انضم إلينا
اغلاق
قلب داريا.. مشهد الثورة

قلب داريا.. مشهد الثورة

عبيدة عامر

محرر سياسية
  • ض
  • ض

بينما كان تمام أبو الخير يسير في سوق مدحت باشا، المعروف بسوق"الحريقة "في دمشق القديمة، ذاهبًا لشراء عباءة؛ سمع من بعيد صوت المظاهرة الشهيرة التي اندلعت قبل بداية الثورة في ١٧ فبراير(شباط)عام ٢٠١١، في ذات اليوم الذي خرج به بن علي زين العابدين في تونس قائلًا: "أنا فهمتكم"، وبعد أقل من شهر على اندلاع ثورة مصر، فعاد سعيدًا مندفعًا لوالده ليبلغه بما جرى، فلم يصدقه، فأقسم له أنهم كانوا يهتفون: «الموت ولا المذلة»، بينما يصر والده على تكذيبه في حضرة جارهم، في سوريا الأمن والخوف، حتى ذهب إلى الداخل فقالت له والدته: «والله ليشحرك أبوك» بلهجة «ديرانية» مجردة.

 

بعد ذلك كان الحشد قد بدأ لأحد أيام الغضب السورية، في الثامن من أبريل (نيسان)، وبدأت المناشير تصل هنا وهناك في دمشق وفي داريا نفسها، ولم يكن موسى أبو الفاروق حينها يصدق أن أي شيء ممكن قد يحدث بسبب «حكم البعث»، إلا أن كل الواقع خالف كل شيء.

خرجت أول مظاهرة في دمشق في ١٥ مارس (آذار)، ثم انفجرت بكليتها في ١٨ مارس (آذار) بـ "درعا"، ولم تتوقف منذ ذلك الحين

رويترز

خرجت أول مظاهرة في دمشق في ١٥ مارس (آذار)، ثم انفجرت بكليتها في ١٨ مارس (آذار) بـ "درعا"، ولم تتوقف منذ ذلك الحين، وخرجت داريا، المستعدة اجتماعيًا وفكريًا وسياسيًا، في الأسبوع التالي مباشرة، في ٢٥ مارس (آذار) بأول مظاهرة لها في الثورة، وقمعها «الشبيحة» والبعثيون في المدينة، دون أن يمنع ذلك القمع القطار الداراني الهادر من الخروج، حيث «قبض الدارانيون الثورة بجدّ» منذ تلك اللحظة، كما يروي تمام، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، فكانوا يخرجون كل جمعة رغم التشديد الأمني  والعسكري، ووقوع داريا في «مثلث القوة»، قرب مطار المزة العسكري، والفرقة الرابعة، والقصر الجمهوري في دمشق.

 

في «الجمعة العظيمة» بـ ٢٢ أبريل (نيسان) ٢٠١١، وقف الدارانيون بما يليق بقيمة الجمعة واللحظة الثورية، وخرجت مظاهرة حاشدة شارك فيها قرابة ١٥ ألف متظاهر، دمروا خلالها تمثالي الرئيس الراحل حافظ الأسد وتمثال ابنه باسل من الشارع المسمى باسمه، من ثم بدأ التحول من السلمي للدموي في لحظتها، حيث سقط أول ثلاثة أشخاص في داريا وهم: عمار محمود، وليد خولاني، والمعتز بالله الشعار.

 

في اليوم التالي خرجت أكبر مظاهرة في سوريا حتى ذلك الحين، حيث يروي كل من موسى وتمام خروج أكثر من مائة ألف متظاهر في اليوم نفسه في «تشييع الشهداء»، وأعلنت المدينة الحداد ثلاثة أيام. 

 

كبرت المظاهرات شيئًا فشيئًا، وكبر معها التنسيق والعمل المدني مترافقًا مع كثرة القتلى والمعتقلين، فصارت الحاجة للتنسيق والعمل أكبر، من ثم بدأ الاعتماد على «أهل الخير» كما أطلق عليهم، وكان التنسيق يتم في المنازل، وتوزعت المهام من خلال الإبلاغ عن المظاهرات ورسم الجيرافيتي على الجدران، وتوزيع المنشورات والإسعاف والتصوير والنشر، ثم أصبح هناك كفالة العوائل والعمل الطبي والإغاثي، عن طريق التنسيقيات نفسها.

 

لعب التنافس الفكري ما بين التيار السلمي، الذي سمى نفسه بـ «شباب داريا» والمعتنق لأفكار جودت سعيد الداعية إلى اللاعنف، والذي أخرج ناشطين معروفين على مستوى سوريا بالكامل منهم: غياث مطر ويحيى شربجي، تيار ظهر دوره بالمظاهرات ذات الطابع السلمي وتجلت حركته في رفع الورود والعبارات واللافتات التي كانت ترفض الطائفية والعنف، وما بين تيار «مسجد زيد» الأكثر حركية وفعالية، وصاحب الدور الأكبر مساحة من منافسه في العمل المسلح ، دورٌ إيجابي حضر على مستوى التنافس في التنسيق، حيث تشكلت «تنسيقيتان» في المدينة تنافستا فيما بينهما على الثورة والحراك الاجتماعي والميداني والمظاهرات.

بدا أن المدينة خرجت عن سيطرة النظام تمامًا، فوجه النظام أولى ضرباته باعتقال الناشطين السلميين "يحيى شربجي" و"غياث مطر" بكمين مدبر

مواقع التواصل الإجتماعي
 

استمرت المظاهرات، ومع أول رمضان في الثورة في سبتمبر (أيلول) ٢٠١١، كانت داريا تشهد عدة مظاهرات بشكل شبه يومي، وبدا أن المدينة خرجت عن سيطرة النظام تمامًا، فوجه النظام أولى ضرباته باعتقال الناشطين السلميين "يحيى شربجي" و"غياث مطر" بكمين مدبر، وطاف بهم المدينة، ثم أعاد في ١٦ من نفس الشهر جثة غياث مشوهة وممثلٌ بها، في رسالة واضحة تهدف لبث الرعب في صفوف ثوار داريا.

 

قبل ذلك بقليل، بدأ التفكير بالعمل المسلح مترافقًا مع بداية الانشقاقات في داريا، رغم قلتها، ومن المناطق القريبة من داريا مثل "المعضمية"، وفي دمشق مثل "كفرسوسة"، وصار هناك توجه لحمل الحجارة ضد الأمن وهو الأمر الجديد نسبيًا على المظاهرات حينها، إلى أن ظهر "الجيش الحر" علنيًا بين نهاية عام ٢٠١١ وبداية ٢٠١٢، وتشكلت وقتها "ألوية الصحابة" التي أصبحت فيما بعد لواء "سعد بن أبي وقاص"، مع تزايد لأعداد الشباب الذين حملوا السلاح، وللمنشقين عن النظام، فبدأ التنسيق مع المناطق المجاورة مثل "الميدان" و"المعضمية" و"المزة" و"القدم" و"كفر سوسة".

 

بدأت بعض الاشتباكات بين "الجيش الحر" وعناصر الأمن النظامية أدت لمقتل أعداد من المتظاهرين، مما أدى لتراجع الحراك الثوري ما بين رمضان الأول، أيلول (سبتمبر) ٢٠١١، ورمضان الذي تلاه، تراجع ترافق مع حملات اعتقالات واقتحامات ضخمة من الأمن لداخل داريا، من خارجها، حيث لم يكن هناك عدد كبير من نقاط الأمن داخل المدينة ذاتها، ترافق مع ذلك إصدار مجلة "داريا" المعروفة والتي تعد من أولى المجلات والتجارب الصحفية في الثورة: "عنب بلدي"، ولا زالت تصدر حتى اليوم.

 

قبل رمضان الثاني الموافق أغسطس (آب) - سبتمبر (أيلول) لعام ٢٠١٢ بقليل، تم استهداف موكب أمني كبير داخل مدينة داريا، بحسب ما يروي موسى أبو الفاروق، تسبب بخروج كل قوات الأمن من المدينة لتصبح حرة للمرة الأولى بشكل كامل طيلة شهر رمضان، حيث انتفضت المدينة عن بكرة أبيها، وأصبح "الجيش الحر" هو المسيطر، وحكم أهل المدينة أنفسهم، فصارت "أم تمام" مع أمهات داريا يطبخن وجبتي طعام؛ واحدة لهن وواحدة للجيش الحر، وصارت المظاهرات حدثًا يوميًا دائمًا، لم يعكره سوى اقتحام عابر للمزارع من غربي داريا، وزيارة لوفد الأمم المتحدة للمدينة، وأنباء «مخيفة» قادمة عن اقتحام كبير.

 

المجزرة


«أربع سنين حصار كانوا أسهل من يوم المجزرة، ولا أستطيع تخيله أو تذكره أبدًا، ولا أحب تذكره إطلاقًا، ولا أحب أن أتحدث عنه إطلاقًا، وقد أعيش ثمانين سنة من الأسى والحصار والحرب، أهون من أتذكر لحظة من لحظات المجزرة.
 

أكبر عجز كان يوم المجزرة، وأكبر مأساة، حين لا يستطيع طبيب فعل شيء أمام مريض، أو حين تعجز أمام أبيك وأمك، فيصيروا هم من يواسيك بدل أن تواسيهم وتقول لهم كلامًا يبرد قلبهم، فعن نفسي أصبحت أخطئ بالكلام، وأهذي، ولا أستطيع النوم متحسسًا رقبتي». -تمام أبو الخير، مدير المكتب الإعلامي للواء شهداء الإسلام، أكبر ألوية داريا

 

اكتشف النظام بعد رمضان الثاني أن أهل داريا «ما بينعطوا وجه» بحسب تعبير تمام، فبدأ الحشد لإنهاء الحراك الثوري، حيث يروي موسى أبو الفاروق عن حشد ١٦ ألف عنصر للنظام، من الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري ومطار المزة، لاقتحام المدينة، وهو ما جرى بالفعل في ٢٥ أغسطس (آب) ٢٠١٢، في «يوم داريا»، أو مجزرة داريا الكبرى، بعد اشتباكات بسيطة على أطراف المدينة من قِبل الجيش الحر.

 

كان موسى أبو الفاروق يعمل في مستشفى ميداني، في أحد مدارس المدينة، لسابق حصوله على دورات في الإسعاف الأولي مع الهلال الأحمر، ولم يستطع حينها الأطباء القليلين مواكبة أعداد القتلى والجرحى، حيث أكد موسى، مع تمام، أن كل قذيفة هاون كانت تقتل ٢٠ شخصًا من المدنيين مباشرة، بسبب كثافة السكان مع صغر المساحة.

 

قُصف المشفى الميداني الذي كانوا فيه، فلملم موسى ومن معه كل ما يستطيعون طبيًا وتوجهوا لقبو آخر، فدخل عليهم أحد الأطباء، كان قد ذهب ليتفقد أهله، مغبرًا وقائلًا لهم: «كل أهلي استشهدوا»، بينما ترك طبيب ثاني والدته المصابة وعالج شابا آخر، في حالة يصفها موسى بـ «العجز الكامل، وقهر الرجال ودموعهم»، فلم يكن أحد يستطيع فعل أي شيء، لعدم وجود أدوية أو أطباء أو غرف عمليات.

 

في مكانهم الجديد، دخلت عليهم فجأة عائلة كاملة من الشام أطلق عليهم القناصة النار، وكان الأب مصابًا يحمل ابنه الذي قتل، والأم تحمل ابنتها المصابة، التي فارقت الحياة بعد ذلك بقليل، فسادت أجواء من البكاء على جميع من في المستشفى إلا الأم التي بدأت تهدئ من روع زوجها والكادر الطبي، قائلة بهدوء وابتسامة: «صار لي عصافير في الجنة».

في اليوم التالي للمجزرة، سمح جيش النظام لأهل داريا بدفن القتلى، ودفنوا بمقابر جماعية، وخسر كل منزل شهيدًا أو مصابًا أو معتقلًا أو مفقودًا

رويترز


ترك موسى ومن معه المستشفى مرة ثانية بعد أن ودعوا العائلة المفجوعة، دون أن يعلموا ما الذي يجري وراءهم، واضطروا للانسحاب للأراضي الزراعية الغربية حيث بدأ النظام اقتحامه، وشاهدوا الآليات وهي تقترب منهم فهربوا إلى الجهة الأخرى، محتمين لدى صاحب أحد المنازل الذي أخرج الجيش أبناءه وقتلهم، لكنه حمى موسى ومن معه.
 

كان الوضع «كارثيًا»، ولم يكن موسى يصدق ما يسمع أو يرى، واتصل به شاب باكيًا وطالبًا منه أن يأتي ويحضر كاميرته سريعًا إلى مكان وجودهم في مسجد أبو سليمان، قائلًا له: «تعال بسرعة، هناك ٢٥٠ شهيد، نريد أن نُري العالم ما جرى»، فوصل إليهم موسى وعدّهم بنفسه، كان من بينهم طفلان توأم، قتلوا بيد ضابط أحب أن «يوفر» الرصاص.
 

كان تمام يسمع الأخبار وهو ضائع ما بين المنازل والمخابئ، إلى أن وصل لمنزله مؤخرًا أثناء ذلك: «في القبو الفلاني ٢٥ جثة، وفي مسجد أبو سليمان كان هناك ١١٥ جثة، بمسجد التوبة ١٥ جثة محترقة، رائحة الموت تفوح من كل مكان»، ليحصي من بينهم، مع آخر من خرجوا من المشفى الميداني «٦٠٠ مصاب، و٩٧٠ شهيد، ما بين إطلاق نار في الرأس أو قصف».
 

في اليوم التالي، سمح جيش النظام لأهل داريا بدفن القتلى، ودفنوا بمقابر جماعية، وخسر كل منزل شهيدًا أو مصابًا أو معتقلًا أو مفقودًا، وبدأت الجثث تظهر مع الأيام في الأقبية والمزارع، وبدأت قصص الرعب بالظهور بطبيعة الحال، قصص رعب لـ «١٠٠٠ شهيد، و١٥٠٠ معتقل، و١٥٠٠ ما بين معتقل ومفقود»، بحسب توثيق موسى بنفسه.

 

بغصة مختنقة قال موسى «استشهد لنا الكثير»، بينما يروي تمام كيف دفن أصدقائه، ودفن أستاذه الذي ختم على يديه القرآن وكان له «فضل عظيم» عليه، فخسره وخسرته داريا مع كل من سواه من ناشطين وفاعلين ومدنيين.

 

قيام العنقاء

كسر ما جرى داريا مجددًا، لكنه لم يقتلها، إلا أن المدينة بدأت تفقد الحاضنة الشعبية، وصار أهالي المدينة يضغطون محملين "الجيش الحر" ما جرى بسبب ضعف الإدارة والتنسيق

رويترز

كسر ما جرى داريا مجددًا، لكنه لم يقتلها، إلا أن المدينة بدأت تفقد الحاضنة الشعبية، وصار أهالي المدينة يضغطون محملين "الجيش الحر" ما جرى بسبب ضعف الإدارة والتنسيق.

 

أعادت التنسيقيتان ترتيب نفسيهما، واتحدتا بـ «المجلس المحلي لمدينة داريا» في ١٧ أكتوبر (تشرين الأول) بُعيد المجزرة مباشرة، مجلس شُكل من عشر مكاتب: «الإغاثي، الإعلامي، العلاقات العامة، الطبي، المالي، القانوني والشرعي، الخدمات»، ومكتبي «لجان الأحياء، الحراك السلمي» المجمدين، و«المكتب العسكري» الذي يتبع وينسق، في لحظة نادرة من لحظات الثورة، للمجلس المحلي وليس العكس.

 

بعد أسبوعين من المجزرة استعادت المدينة عافيتها، وخرجت أولى المظاهرات مجددًا لكن بشكل أقل وأبسط، وعاود الجيش النظامي تدخله بشكل خفيف في المدينة بدون حراك عسكري، مترافقًا مع مظاهرات سريعة، إلى أن دخل الجيش وأدخل عناصر الفرقة الرابعة من جهة الدوار واستقر عند الدوار في ٨ نوفمبر (تشرين الثاني) ٢٠١٢، وبدأ يقتحم الجهة الشرقية في داريا، ويعتقل ويعدم ميدانيًا مباشرة ويحرق المنازل، إلى وصل إلى شارع الكورنيش ووضع حاجزين، للمرة الأولى في تاريخ داريا، لتقسيم المدينة، ولتأمين مدخل داريا من جهة دمشق، مما تسبب في ظهور مطالبات مبدئية بإمكانية ضرب الحواجز.

خلال ثلاثة أيام بدأ المدنيون بالنزوح بأعداد كبيرة وأمام أعينهم وبتفكيرهم المجزرة، لتبدأ داريا مرحلة جديدة وطويلة استمرت معها أربعة سنوات أخرى، أولها ذلك اليوم

رويترز
 

في ١٢ نوفمبر (تشرين الثاني) تقرر ضرب الحواجز بالفعل، وفي الساعة التاسعة ليلًا حاصرها الثوار وبدئوا بالهجوم، وفي الصباح لم يعد هناك أي جندي نظامي في المدينة، مع مقتل ١٣ منهم أثناء ضرب المدرعات والحواجز، ثم خلال ثلاثة أيام بدأ المدنيون بالنزوح بأعداد كبيرة وأمام أعينهم وبتفكيرهم المجزرة، لتبدأ داريا مرحلة جديدة وطويلة استمرت معها أربعة سنوات أخرى، أولها ذلك اليوم.

 

يروي موسى أنه بعد ذلك بثلاثة أيام دخل محافظ دمشق ليعقد هدنة مع أهل داريا، فجلس مع "الجيش الحر" في المحكمة، وطلب منه الانسحاب مقابل سحب الحواجز، فلم يوافق المدنيون، وأجابه أحد الشباب: «عندكم قوة، ولنا قوة، والأرض بيننا»، لتبدأ داريا مرحلة جديدة بعد الثورة والمظاهرات والمجزرة والقيام: مرحلة القوة والعمل العسكري.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار