انضم إلينا
اغلاق
"لعبة الدم".. تشابكات الدين والقبيلة والنفط في ليبيا

"لعبة الدم".. تشابكات الدين والقبيلة والنفط في ليبيا

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض

يجلس مُحمد مكتوف اليدين بعد أن تم الإمساك به في مدينة "أجدابيا"، بينما يقف إلى جانبه رجل ملتحٍ ببذلة عسكرية من "سرية طارق بن زياد" التي أمسكت به، وستقوم بإعدامه رميًا بالرصاص خلال دقائق معدودة، كما كشف لنا فيما بعد الفيديو المصوّر في بنغازي بعد بثه على الإنترنت. يبدو المشهد وكأنه أحد تسجيلات تنظيم الدولة "داعش" أو الجماعات "المسلحة" المتواجدة في ليبيا، بيد أن محمد في الحقيقة هو المتهم بالانضمام لصفوف تنظيم الدولة، في حين تنتمي "سرية طارق بن زياد" السلفية للتحالف المعروف باسم "الجيش الوطني الليبي"، بقيادة "خليفة حفتر" في شرق ليبيا.


لم تكن تلك أول مرة تبرُز فيها إلى السطح طبيعة التحالف المكوِّن للقوى التي يتربع حفتر على عرشها في شرق البلاد، مستندًا في ذلك لشرعية الدعم الذي يمنحه إياه مجلس النواب في مدينة طبرق، فالرجل لا يخفي أبدًا صلاته القوية بالتيار "السلفي المدخلي"، نسبة لمؤسسه الشيخ السعودي "ربيع المدخلي"، لا سيّما وقد أصدر الأخير فتاوى لتأييد الجيش الوطني و"حفتر" بشكل شخصي.


لم يكن غريبًا أيضًا في نفس السياق قيام الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء، والتابعة لتحالف "حفتر" في الشرق، بدعوة "أسامة العتيبي"، أحد مشايخ المداخلة، لزيارة ليبيا ونشر مذهبه فيها، لينظّم العتيبي بالفعل لقاءين في "أجدابيا" بالشرق و"زنتان" بالغرب، في واحدة من تجليات عديدة لتغلغل "المداخلة" بدار الإفتاء ووزارة الأوقاف بكافة مؤسساتها في شرق ليبيا، والتي وصل نفوذها إلى إعلان الحاكم العسكري لمنطقة "درنة-بن جواد" في الشمال الشرقي منع النساء دون الستين عامًا من السفر دون محرم.

ليس النفوذ السلفي في معسكر "حفتر" فقط هو ما يثير علامات الاستفهام حول قوته في الداخل؛ بل ملفات عدة، منها الجنوح المُفرِط ناحية الروس (الجزيرة)


ليس النفوذ السلفي في معسكر "حفتر" فقط هو ما يثير علامات الاستفهام حول قوته في الداخل، ويُضعف من ثقة حلفائه فيه؛ بل ملفات عدة، منها الجنوح المُفرِط ناحية الروس، والذين زوّدوه مؤخرًا بـ«أخصائيين مُسلحين» بعد تعاقده مع الشركة الأمنية الروسية الخاصة (RSB-group)، أخصائيون كانوا قد عملوا سابقًا بسوريا وإن لم يخوضوا المعارك مباشرةً، طبقًا لمالك الشركة "أوليغ كرينيتسِن" الضابط السابق بالقوات الحدودية الروسية في "طاجيكستان"، وكذلك اعتماده على مقاتلين من حركة "العدل والمساواة" السودانية المتمركزة في "دارفور"، والمناوئة للنظام السوداني.


سلفيون وسودانيون وروس، بالإضافة لصفوف داخلية منقسمة وفق خطوط قبلية يحاول "حفتر" قيادتها تحت مظلة "الجيش الوطني" المتمركز في شرق البلاد بدعم برلمان طبرق، بيد أن محاولته تلك، على عكس محاولات بشار الأسد في سوريا والمخلوطة أيضًا بالميليشيات المحلية والإقليمية، لم تؤت أُكلها لأسباب كثيرة؛ مما دفع حلفاءه لإعادة النظر في حماسهم السابق، وأبرزهم وأهمهم النظام المصري، ولعله تسبب منذ أيام في خسارة قواته السيطرة على ثلاثة موانئ نفطية، من أصل أربعة تُشكل منطقة "الهلال النفطي" الأهم جغرافيًا واقتصاديًا في ليبيا مطلع الشهر، وتحوّلها رسميًا لسيطرة حكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس بالغرب، قبل أن يستعيد اثنين منها مجددًا قبل أيام في صراع لا يبدو أنه سيُحسم قريبًا.


الفوضى المستقرة: خريطة اللادولة الليبية

بينما همّت السفينة التُركية "حاجي تللي" بالإبحار من مدينة "زوارة" الواقعة إلى غرب العاصمة طرابلس قبل أسبوعين، متجهة إلى دولة مالطا بشُحنة من النفط المهرَّب بصورة غير شرعية، قام مسلحون بإيقافها واحتجاز طاقمها بالكامل. لم يتحرك المسلحون في الحقيقة كجزء من محاولات إيقاف تهريب النفط الجارية في ليبيا؛ بل كانوا بالأساس جزءًا منها، وإنما الذي حدث هو أن الشركة المالكة للسفينة لم تدفع لهم مبلغ نصف مليون دولار تقريبًا كانت تدين بها لهم مقابل شُحنات سابقة من النفط.
 

ليس النفط فقط ما يتم تهريبه بطبيعة الحال؛ بل غيره من موارد طبيعية يتم تهريبها في ظل الفوضى التي ترسم الوضع الليبي منذ سقوط "معمر القذافي"
الجزيرة


ليس النفط فقط ما يتم تهريبه بطبيعة الحال؛ بل غيره من موارد طبيعية يتم تهريبها في ظل الفوضى التي ترسم الوضع الليبي منذ سقوط "معمر القذافي"، كما يكشف توقيف خفر السواحل بمدينة "الزاوية" لسفينة روسية كانت تهرّب نفايات حديدية، وكذلك تهريب السلاح والبشر أنفسهم؛ حيث تُعَد ليبيا نقطة رئيسة لتهريب اللاجئين والمهاجرين من كافة أنحاء أفريقيا إلى أوروبا، وهي أنشطة في رواج ليس فقط بسبب الانقسام العسكري والسياسي، بل وأيضًا بسبب هبوط إنتاج النفط الشديد، والذي أثر بدوره على عوائد بعض القبائل لتقرر الاتجاه لتجارة التهريب لتعويض تلك الخسارة.


بينما يستمر الصراع الرئيس بين الجيش الوطني الليبي بقيادة "خليفة حفتر" في الشرق، وحكومة الوفاق بقيادة "فايز السراج" في الغرب، فإن كليهما يعاني، أولًا من عدم قدرته على بسط سيطرته على عاصمته الرئيسة؛ حيث تستمر المعارك بين جيش "حفتر" في بنغازي، أكبر مدن الشرق، مع مجلس شورى ثوار بنغازي، ويستمر الانفلات الأمني في "طرابلس" العاصمة تحت نظر حكومة الوفاق، علاوة على وقوع مناطق خارج نطاق سيطرتهما المباشرة، وإن نسقت أو تحالفت معهم تلك المناطق بشكل غير مباشر.


أبرز تلك المناطق هي "فزان" بجنوب غرب ليبيا، والتي يقع الجزء الغربي منها فعليًا تحت سيطرة قبائل الطوارق الممتدة عبر الصحراء الكبرى في شمالي النيجر ومالي، والأقرب للتنسيق مع حكومة الوفاق، وتتمركز في مدينة "غات" بالقُرب من الحدود الجزائرية والمحورية لتجارة اللاجئين والتهريب؛ حيث يمر التجار والمهاجرون عبرها قبل أن ينتقلوا إلى مدينة "سبها" عاصمة "فزّان"، ومنها إلى المدن الساحلية، وأيضًا تتمركز في مدينة "أوباري".

توزيع الداخل الليبي (الجزيرة)


إلى الشمال من "غات" تقع "غدامس"، وهي واقعة تحت سيطرة ميليشيات "الزنتان" المتحالفة مع جيش "حفتر"، والتي تتمركز بالأساس في الشمال الغربي لليبيا بمدينة "الزنتان" وتسيطر على جزء من الحدود مع تونس، وهي تستفيد أيضًا من المشاركة في هجرة اللاجئين القادمين من الجنوب نحو الساحل المتوسطي، وبالتحديد مدينة الزوارة؛ بل ويشارك بعض أعضائها في عمليات تهريب البشر بنفسه. أضف لذلك مدينة "درنة" في أقصى الشرق، وهي أبرز مدينة شرقية لا تقع تحت سيطرة "حفتر" بالنظر لسيطرة مجلس شورى مجاهدي درنة عليها، والقريب في توجهاته من "تنظيم القاعدة".


بالعودة مرة أخرى إلى "فزان"، تتواجد قبائل "التبو" غير العربية، والتي عانت من التهميش على يد نظام القذافي، لتنجح في طرد العناصر المؤيدة له من واحة "مرزق" عام 2011، وتسيطر على المناطق الجنوبية فيها بشكل متزايد، ويُعرف عن "التبو" اقتراب معظمهم أكثر من مساندة جيش "حفتر" نظرًا للتوتر بينهم وبين "الطوارق"، أما عاصمة "فزّان" الأهم "سبها" فتسيطر عليها قبيلة "أولاد سليمان"، والتي تتحكم في 80 % من محطات الوقود فيها، وأسست مجالس حكم محلي تسيطر فعليًا على السياسة في المدينة بالتنسيق مع قبائل أخرى مهمة، وإن تصارعت معها أحيانًا، كـ"الورفلّة" و"المقارحة" و"القذاذفة"، ويسيطرون على مناطق متفرقة بشمالي المدينة، وكذلك مع بعض قبائل التبو والطوارق الموجودة بالمدينة، هذا ويشارك كل هؤلاء بصور مختلفة في تجارة البشر والتهريب.


فور خسارة قواته لمنطقة الهلال النفطي، اتجه خليفة حفتر إلى القاهرة في زيارة قصيرة دون أن يتم الإفصاح عن أية تفاصيل لزيارته أو هوية القيادات المصرية التي استقبلته

بالوصول إلى منطقة "طرابلس" التاريخية بالشمال الغربي؛ حيث تتمركز حكومة الوفاق، سنجد أنها مثل جيش "حفتر"، تتكون من تحالف متشرذم بشكل ما وإن كان غير معتمد على قوات غير ليبية مثله، فالطرف العسكري الأهم في الغرب هي كتائب "مصراتة" والمكوّنة من 235 مجموعة مسلحة من مدينة مصراتة الغنية وعدة مدن أخرى، وهي ميليشيات تلعب دورًا هامًا في التنسيق بين مختلف القبائل في مدن خارج مصراتة تصل حتى سبها في الجنوب، على عكس معظم الميليشيات والقبائل التي يقتصر نفوذها على مدينة واحدة، ومن ثم تعتمد عليها حكومة الوفاق بشكل رئيس لبث قوتها العسكرية، بالإضافة لمدينة بني وليد حيث تتمركز قبيلة "الورفلّة" الموالية للقذافي سابقًا؛ لكنها عقدت مصالحة مع كتائب مصراتة عام 2016.


بالإضافة لكل ذلك تأتي قوات حرس المنشآت النفطية بقيادة "إبراهيم الجضران" المرتكزة للهلال النفطي، وهي قوات مستقلة نسبيًا نجحت حكومة الوفاق في عقد الاتفاق معها لتنسيق تصدير النفط من الموانئ الأربعة التي تشكل منطقة الهلال (سدرة-راس لانوف-البريقة-الزويتنية)، وقوات سرايا دفاع بنغازي المكوّنة من سكان بنغازي ممن خرجوا بعد سيطرة حفتر على المدينة، ثم قوات الصاعقة الخاصة بجيش القذافي المتمركزة في طبرق أقصى الشرق وتشكل ركنًا رئيسًا لجيش حفتر، وقبيلة العبيدات الأبرز في الشرق أيضًا والموالية لحفتر ويملأ الكثيرون منها صفوف جيوشهم، إلى جانب قبائل "العواقير" و"البراعصة"، و"الفرجان" التي ينتمي حفتر لها.
 


رغم تلك الخريطة القبلية والمسلحة المعقدة، والمعتادة نسبيًا في بلد لم يشهد تأسيسًا حقيقيًا لدولة حديثة على غرار بلدان المشرق العربي، تظل منطقة الهلال النفطي ذات أهمية كبيرة لما تشكله من نقطة ارتكاز اقتصادية، يستطيع عبرها من يسيطر عليها أن يعيد ولو جزءًا من الاستقرار للاقتصاد الليبي، ومن ثم يجتذب القبائل مرة أخرى لنوع من التوافق السياسي الكافي لنشوء شرعية واضحة وحاسمة لمركز سياسي واحد، كما كان الحال في عهدي السنوسي والقذافي.


لعبت مصر الدولة العربية الأثقل في شمال أفريقيا -رُغم ضعفها- دورًا لا يُستهان به في دعم حفتر، وتنسيق الدعم الإماراتي والروسي لصالحه في الشرق

كانت ضربة قاصمة لطرابلس إذن حين اقتنص حفتر منطقة الهلال النفطي من أيدي حرس المنشآت النفطية قبل ثلاثة أشهر، قبل أن يتعرض هو لضربة مطلع هذا الشهر؛ باستحواذ سرايا دفاع بنغازي عليها بالتعاون مع الحرس، قبل أن يعود للتمدد مرة أخرى خلال أيام ويستحوذ على راس لانوف، تاركًا السدرة فقط تحت سيطرة حرس المنشآت، والذي نسّق تسليم المنشآت الواقعة تحت سيطرته مع الشركة الوطنية للنفط، المخوّلة وحدها بتصدير النفط الليبي بالتعاون مع حكومة الوفاق في طرابلس المدعومة رسميًا من الأمم المتحدة، وإقليميًا من إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وتركيا والسودان، علاوة على انحياز جزائري تونسي لاتفاق الصخيرات الذي تأسست وفقًا له حكومة الوفاق، مقابل دعم مصر والإمارات وروسيا وفرنسا لجيش حفتر.


الخريطة الإقليمية: القاهرة تغيّر الموازين قليلًا

فور خسارة قواته لمنطقة الهلال النفطي، اتجه خليفة حفتر إلى القاهرة في زيارة قصيرة دون أن يتم الإفصاح عن أية تفاصيل لزيارته أو هوية القيادات المصرية التي استقبلته، وقد صاحبه رئيس قواته الجوية "صقر جروشي" بعد تعرّضه لأزمة قلبية لتلقي العلاج في القاهرة، وهو اجتماع أفضى على الأرجح لتنسيق مع الروس بتقديم دعم لحفتر في صورة وحدة من القوات الخاصة الروسية أُرسلت لقاعدة في غرب مصر من قبل؛ لينجح حفتر في استعادة راس لانوف في نهاية المطاف. بيد أن ذلك التنسيق الأخير لا يخفي فقدان القاهرة للكثير من حماسها السياسي تجاه حفتر، كما بدا من مواقفها على مدار الأشهر الستة الماضية.


منذ أواخر العام المنصرم، أبدى الموقف المصري تحولًا عن الدعم غير المشروط لحفتر بالتعاون مع الإمارات، إلى رغبة بالمشاركة في الجهود الإقليمية المغاربية لتحقيق المصالحة بالفعل بين طرابلس وطبرق، وكان لافتًا في هذا السياق استقبال القاهرة لفايز السرّاج في منتصف يناير، ثم خروج صحيفة الأهرام قبل أيام من اندلاع معارك الهلال النفطي بافتتاحية تتحدث فيها عن تنسيق مصري جزائري تونسي، في إشارة واضحة إلى وجود تنسيق بين القاهرة وحكومات أكثر ميلًا للحكومة في طرابلس.
 

خليفة حفتر(رويترز)


لم يرضخ حفتر لهذا التبدّل في الموقف المصري؛ حيث أصدر مكتبه بيانًا ينفي ما ألمح له "السراج" بنية عقد اجتماع بينه وبين حفتر في القاهرة للمصالحة، وهو موقف أحرج المحاولات المصرية، وأدى لنشوء هوة بين القاهرة وحفتر، واعتماد الأخير بشكل أكبر على الدعم الروسي المنفرد، وقيامه بتحرّكات منحازة بشكل واضح للروس، مما أثار قلق أوروبا المتوجسة من تمدد روسي في المتوسط يُضاف للقاعدة الروسية على سواحل سوريا، ومن ثم اتخذت دول أوروبية عدة مواقف أكثر وضوحًا ضد حفتر في الأزمة الأخيرة، مقابل تراجع القاهرة عنه لخطوات، وعدم التزام روسيا في الأخير بلعب دور حاسم لصالحه كما تفعل للأسد في سوريا، وإن زودته بما يكفي للسيطرة على الهلال النفطي.


لم تتوان الأطراف الإقليمية المنحازة لحكومة طرابلس عن إعلان موقفها صراحة، فقد رحّبت إيطاليا بقيام سرايا دفاع بنغازي بتسليم المنشآت النفطية التي استحوذت عليها لقوات حرس المنشآت النفطية مطلع الشهر، في موافقة ضمنية على ما آلت له العملية العسكرية لسرايا بنغازي، لا سيما وهي على علاقة وطيدة بقوات الحرس، في حين صرّح وزير الشؤون المغاربية والأفريقية الجزائري عبد القادر مساهل بأن قرار برلمان طبرق بإلغاء اتفاق الصخيرات، بعد معركة السرايا، يعني أن برلمان طبرق نفسه يصبح لاغيًا هو الآخر، في إشارة إلى رفض أي تصعيد سياسي من جانب برلمان طبرق.


كان لافتًا أيضًا صدور بيان أمريكي بريطاني فرنسي في السابع من مارس /آذار يدين التصعيد، ويحث على التهدئة ودعم الشركة الوطنية للنفط واتفاق الأمم المتحدة، دون مشاركة إيطاليا وألمانيا وإسبانيا في البيان، على الرُغم من مشاركتهم السابقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في بيان سُداسي صدر قبل عشرة أيام فقط من أحداث الهلال النفطي، وهو ما اعتُبِر إشارة ضمنية لعدم موافقة إيطاليا وألمانيا وإسبانيا على إدانة خسارة حفتر لموانئ النفط، وترحيبهم الفعلي بأي خسارة لحفتر لموقعه العسكري المُهيمن في الهلال النفطي.

السيسي يؤكد دعمه لحفتر خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي " فانسوا هولاند"
غير معروف


مرة أخرى يبرُز هنا الفرق بين القوى الأكثر اهتمامًا بملف المهاجرين من ناحية، ومن ثم دعم الحل السياسي عن طريق الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس، وضمان عدم هيمنة فصيل بعينه على غرار ما جرى في النموذجين المصري والسوري، وهو ما يقترن في أذهان تلك الدول بزيادة عدد النازحين منها، وينطبق إقليميًا على موقفي تونس والجزائر، ودوليًا على مواقف ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، ومن الناحية الأخرى القوى الأكثر اهتمامًا بنموذج القبضة السياسية الصلبة مثل روسيا ومصر والإمارات وفرنسا والحكومة البريطانية الحالية والإدارة الأمريكية الجديدة، والأقل تأثرًا بأزمة اللاجئين، ومن ثم الأكثر ميلًا لحفتر بدرجات متفاوتة.

في خضم استقرار منظومة الانقسام والفوضى تلك، تبدو هنالك حقيقة واحدة في الأشهر الأخيرة بعد تحركات القاهرة الجديدة، وهي أن حفتر المتعثّر حاليًا لن يستعيد عافيته بسهولة

بينما انقسمت الخارطة بين هذين المعسكرين، لعبت مصر الدولة العربية الأثقل في شمال أفريقيا -رُغم ضعفها- دورًا لا يُستهان به في دعم حفتر، وتنسيق الدعم الإماراتي والروسي لصالحه في الشرق، ومن ثم لم يكن مفاجئا أن حدث التطور العسكري الأخير بينما يجري تحوّل في الموقف المصري يُبعدها نسبيًا عن الموقفين الإماراتي والروسي، ويقرّبها قليلًا من الموقفين الألماني والإيطالي، ولعل ملف ليبيا هو الآخر كان على جدول أعمال المستشارة الألمانية أنغيلا مركل حين زارت القاهرة مؤخرًا لتناقش مسألة اللاجئين مقابل دعم النظام المأزوم اقتصاديًا.
 

بلد "اللاحسم": هل يسقط حفتر على ظهره؟

لقد كان حفتر على ثقة بأنه يستطيع المضي قدمًا بالنظر لضعف حكومة الوفاق في طرابلس، وقوة موقفه العسكري بالسيطرة على الهلال النفطي حتى مطلع هذا الشهر، لكن الاضطراب العسكري مؤخرًا في الهلال النفطي مع تبدّل مواقف كثيرة أثبت بأنه ليس قادرًا على حسم الوضع في ليبيا لصالحه، خاصة وأنه ليس ثمة حسم في الأفق الليبي حاليًا من الأصل؛ بل وليس ثمة حسم داخل الهلال النفطي نفسه الذي يعتمد عليه حفتر في فرض نفسه على طاولة المفاوضات، فمصر في ليبيا ليست إيران في سوريا، وروسيا بدعمها لحفتر لا تُقارن بروسيا الواقفة بصلابة تامة خلف الأسد، أضف لذلك الحضور الأثقل للموقف الغربي الداعم لحكومة طرابلس، لا سيّما عن طريق إيطاليا، والذي لا يُقارن بالموقف الأوروبي الهش حيال الأزمة السورية.

 

 معارك بلا حسم بادية في الأفق إذن تنتظر ليبيا، وهي معارك متفرقة جغرافيًا تتسم بالأجندات القبلية المختلفة (رويترز)


معارك بلا حسم بادية في الأفق إذن تنتظر ليبيا، وهي معارك متفرقة جغرافيًا تتسم بالأجندات القبلية المختلفة، والأكثر قدرة نظريًا على الوصول لصيغة توافقية في النهاية مع المركز السياسي، كُل على حدة حسب مصالحه المحلية الخاصة، مقارنة بالطائفية الصفرية التي تشكّل الصراع السوري الدموي بأجندتين سياسيتين حاسمتين في عدائهما لبعضهما البعض، ورغبتهما في تعريف ماهية سوريا من الأساس.


بيد أن ذلك التشرذم القبلي والجغرافي، في ظل تواجد مصالح محلية عديدة مرتبطة بتجارة تهريب البشر والنفط والسلاح والمقاتلين، لربما لا تعوّضها عودة إنتاج النفط كما كان قبل 2011 في ظل أسعاره المتواضعة، ومصالح لبعض الأطراف الإقليمية لا تريد، أو لا تتحمس على الأقل، لعودة إنتاج النفط الليبي لمعدلاته المرتفعة أصلًا، يعني أن الحل النظري يظل سرابًا في معركة لا تبدو أطرافها راغبة في إنهائها بالفعل.
 

في خضم استقرار منظومة الانقسام والفوضى تلك، تبدو هنالك حقيقة واحدة في الأشهر الأخيرة بعد تحركات القاهرة الجديدة، وهي أن حفتر المتعثّر حاليًا لن يستعيد عافيته بسهولة، ولعل اضطراب سيطرته على الهلال النفطي، وخسارته لدعم القاهرة السياسي المفتوح، يكون بداية سقوطه على ظهره وخروج طموحاته الشخصية من المعادلة، في بلد بات مستحيلًا أن توجد فيه قبضة حديدية بعد 2011.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار