انضم إلينا
اغلاق
هل يصبح "مارك زوكربيرغ" رئيسًا لأميركا؟

هل يصبح "مارك زوكربيرغ" رئيسًا لأميركا؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

لم يكن "مارك زوكربيرغ" قد تجاوز عامه العشرين حين قام بتأسيس فيسبوك في عام، 2004 بينما لا يزال طالبًا في العام الثاني في جامعة هارفارد. انضم العديد من رفاق "زوكربيرغ" إلى مشروعه الجديد؛ باستثناء ربما أقربهم إليه، جو غرين، رفيقه في "الأخوية اليهودية" في الجامعة، وشريكه في مشروعه الأول "فيس ماش"، وهو موقع صممه المراهقان "مارك" و"جو" لتمكين طلاب الجامعة من تقييم مدى جاذبية صديقاتهم، إلا أن "فيس ماش" تسبب في وقوع الشابين تحت طائلة التأديب الجامعي، وهو ما لم يعجب والد "جو"، أستاذ الرياضيات الذي كان يؤهل نجله آنذاك للانخراط في السلك السياسي.

 

"لا مزيد من العمل مع زوكربيرغ"، كان هذا هو قرار "غرين" الأب آنذاك، لذا وفي الوقت الذي اتجه "زوكربيرغ" ورفاقه إلى وادي السليكون، كان "غرين" يضع قدراته في توظيف التكنولوجيا في مجال التنظيم السياسي، وتحديدًا في خدمة الحملة الرئاسية لـ"جون كيري"، المرشح الديمقراطي للرئاسة آنذاك، في نيوهامبشاير، بعد أن فشل في إقناع صديقه بتأسيس شبكة اجتماعية سياسية؛ حيث كان "زوكربيرغ" أكثر اهتمامًا بتأسيس نشاط اجتماعي تجاري.

يمكننا اليوم أن نتأمل قليلا وجه أمريكا عبر التحديق في وجه "زوكربيرغ"، أمريكا التي تغيرت اليوم تمامًا، كما توقع لها "تيودور روزفلت" قبل قرن من الزمان

رويترز
 

كان "زوكربيرغ" يجسد آنذاك مثالا حيًا لتلك الصورة النمطية لنشطاء التكنولوجيا الجدد: الشخص المنعزل عن وسطه الاجتماعي، نادرًا ما تتم رؤيته إلا بصحبة حاسبه المحمول، ويشعر بالنفور من عدسات المصورين وفضول الصحفيين، بينما حمل "مارك" نفس الانطباع السائد عند رواد التكنولوجيا عن السياسة والحكومة باعتبارها "شر محض يجب تجنبه". ولكن "زوكربيرغ" تغير كثيرًا خلال العقدين الماضيين، فصار الشاب الثلاثيني أكثر اهتمامًا بالعمل العام؛ بل وبالسياسة ذاتها، متخليًا عن الصورة التقليدية لرائد التكنولوجيا المنعزل، حتى في أهدافه السنوية التي اعتاد مشاركتها مع جمهوره على صفحته الشخصية في موقعه، والتي تغيرت هي الأخرى لتتلاءم مع شخصيته الجديدة. فبدلًا من تحدي تعلم اللغة الصينية، أو قراءة 25 كتابًا جديدًا خلال العام، صار "مارك" اليوم أكثر اهتمامًا بزيارة جميع الولايات الأمريكية، والتقاط الصور بصحبة رجال الشرطة ورعاة البقر في تكساس، وحضور الاجتماعات مع قادة الدول.

 

من السهل أن يتم تفسير هذا التغير على أنه تغير في شخصية "زوكربيرغ" نفسه، أو طموح جديد تدفعه الثروة العملاقة التي حققها، أو حتى ضرورة تفرضها إدارته لشبكة عالمية صارت اليوم أقوى من الكثير من دول العالم، إلا أن الحقيقة أن "زوكربيرغ" ليس وحده هو الذي تغير. يمكننا اليوم أن نتأمل قليلا وجه أمريكا عبر التحديق في وجه "زوكربيرغ"، أمريكا التي تغيرت اليوم تمامًا، كما توقع لها "تيودور روزفلت" قبل قرن من الزمان، لكن على أيدي نخبة من البشر غير الذين كان "روزفلت" يخشاهم بكل تأكيد.

 

 كابوس روزفلت
في 31 أغسطس /آب 1910، كان الرئيس الأمريكي "تيودور روزفلت" يلقي خطابًا ملتهبًا في أوساواتومي، بولاية كانساس. كانت النشوة بادية على وجهه وهو يتحدث عن السلطة التجارية غير المسبوقة التي حازتها بلاده، ولكنه لم يكن حريصًا على إخفاء قلقه من أن الاقتصاد الصناعي الأمريكي يواجه جهودًا شرسة للسيطرة عليه، بواسطة حفنة من الشركات العملاقة التي يمكنها أن تولد ثروة لا مثيل لها لعدد قليل من الناس، ما يمنحهم نفوذًا متزايدًا على السياسة الأمريكية. حذر "روزفلت" من أن دولة تأسست على مبدأ "تكافؤ الفرص" هي في خطر أن تصبح "أرض امتياز للشركات"، وتعهد ببذل كل ما في وسعه لوضع "العمالقة الجدد" تحت السيطرة.


كان قلق "روزفلت" مبررًا، كل شيء في الولايات المتحدة آنذاك كان يجري الاستحواذ عليه من قبل كيانات ضخمة، بداية من أكبر صناعتين في البلاد (الطاقة والصلب)، وصولًا إلى تجارة التجزئة.
أطلق جي بي مورجان، البنك الأقوى عالميًا في ذلك التوقيت، شرارة البداية لسباق الافتراس الشرس، حين قام بالاستحواذ على شركة كارنيغي للصلب من أندرو كارنيغي، قبل أن يجمع إليها عشرات من شركات الصلب الأخرى ويطرح الشركة الناتجة للبيع بقيمة 1.4 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم جدًا بمعايير ذلك الوقت، وسرعان ما انطلقت الوحوش المالية العملاقة تلتهم رفاقها من الصغار متبعة شرارة مورجان.
 

من أجل دراسة طبيعة التحولات في هذه الفترة، قامت "نعومي لامورو" من جامعة ييل بدراسة 93 عملية من عمليات الدمج والاستحواذ التي تمت بين عامي 1895 و1904، حيث وجدت أن 72% منها أسفرت عن إنتاج شركات تسيطر على ما لا يقل عن 40% من حجم صناعتها، في حين أن 42 منها أفرزت شركات تسيطر على 70% على الأقل من صناعتها، ناهيك عن وجود شركتين، هما أمريكا للتبغ وجنرال إلكتريك، سيطرتا على 90% من صناعتهما.

استمرت هذه الهيمنة بدرجات متفاوتة حتى منتصف الخمسينيات، ولمعت بسببها أسماء شركات مثل فورد وجنرال موتورز وكرايسلر في صناعة السيارات، وجنرال إلكتريك وستنجهاوس في السلع الكهربائية، مستفيدة من العولمة ورفع القيود التجارية، ومنطلقة من النجاح التجاري نحو اختراق أبرز المواقع السياسية الحكومية، وصولا إلى مجلس الشيوخ الذي صار يعرف -منذ ذلك التوقيت- باسم نادي أصحاب الملايين.

ولكن الأمور تغيرت نسبيًا خلال العقود الثلاثة التالية بفعل جهود الحكومة في تحجيم الشركات، وفي السبعينيات والثمانينيات وأوائل التسعينيات تم الإعلان عن نهاية عصر الشركات الكبرى، لتفسح المجال للحلم الجديد: اقتصاد قائم على عدد كبير من الشركات المبدعة صغيرة الحجم، والمرنة والمتجددة باستمرار، إلى درجة دفعت "بيتر دراكر"، المفكر الإداري المخضرم، أن يعلن أن قائمة مجلة فورتشن لأكبر 500 شركة ربما يكون عهدها قد ولى، إلى الأبد.

 

نلمس اليوم تباطؤًا واضحًا لمعدل تشكيل الشركات الجديدة في الولايات المتحدة، معدل يتناسب طرديًا بشكل ملحوظ مع الحواجز الضخمة التي تضعها الشركات الكبرى للتكنولوجيا أمام الداخلين الجدد المحتملين

في ذلك التوقيت، لم يكن "وادي الأحلام الغربي" على خليج سان فرانسيسكو بذات الصورة التي نعرفه عليها اليوم، ولم يكن يعرف حتى باسمه الرنان: "وادي السليكون"، الاسم الذي يثير الكثير من خيالات الطموح والثراء في عالم اليوم، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. على مشارف الثمانينيات، كانت آبل لا تزال شركة صغيرة أطلقت للتو حاسوبها الشخصي الأول، بصحبة العديد من مثيلاتها من شركات التكنولوجيا الصغيرة التي تتلمس للتو خطواتها الأولى أيضًا، بينما تصطف على طول الطريق إلى جامعة ستانفورد الشهيرة لافتات للمحلات الرياضية والبيوت الفنية، والمخازن التي تعرض خصوماتها، وهي اللافتات التي حلت محلها اليوم لافتات أخرى أكبر حجمًا، تحمل أسماء عمالقة التكنولوجيا مثل جوجل وفيسبوك وباي بال. حتى ذاك الحين، كان وادي أثرياء اليوم لا يزال يمثل أحد معاقل الطبقة المتوسطة الأمريكية؛ حيث ينفر الجميع هنا من المدارس الخاصة، ولا يهتمون كثيرًا بارتياد المطاعم الراقية. في الحقيقة، لم يكن "الرقي" بمفهومه العصري فكرة متداولة في بالو ألتو في هذا التوقيت، ولكن ثلاثة عقود كانت كفيلة بتغيير كل شيء.

 

يبلغ متوسط سعر المنزل في بالو ألتو اليوم أكثر من مليوني دولار، في حين يعج مركز ستانفورد للتسوق بأبرز موديلات السيارات الفارهة مثل أدويس التي يتسوق أصحابها في علامات تجارية ثمينة مثل بربري ولويس فويتون، ويستضيف وادي السيليكون اليوم أكثر من 50 مليارديرا، وأكثر من 10 آلاف مليونير، محولًا معقل الطبقة الوسطى إلى أبرز معالم التفاوت الطبقي في الولايات المتحدة بأكملها.
 

تنفق آبل اليوم، التي كانت صغيرة آنذاك، أكثر من خمسة مليارات دولار لبناء مقر جديد على هيئة سفينة فضاء عملاقة، في حين تشيد فيسبوك مقرًا ضخمًا على مساحة أكثر من 40 ألف متر مربع، في الوقت الذي تبني فيه جوجل مجمعًا من المباني الزجاجية التي يمكن توسعتها أو تقليصها حسب الحاجة. لم يعد وادي السليكون اليوم هو الحل السحري لمخاوف "روزفلت" ومن بعده، ولكنه تحول إلى أبشع كوابيسه.

 

وعلى عكس الحلم المنتظر للاقتصاد الأمريكي القائم على مجموعة من الشركات الصغيرة المبتكرة، فإن الواقع اليوم مختلف تمامًا، فنلمس تباطؤًا واضحًا لمعدل تشكيل الشركات الجديدة في الولايات المتحدة، معدل يتناسب طرديًا بشكل ملحوظ مع الحواجز الضخمة التي تضعها الشركات الكبرى للتكنولوجيا أمام الداخلين الجدد المحتملين. ورغم أن هذه الشركات لا تمتلك أصولًا صلبة، أسوة بشركات البناء أو النفط أو حتى المتاجر الكبرى؛ إلا أنها تقاتل من أجل أصولها الافتراضية المتمثلة في حقوق الملكية الفكرية، خالقة نمطًا جديدًا من الاحتكار.


تسيطر جوجل اليوم على ثلثي عمليات البحث (4 مليارات عملية بحث يوميًا)، وهي تسيطر بصحبة آبل على 90% من سوق أنظمة تشغيل الهواتف الذكية في العالم، في حين تبيع أمازون وحدها 40% من الكتب الجديدة، وهي وجهة 30% من إجمالي الراغبين في الحصول على أي سلعة. وتحول فيسبوك إلى جمهورية افتراضية حقيقية تفوق قوتها قوة قارات بأكملها. وتسيطر أكبر 10 مواقع في الولايات المتحدة اليوم على 75% من عدد زيارات الويب مقارنة بقرابة 30% فقط عام 2001.

 

تتوسع جوجل في كل ما يخص التكنولوجيا والمعلومات، وتتوسع فيسبوك في كل ما يخص الوسائط والتواصل، بنفس الطريقة التي توسعت بها جنرال إلكتريك في أسواق كل ما يعمل بالكهرباء منذ عدة عقود، وبعد الثورة الصناعية الثانية استخدمت الحكومة الفيدرالية الأمريكية سلطتها لترويض الشركات، ولكن ترويض الشركات العالمية تبقى مهمة أكثر صعوبة بكثير. وبعد قرن من تحذير "روزفلت"، يعود البارونات الجدد، ولكن بأسماء وأوجه جديدة، وبرغم أن أباطرة اليوم يمتلكون عددًا أقل من الأصول الفعلية، وعلاقات أقل تغلغلًا مع مجتمعاتهم، إلا أنهم يبدون أكثر قوة ببساطة لأنهم أكثر عالمية، وهم يغيرون اليوم المسلمات التقليدية حول الاقتصاد والسياسة بأسرع مما يظن الكثيرون؛ ليواصلوا فرض لحظاتهم الخاصة التي تخطف أنظار العالم مرة تلو المرة، في الوقت الذي يقومون فيه بتشكيله أيضًا من حيث لا يحتسب.

 

عالم زوكربيرغ
كان عام 2016 مليئًا باللحظات المثيرة لأباطرة التكنولوجيا، ففي يناير (كانون الثاني) منه أعلن قسم "ديب مايند" في "ألفابيت"، (جوجل سابقًا)، نجاحه في تطوير برنامج حاسوب قادر على هزيمة أفضل اللاعبين البشريين في لعبة جو الصينية المعقدة. وفي أبريل (نيسان) نجحت "سبيس إكس"، بقيادة إيلون ماسك، وبعد عدة محاولات فاشلة، في إنزال صاروخ على متن منصة عائمة فوق الأطلسي. وفي أغسطس (آب) وصلت السيارة ذاتية القيادة من "أوبر" أخيرًا إلى الطريق السريع في بيتسبرغ. وبعد شهرين قالت "مايكروسوفت" إن أجهزة الحاسوب سوف تؤلف الخطابات بنفس دقة وسرعة البشر. ومع نهاية العام أعلنت "أمازون" أنها أجرت أول تسليم تجاري لها عن طريق الطائرات بدون طيار، بالقرب من كامبريدج في بريطانيا. إنجازات كلها أثارت قدرًا كبيرًا من التغطيات الإعلامية المحتفية بها، لكن لحظة بعينها، ربما تكون الأكثر أهمية، لم تحظ بذات القدر من الاهتمام.


في 12 سبتمبر (أيلول) من العام الماضي،
شهد العالم لحظة الهيمنة الأولى في التاريخ لشركات التكنولوجيا على المقاعد الخمسة الأولى للشركات المالكة للأسهم العامة الأكبر على الأرض، مزيحة شركات النفط الكبرى والمجموعات المالية العالمية التي هيمنت على القائمة لعقود لصالح الملوك الجدد، آبل وألفابت ومايكروسوفت وفيسبوك وأمازون. استمر الوضع لمدة سبعة أسابيع فقط؛ قبل أن تتسبب تقلبات الأسهم وارتفاع أسعار النفط في دفع عملاق النفط إكسون موبيل، والعملاق المالي بيركشاير هاثاوي للواجهة مرة أخرى أمام فيسبوك وأمازون. ولكن من السهل أن نستنتج أن بوابة فتحت لفترة وجيزة إلى المستقبل، هذا المستقبل الذي يسيطر فيه وادي السليكون على كل شيء، كما ذكر تقرير بلومبيرج.

 

تخسر وول ستريت معركة الأرقام إذن، بعد أن خسرت معركة المواهب التي واصلت التدفق خلال السنوات الماضية من نيويورك إلى كاليفورنيا، وهي خسارة تبشر بهيمنة القادة الجدد القادمين من عالم طالما أعلن أنه يكره السياسة، واجتهد على مدار عقود في الحفاظ على موقف محايد من صراعات الضغط السياسي، ولكن كما يتدفق الماء بطبيعته إلى أسفل فإن المال سرعان ما يتدفق بدوره إلى مواقع السلطة؛ حيث بدأ قادة التكنولوجيا يدركون أن واشنطن يمكن أن تكون بشكل ما مفيدة بالنسبة إليهم.

 

كانت الفكرة التي برزت في ذلك الحين هي تشكيل مجموعة ضغط تمثل صوت مجتمع التكنولوجيا، مجموعة من المحتمل أن تصبح إحدى أقوى المجموعات على الساحة السياسية

في عام 2011 كان "زوكربيرغ" و"ستيف جوبز" وغيرهم يحضرون حفل عشاء مع الرئيس السابق "باراك أوباما"، في منزل المستثمر المؤيد للديمقراطيين "جون دوير" في وودسايد. ركز قادة التكنولوجيا في نقاشهم هذه الليلة على قضايا تخص مصالحهم المباشرة، بداية من "جون شامبر" من شركة "سيسكو" الذي كان يضغط للحصول على إعفاءات ضريبية للأرباح الخارجية التي يتم استثمارها في الولايات المتحدة، إلى "مارك زوكربيرغ" نفسه الذي كان يريد الحصول على مزيد من تأشيرات الدخول من فئة (H-1B)، التي تمنح للأجانب للحصول على درجة الهندسة في الولايات المتحدة، في حين أكد "أوباما" أنه يمكن تناول الأمر فقط في ضوء إصلاحات الهجرة الأوسع نطاقًا.

وبينما بدا وكأن "زوكربيرغ" أصابته خيبة أمل ما، إلا أنها كانت فرصة جيدة لخوض نقاش مع صديقه القديم، جو جرين، حول كيفية نقل الولايات المتحدة بأكملها إلى نوع من الاقتصاد القائم على المعرفة، في ظل التحديات التي تمثلها "الأتمتة" على فرص العمل ومستويات المعيشة للطبقة الوسطى الأمريكية.

 

كانت الفكرة التي برزت في ذلك الحين هي تشكيل مجموعة ضغط تمثل صوت مجتمع التكنولوجيا، مجموعة من المحتمل أن تصبح إحدى أقوى المجموعات على الساحة السياسية؛ لذا سرعان ما تبنى "زوكربيرغ" المبادرة، وبدأ فورًا في التحدث إلى قادة وادي السيليكون حول تدشين المجموعة، وكان في مقدمتهم "ماريسا ماير" من ياهو، و"إريك شميدت" من جوجل، و"ريد هوفمان" من لينكد إن، وثلاثة عشر آخرين من رواد وادي الأحلام.

 

كانت مهمة "جرين" هي كتابة الوثيقة التي تشرح كيفية توظيف إمكانات وادي السليكون ضمن خطة «ضغط سياسي» في قضية الهجرة، وهي الوثيقة المكونة من 16 صفحة والتي تسربت إلى مجلة بوليتيكو. وتضمنت الوثيقة التأكيد أن مجتمع التكنولوجيا يمكن تنظيمه ليصبح الجماعة السياسية الأكثر نفوذًا، بالنظر إلى الشعبية الواسعة التي لا يزال يحظى بها بين الأمريكيين، إضافة إلى قوته المالية المتزايدة. كان الهدف هو جمع مبلغ 50 مليون دولار لصالح المجموعة الجديدة، وسرعان ما تم التعاقد وجلب الموظفين من المستشارين السابقين للحزبين الديمقراطي والجمهوري إلى سان فرانسيسكو، وتم إعلان تأسيس مجموعة (FWD.us) برئاسة غرين، الذي لم تكن رئاسته للمجموعة هي إنجازه الأول، بقدر ما كان نجاحه في إثبات وجهة نظره بجلب فتى هارفارد المنعزل إلى ساحة السياسة بعد عشرة أعوام من فشل محاولته الأولى.


ينفق
وادي السليكون اليوم ضعف ما ينفقه وول ستريت على أنشطة الضغط؛ حيث أنفقت شركات التكنولوجيا الخمسة الكبرى حوالي 49 مليون دولار على أنشطة الضغط في عام 2016، بالمقارنة مع أقل من 20 مليون دولار للبنوك الخمسة الكبرى في وول ستريت. وتذهب أموال وادي السليكون في الضغط من أجل قضايا مختلفة مثل الضرائب، والحفاظ على اتفاقيات التجارة الحرة، وقضايا الهجرة وقوانين حماية الملكية الفكرية، وبالنسبة للانتخابات فلا تزال معظم أموال وادي السليكون تذهب لدعم الديمقراطيين، ما دفع صحيفة بريتبارت، المنبر الإعلامي الخاص بـ"ستيف بانون" (كبير مستشاري الرئيس ترامب)، أن تصف وادي السليكون بأنه "وادي الديمقراطيين"، بعد أن ذهبت معظم أمواله في الانتخابات لدعم "هيلاري كلينتون"، على الرغم من أن "ترامب" حظي أيضًا ببعض الدعم من قبل بعض رجال التكنولوجيا وأبرزهم "بيتر ثيل"، مؤسس "باي بال" الذي دعم حملة ترامب بـ1.25 مليون دولار، والذي عينه "ترامب" فيما بعد نائبًا له لشؤون التكنولوجيا. وكان صعود "ترامب" إلى مقعد الرئاسة إيذانًا ببدء جولة سياسية جديدة للأباطرة الجدد، وهي جولة لا تزال معالمها الرئيسة تتشكل حتى الآن.

 

زوكربيرغ ضد ترامب

"فاز دونالد ترامب لأنه قاد تمردًا ضد احتضان الديمقراطيين لنموذج الأعمال في وادي السليكون، الذي يستفيد من التجارة العالمية، والعمالة الخارجية والعمال المهرة الأجانب"  
(موقع بريتبارت المؤيد لترمب)

 

حين خاض "دونالد ترمب" محاولته الأولى للترشح لرئاسة الولايات المتحدة في انتخابات عام 2000، تحت راية حزب الإصلاح، كان "مارك زوكربيرغ" لا يزال آنذاك طالبًا في المدرسة المتوسطة، وحين قام بمحاولته الثانية عام 2004 كان فيسبوك لا يزال موقعًا شبابيًا محدود الانتشار تم إطلاقه للتو من هارفارد، ولم يكن "ترمب" الأمس مختلفًا بشكل كبير عن ترمب اليوم؛ حيث كان يصف المكسيكيين بالمغتصبين، ويسخر من المعاقين والنساء، ويهاجم وسائل الإعلام، لكن ربما يكون أبرز ما تغير بين محاولات "ترمب" الأولى، وبين وصوله إلى مقعد الرئاسة هي ثورة الشبكات الاجتماعية التي قادها "زوكربيرغ" ورفاقه؛ كانت 140 حرفًا لتغريدة تويتر الواحدة هي التي صنعت أسطورة "دونالد ترمب".!

لا يحب "دونالد ترمب" التكنولوجيا، فرغم إقراره أنها تخلق فرصًا هائلة؛ إلا أنها تجلب أيضًا تأثيرًا انكماشيًا على فرص العمل

الجزيرة
 

يدين "ترمب" بالكثير -إذن- لـ"زوكربيرغ" ورفاقه، ومع ذلك فإن العلاقة بين "ترمب" ووادي السليكون لا تتسم بالكثير من الود، فالرجل يزدري الأجانب الذين يشغل واحدًا منهم على الأقل عضوية مجلس الإدارة في أكثر من نصف الشركات المليارية في وادي السليكون، والذين يمدون هذه الشركات بالكثير من العقول الواعدة من المبرمجين والمهندسين، ويعارض "ترمب" أيضًا اتفاقات التجارة الحرة مثل اتفاق التجارة عبر المحيط الهادي، وهو يهدد آبل بإجبارها على تصنيع منتجاتها داخل الولايات المتحدة. لم يكن من المستغرب -إذن- أن يكون وادي السليكون أول الخاسرين من فوز "ترمب"، بعد أن انخفض مؤشره بنسبة 1.5% صبيحة إعلان فوز الرئيس الأميركي المثير للجدل.

 

لا يحب "دونالد ترمب" التكنولوجيا، فرغم إقراره أنها تخلق فرصًا هائلة؛ إلا أنها تجلب أيضًا تأثيرًا انكماشيًا على فرص العمل، فنجد أن "ألفابيت" توظف على سبيل المثال 962 شخصًا لكل مليار دولار من الإيرادات، في حين أن فورد توظف 1472 شخصًا لنفس الرقم، لذلك ينظر "ترمب" ومؤيدوه إلى وادي السيليكون كعامل من عوامل تقويض مستوى معيشة الطبقة المتوسطة، بينما يرى كثيرون أن ثقل المعارضة الأمريكية انتقل من واشنطن إلى وادي السليكون، بعد أن وقعت مئة شركة أميركية على مذكرة ترفض قرار "ترمب" بالحظر على المسلمين.
 

ورغم ذلك، كان على رواد التكنولوجيا أن يحجوا من جديد إلى العاصمة، ولكن هذه المرة إلى الطابق السابع من برج "ترمب"؛ حيث تحلقوا يستكشفون الرئيس الجديد. لا يزال الطرفان يتبينان نوايا وأوراق بعضهما البعض، بينما يجمع أباطرة التكنولوجيا اليوم أن الوصفة التقليدية بالابتعاد عن السياسة لم تعد صالحة، فها هي السياسة تقتحم اليوم صلب أعمالهم.

 

من بين نخبة التكنولوجيا الحاضرين في برج "ترمب"، لوحظ غياب أحد أبرز الضيوف المنتظرين، ولم يكن الغائب سوى "مارك زوكربيرغ" نفسه الذي اكتفى بإرسال "شيريل ساندبيرغ" المسئول الثاني في فيسبوك، فيما بدا أنها رسالة يرسلها "زوكربيرغ"، نيابة عن نفسه وعن رفاقه، أنه ربما آن الأوان أن تعمل الولايات المتحدة على انتخاب رئيس يعرف شيئًا عن التكنولوجيا، وأن أباطرة التقنية لم يعودوا على استعداد للبقاء في الخلفية والاكتفاء بالاستمتاع بوصفهم أنهم غريبو الأطوار، وأن الأوان قد آن -كما يبدو- لتنتقل التقنية من عالم "ويب 2.0" إلى صناعة عالم "سياسة 2.0"، عالم ربما يحكم فيه القوة العظمى عالميًا شاب مثل "مارك زوكربيرغ"، الذي لم يعد -بعدُ- ذلك الانطوائي المنعزل الذي عرفته أسوار هارفارد يومًا ما!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار