كبير، ما أتاح الفرصة لاستمرار ثورة تأسيس المنافذ الإعلامية الجديدة المنطلقة مع تنحي مبارك. ولكن مع بدء الخريطة الإعلامية لمشهد ما بعد مبارك في التشكل سرعان ما ظهرت المشكلة الأبرز في مشهد إعلام الثورة، وهي أن خفوت قبضة السلطة قد حل محله تحكم المال السياسي في المشهد الإعلامي. ففي حين لم تكن وسائل الإعلام الحكومية مستقلة ومارست هوايتها في تغيير ولاءاتها مع تغير النظام السياسي، لم تكن وسائل الإعلام الخاصة مستقلة مهنية بقدر ما كانت تُعبّر(12) عن مصالح ملاكها وتوجهاتهم، سواء كانوا من القوى السياسية التقليدية أو رجال الأعمال. وفي ظل نقص التمويل والكفاءة المهنية لدى معظم وسائل الإعلام الوليدة فقد هيمن رجال أعمال عصر مبارك على المشهد الإعلامي بعد الثورة، حيث وجهوا جزءا كبيرا من استثماراتهم نحو هذا المجال في محاولة لضمان مصالحهم في النظام السياسي المرتبك والسائل.

 

إعلام مراكز القوى

يمكن أن نجمل الحديث حول طبيعة التحول الإعلامي في عصر ما بعد الثورة بقول إنه وفي حين كان المشهد الإعلامي لما قبل الثورة يتشكّل ويُتحكم فيه بشكل رئيس من خلال السلطة، سواء عبر إخضاع الإعلام للسيطرة الحكومية الكاملة، أو عبر ترك هوامش محدودة للإعلام الخاص، مع الاحتفاظ بأحقية السلطة في تنظيم ورقابة وتحديد حجم تلك الهوامش بأشكال متعددة، فإن المشهد الإعلامي للعصر الجديد تم تشكيله من خلال رجال أعمال تدفقت أموالهم بشكل غير مسبوق، وبالأخص نحو البث الفضائي، حيث ظهرت للساحة الإعلامية أسماء مثل "محمد الأمين" و"محمد أبو العينين"، من أسسا شبكات تليفزيونية جديدة مثل سي بي سي والنهار وصدى البلد، وفي نفس الوقت استثمرت الشبكات التقليدية لعهد مبارك في توسيع نشاطها، سواء من خلال تطوير محتواها واستقطاب كفاءات إعلامية ورموز أكثر شعبية، أو من خلال إطلاق قنوات جديدة لتوسيع خرائطها البرامجية، في حين شهدت الصحافة -الورقية والإلكترونية- تطورات مماثلة تقريبا.

  

  

وبحكم اهتمامات مموليه وأهدافهم الخاصة، لم يوجه إعلام ما بعد الثورة جهوده إلى تطوير التغطية الصحفية وكسب مساحات جديدة بقدر ما تحول إلى مرآة لاستقطاب وانقسام ميّزا الحياة السياسية خلال حقبة ما بعد الثورة. ووظف مُلّاك وسائل الإعلام منافذهم في صورة أشبه ما تكون إلى "لوبيات ضغط سياسي" من أجل حشد الدعم لرؤاهم الخاصة حول الانتقال السياسي. وانعكس هذا "الانحراف" الإعلامي بشكل سريع على مساحات حرية منحتها الثورة، وظهرت سريعا القيود حول بث الأخبار خاصة فيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية وسياساتها، ومع وجود المجلس العسكري على رأس السلطة وقتها، اتسعت دائرة تلك المحظورات شيئا فشيئا.

 

على مدار العصور السابقة كانت المؤسسة العسكرية بالنسبة للصحافيين صندوقا مغلقا، وظلت تغطيتها محصورة على الأخبار الملقاة لمحرر عسكري يتم تحديده بإشراف سيادي. وتم ترسيخ تلك الحصانة تاريخيا بفعل القانون رقم 313 لعام 1956 وتعديله لعام 1967، وهو قانون يحظر "بث أية معلومات أو أخبار عن القوات المسلحة وتشكيلاتها وحركاتها ومعداتها، دون الحصول على موافقة خطية من مدير المخابرات العسكرية، أو من ينوب عنه". غير أن الجيش، بصفته العسكرية، لم يحكم مصر بشكل مباشر منذ مجلس قيادة الثورة في الخمسينيات حتى عام 2011، وهو ما أدى إلى خلط متعمد بين بث الأخبار العسكرية وبين انتقاد أداء الجيش كرأس لهرم السلطة السياسية. وبدأ العسكريون الحاكمون في محاولة فرض وصاية مباشرة على البث الإعلامي.

 

على سبيل المثال، في (مايو/أيار) 2011 تم استدعاء المذيعة ريم ماجد وضيفها المدون حسام الحملاوي للتحقيق، بعد أن انتقدا الجيش على شاشة التلفاز، وتم سجن المدون علاء عبد الفتاح لنشره مقالا انتقد فيه هجوم الجيش على المتظاهرين الأقباط أمام ماسبيرو، كما اعتقل المدون مايكل نبيل بسبب انتقاد الجيش على مدونته، وتم طرد المذيعة دينا عبد الرحمن لتغطيتها مقالا ينتقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

  

برغم ذلك، لم يفلح ذلك الحصار في إنهاء الانتقادات الموجهة إلى الجيش بسبب سوء إدارته للفترة الانتقالية بشكل نهائي، وبدا أن مناخ الانفتاح الذي ولدته الثورة كان أكبر من قدرة الرقيب العسكري على ضبطه بوسائله القديمة. ومع ذلك، فإن الكثير من تلك الانتقادات، وخاصة الموجهة من خلال المنافذ الإعلامية لرجال عصر مبارك، بدت أقل ارتباطا بالحرية الإعلامية ذاتها، وأكثر ارتباطا بما يمكن أن نصطلح على تسميته بظاهرة "إعلام مراكز القوى". كان سقوط حسني مبارك قد تسبب في سيولة واضحة في توازنات القوى داخل الدولة المصرية(13)، في ظل غياب السيطرة المطلقة للسلطة التنفيذية على النظام السياسي، ما أدى إلى نشوء صراع مكتوم بين مختلف الأجهزة الأمنية والسيادية، وحتى مجتمعات رجال أعمال مبارك النافذة، على احتكار القدر الأكبر من النفوذ في النظام الجديد. وكما كان الحال خلال عصر مبارك، فقد عقد رجال الأعمال على اختلاف مصالحهم تحالفا ضمنيا لحماية مصالحهم المشتركة كمجتمع للأعمال، لكنهم أيضا أعادوا تموضعهم وراء مختلف مراكز القوى تلك لاكتساب المنعة والحماية.

  

خلّف هذا "التموضع" مشهدا إعلاميا يمكن وصفه أنه "عشوائي" أكثر من كونه "مهنيا". بيد أن ظاهرة إعلام مراكز القوى لم تأخذ وقتها للتبلور بشكل واضح فيما قبل الانقلاب العسكري في 3 (يوليو/تموز) 2013، حيث وجدت هذه المراكز نفسها مضطرة للاصطفاف من جديد معا(14)، بصحبة ترسانتها الإعلامية، لمواجهة صعود الإخوان للسلطة عام 2012، ما ولّد حالة استقطاب إسلامي-علماني "مفتعلة" صبغت المشهد الإعلامي بعد الثورة، وبخاصة خلال عام حكم الرئيس المعزول محمد مرسي. ولكن هذه الظاهرة عادت لتكشف عن وجهها بشكل سافر بعد أن استتبت الأمور نسبيا لنظام ما بعد 3 (يوليو/تموز)، حيث بدا أن عبد الفتاح السيسي صار على بعد خطوات مضمونة من الوصول إلى مقعد الرئاسة.

 

في قبضة الأجهزة "السيادية"

كانت اللحظة الأولى التي ظهر فيها أن مجتمع إعلام رجال الأعمال في مصر بدأ يتخلى عن اصطفافه النمطي خلف السلطة العسكرية لنظام ما بعد 3 (يوليو/تموز) هي تلك اللحظة التي بثت فيها القنوات الفضائية مشاهد اللجان الانتخابية الخاوية أثناء انتخاب السيسي للرئاسة منتصف عام 2014، في تلك اللحظة بدا أن إعلام السيسي يتعمد إحراجه بشكل واضح، رغم أن العزوف الانتخابي آنذاك لم يكن دالا على رفض الشعب للسيسي بقدر ما كان يُعبّر عن إدراك الجميع أن نتائج الانتخابات محسومة سلفا(15). واستمرت الانتقادات الإعلامية في ملاحقة السيسي منذ الساعات الأولى لتوليه الرئاسة، كما ظهر في اختيار صحيفة الوطن تغطية أول خطاب رئاسي للسيسي تحت عنوان "أربعون خطأ لغويًّا في خطاب السيسي الأول". كانت تلك هي الإشارات الأولى للتصدعات الكامنة في قلب تحالف "مناهضة الإخوان" الذي تأسست عليه شرعية النظام المصري الجديد.

 

 

لم تمض فترة طويلة قبل أن يصبح هذا الصدع موضعا لنقاش علني حتى في وسائل الإعلام نفسها. وكان أبرز تلك الوقائع حين تحدثت الإعلامية المقربة من السلطة لميس الحديدي (16)، خلال برنامجها على فضائية سي بي سي، منتقدة مجلس النواب بالقول إن كل نائب خلفه جهاز يتحكم فيه ويزوده بالمعلومات، لكن ما لم تصرح به الحديدي هو أن مقولتها تلك تنطبق بشكل حرفي على مجتمع الإعلاميين أنفسهم، قبل أن تنطبق على النواب. ولعل ذلك هو عين ما أشار إليه السيسي في انتقاداته وتهديداته المبطنة للإعلاميين بداية من قوله "هو القطاع بتاعكم ده مفيهوش مصايب ولا ايه"، مرورا بسخريته منهم بقول "الإعلام مش فاهم حاجة"، وصولا إلى إشادته بإعلام عصر الستينيات.

 

كان من الواضح أن السيسي قد فقد صبره في مواجهة إعلام عصر مراكز القوى الذي بدأ يُعبّر، وإن كان ذلك بصوت خافت، عن مصالح القوى المتباينة داخل تحالف حمله للسلطة، وسرعان ما أفصح عن نيته العودة بإعلامه إلى عصور البروباغندا العتيقة. غير أنه كان يدرك بوضوح أنه لم يعد بمقدوره توحيد الإعلام تحت قبضة سلطة سياسية حكومية موحدة، كما فعل عبد الناصر، وأن عصر الإعلام الخاص صار حقيقة لا يمكن تجاوزها، وظهرت قناعته تلك بوضوح منذ حملته الانتخابية التي اختار أن يطل فيها على الشعب عبر قناة خاصة وليس عبر إحدى قنوات التلفاز الحكومي.

  

يؤمن السيسي إذن بأهمية وجود إعلام خاص جذاب يحوز ثقة المشاهدين، ولكن هذا الإعلام لا بد وأن ينسق خطواته بانسجام ورشاقة في توافق مع السلطة. لم يكن ذلك يستلزم فقط إعادة ترسانة القوانين التي تحد من النشاط الإعلامي، مثل قانون الإرهاب الذي يعاقب بالحبس على نشر أي أخبار تخالف البيانات الرسمية في الأحداث التي تعتبرها الحكومة إرهابية، وقانون الكيانات الإعلامية الموحد المثير للجدل(17)، ولكنه يستلزم أيضا أن تُظهر السلطة أنيابها في مواجهة وسائل الإعلام ومموليها الذين تعرضوا لضغوط كبيرة من قبل السلطة، إما للخروج من المشهد بشكل كامل، كما حدث مع توفيق عكاشة صاحب قناة الفراعين الذي أغلقت قناته الفضائية وأُسقطت عضويته في البرلمان المصري قبل أن يختفي من المشهد، وإما لضبط توجهات وسائل الإعلام التي يديرونها عبر استبعاد الإعلاميين الذين مارسوا انتقادا متتابعا للنظام، كما حدث مبكرا للإعلاميين يسري فودة وريم ماجد من قناة أون تي في التي كانت مملوكة في ذلك التوقيت لرجل الأعمال نجيب ساويرس، وصولا إلى إيقاف برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى على قناة القاهرة والناس، بعد ممارسة ضغوط مكثفة على مالكها قطب الإعلانات الشهير طارق نور، وصلت ذروتها بالتعنت في إقامة معرض لومارشيه السنوي للأثاث الذي ترعاه وكالته الإعلانية، قبل أن تتراجع الأجهزة الأمنية وترخص بإقامة المعرض بعد استبعاد عيسى.

 

 

كان طارق نور نفسه أحد أكثر رجال الأعمال صراحة في الاعتراف، بل والتصالح، مع خطة نظام السيسي لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي. في حوار له مع صحيفة المصري اليوم أقر نور صراحة بتدخل بعض أجهزة الدولة للاستحواذ على كيانات إعلامية قائمة واستحداث كيانات جديدة(18)، ولكنه ادعى أن ذلك لا يجيء بدافع رغبتها في الهيمنة على الإعلام، ولكن "إنقاذا لهذه الكيانات من السقوط وبطلب من ملاكها أنفسهم أحيانا" على حد قوله. بيد أن شهادة نور، وإن كانت قدمت توصيفا هو الأكثر صراحة لهوية "الأيدي الخفية" التي تعيد تشكيل خارطة الإعلام الخاص في مصر، فإنها تتناقض مع إشارة أحد أبرز ضحايا عملية إعادة التشكيل تلك(19)، وهو رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، من أكد أنه اضطر للتخلي عن مجموعته الفضائية "أون تي في" لأنها سببت له صداعا وأغضبت الحكومة والقوى السياسية، رغم حرصه على تأكيد أنه لم يتعرض لضغوط مباشرة لبيعها.

 

وبالقدر الذي قلصت به صفقة "أون تي في" حصة ساويرس الإعلامية، وهو أحد أباطرة الإعلام منذ عهد مبارك، ودفعته إلى هامش المشهد، فإنها قدمت أوراق اعتماد أحد رجال العصر الجديد، وهو رجل الأعمال الشاب ومستثمر الحديد "أحمد أبو هشيمة"، من اندفع بقوة إلى سوق الإعلام من خلال شركته إعلام المصريين، التي تمتلك اليوم، إضافة إلى حصتها في كعكة البث الفضائي الممثلة في قنوات أون تي في، حصصا معتبرة في قطاعات الإنتاج السينمائي والدعاية والإعلان، حيث استحوذت على 50% من أسهم شركة مصر للسينما المملوكة لرجل الأعمال كامل أبو علي، و51% من أسهم مجموعة بريزنتيشن المتخصصة في الإعلام والدعاية والتي تملك حقوق بث مباريات الدوري العام، إضافة إلى 70% من أسهم شركة "POD" المتخصصة في مجال العلاقات العامة والتسويق الإعلامي وإدارة الأزمات. وفي مجال الصحافة يسيطر أبو هشيمة ومجموعته اليوم على صحيفة "اليوم السابع" أوسع الصحف الإلكترونية انتشارا في مصر، إضافة إلى صحيفة "صوت الأمة" وموقع عين وموقع دوت مصر الذي استحوذ عليه منتصف العام الماضي من رجل الأعمال (20)، والاسم الصاعد في عالم الإنتاج الدرامي، ياسر سليم.

 

تعرف الوسط الإعلامي إلى ياسر سليم بدوره لأول مرة منتصف عام 2014، مع حصوله على كافة الحقوق التسويقية الحصرية لجريدة وموقع اليوم السابع داخل وخارج مصر، بالشراكة مع شركة بروموميديا، المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس. ولكن عام 2015 هو الذي شهد تعرف المجال على الهوية الحقيقية للمنتج الشاب، كضابط مخابرات سابق قادم من عالم الأجهزة السيادية، بعد أن تم الكشف عن دوره في تشكيل قائمة في حب مصر التي خاضت انتخابات البرلمان المصري برعاية جهاز المخابرات العامة، حيث كان سليم مكلفا من قبل الأجهزة السيادية بتأمين سيطرة قائمة حكومية على البرلمان(21). وعلى مدى الشهور التالية تعرف الجميع إلى سليم بشكل جديد كأحد الأوجه القائمة على إعادة تشكيل المشهد الإعلامي المصري لصالح جهاز المخابرات العامة تحت واجهة شركتين، إحداهما تدعى "بلاك أند وايت" ويمتلكها سليم بمفرده، والأخرى هي "سينرجي وايت" التي يتشارك ملكيتها مع المنتج تامر مرسي، حيث تتركز أنشطته في مجال الإنتاج الفني والدرامي.

 

يمثل ياسر سليم نموذجا مثاليا لفهم رؤية السيسي للسيطرة على الإعلام. لا يثق الرئيس في نخبة رجال الأعمال التقليديين الذين هيمنوا على الإعلام لفترات طويلة منذ عهد مبارك، وهو لا يثق في ولائهم المطلق له، لذا فإنه يعمل على تهميشهم واستبدالهم ببساطة بنخبة جديدة من أبناء الأجهزة السيادية، سواء عملوا بشكل مكشوف وانخرطوا في الفعاليات العامة ملتقطين الصور التذكارية مع الإعلاميين والفنانين مثل ياسر سليم، أو تواروا خلف أسماء غامضة مثل "طارق إسماعيل"، أو اختفوا بقلب كيانات غامضة مجهولة النسب تتحكم في الأمور من خلف الكواليس.

 

أحد هذه الكيانات المثيرة للشك هي شركة "المتحدة للطباعة والنشر وتكنولوجيا المعلومات"، والتي لا يحوي موقعها الإلكتروني الذي تفوح منه رائحة البيروقراطية المصرية العتيقة سواء في تصميمه البدائي أو في تنظيمه الهيكلي أي إشارة إلى هوية ملاك الشركة أو تفاصيل نشاطاتها، وهو أمر يدعو للاستغراب بكل تأكيد، خاصة إذا علمنا أن تلك الشركة هي الشريك الخاص الأبرز لماسبيرو في مجال البث الإذاعي، حيث تمتلك اليوم حق إدارة مجموعة إذاعات شركة راديو النيل "نغم وميجا وهايتس وشعبى" بالشراكة مع اتحاد الإذاعة والتلفزيون. وعلى صعيد البث المرئي تملك الشركة اليوم 50% من أسهم شركة المستقبل المالكة لقنوات سي بي سي، وفيوتشر ميديا الذراع الإعلانية لها، لتصبح بذلك شريكة لرجل الأعمال محمد الأمين، إضافة إلى امتلاكها لحصة 50% من شركة ميديا لاين الذراع الإعلانية لشبكة تليفزيون النهار.

 

 شركة فالكون التي تعد أكثر الشركات الأمنية نفوذا في مصر (الجزيرة)

 

لا يمكن تحديد هوية الجهة التي تمثلها شركة المستقبل الغامضة، رغم أن تبعيتها لأحد الأجهزة السيادية لا يبدو احتمالا مستبعدا بحال، بالنظر إلى النهم المفاجئ لأبناء الأجهزة السيادية وشركاتهم للاستثمار في مجال الإعلام. إحدى هذه الشركات هي مجموعة فالكون للخدمات الأمنية، أحد أكبر شركات الأمن الخاصة في مصر، والتي تغطي أنشطتها اليوم 28 محافظة مصرية عبر 13 فرعا في جميع أنحاء البلاد، وتقدم خدماتها الرئيسة من خلال عدة كيانات قانونية منفصلة في مجالات: الأمن، نقل الأموال، الخدمات الفنية، والخدمات العامة وإدارة العقارات. كان تأمين حملة المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق عام 2014 أحد أبرز المهام الأمنية التي تولتها فالكون، ولاحقا عهد إليها النظام العسكري الجديد في مصر بمهمة تأمين نحو تسع جامعات، في مقدمتها جامعتا القاهرة وعين شمس، ومؤخرا مهمة تحصيل رسوم الكهرباء من المواطنين بالتعاون مع وزارة الكهرباء والطاقة، قبل أن تقرر الشركة توسيع نشاطها للإعلام عبر الاستحواذ على شبكتين تلفزيونيتين ضخمتين هما العاصمة والحياة، إضافة إلى موجة بث إذاعي.

 

وشأنها شأن سابقاتها، تدار فالكون من قِبل أحد أبناء الأجهزة السيادية ووكيل المخابرات الحربية الأسبق "شريف خالد"، الذي يُعد آخر الوجوه السيادية المنضمة إلى خريطة الإعلام في مصر، وهي وجوه لا يبدو أنها تكتفي بالهيمنة على فضاءات الملكية والإدارة، ولكن اهتماماتهم تمتد إلى الانخراط في الوظائف المهنية، كما يفعل العميد محمد سمير المتحدث العسكري السابق، والرائد أحمد شعبان مدير مكتب اللواء عباس كامل، والذي يُعتقد أنه كان يكتب عمودا باسم مستعار هو "ابن الدولة" في صحيفة اليوم السابع.

 

هذه إذن هي ملامح خطة تشكيل إعلام الستينيات الجديد كما رآها السيسي ورجاله، وهي خطة تقوم في المقام الأول على خلع الأجهزة السيادية لأقنعة الوقار التقليدي، وإعادة تشكيل المشهد الإعلامي بوجوه مكشوفة. لا يكتفي الرقيب العسكري الجديد بالجلوس في أروقة الصحيفة أو القناة لتحديد ما هو مناسب وما ليس مناسبا، ولكنه اليوم يمتلك القناة الفضائية ويديرها بنفسه، ويوظف المهنيين تحت سلطته مباشرة، وفي أحيان كثيرة يقوم بنفسه بإعداد وتقديم المادة الصحفية المكتوبة أو المرئية، صانعا بذلك أوركسترا بروباغندا نموذجية، أما الفضاءات التي لا يستطيع الرقيب السيطرة عليها فسوف يكون مصيرها الحجب التام والمنع من الوصول إلى الجماهير، وهو مصير لقته مئات المواقع الصحفية الشبابية والمستقلة في الأشهر الماضية.

 

ومع اقتراب عام 2017 من نهايته توشك مصر أن تختبر مشهدا إعلاميا مغايرا بالكلية عن ذلك الذي عرفته حتى قبل عامين، مشهد يتصدره السيسي مفعما بأحلام الزعامة الناصرية ومسلحا بإعلام عصر الستينيات الذي حلم به، ويتوارى فيه نجم رجال أباطرة الإعلام التقليديين مثل نجيب ساويرس لصالح رجال مخابرات وجيش مثل عباس كامل وياسر سليم ومحمد سمير، وهو مشهد قادر للمفارقة على دفع المصريين إلى افتقاد إعلام عهد مبارك، بعد مرور أقل من 7 أعوام على ثورتهم عليه، بينما يسمع الملايين كلمات أذرع عباس كامل تُبث متتابعة عبر الأثير، وربما ترددها ألسنتهم، تماما كما هي، دون أي اختلاف.

المصادر

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار