انضم إلينا
اغلاق
بين مشهدين.. تركيا 1950 وجزائر 1991

بين مشهدين.. تركيا 1950 وجزائر 1991

صلاح الدين الملوحي

مترجم وباحث سوري
  • ض
  • ض
المشهد الأول

في الحادي والعشرين من تموز/يوليو عام 1946 عشيّة انتهاء الحرب العالمية الثانية -التي كافحت تركيا خلالها للحياد والبقاء خارج استقطاب الأطراف المتصارعة، وفي ظل رئاسة عصمت إينونو؛ خليفة أتاتورك ورفيق دربه منذ حرب الاستقلال- حصلتْ أولُ انتخابات برلمانيّة تعدديّة في تاريخ البلاد؛ منذ إعلان النظام الجمهوري في 29 تشرين الأول /أكتوبر 1923. وعلى الرغم من فوز الحزب الحاكم (الشعب الجمهوري) في هذه الانتخابات بأغلبية ساحقة (395 مقعداً من أصل 465 مقعداً مقابل 64 مقعداً فقط؛ لمنافسه الرئيس، الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس)[1] إلا أنها (أي الانتخابات) عُدّت -بحق- ميلاداً للديمقراطية في تركيا، وفاتحة لتغيرات كبيرة شهدتها -لاحقاً- الساحةُ التركية مداً وجزراً.
 

الرئيس الراحل عصمت إنونو (غيتي إيميجز)


فبعد حوالي ثماني سنوات من التخفف من إرث أتاتورك الثقيل (توفي عام 1938) ونظام الحزب الواحد الذي أرساه، وعلى وقع الأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشية التي طالت العالم بأسره بعد الحرب العالمية الثانية، وتصاعد رياح التذمر الشعبي، وارتفاع أصوات معارضة داخل صفوف الحزب الحاكم، ارتأت الأوساط الحاكمة في تركيا -وعلى رأسها الرئيس إينونو- إفساح المجال أمام التعددية السياسية، وتخفيف قبضة النظام الحاكم وإجراء انتخابات متعددة الأحزاب.


لكن المفاجأة المدويّة حصلت في الانتخابات التالية، وتحديداً في الرابع عشر من أيار /مايو 1950 حيث حصد الحزب الديمقراطي الذي لم يكمل -حينئذ- عامه الخامس 408 مقاعد، مقابل 69 مقعداً لحزب الشعب الجمهوري؛ من أصل 487 مقعداً[2]. كان هذا الانتصار الكبير بمثابة منعطف حاسم في تاريخ تركيا الحديث، وقفزة نوعية في مسيرة حياتها الديمقراطية، خصوصاً على ضوء رد الفعل الهادئ والسلس الذي قابل به إينونو فوز مندريس؛ حيث أصر على تقديم استقالته عن رئاسة الجمهورية؛ رغم إصرار قادة الحزب الديمقراطي على بقائه رئيساً؛ احتراماً لماضيه واعترافاً بفضله في إضفاء جو مثالي على الانتخابات الديمقراطية.[3] وبذلك تمكنت تركيا -لأول مرة- من ممارسة التداول السلمي للسلطة؛ كأحد أهم أركان التجربة الديمقراطية.


استطاع مندريس المضي بتركيا قدماً في مجال تحسين بنيتها الاقتصادية، وترسيخ تجربتها الديمقراطية؛ بالقدر الذي سمح به وجودُ مؤسسة عسكرية متربصةٍ بكلّ ما تراه انحرافاً عن مبادئ المؤسس أتاتورك؛ شديدة الولاء لها. وكان هامش المناورة لدى مندريس محدوداً وضيقاً، وكانت العيون مسلطة عليه؛ رغم المد الشعبي الذي حازه بسبب حالة الانفتاح والإنجاز، لكن مناكفات السياسيين الناجمة عن ضعف الخبرة السياسية، والناتجة -بدورها- عن جِدة عهد الانفراج الديمقراطي وإرث أتاتورك الثقيل؛ أرخيا بظلالهما على المشهد، وأفسحا المجال أمام الجيش للعودة مجدداً إلى صدارة المشهد.
 

رئيس الوزراء التركي الراحل عدنان مندريس ورئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل بمقر السفارة التركية في لندن (غيتي إيميجز)

وعلى الرغم من الانقلاب الذي حصل عام 1960 بعد عقد من حكم الحزب الديمقراطي، إلا أن تلك الحقبة ظلت ملهمة للأجيال الديمقراطية اللاحقة، وظل شهيدها مندريس رمزاً للتصدي للـ"عسكرتاريا" الحارسة، واستمر ذلك الفاصل الزمني كمرحلة ذهبية في مخيلة الأتراك. ذلك أن عقداً كاملاً من الممارسة الديمقراطية بكل تجلياتها جدير بأن يحفر مداه عميقاً في الذاكرة الجمعية، لاسيما وأن تلك الذاكرة كانت شاهدة على انتكاسات لاحقة وصلت ذروتها القصوى في انقلاب عام 1980، بحيث صار عهد مندريس عصراً مرتجى وزمناً مشتهى شهد انفراجاً على كافة الأصعدة، وفي مقدمتها الحريات الدينية التي تعرضت على يد أتاتورك لضربات شتى. ولا أدل على ذلك من التكريم وإعادة الاعتبار اللذين حظي بهما مندريس لاحقاً.


وبقدر ما لعب رئيس الوزراء مندريس دوراً في التأسيس لأول تجربة ديمقراطية في تركيا؛ بقدر ما كان للرئيس عصمت إينونو فضلُ تسهيل حدوث هذه التجربة؛ من خلال لجمه لتيار الصقور المحافظين في حزبه الحاكم، وإصراره على إحداث التغيير في بلاده، وإفساحه المجال أمام التعددية السياسية، وقبوله خسارة الانتخابات؛ متجاوزاً شرف اشتراكه في حرب الاستقلال، وهالة الصحبة التي جمعته بالمؤسس أتاتورك.!

المشهد الثاني

اندلعت في الخامس من تشرين الأول /أكتوبر 1988 احتجاجات اجتماعية عارمة في العاصمة الجزائر وفي عنابة ووهران وقسنطينة؛ بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية؛ إثر انخفاض أسعار النفط الذي يعدّ مصدر الدخل الأول للبلاد، وقمعَ الجيش المظاهرات بدموية؛ حيث قدرت الإحصائيات بأن عدد القتلى تراوح بين 170 و500 قتيل، فاستغل الشاذلي بن جديد رئيس الجمهورية -آنذاك- فرصةَ الأزمة السياسية التي مرت بها البلاد؛ لفرض رؤيته بتخفيف قبضة الدولة على الاقتصاد، وتخفيض الرقابة على المواطنين، وإنهاء جمود الحياة السياسية والنقابية، وإقرار التعددية السياسية بعد 26 عاماً من حكم الحزب الواحد؛ ممثلاً في حزب جبهة التحرير الوطني التي خاضت حرب الاستقلال، وذلك خلافاً لرغبة خصومه المحافظين أنصار النمط "الدولتي" الذي كان معتمَداً في عهد سلفه المؤسس الحقيقي للجمهورية الأولى هواري بومدين.
 
الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد (على يمين الصورة) ممسكا بيد الرئيس الحالي عبدالعزيز بو تفليقة (رويترز)

تزامن انتهاج رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد مسارَ الإصلاح وإقراره التعددية السياسية مع انتخاب عبد الحميد المهري الرجل المثقف وصاحب النزعة الإصلاحية والتوافقية أميناً عامّاً لحزب جبهة التحرير الوطني في كانون الأول /ديسمبر 1988[4]. ثم أُقرت التعددية السياسية في دستور عام 1989 [5] ونظمت على إثرها انتخابات بلدية في 12 حزيران /يونيو 1990 حازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ على المرتبة الأولى، تلتها في 26 كانون الأول /ديسمبر 1991 الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي فازت فيها -أيضاً- الجبهة الإسلامية للإنقاذ بما نسبته 47.3% من مجمل الأصوات؛ لكن الجيش ألغى نتائج الانتخابات، فاندلعت حرب أهلية مروعة ودخلت البلاد في العشرية السوداء.


دلّ سلوكُ عبدالحميد المهري أميناً عاماً لحزب جبهة التحرير الوطني طيلة تلك الفترة الحساسة (منذ إقرار التعددية عام 1988 ولغاية عام 1996 مروراً بأزمة الإرهاب التكفيري والرسمي التي عرفتها الجزائر؛ ثم تنحيته عن منصبه ونضاله لأجل التغيير والتداول السلمي للسلطة) على طبعه الإصلاحي، وأكد على ذلك اتخاذُه مواقف ناقدة للسلطة وللإسلاميين معاً، فلأول مرة يُدخل المهري حزبَ جبهة التحرير الوطني في خندق المعارضة؛ منذ توقيف المسار الانتخابي في 1992..

كما لعب أثناء الأزمة الأمنية والسياسية في تسعينيات القرن الماضي دوراً فعالاً في تنشيط مبادرات المصالحة الوطنية أمام إصرار السلطة القائمة -آنذاك- على اعتماد الحل الأمني والاستئصال السياسي والأيديولوجي. بالمقابل لم يكن المهري مهادناً للإسلاميين؛ ففي مناظرته المشهورة مع عباسي مدني على قناة التلفزة الجزائرية عام 1991 عبّر عن رفضه لكثير من المقولات التي طرحتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وإنما كان مؤيداً لحقهم السياسي في الوجود والانتخاب واستلام السلطة.[6]


يمكن تشبيه الثنائي (المهري والشاذلي) بالرئيس التركي عصمت إينونو الذي كسر بدوره الجمود السياسي في بلاده؛ بعد احتكار حزب الشعب الجمهوري للمشهد، وأفسح المجال لزحزحة الواقع السياسي القائم منذ إعلان الجمهورية. لكن هل كانت فعلاً الجبهة الإسلامية للإنقاذ مدركة لحساسية الظرف ومتملكة للأدوات والخطاب الوطني المنفتح الذي كان عليه حزب مندريس الديمقراطي، وواعية لموقع ومكانة وطبيعة الدولة الجزائرية؟! وهل كان لدى المهري والشاذلي القدرة على كبح جماح الدولة العميقة وضمان انصياعها لمقتضيات الانتقال السياسي؛ كما كان عليه حال إينونو؟! وأخيراً هل كان لدى جنرالات الجزائر من الوعي السياسي والحس الوطني ما يجعلهم يعودون إلى الثكنات بعد انقلاب عام 1991 ويخلون الساحة للسياسيين كما كان جنرالات الجيش التركي يفعلون بعيد كل انقلاب (عدا انقلاب 1980)؟!

عبدالحميد مهري (غيتي إيميجز)


إنَّ مسار الأحداث اللاحقة وواقع التصريحات والمواقف السياسية التي اتخذها طرفا السلطة والمعارضة تجعلنا نجيب بـ"لا" كبيرة على هذه الأسئلة، إذ كرّستِ الاجتماعاتُ الحاشدة التي نظمها أنصارُ جبهة الإنقاذ المخاوفَ الإقليمية والدولية من وصول هذا الحزب إلى السلطة، وسواء كانت ظنون الدول المحيطة والبعيدة حول سعي "الإنقاذ" لتغيير الخرائط، وضرب الاستقرار، وتهديد مصالح الجيران، وإنهاء الديمقراطية، وأسلمة الدولة.. صحيحة أم خاطئة وتحمل مبالغة..

إلا أن سلوك جبهة الإنقاذ -في الأيام التي تلت انتصاريْها- لم يكن مدعاة للاطمئنان؛ بل باعثاً على توجس القريبين والبعيدين. أما على صعيد السلطة فلقد كشفت الأحداث اللاحقة أنّ مشروع الجنرالات في الجزائر سلطوي بحت؛ ولا ينطوي على أي قدر من التحديث، ويخلو من أي نزعة تقدمية، وأن صوت الاحتجاج داخل السلطة هش وغير قادر على وقف المسير نحو القاع وضبط عنف السلطة الأعمى وشبقها الغريزي للتغول.


كان موقف المهري من الطرفين وصوته المنادي بالإصلاح ضائعاً وسط فوضى الإرهاب وشبيهاً بموقف إينونو لما رأى إفراط مندريس بثقته بذاته، وتماديه في الاستخفاف بخطر الجيش المتوثب، فخاطبه قائلاً في الجمعية الوطنية الكبرى وبلهجة كلها تحذير وشفقة: "إذا استمررتم بالسير في هذه الطريق؛ فحتى أنا سأكون عاجزاً عن إنقاذكم".[3] واستمر المهري في نضاله؛ لأجل إقامة نظام حكم ديمقراطي، ودعا في رسالته التي وجهها للرئيس الجزائري بوتفليقة في شباط /فبراير 2011 بعد شهرين فقط من انطلاقة الربيع العربي إلى تقييم نقدي شامل لنظام الحكم وممارساته منذ الاستقلال، وإلى إنشاء الجمهورية الثانية، إلى أن وافته المنية في30 كانون الثاني /يناير 2012.[7]


عجزت الجزائر عن تأسيس عشرية بيضاء كما حصل في تركيا، وحلت محلها عشرية سوداء، امتدت آثارها حتى اليوم، وانعكس صداها بموقف شعبي -فضلاً عن رسمي- نافرٍ من ثورات الربيع العربي، ومستعد للقَبول بعاجزٍ على سدة الرئاسة؛ بينما ألهمت عشرية تركيا الذهبية أجيالاً من الديمقراطيين لمواصلة كفاحهم الذي تُوِّج بالانتصار النهائي مع الصرخة الأخيرة للـ"عسكرتاريا" في 15 تموز /يوليو 2016.

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


آخر الأخبار