انضم إلينا
اغلاق
لماذا فزع العالم من فوز ترمب؟

لماذا فزع العالم من فوز ترمب؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

"حسنًا، إذا قررت يومًا ما أن أخوض الانتخابات فسوف أفضل أن أفعل ذلك كديمقراطي وليس كجمهوري، هذا لا يعني أنني أكثر ليبرالية؛ (فأنا أصنف نفسي كمحافظ بشكل ما) ولكن؛ لأن هؤلاء العمال سوف يعطوني أصواتهم، إنهم يحبونني".

دونالد ترمب في حديث لمجلة بلاي بوي في عام 1999
 

يجلس المقدم التلفازي المتقدم في العمر، وقطب الأعمال الشهير، على مقعده الوثير أمام الكاميرا، يستمتع بتوجيه نظراته الصارمة إلى المتسابقين في برنامج "تلفاز الواقع" الذي يقدمه، وبينما يجلس ثلاثة متسابقين في مواجهته ينافسون على فرصة عمل في إحدى شركاته؛ يمارس هو هوايته المفضلة في التلاعب بأعصابهم.
 

تتحرك الكاميرا ببطء لترصد الانفعالات على وجوهم، بينما لا يبدو أنه (هو) يواجه أي صعوبة في الاحتفاظ بثباته الانفعالي ونظراته الباردة، ويترقب الجمهور بشغف سماع جملته الشهيرة: "أنت مطرود" التي يوجهها لمتسابق تلو الآخر، تلك الجملة التي لم يكن يدري أنه سيوجهها يومًا ما إلى الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" على الهواء مباشرة، وسط صيحات الجماهير المتحمسة.
 

 (رويترز)

 

يمكن تصنيف "دونالد" على أنه شخصية مسرحية يعشق الكاميرا وتعشقه، وبإمكان وسائل الإعلام أن تهاجم "ترمب" كيفما شاءت، ولكنها لم يكن بمقدورها يومًا أن تتجاهله. هذا الاهتمام الإعلامي الكثيف يجعل محاولة تتبع أفكار "ترمب" وقراءة سياساته المحتملة، من خلال تصريحاته الإعلامية الغزيرة، مهمة مضنية وشاقة وعبثية إلى أقصى حد؛ حيث يمكننا أن نرصد للرجل الموقف ونقيضه في جميع القضايا الشائكة تقريبًا، وعلى فترات متقاربة. فـ"ترمب" الذي صار الآن رئيسا لأقوى دولة في العالم؛ متمتعًا بدعم الحزب الجمهوري، والذي يُنظر إليه كرئيس قادم من أقصى يمين الطيف السياسي، سبق أن وصف نفسه يومًا، كما أشرنا أعلاه، في مقابلة مع "وولف بيلتزر" أنه يعرف نفسه أكثر كديمقراطي، كما سبق أن أشاد بغريمته "هيلاري كلينتون"، وقال إنها أفضل شخص يمكنه أن يعقد اتفاقًا مع إيران، كما أعلن يومًا أنه من المؤيدين لحق الإجهاض.
 

بجانب "ترمب" نجد "سلافوي جيجك"، يوصف السلوفيني المرح بأنه الفيلسوف النيوماركسي الأكثر خطرًا على الغرب؛ حيث لا يزال الفيلسوف -الأشهر في أوروبا الشرقية- يؤكد على تمسكه بالشيوعية في ظل يأسه من الأوضاع في أوروبا، إلا أن "جيجك" نجح في إثارة اليسار الأمريكي ضده حين صرح أنه لو كان أمريكيًا لصوت لصالح "ترمب"، المرشح اليميني المتطرف من وجهة نظرهم. ومن المؤكد أن "جيجك" لم يكن يقصد تأييد "ترمب" الذي وصفه بأنه "شخصية مريعة"؛ ولكن الجدل الذي أثاره يمكن أن يقودنا إلى أحد المفاتيح الهامة في تفسير نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة.
 

لا نحتاج إلى جهد كبير كي نؤكد أن الإعلام السياسي في الولايات المتحدة والغرب لا يحب "دونالد ترمب"، ويميل إلى إظهاره كمرشح يميني متطرف، ويحب تصوير ناخبيه على أنهم حفنة من الفاشيين المتعصبين، في حين يمكننا أن نجزم أن "ترمب" نفسه لا يملك نظرة مستقرة حول طبيعة انتمائه السياسي، وهو لا يهتم بذلك بالأساس، و على الأغلب لن نكون مخطئين إن زعمنا أن الناخبين المرجحين لكفة "ترمب" صوتوا له بدوافع يمكن وصفها بأنها "يسارية" في معظمها.!
 

"ترمب"  شخص يعرف نفسه أكثر مما تظن وسائل الإعلام.

رويترز
 

لا يمكننا أن نصنف أفكار "ترمب" الأساسية المعارضة للتجارة الحرة، والمناهضة للإفراط في التدخلات العسكرية، وتلك النزعة القومية للانكفاء على الداخل على أنها أفكار اليمين الأمريكي التقليدية، على الرغم من أن هذه الإشارات الجوهرية تم تجاهلها من قبل وسائل إعلام آثرت صناعة حالة أكثر رواجًا ولمعانًا حول مواقف "ترمب" من المرأة والأقليات والهجرة، إلا أن تلك الأفكار الأساسية "غير اليمينية بحال" هي التي أكسبت "ترمب" معظم الأصوات الحاسمة.
 

"ترمب" هو شخص يعرف نفسه أكثر مما تظن وسائل الإعلام، والمفارقة الكبرى هي أن هؤلاء العمال البيض الذين تحدث عنهم قبل قرابة عقدين؛ مؤكدًا أنهم يحبونه ويحبون أفكاره، هم في الواقع من مهدوا له الطريق إلى البيت الأبيض، هؤلاء العمال البيض الذين ظلوا يصنفون تاريخيا على أنهم من فئة الناخبين التقليديين للحزب الديمقراطي.
 

إحباط الرجل الأبيض: وفاة اليسار، واليمين أيضًا

إذا نحينا الصراعات المحتدمة والمناظرات والتراشق الإعلامي المتواصل بين المرشحين والجماهير، يمكننا النظر إلى الانتخابات الأمريكية على حقيقتها كلعبة تحكمها العديد من القواعد الضمنية المتعارف عليها. أكثر من 80% من الولايات الأمريكية غالبًا ما تكون نتائجها محسومة بشكل مسبق قبل إجراء الانتخابات، ففي حين تصوت الولايات الجنوبية والوسطى بشكل تقليدي لصالح الجمهوريين، يؤمّن الديمقراطيون أصوات ولايات الساحل الغربي والشمالي الشرقي بشكل دائم. وتبقى هناك بضعة ولايات هي التي تحسم فعليًا النتائج. في غفلة من استطلاعات الرأي، وحملات وسائل الإعلام، و"هيلاري كلينتون"، وربما "ترمب" نفسه؛ قررت هذه الولايات أن تمنح أصواتها لصالح المرشح "الأضحوكة" الذي أثار سخرية الجميع.

دونالد ترمب أثناء حملته الانتخابية (وكالة الأنباء الأوروبية)


لم تعط ولاية حجر الأساس التاريخية أصواتها أبدًا لمرشح الجمهوريين منذ فوز "بيل كلينتون" بمقعد الرئاسة عام 1992، ولكن الأمور تغيرت كثيرًا في بنسلفانيا الآن. ويمكنك أن تلمس الإحباط المتزايد في صفوف هؤلاء العمال البيض الذين يتعاطى الكثير منهم المخدرات المباعة علنًا اليوم في شوارع لوزيرن، وهناك أيضًا واحد بين كل أربعة أطفال ينمو في بيئة فقيرة، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق.
 

تشهد أمريكا اليوم موت الرجل الأبيض حقيقة لا مجازًا، في الوقت الذي تنخفض فيه معدلات أعمار الرجال البيض إلى مستويات مدهشة، وترتفع نسب الوفيات بسبب الاكتئاب وتناول الكحوليات والأمراض المزمنة.
 

مع سيطرة هذا النوع من المشاعر مع قدوم الموسم الانتخابي، كان "ترمب" هو الرجل المناسب تمامًا، مرشح بتوجهات عشوائية مع ناخبين محبطين، فمن السهل أن تقنع هذه الجموع من اليائسين أن المهاجرين هم المتسبب الأول في أوضاعهم الاقتصادية المتردية، خاصة إذا كانت الإحصاءات والنسب تؤيدك في ذلك. فخلال عشر سنوات فقط، بين عامي 2000 و2010، ارتفعت أعداد المهاجرين في لوزيرن بنسبة 479%، هذه الموجة من هجرة الإسبان إلى ولايات حزام الصدأ هزت بعنف هذه الولايات التي كانت تعتبر بيضاء بطبعها.
 

أثار صعود "ترمب"، ومن قبله "بيرني ساندرز"، الإعلام الأمريكي بشكل كبير. ورغم أن الرجلين يقفان على طرفي نقيض الطيف السياسي، فإن صعودهما المتزامن قد أثار الانتباه إلى التشابه الكبير بينهما. يتفق "بيرني" (ممثل أقصى اليسار من وجهة نظر النخبة التقليدية) مع "ترمب" (اليميني المتطرف من وجهة نظرها أيضًا) على عدة أمور وسياسات جوهرية تشمل تقييد اتفاقات التجارة الحرة، وزيادة مخصصات الضمان الاجتماعي، وفرض ضرائب تصاعدية على الدخول، ومعارضة التدخلات العسكرية الخارجية، وحتى إن كلا منهما يحمل نفس النظرة حول تأثير موجات الهجرة على أجور الطبقات العاملة، تشير عدة استطلاعات أن العديد من مؤيدي "ساندرز" اختاروا التصويت لصالح "دونالد ترمب".
 

بتنحية وجه "ساندرز" اليساري، ووجه "ترمب" اليميني، فإن أبرز ما يجمع بين الرجلين هي النظرة "القومية" المائلة للتركيز على الداخل الأمريكي، وإعطاء اهتمام أقل للصراعات العالمية. وقد ظهرت هذه القومية الجديدة بشكل أساسي في مواجهة الليبرالية الجديدة، النظام السياسي والاجتماعي الذي أفرزه الاقتصاد المتمركز حول التجارة الحرة. والجدير بالملاحظة هنا؛ هو أن هذا التوجه لا يقتصر فقط على الولايات المتحدة، حيث إن هناك موجات مماثلة تهب في جميع أنحاء العالم؛ إذ يقوم اليمين الجديد واليسار الجديد باكتساح الأنظمة الليبرالية التقليدية في معاقلها.
 

بيرني ساندرز.

وكالة الأنباء الأوروبية
 

بالإمكان رصد انتشار هذه القومية الجديدة بجناحيها اليميني واليساري: على اليمين، تشهد أوروبا صعود أحزاب؛ مثل حزب الجبهة الشعبية في فرنسا، المرشح الأبرز لحسم الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017، وحزب الديمقراطيين في السويد وحزب فيدسز في المجر، الذي ينتمي إليه الرئيس "بيتر أوربان" وغيرها. هناك أيضا الجناح اليساري للظاهرة والذي تمثله أحزاب مثل أحزاب سيريزا في اليونان وبوديموس في أسبانيا.

ورغم الاختلافات الكبيرة في برامج هذه الأحزاب؛ فإنها جميعها تشترك في ملامح محددة: الدعوة إلى تدخل أكبر للدولة في ملفات الرعاية، ومناهضة العولمة، والدعوة إلى الانكفاء على الذات. ولذلك فإننا نحتاج أن ننحي جانبًا نظرتنا التقليدية إلى اليمين واليسار، من أجل أنهم سبب الارتباك في تفسير بعض الأحداث السياسية الصادمة مثل "بريكسيت" وفوز "ترمب"، نظرا لأن ما يحدث في واقع الأمر ليس هو ذلك التداول "البندولي" التقليدي بين اليمين واليسار، بقدر ما يعبر عن رد فعل عنيف عالمي عنيف جدا، وعشوائي إلى أقصى درجة، تجاه هيمنة النيوليبرالية.
 

العودة إلى الوراء: انحسار الديمقراطية الليبرالية

"الانتخابات النزيهة هي جوهر الديمقراطية وشرطها الذي لا غنى عنه. ورغم أن الحكومات التي تنتجها الانتخابات قد تكون غير فعالة وفاسدة، وتتبنى سياسات تخالف الصالح العام؛ إلا أن ذلك لا يجعلها غير ديمقراطية".

صمويل هنتنغتون
 

في الأربعاء التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني)، صبيحة يوم الانتخاب، بات واضحًا أن "ترمب" حسم السباق لصالحه بشكل مفاجئ. وبينما يحتشد المتظاهرون في العديد من الولايات الأمريكية، نيويورك وكاليفورنيا ولوس أنجلوس وغيرها. مع حضور واضح للشباب من طلبة الجامعات، والأقليات اللاتينية؛ بدت الهتافات وكأنها قادمة من إحدى دول العالم الثالث، هتافات على شاكلة "ليس رئيسي"، و"نحن نرفض الرئيس المنتخب". بينما يتم تنسيق التظاهرات المعترضة على نتيجة الانتخابات عبر مجموعات التواصل الاجتماعي؛ في مشهد شديد الشبه بتظاهرات الربيع العربي.
 

جمع من الشعب الأميركي الرافض لترمب  (وكالة الأنباء الأوروبية)

 

نحن لسنا في مصر أو تونس.. لسنا حتى في إيران أو روسيا أو أوكرانيا.. نحن الآن في الولايات المتحدة، قلعة الديمقراطية الليبرالية. ليس من المألوف هنا أن يتظاهر الناس ضد نتائج الانتخابات، ولكن ليس من الشائع -أيضًا- أن يصل إلى البيت الأبيض مرشح يجهر بمواقف عنصرية تجاه فئات بعينها من المجتمع، إلا أن الأمور كلها تغيرت الآن، ولم تتغير بسبب "ترمب" أو يقم هو بتغييرها بالطبع. في حقيقة الأمر، فإن التغييرات التي نراها اليوم بدأت منذ زمن بعيد نسبيًا.
 

يعرف العاملون في أوساط مجتمعات استطلاعات الرأي اسم السير "فرانسيس جالتون"، عالم الرياضيات البريطاني ابن القرن الثامن عشر، والمنتمي للأجيال الأولى من الإحصائيين، والذي يحمل في جعبته مفتاح تفسير صدمة فوز "ترمب"، على العكس من تنبؤات جميع استطلاعات الرأي.
 

تعد مشكلة جالتون إحدى المشكلات الرئيسية في عالم الاستطلاعات، ويمكن تلخيصها ببساطة بأن استطلاعات الرأي غالبًا ما تتعامل مع بعض الأحداث بشكل مستقل، في حين أنها تكون في حقيقتها مترابطة ومتصلة بروابط غير واضحة. ووفقًا لهذه النظرية، فإن ما يجعل الاستطلاعات تفشل في التنبؤ ببعض الأمور، ليس كونها أمورًا غير متوقعة، أحيانًا تكون الأمور ظاهرة لدرجة أنه يمكن التنبؤ بها عن طريق الحدس؛ ولكن لأن البنية الرياضية للاستطلاعات غالبًا ما تفشل في التعامل مع مثل هذه الأمور.
 

أثناء حملته الانتخابية، أكد "ترمب" أن انتصاره سوف يكون مفاجئًا تمامًا مثل "بريكسيت"، ولا أحد يعلم إذا ما كان "ترمب" كان يعي بشكل دقيق حجم الارتباط بين الحدثين، قبل تحول هذا الارتباط إلى نغمة سائدة في الصحافة العالمية خلال الأيام الأخيرة.
 

دونالد ترمب أثناء حملته الانتخابية.

رويترز
 

دعونا نشرح الأمر ببساطة، لا تحدث التحولات السياسية الكبرى بمعزل عن بعضها البعض، ولا يمكن حبسها ضمن إطار حدود جغرافية لمنع انتقالها، فالأمر يشبه إلى حد كبير سقوط أحجار الدومينو المتراصة بمجرد سقوط أولها، وهي الظاهرة التي خبرها العالم بوضوح خلال ثورات الربيع العربي؛ حيث انتقلت من بلد إلى آخر بشكل فيروسي. هذه الظاهرة ليست جديدة أيضًا، فتخبرنا هنا الأدبيات الكلاسيكية للعلوم السياسية أن الديمقراطية مثلًا اجتاحت العالم من خلال موجات، آخر هذه الموجات وأبرزها هي الموجة الثالثة التي بدأت في منتصف السبعينيات وامتدت حتى التسعينيات. وهي موجة بدأت في التراجع بشكل ملحوظ منذ عام 2005، تراجع يأتي على شكل موجة أيضًا. ومنذ ذلك الحين تشهد مبادئ الحرية والمشاركة السياسية تراجعًا ملحوظًا، وفي العامين الأخيرين على وجه الأخص تكثفت المخاوف العالمية بشأن مستقبل الديمقراطية.
 

هذه الديمقراطية في المفهوم الغربي، لا تعني فقط حكم الشعب عبر الانتخابات النزيهة، ولكن تعني الديمقراطية الليبرالية التي تتزاوج فيها مبادئ الديمقراطية مع الليبرالية الدستورية الشاملة مبادئ حكم القانون، والفصل بين السلطات، واحترام الأقليات والحقوق الفردية، ولكن هذا الزواج الكاثوليكي يصل الآن إلى نهايته. قبل سبع سنوات فقط كانت 22% من الدول الديمقراطية غير ليبرالية، قبل أن ترتفع النسبة إلى 35% قبل خمس سنوات، وهي الآن تواصل الارتفاع، في ظل زيادة عدد المبشرين بهذا النظام عالميًا. الأدهى من ذلك، أننا لا نحتاج إلى دقة كبيرة في الملاحظة كي ندرك خفوت نغمة التبشير الديمقراطي في الخطاب الغربي، وتراجع أولوية حقوق الإنسان خلال العامين الأخيرين.
 

عالم دونالد ترمب



على الرغم من هجومه المستمر عليه طوال حملته الانتخابية، إلا أن "ترمب" في سياسته الخارجية، من المرجح أن يسير على نفس النهج الذي انتهى إليه "أوباما"، وهو أن على كل حلفاء الولايات المتحدة أن يتحملوا مسؤولية الدفاع عن أنفسهم.
 

أهلا بكم في عالم "دونالد ترمب"، أو عالمنا الذي يعد "ترمب" علامته التجارية. ليس هناك شك أن "ترمب" سوف يكون رئيسًا لا مثيل له في كثير من النواحي، فالرجل لم يسبق له أن خدم في وقت سابق في أي مناصب عامة ولا حتى في الجيش الأمريكي، ولكن هواة المقارنات يحبون دومًا المقارنة بين "ترمب" وبين الرئيس الأمريكي الأسبق "رونالد ريغان"، حتى إن "ترمب" نفسه لم يخف إعجابه بهذه المقارنة. وبخلاف استخدام "ترمب" نفس الشعار الذي استخدمه ريغان في حملته الانتخابية عام 1980: "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" فإن كلا الرجلين قدم إلى البيت الأبيض بخلفية سياسية محدودة، وللمفارقة فقد سبق لـ"ريغان" تقديم أحد برامج الترفيه التلفازية، كما أن كلًا منهما لم يكن على وفاق مع النخب التقليدية ووسائل الإعلام وقت صعوده.
 

لكن التاريخ الأمريكي سيظل يعرف "ريغان" على أنه الرئيس الذي نجح في حسم الحرب الباردة وتقويض الاتحاد السوفيتي، والتبشير بالقيم الأمريكية عالميًا؛ بينما على النقيض يمكن اعتبار "ترمب"، على الأغلب دون أن يدري، من مؤيدي القومية الجديدة، أو نظرية صفر الأقطاب. يؤمن أنصار هذه النظرية بعالم تتحمل فيه القوى الكبرى مسؤوليات أقل تجاه التدخل في الشؤون العالمية، وأن على كل أمة أن تقوم على نفسها وأن تراعي مصالحها بشكل رئيس، وهو ما كانت تدور حوله حملة "ترمب"، التي حذر خلالها مرارًا من أن غريمته هيلاري كلينتون قد تقود العالم إلى حرب عالمية ثالثة؛ بسبب سياساتها في سوريا.
 

المناظرة التي جمعت بين مرشحي الرئاسة للولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب وهيلاري كلينتون. (رويترز)

 

يؤكد "ترمب" دومًا على سياسة "أمريكا أولا"، مشيرًا إلى أن بلاده لا تحمل أي التزامات تجاه نشر قيم سياسية بعينها، ولا يعبأ "ترمب" بالحذر الأمريكي التقليدي في التعامل مع الأنظمة السلطوية، أو تلك التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل ملحوظ، فليس من المستغرب -إذن- في عالم "ترمب" أن يصبح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول المهنئين، أو أن يعرب رئيس النظام السوري عن أمله في أن يصبح "ترمب" حليفًا له.!
 

وعلى عكس "ريغان"، يبدو أن "ترمب" يميل إلى سياسات أكثر هدوءًا مع روسيا، بعيدًا عن أوهام الصداقة الحميمة التي تروجها وسائل الإعلام حول علاقة "ترمب" و"بوتين". لا يرغب "ترمب" في أن تتحمل الولايات المتحدة وحدها تكلفة احتواء روسيا، ويمكن لهذه النظرة أن تفسر انتقاد "ترمب" المستمر لحلف الناتو، ومطالبته لدول أوروبا الشرقية بلعب دور في الدفاع عن نفسها في مواجهة الاندفاع الروسي.
 

ورغم أن "ترمب" مهووس بالصين، التي وصفها يومًا ما بأنها العدو الأول، وأكد مرارًا أنه سيقوم بفرض ضرائب كبيرة على المنتجات الصينية، وعلى الشركات الأمريكية التي تقوم بتصنيع منتجاتها في الصين؛ مما يهدد بنشوب حرب تجارية، حيث تبادلت الولايات المتحدة والصين الاتهامات بالفعل بشأن الانتهاكات في منظمة التجارة العالمية، وعاقبت كل منهما الأخرى برفع التعريفة الجمركية على بضائع الطرف المقابل في الأشهر الأخيرة، إلا أنه لم يخف استياءه من ارتباط الولايات المتحدة بمعاهدة دفاع عن اليابان، في الوقت الذي يحظر فيه الدستور على الجيش الياباني إرسال قوات عبر البحار. يسخر "ترمب" من هذا الوضع بقوله: "إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم فإن كل ما سيفعله اليابانيون هو الجلوس أمام شاشات سوني لمتابعة الأحداث"
 

دونالد هتلر

على الرغم من العنصرية الطاغية على خطاب "ترمب"، إلا أن أيًا من السياسات التي يدعو إليها لا تعد غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي.

رويترز

هل يشبه "دونالد ترمب" حقًا "أدولف هتلر"؟ وهل ينوي "ترمب" تحويل الولايات المتحدة إلى دولة شعبوية؟ وهل يمكن أن نشهد صعود فاشية جديدة في واشنطن؟
 

هذه أمثلة لبعض علامات الاستفهام التي نجدها اليوم على صفحات الصحف الأمريكية، والتي انحازت بأغلبية ساحقة -غير مسبوقة- ضد "ترمب" في السباق الانتخابي. بالنسبة إلى الإعلام، فإن "ترمب" هو أحد هؤلاء الشعبويين ذوي القدرات الفطرية القادرين على فهم أمزجة شعوبهم وتقلباتها، وكيفية التحكم فيها وتوجيهها، في الوقت الذي لا يملكون فيه رؤى حقيقية.
 

عبر وصفه بالشعبوية أو الفاشية، فإن الإعلام لا يرغب -فقط- في توظيف هذه المصطلحات للحط من قيمة الأفكار والسياسات التي يتبناها "ترمب"؛ بقدر ما يرغب في الحط من قيمة "ترمب" نفسه، الذي لا يبدو أنه ينزعج كثيرًا من هذه الأوصاف. فـ"دونالد"، الملياردير شديد الثراء، ليس قادمًا من عالم المهمشين التقليديين؛ ولكنه نجح في إقناع هؤلاء أنه لا ينتمي إلى دائرة النخب التقليدية الفاسدة في السياسة الأمريكية، وأن الإعلام يهاجمه لأنه كذلك.
 

يقتات "ترمب" -إذن- على عداء وسائل الإعلام له الذي يكسبه في كل يوم قوة هائلة. ويبدو أن تلك الظواهر التي نحتها الإعلام الأمريكي حول "ترمب" مثل Trumping أو Trumpism أسهمت في إكسابه مزيدًا من الشعبية والجاذبية؛ حيث لم يعد مجرد شخص وإنما أصبح ظاهرة، وبالنسبة إليه، لم تكن هناك خدمة يمكن أن تقدم إليه أفضل من تلك.
 

على الرغم من العنصرية الطاغية على خطاب "ترمب"، إلا أن أيًا من السياسات التي يدعو إليها لا تعد غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي. في عام 1850 قام مناصرو حزب أمريكي يحمل اسم "لا نعرف شيئا" بوصف الألمان والأيرلنديين بأنهم عملاء للبابا وأنهم يمثلون تهديدًا للبلاد. في وقت لاحق قام العمال البيض بحملة واسعة ضد المهاجرين القادمين من الصين الذين ألقوا عليهم اللوم في ضعف الأجور، وقام النواب الاتحاديون بالاستجابة لهم بمنع الصينيين من دخول الولايات المتحدة. وحتى الخطاب العدائي للمسلمين كان شائعًا على ألسنة المحافظين الجدد الذين سيطروا على إدارة الرئيس الأمريكي "جورش بوش الابن".
 

وقد عرفت الولايات المتحدة -عبر تاريخها- حقبًا عديدة من تطبيق الحمائية الاقتصادية وتقييد التجارة. ما يفعله "ترمب" ليس إلا إعادة طرح سياسات قديمة في بيئة صارت مستعدة لتقبلها أكثر من أي وقت مضى. ليس "دونالد" هو من سيكتب نهاية العالم بشكله الحالي الذي نعرفه؛ لكنه هنا اليوم كي يخبرنا أن العالم تغير بالفعل، وأن صعوده ليس سوى إحدى العلامات الأبرز على ذلك.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار