انضم إلينا
اغلاق
هل انتهى زمن أنجيلا ميركل؟

هل انتهى زمن أنجيلا ميركل؟

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض
اضغط للمشاهدة

     

في سبتمبر من العام 2013، كشف الاتحاد المسيحي الديمقراطي في ألمانيا عن واحدة من أكبر ملصقاته الدعائية للانتخابات العامة، والمُعلق بمواجهة محطة القطار في قلب العاصمة برلين. كان الملصق غريبًا لغير العارفين بالسياسة والساسة في ألمانيا، ومنافيًا لما اعتادته البشرية كلها منذ بدء فكرة الانتخابات الديمقراطية الحديثة كما نعرفها. لقد قرر الحزب أن يروّج لمرشحته "أنجيلا ميركل" بملصقات لا تُظهر وجهها من الأصل، بل مجرد حركة يديها المُعتادة والشهيرة بـ "ميركل راوتِه"، والتي باتت رمزًا لشخصيتها الدؤوبة والفارغة من الكاريزما والحماس في آن.
 

"ضعوا مستقبل ألمانيا في أيدٍ أمينة" هكذا قرأ الملصق الدعائي، في إشارة واضحة للاستقرار الذي حظيت به ألمانيا تحت قيادة ميركل منذ دخولها للمنصب عام 2005، والتي باتت تُعرَف بـ "موتّي" أي "الأم" بالألمانية، لتتحول صورتها في أذهان الألمان رويدًا من مجرد سياسيّة في أروقة الاتحاد المسيحي الديمقراطي، إلى شخصية تحلق فوق الساحة السياسية بشعبيتها الخاصة المنفصلة عن عضويتها بالحزب، وكأنها بالفعل "أم" للألمان وللعملية السياسية ككُل.


بيد أن صورة "الأم" وما تحمله من مميزات بث الإحساس بالأمان والاستقرار، تبُث في نفس الوقت درجة من الملل داخل الحياة السياسية وتُفقدها حماسها المعتاد، فقد صرح أحد قياديي الحزب الديمقراطي الاجتماعي، المتحالف مع الاتحاد المسيحي حاليًا، بأنه ليس هناك أي معنى ليمتلك حزبه مرشحًا لمنصب المستشار بينما تُبلي "ميركل" بلاءً حسنًا، أما مجلة سيسرو الألمانية فنشرت على غلافها مؤخرًا صورة صندوق انتخابي تخرج منه صورة المستشارة وعنوانها "ومن ننتخب غيرها؟".
 

ملصق يروج لأنجيلا ميركل بدون إظهار وجهها مكتوب عليه "ضعوا مستقبل ألمانيا في أيدٍ أمينة" (مواقع التواصل)


كانت مُفارقة ساخرة وكاشفة في آن التي أظهرها استطلاع في العام 2017 في ألمانيا عن العلاقة بين الألمان و"موتّي"، فالألمان أكثر استعدادًا لدفع مبلغ من الأموال من جيوبهم من أجل احتساء الجعة مع مدرب كرة القدم الألماني المعروف والمحبوب "يورغن كلوب"، يفوق ضعف ما قد يدفعونه مقابل تناول العشاء مع "أنجيلا ميركل". لا تبالي ميركل كثيرًا بأنها لا تتمتع بعلاقة وطيدة وحماسية مع الناس بقدر ما يختارونها كل أربعة أعوام لأنها ترعى السياسة والاقتصاد وكأنها أم بالفعل، لكن "موتّي" لسوء حظها لا تحكم ألمانيا فقط، كما أن "أبناءها" باتوا أكثر نضجًا وحماسًا من مجرد البحث عن "أيدٍ أمينة".


"فرضية ترودو": قليلٌ من الحماس يكفي

"مثلها مثل سائق السيارة في الضباب، لا ترى ميركل أمامها سوى خمسة أمتار وليس مائة متر، ولذا تفضّل الحرص وعدم التحدُّث كثيرًا والتقدُّم خطوة خطوة. بالأحرى ليست ثمة رؤية على الإطلاق"
(الروائي والصحافي الألماني بيتر شنايدر)

لا يبدو أن صورة ميركل وعهدها الطويل مجرد مصادفة في التاريخ السياسي الألماني، فقد لعبت المستشارة دورًا ملائمًا جدًا لما احتاجته ألمانيا بعد سقوط حائط برلين ونهاية الحرب الباردة وإعادة توحيد ألمانيا: الإمساك بزمام الأمور دون مداعبة أية مشاعر قومية أو أيديولوجية من قريب أو بعيد، فجيل السياسيين الألمان الذي شهد سقوط الحائط كان قد اكتوى بنار الأيديولوجيات والرؤى الكبرى مرتين، مرة حين سقطت المنظومة الشيوعية على رأس الألمان في الشرق، بعد أن حرمتهم لعقود طويلة من الاتصال الطبيعي بالعالم، ومرة حين سقطت المنظومة الفاشية من قبلها على الألمان كلهم، لتكلّفهم وحدتهم السياسية لحوالي نصف قرن.
 

كانت ميركل في الواقع انعكاسًا لتلك الروح التي آثرت البرود على حماسة الأيديولوجيا، والعمل التكنوقراطي الدؤوب على الشعارات القومية الرنّانة، وقد أثبتت في الحقيقة كفاءة ذلك البرود في بناء أكبر اقتصاد في القارة الأوروبية وأكبر اتحاد اقتصادي في العالم، لكن شركاء ألمانيا في الاتحاد لم يشاركوها أبدًا خصوصياتها التاريخية تلك، ومن ثم لم تكن ميركل بالنسبة لهم سوى امرأة سلبت من أوروبا معانيها الثقافية والسياسية المتعددة، مقابل تدشين آلة الاتحاد الأوروبي البيروقراطية وفق معايير ألمانية صارمة.
 

أنصار حزب "البديل من أجل ألمانيا" المعارض لسياسة استقبال المهاجرين المفتوحة (غيتي)


ليس الأوروبيون فقط هُم من يريدون الخروج عن أوامر "موتّي" اليوم، بل جيل جديد من الألمان أنفسهم أكثر تصالحًا مع هويته الوطنية، وأكثر رغبة بإضفاء بعض السخونة على المسرح السياسي الألماني، وربما رؤية بلادهم في موقع إقليمي وعالمي أكثر بروزًا من موقع القوة الاقتصادية الصامتة، لا سيّما وهُم يرون عدوانية السياسات الروسية من ناحية، وسقوط الولايات المتحدة كنموذج ديمقراطي وقيادي يحتذى به بعد انتخاب ترمب من ناحية أخرى، في مقابل ارتفاع كبير بشعبية ألمانيا والألمان والثقافة الألمانية على مستوى العالم، بصورة غير مسبوقة، تضع ألمانيا رغمًا عنها تحت الأضواء.
 

لا يعني ذلك أبدًا بالطبع القبول بالرؤى الفاشية والقومية البائدة، لكن استمرار النخب السياسية على حالها في الحقيقة يُنذر بانجذاب البعض بالفعل لصنوف معيّنة من اليمين الشعبوي، مثل حزب "البديل من أجل ألمانيا" المعارض لسياسة استقبال المهاجرين المفتوحة، صنوفٌ تلبي الحاجة لخطاب سياسي أكثر حدة من ميركل، وأكثر صراحة في الحديث عن مستقبل الاتحاد الأوروبي وإصلاحه من كلماتها الدبلوماسية المعهودة عن أهمية الوحدة، وعدم وجود بديل لليورو كما صرحت سابقًا.
 

عاجلًا أم آجلًا، سيكتشف الألمان أن تناول الطعام ليس مقصورًا على مطبخ المستشارة، وأن الحل الناجع لمواجهة ما يطرحه اليمين الشعبوي من بدائل هو توجيه ضربة استباقية، بحملة تجديد جذرية في خطابات وقيادات الأحزاب التقليدية، تستطيع هي نفسها توفير البديل، لتأكل نفسها قبل أن يأكلها اليمين، وهي فرضية أثبتها جزئيًا فوز جوستين ترودو في كندا، السياسي الليبرالي الذي كسر تمامًا صورة السياسيين التقليدية، وأطلق العنان لخطاب سياسي أقرب للناس وأكثر حميمية وصراحة، لينتزع رئاسة وزراء كندا من اليمين المحافظ.
 

يثبت تلك الفرضية أيضًا ما جرى في الولايات المتحدة في انتخابات 2016، حين قرر الديمقراطيون الدفع بهيلاري كلينتون كشخصية تقليدية لمواجهة "فوضوية" ترمب، بدلًا من المخاطرة بترشيح برني ساندرز كوجه جديد، لتخسر السياسية العتيقة سباقها للبيت الأبيض مقابل الانحياز الأكبر لترمب كشخص جديد من خارج المنظومة، وهو درس استوعبته كافة أحزاب الوسط ويسار الوسط في أوروبا، ومنهم الحزب "الديمقراطي الاجتماعي" الألماني، المنافس الرئيس للاتحاد المسيحي رغم وجوده في الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة ميركل، والذي قرر على ما يبدو أن ميركل لم تعد تبلي البلاء الحسن كما افترض قادة الحزب سابقًا، وأن القليل من حماس ترودو بات ضروريًا لإبعاد الألمان عن اليمين.
 

شتاينماير وشولتز: أفول نجم ميركل

"ما يفعله شتاينماير هو ملئ فراغ ظهر مؤخرًا بشكل واضح؛ التواصل مع الناس عبر العواطف"
 (فرانز مونتفرينغ، قيادي بالحزب الديمقراطي الاجتماعي)
 

 مارتن شولتز المرشح القادم لمنصب المستشار في الانتخابات القادمة من سبتمبر لهذا العام ممثلا عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي (غيتي)


في يناير من عام 2016، قرر الحزب الديمقراطي الاجتماعي ترشيح مارتن شولتز لمنصب المستشار في انتخابات سبتمبر 2017 التي فازت بها ميركل، إلا أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي قرر حينها أن يضخ دماءً جديدة بالكُلية ليس فقط داخل الحزب ولكن في الحياة السياسية الألمانية بأكملها، فمارتن شولتز لم تسبق له ممارسة أي دور سياسي بارز داخل ألمانيا باستثناء عموديته لبلدة في غربي ألمانيا خلال الثمانينيات، أما دوره الرئيسي فكان داخل أروقة البرلمان الأوروبي حيث ظل عضوًا منذ العام 1994 عن كُتلة الحزب، وترأس البرلمان بين عامي 2012-2017.
 

تقف شخصية شولتز على النقيض تمامًا من أنجيلا ميركل، فالرجل لم ينشأ في ألمانيا الشرقية مثل المستشارة، بل في بلدة في أقصى الغرب قرب الحدود الهولندية، ولم يولد بأسرة بروتستانتية صارمة مثلها بل في أسرة من العُمال البسطاء، ليتراجع عن إكمال تعليمه الثانوي من أجل أحلامه في عالم كرة القدم، قبل أن يبدأ في التدرُّب على العمل كبائع للكتب، وهي فترة عانى فيها طويلًا مع إدمان الكحول، في نفس الوقت الذي أنهت فيه ميركل حصولها على الدكتوراه عام 1986 في الكيمياء الكمومية.
 

قبل عامين من دخول ميركل عالم السياسة إبان سقوط حائط برلين، كان شولتز قد وصل بالفعل لمنصب عمدة بلدة فورسِلن بعد أكثر من عقد من العمل داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وحين وصلت ميركل للأمانة العامة للاتحاد المسيحي الديمقراطي، تزامن ذلك مع خروج شولتز رسميًا من الحياة السياسية الألمانية وتفرغه لمهامه بالبرلمان الأوروبي، وكأن الأقدار قد نأت به عن حياة سياسية باردة لم تناسبه أبدًا كشخص يرى نفسه باستمرار "جل الشارع"، ويفتخر بصوته العالي وسجله النشط الخالي من صرامة عالم المؤسسات الأكاديمية.
 

منذ الإعلان عن ترشحه، أثبتت استطلاعات الرأي -حينها- الواحد تلو الآخر "فرضية ترودو"، فقد نجح شولتز في اجتذاب كثيرين من صفوف مؤيدي حزب البديل اليميني وحزب لينكه اليساري وحزب الخُضر، ليرفع رصيده بما يكفي ليصير منافسًا شرسًا للمستشارة، أما حزب البديل اليميني ففقد حوالي ثلث رصيده الشعبي منذ إعلان ترشيح شولتز في يناير من العام 2017، لتنخفض النسبة المتوقعة له من الأصوات من 15 %، إلى ما بين 8 و 11 %.
 

أنجيلا ميركل وفرانك شتاينماير (غيتي)


مما عزز من موقف شولتز حينها هو اختيار وزير الخارجية الأسبق لحكومة ميركل، والعضو أيضًا بالحزب الديمقراطي الاجتماعي، فرانك شتاينماير، لمنصب رئيس الجمهورية الرمزي في سبتمبر 2017، فالوزير السابق يُعرف هو الآخر بخطابه الأقوى على مستوى السياسة الخارجية مقارنة بهدوء ميركل، وهو أمر ليس بغريب بالنظر لمهنته الأصلية كمحامي، فقد أطلق الرجل العنان لحديثه عن أهمية ألمانيا المتزايدة في العالم قائلًا: "أليس أمرًا بديعًا أن تصبح بلادنا الصعبة تلك ملاذًا لآمال الكثيرين حول العالم؟".
 

على نفس النسق، تحدث رئيس البرلمان الألماني نوربرت لامرت، عضو الاتحاد المسيحي الديمقراطي، قبل التصويت مباشرة على رئاسة شتاينماير، بلهجة هجومية غير معتادة في السياسة الألمانية، موجهًا انتقاداته نحو الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين بشكل ضمني دون ذكر اسميهما، في محاولة ربما من الاتحاد المسيحي لمواكبة الخطاب الحاد ذي الشعبية المتزايدة لمنافسه اليساري، الأمر الذي دفع بالبعض داخل صفوف الاتحاد المسيحي للوم ميركل على اختيارها شتاينماير رئيسًا باعتباره مصدر للمتاعب مستقبلًا للحزب.
 

ما بعد "موتّـي"

"لقد سلبت ميركل من السياسة طبيعتها السياسية"
 (جورج ديز، كاتب وصحافي ألماني)

حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي "cdu" ترأسه المستشارة الألمانية ميركل (غيتي)

 

يلفت الانتباه دومًا كيف استطاعت أنجيلا ميركل، ابنة الأسرة البروتستانتية العريقة، قيادة الاتحاد المسيحي الديمقراطي، وشريكه الأبرز الاتحاد المسيحي الاجتماعي في ولاية بافاريا، رُغم تمركزهما بالأساس للناخبين الكاثوليك في جنوب ألمانيا. يلفت الانتباه أيضًا كيف نجحت في الحصول على مميزات عدة أثناء نشأتها بألمانيا الشرقية لا يحصل عليها إلا من استطاع التوائم مع النظام الشيوعي المدعوم من روسيا آنذاك، مثل حصولها على منحة للسفر إلى الاتحاد السوفيتي ودراسة الروسية.
 

لقد كان كل ذلك جزءًا من براغماتيتها الخالصة في الوصول للنتائج النهائية، دون النظر لأية جوانب سياسية أو ثقافية أو أيديولوجية لما تقوم به، فالاتحاد المسيحي هو وسيلتها لإدارة ألمانيا وليس بالضرورة معبرًا عن انتمائها الديني أو السياسي، تمامًا كما يظل الاتحاد الأوروبي ضمانة الاستقرار الألماني لا أكثر ولا أقل، على العكس مما يرى شولتز، والذي يعتقد بمبادئ الديمقراطية الأوروبية كقيمة بحد ذاتها تستوجب الدفاع عنها بصوت عالي بوجه بوتين وترمب وغيرهما. قليل من الرؤى أصبح مفيدًا للسياسة في أوروبا، لا سيّما انتخابيًا، على عكس ما اعتادت ميركل في سنواتها الطويلة بالسُلطة.


"لن يتغيّر شيء في هذه الانتخابات، وسنحصل على ائتلاف كبير مجددًا تقوده المستشارة أنجيلا ميركل"
(هكذا تحدث أحد الألمان عن توقعاته لما ستؤول إليه انتخابات سبتمبر 2017)

ليس جيدًا بطبيعة الحال أن تصبح ميركل نظيرًا لانعدام التغيير في قارة تعج بالحراك الباحث عن التغيير، وميركل قد لا ترحل إلا عام 2021، بيد أنها ستبدأ في حزم بعض أمتعتها وأفكارها بينما يعلو صوت الرجلين الأهم الآن في السياسة الألمانية والأوروبية، وتستعيد السياسة الألمانية أخيرًا جزءً ولو بسيطًا من طبيعتها السياسية، وتواصلها الأعمق مع الناس، وحدّتها الأكبر في تناول القضايا العالمية. لقد حان الوقت ربما لتخرج موتّي رويدًا من الصورة، ومعها شبح النازية وظل الحائط في برلين، لتفسح المجال لقيادة ألمانية باتت حتمية وضرورية، وتفسح المجال للسياسة الألمانية الفتيّة الآن.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار