انضم إلينا
اغلاق
قلب داريا.. ونعم الدار داريّا

قلب داريا.. ونعم الدار داريّا

عبيدة عامر

محرر سياسية
  • ض
  • ض

العيش في ليل داريا إذا بردا .. والراح نمزجها بالماء من بردى

البحتري

 

لم يبق من ليل داريا سوى ظلمته، ومن نسيم بردها سوى قسوته، ولم يبق من عيش البحتري في داريا سوى الأطلال، وصارت المدينة التي يعني اسمها: الدور والمساكن، بعد أعوام من القصف العشوائي العنيف ومحاولات الاقتحام التي لا تتوقف، بلا ملامح واضحة، سوى ذكريات مقاتليها وأبنائها، مستحضرة تاريخًا طويلًا في القرية الكبيرة من قرى دمشق بالغوطة، من الحروب والأيام الصعبة الطويلة، منذ حروب قبائل يمن وقبائل قيس، حتى مجزرة داريا بعد الثورة السورية وما تلاها من الحصار والحرب، متكئة خلاله على تاريخ واسع من الإرث الثقافي والفكري والعلمي.

 

مدينة احتضنت وأنتجت عشرات المحدثين والفقهاء والقضاة والمفكرين، فكأن كل يوم في داريا، هو «يوم داريا»، كما وصفه قيس الهلالي، في مدينة عرفت الغزاة، ولم تعرف الاحتلال، وعرفت الموت، ولم تعرف السقوط، منذ حرب اليمنيين والقيسيين، مرورا بصراعات السلاجقة والأتابكة، وغزو التتار، حتى المجزرة والحصار.

 

ومثلها أبناؤها فمدينة الـ١٥٥ ألف نسمة، قبل الثورة، جمعت في أبناءها الفكر والتعليم، من ناحية، ولم تزرع بهم الأرض التي يزرعونها وحسب، في أكبر مدن الغوطة «التي ليس لها في الأرض نظير»، بل علمتهم النجارة من ناحية أخرى، فالدارانيون يعرفون كيف يصنعون من أقسى الأيام لوحات، ومن أطلال البيوت أحياء، وكيف يقومون بعد كل مجزرة وحرب أقوى، وسوقها الرئيسي، للأثاث والديكورات، الممتد على طول شارع الثورة، خير شاهد على حياة المدينة وشارح لها.

 

ربيع داريا

قبل مارس/ آذار الثورة، عام ٢٠١١، الذي انخرطت به داريا بكليِّتها، صنعت المدينة، الواقعة على بعد سبعة كيلومترات تقريبًا جنوب غرب العاصمة دمشق، ربيعها الخاص قبل ذلك بثمانية أعوام، في مارس/ آذار عام ٢٠٠٣، بعد الغزو الأمريكي للعراق، حيث شهدت داريا ومعها وسوريا كلها، مظاهرات نادرة في المدينة، وتحديدًا في التاسع من أبريل/ نيسان (يوم سقوط بغداد)، مظاهرات لم تحدث منذ استئصال الحياة السياسية في ثمانينات القرن العشرين وحتى اندلاع الثورة عام ٢٠١١، بجانب حراك الأكراد في عام ٢٠٠٦، مظاهرات طالبت بإصلاحات داخلية، مثل وقف الرشوة والفساد، ومطالب خارجية، مثل خروج الاحتلال الأمريكي من العراق، مترافقة مع نشاطات مدنية مختلفة، مثل مقاطعة البضائع والدخان الأمريكي، وتوزيع منشورات لوقف الرشوة وتنظيف الشوارع.

  

اعتقلت قوات الأمن حينها من المجموعة المنظمة للمظاهرات، التي أصبحت تعرف لاحقا بمجموعة داريا السلمية، أو «مجموعة شباب داريا»، ٢٤ شابًا واستدعت ١٥ فتاة من نساء المدينة إلى فروع الأمن، وحوكم ١١ منهم أمام محكمة ميدانية سرية، ونالوا أحكامًا بين ثلاث وأربع سنوات بالسجن.

 

لم تدخل داريا الحياة المدنية فجأة، بل كانت هذه ما يمكننا أن نطلق عليه ثمرة العنب الداراني لعريشة الثمانينيات الممتدة، فبالرجوع الزمني التدريجي، يظهر أن مظاهرات عام ٢٠٠٣ النادرة هي امتداد للعمل المدني لمجموعة شباب داريا، مجموعة هي امتداد لمخزون فكري واجتماعي محدد كان له حضوره وتفاعله السياسي مع النظام، والأهم، الداخلي الفكري مع المجتمع والتيارات الأخرى.

 

عريشة ممتدة

 مثل تفاعل جماعة زيد داخل داريا تحديدًا، مع قمع النظام لحركة الإخوان المسلمين في الثمانينات، مبررًا استغله النظام لتفريغ داريا من خيرة شبابها المتعلّم،

shuhadaalislam.com
 يروي تمام أبو الخير، مدير المكتب الإعلامي للواء شهداء الإسلام، أكبر ألوية الجيش الحر في داريا، والذي قاتل لثلاث سنوات ضاربة من الحصار، أن داريّا عشية اندلاع الثورة كانت تشهد حضورًا لثلاثة تيارات فكرية ودينية وسط الشباب: أولها تيار «مسجد زيد» وشيوخه أسامة وسارية الرفاعي، أبناء الشيخ الدمشقي المعروف عبد الكريم الرفاعي، وتيار «مسجد أنس بن مالك»، وانتسبت له مجموعة شباب داريا، وتيار ثالث أصغر ينتسب للشيخ رجب ديب، شيخ الطريقة النقشبندية في الشام، والمرشد السابق لمجمع الشيخ أحمد كفتارو.

 

تختلف هذه التيارات الثلاثة في التأسيس الفكري، وفي الموقف السياسي، وأدوات الممارسة السياسية، فتيار مسجد «زيد» المعروف «بجماعة زيد»، كان أقرب حالات المؤسسات الدينية، والعلمائية الدمشقية تحديدًا، إلى الإسلام الحركي والتأثير في الشأن العام، وإن تراجعت هذه الحالة بعد الثمانينات، لمشاركة عدد كبير من جماعة زيد مع الإخوان المسلمين في الثورة على نظام الرئيس حافظ الأسد الأب، إلا أن الجماعة بقيت هي الأقرب تجاه الإسلام الحركي، وهو ما كان واضحا بمشاركة شباب مسجد زيد بالثورة بعد اندلاعها عام ٢٠١١، وانحياز شيوخ المسجد: أسامة وسارية الرفاعي للثورة السورية كذلك.

 

كان تفاعل جماعة زيد داخل داريا تحديدًا، مع قمع النظام لحركة الإخوان المسلمين في الثمانينات، والتي تركت أثرها على المدينة، رغم عدم وجود تواجد حقيقي لهذا التنظيم فيها في حينه، والتي مثلت مبررًا استغله النظام لتفريغ داريا (كما في كثير من المناطق) من خيرة شبابها المتعلّم، فخسرت خلال تلك الحملة العشرات منهم بين شهيد ومعتقل وهارب، كما جاء قرب داريا من مطار المزة العسكري وبالاً على أهلها، مما دفع المخابرات الجوية منذ الثمانينات على الاستيلاء على أكثر من ١٠% من أراضي داريا (منطقة الخليج الزراعي) بحجّة أنها أراض تابعة لحرم المطار، ومنع فيها أهالي المدينة من استثمار هذه الأراضي وإقامة منشآت عليها، أو حتى إقامة سكن لأولادهم بها، فكانت لهم أرزاق بالملايين على الورق، لكن لا قيمة لها على أرض الواقع، كما وضع عدد من آل الأسد يدهم على عدة أراضٍ زراعية في المنطقة الغربية من المدينة، وأجبروا أصحابها على بيعها بأرخص الأثمان تحت التهديد، أو أنها صودرت حتى بدون دفع ثمنها، بحسب ما يروي الصحفي الداراني إياد شربجي.

 

التيار المقابل تماما ل «جماعة زيد» داخل داريا كان التيار الأصغر للإسلام التقليدي، المهادن للنظام، والمتمثل ببعض المنتسبين للشيخ «رجب ديب»، والطريقة النقشبندية التي ترأسها، طريقة كانت امتدادًا للمؤسسة الدينية الرسمية التي عملت على «علمنة» الإسلام، بإخراج الدين من الحياة العامة والشأن العام، وإبقاء الطقوسية المباشرة، بينما عرف عن مشايخ تيار ديب مواقف تتوافق مع رواية النظام السوري الرسمية، والتي تنظر إلى ما يجري في سوريا على أنه «فتنة» و«مؤامرة» حيكت ضد الأسد، وتنسب لديب مقولة «يا ابني حاكم ظلوم ولا فتنة تدوم».

 

أما التيار الثالث الذي اختص بالمدينة هو تيار «مجموعة شباب داريا»، تيار بدأ منتصف التسعينيات من القرن الماضي، على يد الشيخ عبد الأكرم السقا، في جامع أنس بن مالك، متتلمذًا على يديه مجموعة من طلبة الثانوية والجامعات قرابة الـ 35 شابًا (انضم لهم لاحقاً عدد أقل من الفتيات)، وعلى نهج المفكّر جودت سعيد منظّر النضال اللا عنفي وصاحب السلسلة الشهيرة «مذهب ابن آدم الأول»، وعمل أفراد المجموعة بدورهم كمدرّسين للفقه والتجويد للجيل الناشئ الذي يرتاد حلقات (معهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم) ضمن المسجد.

 

هذه المجموعة التي يصفها إياد شربجي بـ «التنويرية» صنعت في تلك الفترة حراكًا فكريًا ونقديًا كبيرًا بين صفوفها، حيث كان يتم نقاش وتلاقح الأمور العقيدية والتعبّدية، والدين من كتب وتفاسير وسيَر وشروحات، بطريقة جدلية لم تعتد عليها المجتمعات المتديّنة التقليدية، وهو ما يؤكده تمام أحد شباب مسجد زيد، كما تم البحث في كتب عصور النهضة الأوروبية وكتب الحداثة لكتّاب عالميين مرموقين، وهو ما أدى بالمجموعة للخروج بالعديد من الأفكار والأطروحات، التي بدت غريبة ومستنكرة أحيانًا، حتى على مستوى المجتمع المحلي، فعدا عن الأفكار التجديدية والجدلية التي كانوا يطرحونها، كانت الأدوات المطروحة مسبوقة و«مستهجنة» أحيانا لدى المجتمع، مثل أن يقوم شباب مسلم بإدخال فيديو إلى صحن المسجد وعرض أفلام مثل غاندي وBrave heart  على طلبتهم في المعهد من أعمار الابتدائية والإعدادية، ثم مناقشة أفكار هذه الأفلام و إسقاطاتها على الواقع.

 

يحكي إياد شربجي، أحد المقربين من «مجموعة شباب داريا»، أن المجموعة كانت أشبه بحركة تنويرية، ثارت على المفاهيم المجتمعية الدينية السائدة، وأرادت أن تثبت عصرّية الدين الإسلامي وحداثته وقابليته للتعايش في المجتمعات الحديثة القائمة على قوانين المواطنة، ومفاهيم حقوق الإنسان.

ومع استمرار هذا الحراك لسنوات، والتحاق معظم أفراد المجموعة بالجامعات وبتخصصات متباينة، فبينهم الطبيب والمهندس والصيدلاني والحقوقي وطالب الفلسفة والآداب، صار فكر هذه المجموعة أكثر أصالة وتمكّنًا، وتحوّل إلى منهج خالص، نتج عنه مجموعة من الأمليات والكرّاسات والدراسات الفقهية والفكرية الحداثية، عمل عليها بعض أفراد المجموعة، على رأسهم طالب الطب في حينه هيثم الحموي، الحاصل مؤخرًا على شهادة الدكتوراه في الطب من بريطانيا.

 

خلال هذه الأثناء كانت مخابرات النظام تراقب المجموعة بشكل حثيث في محاولة لاكتشاف أهدافها ومراميها، واقتصرت مضايقاتها الأولى لهم على حصر وقت افتتاح وإغلاق جامع أنس بن مالك، وتحديد اجتماعات المجموعة في المسجد ضمن أوقات محددة وبدروس مفتوحة على اعتبارها حلقات تثقيفية دينية مفتوحة للعامة، حيث تم دسّ بعض المخبرين في صفوف الحضور للاطلاع على ما يجري، وكان مفاجئًا للسلطات الأمنية أن شباب المجموعة كانوا يتحدثون عن أفكارهم بكل أريحية وانفتاح دونما تكتّم، إذ كان الوضوح والمكاشفة مبدئًا اتفقوا عليه لتقديم أنفسهم ورسالتهم.

 

بداية المواجهة

مع وفاة الأسد الأب في عام ٢٠٠٠، عمل النظام على التحضير لاستلام الأسد الابن، وكان ضمن هذا التحضير توزيع وزارة الأوقاف لتعاميم على إدارات معاهد تحفيظ القرآن الكريم، تدعوهم فيها للحديث أمام الطلاب عن ميزات وصفات بشار الأسد القيادية، وأمل السوريين به، والدعاء له في الحلقات وعلى المنابر، ما يمكننا اعتباره بداية المواجهة.

 

قرّر أفراد «مجموعة شباب داريا» وشيخها ألا ينصاعوا للأمر، وكانت تكلفة ذلك أن تمّ اعتقال الأستاذ عبد الأكرم السقّا مدير «معهد الأسد لحفظ القرآن الكريم»، وسجنه لشهرين في أقبية المخابرات العسكرية، ثم منعه من الخطابة وإدارة المعهد، وتجريده من كل التراخيص لمزاولة أي نشاط في أي من مساجد القطر، تبع ذلك طرد جميع أفراد مجموعة داريا، مُتعلمين ومُعلمين، وإيقاف جميع نشاطاتهم ومنعهم من دخول المسجد.

 

مع استلام الأسد، كان هناك حديث ومحاولات عن الإصلاح والحرية، وبدأ الحراك السياسي والشعبي متمثلًا بما سُمي «ربيع دمشق»، وهنا جاءت الفرصة التي ينتظرها الشباب لمعاودة نشاطهم، فاتفقوا على تأسيس مكتبة عامة أسموها «سبل السلام»، تقدم خدمة المطالعة وإعارة للكتب، بالإضافة لدورات تدريبية مجانية للمواد الدراسية في المنهاج التعليمي، وكان رأسمال هذه المكتبة هي جهود الشباب ووقتهم، والكتب المستعارة من بعض مثقفي المدينة الذين أعجبوا بالفكرة وشجعوها، وكانوا حريصين على تجنب النظام، عبر السعي لتحصيل ترخيص منه، فتقاذفتهم دوائر الدولة من البلدية إلى وزارة الثقافة إلى وزارة الإعلام، وكلهم ينفي بتوجيهات مخابراتية مسؤوليته عن منح ترخيص كهذا، من ثم لم ينتظر الشباب ترخيصًا رسميًا بدا وأنه لن يُمنح أبدًا، وافتتحوا المكتبة بحفل حضره العديد من الشخصيات، كان له صدى وترحيب شعبي كبير، ما أزكم أنف جهاز الأمن السياسي الذي لم يحتمل الأمر، فأغلقت المكتبة بالشمع الأحمر بعد أقل من أسبوع من افتتاحها، وبدأت من لحظتها مسيرة «الشباب» مع فروع الأمن.

 

أصبحت حركات المجموعة تحت مجهر الأمن السياسي، وخلال التحقيقات، بحسب شهادة إياد شربجي، استطاعوا إرباك ضباط الأمن في طريقة التعامل معهم، إذ إن الأخيرين لم يستطيعوا أن يلصقوا بهم أية تهمة، فليسوا بالسلفيين، إذ كانوا يروّجون لأفكار مشاركة المرأة في المجتمع، بطريقة جعلت كثيرًا من أصحاب التيار الديني المحافظ يصفونهم بالتحلل والفجور. ولا هم بالمتطرفين أو «إرهابيين» مثلًا، وانتهجوا فكر جودت سعيد، واعتقدوا بضرورة تحقيق التغيير بطريقة النضال اللا عنفي والعمل المدني، ولا هم بالتنظيم السري، فقد طلبوا مرارًا من المخابرات بدلًا من استدعائهم كل مرة للتحقيق أن ترسل عناصر أمن يحضروا اجتماعاتهم ونشاطاتهم، «فلا شيء عندهم يخشون منه»، وهم لا يبحثون إلا عن الإصلاح الذي يدّعيه النظام، وحيث إن نظام الأسد كان يسوّق نفسه حينها على أنه نظام إصلاحي، وكانت عيون العالم تراقب ما يحدث في سورية على أيدي الرئيس الشاب الجديد، تجنّب الأمن اعتقال الشباب واكتفى بتحذيرهم وتنبيههم بأن «العيون تراقب كل تحركاتكم».

 

تراجع نشاط المجموعة لعدة شهور جرّاء ذلك، واقتصر على الاجتماعات واللقاءات داخل البيوت والمزارع، وفي منزل الشيخ عبد الأكرم السقا، حيث كانوا يدعون عددًا من المفكرين من أمثال جودت سعيد، أو المعارضين كميشيل كيلو ورياض سيف، للحديث والنقاش معهم حول أوضاع البلاد وأساليب التغيير. لكن سرعان ما عاودت المجموعة نشاطاتها العلنية من جديد، وبدأت هذه المرّة بالتوجّه مباشرة لقلب المجتمع، ففي صيف العام ٢٠٠٢ أطلقت تحت شعار «حتى يغيروا ما بأنفسهم» حملات خدمية وتوعية شعبية مثل حملة تنظيف داريا، وحملة الحضّ على منع الرشوة، وكان خطاب هذه الحملات موجهًا مباشرة للناس وليس للسلطات، ناصحة إياهم بأن يصلحوا أنفسهم قبل كل شيء، وقد بدأ أفراد المجموعة بأنفسهم أولًا ليكونوا نموذجًا للناس، وخرج فريق منهم يحمل (المكانس) وأكياس القمامة ويلبسون قمصانًا كتبت عليها عبارات تدعو للتغيير الذاتي، وبدئوا ينظفون الشوارع والأرصفة أمام البيوت والمحال التجارية، دون أن يطلبوا من أصحابها المساعدة، بل تركوا الأمر ليتفاعل تلقائيًا معهم، وكان لهم ما تمنّوا.

 

كما قام فريق آخر بطباعة منشورات وملصقات تحضّ على عدم دفع الرشوة، وراحوا يدخلون المحال والبيوت ويقدمونها لأصحابها، ويشرحون لهم الهدف من هذه المنشورات وتأثيرها المباشر على حياتهم.

 

أثارت هذه النشاطات حراكًا مجتمعيًا حقيقيًا، مما دفع الأمن السوري للقيام بحملة استدعاءات وتحقيقات جديدة، تم فيها استنزاف وقت وتركيز أفراد المجموعة، عن طريق استدعائهم بشكل شبه يومي ليمكثوا ساعات طوال في أفرع الأمن، دون أن يوجه لهم سؤال أو اتهام، بقصد الإرهاق فقط،، استدعاءات ترافقت مع الانقلاب على مزاعم الحرية والإصلاح التي روجت مع العهد الجديد للأسد الابن، فأخذ بالقضاء على ربيع دمشق وإغلاق المنتديات السياسية، واعتقال عدد من المعارضين وتضييق الخناق على البقية، مما أجبر أفراد المجموعة على توقيع تعهدات بعدم القيام بأي نشاطات تحت طائلة الاعتقال.

 

بعد الغزو الأميركي للعراق عام ٢٠٠٣، ودعوات الرئيس الأمريكي، حينها، جورج بوش الابن، ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد للقيام بالخطوة التالية نحو سوريا، استغلت المجموعة الفسحة الضيّقة التي أتاحها النظام للناس للتعبير عن رفضهم للعدوان الأمريكي، والتي أراد من خلالها تسويق نفسه كزعامة شعبية ذات ثقل على الأرض، وعلى هذا الأساس خرجت المجموعة في مظاهرة في التاسع من نيسان، تحديدًا في يوم سقوط بغداد، وجابت المظاهرة الصامتة شوارع المدينة وهي تحمل عبارات ظاهرها ضد ما يحصل في العراق، لكن باطنها وهدفها كان موجهاً ضد قمع النظام السوري، وبدا هذا واضحًا في الشعارات التي رفعت يومها.

 

على إثر تلك المظاهرة، وبعد أن كشف النظام السوري عن وجهه الأمني أخيرًا، ولم يعد يقيم وزنًا لما يمكن أن يقال عنه أمام المجتمع الدولي، قام العشرات من عناصر المخابرات السورية المدعومين بالسلاح بحملة مداهمات واسعة في داريا، اعتقلوا خلالها جميع أفراد المجموعة على رأسهم الشيخ عبد الأكرم السقا، وصودرت ممتلكاتهم الشخصية من حواسيب وكتب، ثم أجريت لهم محاكمات صُورية، وحكم عليهم بالسجن لمُدد تتراوح بين عامين لخمسة أعوام، بتهمة «تشكيل تنظيم سرّي بهدف تغيير كيان الدولة»، وجُرّدوا من حقوقهم المدنيّة، ثم خرج معظمهم لاحقًا من الاعتقال قبل انقضاء نصف المدة بموجب عفو عام، مدّة كانت كافية لتحلّ عقد المجموعة، وتفرّق أفرادها الذين اضطرّ بعضهم للسفر خارج البلاد للعمل أو متابعة الدراسة، أو لمجرد الهروب من الضغط الأمني، فيما تم اقتياد آخرين لأداء الخدمة الإلزامية.

 

منذ ذلك الحين، طويت إحدى أهم صفحات الحراك المدني والاجتماعي والسياسي والفكري في داريا، لكنها لم تنطفئ تمامًا، بل ظلت مكبوتة صامتة تنتظر، مع سواها من الصفحات الأخرى في التاريخ والمجتمع السوريين، لحظة الاندلاع والاندفاع مجددًا، لحظة تمثلت في الثورة السورية عام ٢٠١١، والتي أطلقت كل المكبوتات المشتركة على الامتداد السوري، فشارك بها شباب «جماعة زيد» بجانب «مجموعة شباب داريا»، في داريا، كلّ بأفكاره ووسائله، أمام عدو مشترك واحد وعلني، ضمن تفاعل بنّاء إيجابي نادر كذلك، استطاعت داريا به مجددًا أن تجمع الفرقاء والنقائض، كما جمعت في تاريخها بين الفكر والحرب، وفي أبنائها بين الحرفة والحرف، فصلًا من نهوض العمالقة مرة أخرى، يجد مكانًا في روايتنا فيما هو قادم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار