انضم إلينا
اغلاق
بعد رحيل "الديناصور".. هل تصبح غامبيا "تونس" أفريقيا الجديدة؟

بعد رحيل "الديناصور".. هل تصبح غامبيا "تونس" أفريقيا الجديدة؟

الرئيس الغامبي الجديد آدم باور

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

"نحن هنا أكثر ديمقراطية من النظام الأميركي والبريطاني مجتمعين، وأود أن أكرر هنا أنني لا أتودد للغرب"
(يحيى "جامي" الرئيس الغامبي الذي تمت الإطاحة به مؤخرًا "عبر انتخابات")

 

خلف دروع من الجدران العالية والأشجار الكثيفة، يتوارى القصر الرئاسي في غامبيا الواقعة على شاطئ المحيط الأطلسي، هذا النزوع إلى الاختفاء ربما لا يكون مميزًا فقط للقصر الذي يعود تاريخه إلى أوائل القرن الثامن عشر؛ حين تم تشييده كمقر للحاكم العسكري البريطاني قبل استقلال البلاد عام 1965، فيبدو أن تلك البلاد بأكملها تميل للاختفاء، بداية من مساحتها المتناهية الصغر التي لا تتجاوز مساحة مدينة متوسطة في دولة كبرى؛ حيث تبلغ مساحة البلاد بأكملها ما يزيد قليلًا عن عشرة آلاف كلم مربع فقط، مرورًا بعدد سكانها الذي لا يتجاوز مليونين، وصولًا إلى انزواء جغرافي يستغرق في كل مرة بعضًا من الثواني قبل أن يميز الناظر ممرا دقيقا يشق قلب الأراضي السنغالية، وصولًا إلى خليج غينيا على ساحل الأطلسي، ما يجعلها أشبه بـ"موزة تشق فم السنغال" كما توصف الدولة في أمثالها المحلية الأكثر تأدبًا.

 

في الأيام الأخيرة من عام 2014، وفي مقبرة على بعد ميل تقريبًا من الطريق الرئيس المؤدي إلى القصر، اجتمع ثمانية رجال يرتدون عتاد اقتحام عسكري كامل، وكانت الخطة ببساطة هي اقتحام القصر الرئاسي ومجموعة من المؤسسات الحيوية، من أجل تثبيت رئيس مدني على حساب الديكتاتور غريب الأطوار الذي وصل إلى السلطة في البلاد قبل 20 عامًا بانقلاب عسكري، ورسخ أقدامه فيها عبر الفوز بأربعة انتخابات صورية.

 

لم تسر الأمور كما خُطّط لها وفشلت محاولة الانقلاب، التي تم تدبيرها عبر مجموعة من المهاجرين من المبعدين إلى الولايات المتحدة في الإطاحة بحاكم البلاد، يحيى عبد العزيز جموس المعروف باسم يحيى جامي عن منصبه؛ لتصبح بذلك المحاولة السادسة الفاشلة للإطاحة بـ"جامي" عبر انقلاب عسكري بعد خمسة محاولات مختلفة، تمت في أعوام 1994 و1995 و2000 و2006 و2009، كان أبرزها محاولة عام 2006 التي أطلق "جامي" على إثرها حملة قوية لإحكام سيطرته على البلاد، بعد أن خرج على شاشات التلفاز مهددًا بأنه "سوف يجعل من المنقلبين عبرة لمن يقومون بمثل هذه الأعمال"، متعهدًا بأنه سيقود غامبيا لـ"مليارات الأعوام القادمة".

إن أوجه التشابه بين جامي وبين القذافي لا يمكن أن تخطئها العين. فكما القذافي، يدعي جامي أن لديه نموذجه الخاص من الديمقراطية القائم على الحكمة التقليدية الأفريقية

رويترز

يتشارك جامي الملقب بـ"ديناصور النهر" العديد من أوجه الشبه مع الحكام التاريخيين لدول الربيع العربي، مثل زين العابدين بن علي وحسني مبارك، لكن أوجه الشبه بينه وبين ديكتاتور ليبيا معمر القذافي لا يمكن أن تخطئها العين، فكما القذافي يدعي جامي أن لديه نموذجه الخاص من الديمقراطية القائم على الحكمة التقليدية الأفريقية، حكمة اعتادت تسيير الحكم بالرجوع إلى وجهاء وشيوخ القبائل والمجموعات العرقية المختلفة، وهو ما لا ينسجم مع النموذج الديمقراطي الغربي من وجهة نظره.
 

وكعادة القذافي في خلع الألقاب على نفسه؛ فإن موقع الرئاسة الغامبية اعتاد أن يخلع على جامي نعوتًا وألقابًا على شاكلة "الشيخ البروفيسور الحاج الدكتور" و"قاهر النهر"، و"ناصر الدين" ومؤخرًا "أمير المؤمنين".

 

بالنسبة إلى الرجال من طراز جامي  فإن الضربة غالبًا ما تأتيك من حيث لا تحتسب، فقد كان لدى جامي  من الأسباب كي يعمل حسابًا للثكنات أكثر من خشيته من الصناديق، ابتداءً من طريقة وصوله إلى السلطة عام 1994، بينما كان لا يزال في مقتبل عمره -29 عامًا- عبر انقلاب عسكري، وانتهاء إلى تعرض نظامه لعدة محاولات جدية للانقلاب عليه، أوشكت في أكثر من مناسبة أن تطيح به.
 

ولكن الطاغية الأفريقي المغرم بطقوس المشعوذين وخرافات السحرة، لم يكن يتوقع أن أحلامه في حكم "المليار عام" سوف تبلغ نهايتها ببساطة من بوابة صناديق انتخابية، لم يحسب أن لها وظيفة سوى التمديد الصوري لبقائه في السلطة على رأس كل خمسة أعوام، حتى وإن أثبتت تجربته الدرس ذاته الذي قدمته معظم تجارب الإطاحة بالديكتاتوريات العتيقة بأن  الصناديق وحدها لا تكفي في معظم الأحيان للبقاء في السلطة.

 
المناعة ضد الانقلابات
 

"أُحذِّر طفيليات الشر المدعوة معارضة، إذا كنتم ترغبون في زعزعة استقرار البلاد؛ فأنا سوف أدفنكم تحت تسعة أقدام سحيقة، ولن يكون ساعتها بمقدور دولة غربية مهما كانت أن تنطق بكلمة واحدة" 

(يحيى جامي، في خطاب له بعد محاولة انقلاب عام 2014 الفاشلة)


في عام 1999، وفي ورقة بحثية لاقت ذيوعًا واسعًا آنذاك نشرتها مؤسسة "راند"، صك الباحث الأميركي ذائع الصيت جيمس كوينليفان لأول مرة مصطلح "المناعة ضد الانقلابات" أو (Coup proofing)، للإشارة إلى الدول التي صممت فيها هياكل الحكم بطريقة تمنع أي مجموعة صغيرة من الاستيلاء على السلطة، عبر توسل طرق تشمل التوظيف الفعال للأسرة أو العرق، وضمان الولاءات الدينية، جنبًا إلى جنب مع إنشاء قوة أو عدة قوى مسلحة موازية للجيش النظامي، وتطوير عدة وكالات للأمن الداخلي متداخلة الاختصاصات يراقب بعضها بعضًا.


كان جامي آنذاك لا يزال في منتصف فترته الرئاسية الأولى، بعد أن نجح مع ثلاثة من زملائه من شباب الضباط في الإطاحة بالرئيس داوودا جاوارا، أول رئيس منتخب لغامبيا بعد الاستقلال، والذي حكم هو الآخر لمدة ثلاثة عقود، لكن مع قدر كبير من الانفتاح السياسي والتحسن الاقتصادي، ومع هوس جامي بالانقلابات، كانت وصفة كوينليفان -التي كتبت بالأساس في وصف وتحليل أسباب استقرار الأنظمة الشرق أوسطية في مصر والسعودية والعراق وسوريا-، كانت تمثل فيما يبدو دليلًا نموذجيًا ليحيى جامي.


ينتمي جامي  إلى قومية الغولا التي تمثل 10% من سكان البلاد، وقد نجح في تركيزهم بشكل كبير في المؤسسات الأمنية على حساب قوميات الماندينكا 42% من سكان البلاد، والفولا  18%، وسبق لجامي أن وصف في خطاب له قومية الماندينكا العرقية، التي ينتمي إليها معظم قادة المعارضة، بالـ"حشرات" وتوعد بدهسهم كما يدهس النمل.
 

وفي محاولة تعزيز شرعيته الدينية قام جامي في عام 2015 بـ إعلان بلاده جمهورية إسلامية؛ من أجل تخليص البلاد من ماضيها الاستعماري كما ادعى آنذاك، إثر تدهور علاقته مع الغرب بعد أن اتهم الولايات المتحدة بالتورط في محاولة الانقلاب الأخيرة ضده، وهو ما نفاه المسؤولون الأميركيون، ناهيك عن قيامه بإنشاء وكالة الاستخبارات الوطنية، ونشر شبكة من المخبرين داخل البيروقراطية الحكومية؛ حيث كان من الشائع اصطحاب المعارضين إلى مراكز تحقيق غير مسجلة تمارس فيها أنواع من التعذيب.
 

قام جامي أيضا بتأسيس فرقة تابعة رسميًا للحرس الوطني تعرف بـ"رجال الأدغال"، تركز نشاطها بالقرب من مسقط رأسه في مدينة كانيلاي، وظيفتها هي تنفيذ المهام "القذرة" لمصلحة النظام، و يقوم رجال الأدغال بستراتهم السوداء وسيارات الدفع الرباعي والأسلحة "إيرانية الصنع" بالتجول في البلاد، وتنفيذ عمليات اغتيال لقوائم من المعارضين تحت إشراف جامينفسه، وفق ما نشرته صحيفة ذي أتلانتيك.


ولكن الأمور أصبحت أكثر سوءًا منذ الإجراءات القمعية ومحاولة الانقلاب التي وقعت في نهاية عام 2014، ومع اقتراب موعد الانتخابات، ونزول المعارضة إلى الشارع احتجاجًا على القوانين الانتخابية التي تكرس لهيمنة جامي، وفي خضم الحراك القائم تم اختطاف  سولو صاندينغ القيادي في الحزب الديمقراطي المتحد وأحد أبرز قادة المغارضة، قبل أن تعلن وفاته داخل مقر احتجازه في ظروف غامضة في أبريل/نيسان 2016.
 

ولم تمضي عدة أشهر حتى لحق به إلى نفس المصير القيادي في نفس الحزب إبريما صولو كروماه في ظروف مماثلة في أغسطس/آب وهو ما أشعل وتيرة احتجاجات في البلاد، بطريقة تتشابه كثيرًا من حيث الأسباب والأشكال مع احتجاجات الربيع العربي التي اندلعت كمواجهة للفقر والتهميش السياسي، وتوغل سلطات الأجهزة الأمنية واستهداف المعارضين السياسيين.

 

ديناصور النهر

وكما أن عوامل بقاء واستقرار الأنظمة مركبة ومعقدة إلى حد كبير؛ فإن طريقة سقوطها لا تقل تعقيدًا وتسبقها مقدمات كثيرة، غالبًا ما يسهب في شرحها المحللون وفق عادة ممارسة الحكمة بأثر رجعي.
 

صورت الصحف الغربية سقوط جامي على أنه مفاجأة مدوية، وعلى خلاف المساحات الضئيلة التي غالبًا ما تحظى بالتغطيات الإعلامية، فإن سقوط جامي  نال حظًا وافرًا من التغطية، إلا أن بعض التدقيق يخبرنا أن سقوط ديناصور النهر المنعزل كان أكثر من متوقع، خاصة بعد أن أصبحت غامبيا الصغيرة الديكتاتورية الوحيدة في غرب أفريقيا منذ أكتوبر/تشرين الثاني عام 2014، حين تمت الإطاحة بديكتاتور بوركينا فاسو التاريخي بليز كامباوري، بعد حكم استمر قرابة 27 عامًا.



تصبح الأمور أكثر إشراقًا في أفريقيا كلما اتجهنا إلى الغرب نحو ساحل الأطلسي، حيث تضم المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" 15 دولة، تصنف جميعها على أنها دول حرة أو حرة جزئيًا، ضمن 29 دولة أفريقية تصنف كدول حرة على مؤشر فريدوم هاوس، وهو وضع يختلف كثيرا عن الشرق الأفريقي في أثيوبيا وأريتريا، وبالتأكيد عن مجموعة دول وسط أفريقيا التي تضم ديكتاتوريات القارة العتيقة، في الكونغو والكاميرون وتشاد وأوغندا وأنجولا؛ بل إن المفارقة أن غامبيا لا تكاد تظهر على الخريطة إلا كلسان دقيق يشق جسد السنغال، المصنفة كواحدة من أكثر الديمقراطيات استقرارًا في القارة!


وبعكس المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا "سيماك"، التي أغفلت عمدًا التلاعب الفاضح في انتخابات الغابون في أغسطس/آب من العام الماضي؛ فإن "إيكواس" طورت نمطها التدخلي الخاص خلال الحروب الأهلية في سيراليون وليبريا في التسعينيات؛ حيث كانت الولايات المتحدة منشغلة بحرب الخليج، وفي الوقت الذي كانت فيه "إيكواس" تحشد قواتها لإجبارجامي على القبول بنتيجة الانتخابات، كانت لعبة الديناصور المرتعش قد تكلفت بفض من يمكن الاستنجاد بهم من الحلفاء التقليديين في مثل هذه الأوقات العصيبة.

 

في إطار بحث جامي عن حلفاء جدد، يمكن قراءة قراره بتحويل بلاده إلى إمارة إسلامية في عام 2015 على أنه شكل من أشكال المغازلة الهادفة إلى استجلاب المساعدات مندول الخليج، وخاصة أن غامبيا كانت قد قطعت علاقاتها مع إيران عام 2010

لم يتمتع جامي  بالكثير من الانسجام مع القوى الغربية خلال السنوات الأخيرة، بداية من المستعمر السابق للبلاد بريطانيا، التي طالما اتهمها بالتدخل في شؤون حكومته وخيارات شعبه، قبل أن يعلن في نهاية عام 2013 انسحابه من رابطة الكومنولث البريطاني، التي تضم الدول التي كانت خاضعة سلفًا لسيطرة بريطانيا، وليس نهاية بالولايات المتحدة التي تلقى جامي تدريبه العسكري فيها لمدة ثلاثة أشهر قبل وصوله إلى السلطة، والتي اتهمها بالتورط في محاولة الانقلاب ضده نهاية عام 2014، رغم توجيه واشنطن الاتهام للعديد من الأميركيين الغامبيين في الولايات المتحدة، بموجب قانون الحياد وهو القانون الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، والذي يحظر على مواطني الولايات المتحدة المشاركة في هجوم ضد "بلد مسالم"، رغم أن جامي لا يزل يمتلك حتى هذه اللحظة قصرًا بقيمة 3.5 مليون دولار في ضاحية ميرلاند في العاصمة واشنطن.
 

 ولم تسلم المؤسسات الدولية بدورها من هجومه؛ إذ هاجم منظمة العفو الدولية والأمين العام للأمم المتحدة حينها بان كي مون"، مطالبًا إياهما بـ"الذهاب إلى الجحيم" بعد انتقادهما لوفاة المعارض سولو سيندينغ في الاحتجاز، وليس نهاية بـ انسحابه من المحكمة الجنائية الدولية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.


وفي حين يحب جامي وصف نفسه بأنه "ديكتاتور من أجل التنمية"، كما جاء في حواره الشهير مع مجلة جون أفريك، فإن رقصته المجنونة حول السلطة قد أجبرته على التخلي عن الموارد الرئيسة لتمويل بلده الفقير، بداية من التضحية بالمساعدات الأميركية والأوروبية؛ حيث إن 25% من واردات غامبيا عام 2012 جاءت من الاتحاد الأوروبي، بعد قيامه بطرد ممثل الاتحاد الأوروبي من البلاد، وبعد ما أصبحت بلاده هي البلد الوحيد الذي تم استثناؤه من مزايا قانون الفرص والنمو "أغوا"، الذي أقره الكونغرس الأميركي بخصوص الواردات الأفريقية إلى الأسواق الأميركية.
 

ولم يكتف جامي بذلك فبرغم اعتماد اقتصاد البلاد بنسبة 20% من ناتجها المحلي الإجمالي على تحويلات المغتربين، فإن جامي  حذر مواطنيه من مغبة تلقي تحويلات من أقاربهم المغتربين، نظرًا لأنه كان يعتقد أن هؤلاء المغتربين قد تم شراؤهم من الغرب عبر هذه الرواتب، مهددًا أن الطرد والإبعاد سوف يكونان مصيرا لكل من يجازف بتلقي مثل هذه الأموال.


ومع قيامه بتدمير علاقته برعاة بلاده التقليديين، ومعها تحطيم كافة مصادر التمويل لاقتصاده المتداعي، فقد بدأ جامي في البحث عن حلفاء من بين القادمين الجدد إلى القارة، مثل الصين والبرازيل وفي المقدمة بالطبع دول الخليج العربية، ويمكن قراءة قرار جامي بتحويل بلاده إلى إمارة إسلامية في عام 2015 على أنه شكل من أشكال المغازلة الهادفة إلى استجلاب المساعدات من المملكة العربية السعودية، وخاصة أن غامبيا كانت قد قطعت علاقاتها مع إيران عام 2010، بعد ضبط شحنة أسلحة إيرانية كان جامي يعتقد أنها موجهة لمنشقين ينوون الإطاحة بنظامه آنذاك.
 

وكعربون صداقة للسعوديين قامت غامبيا في مطلع عام 2015 بإبعاد رجل أعمال من أصل لبناني بدعوى قيامه بتمويل حزب الله اللبناني، وقد أتت مغامرة جامي  بعض أُكلها على صعيد المساعدات؛ حيث ظهرت دولة الإمارات العربية المتحدة وبنك التنمية العربي ضمن قوائم المؤسسات المانحة لغامبيا، ولكن المساعدات المالية لم تكن كافية لتشفع لجامي بعد إعلان نتائج الانتخابات.


غامبيا بلا جامي
 

مشاركة الرئيس السابق يحيى جامي في الانتخابات الرئاسية لغامبيا عام 2006 (رويترز)


لم يصدق العالم أن جامي يمكن أن يتخلى عن السلطة ببساطة بعد إعلان خسارته للانتخابات، شأنه شأن أي رئيس في دولة ديمقراطية غربية من تلك الدول التي لم يكف عن مراشقتها، ولكن جامي أثبت سريعًا أنه على قدر توقعات متابعيه، حين أعلن تراجعه عن الاعتراف بنتائج الانتخابات، وأنه يعتزم عدم تسليم السلطة قبل إجراء اقتراع جديد.
 

وقبل أن يقوم بإعلانه كان على جامي أن يتأكد من ولاء قادة الجيش لنظامه، خاصة وأن بعضهم كانوا قد سارعوا لتهنئة الرئيس الجديد وزعيم المعارضة، آدم بارو، ولكن تلويح بارو وقادة المعارضة اعتزامهم تقديم جامي ورموز نظامه إلى المحاكمة، دفع هؤلاء للاصطفاف شكليًا خلف جامي أكثر من ولائهم الشخصي له.


ولكن الأمور كانت قد تغيرت كثيرًا الآن؛ بعد أن قامت دول العالم بالاعتراف بالرئيس الجديد، وفي مقدمة هذه الدول كانت السنغال التي يبدو أنها لم تكن على استعداد لتفويت الفرصة للتخلص من جامي، الذي تتهمه داكار بتقديم الدعم للمتمردين في منطقة كازاماس.


وعبرالتاريخ كانت السنغال وغامبيا دولة موحدة تحت اسم "سنغامبيا"، ولكن الديناميات الاستعمارية تسببت في تقسيم شعب واحد إلى دولتين، أو دولة فرانكفونية يخترقها شريط أنجلوفوني حول نهر غامبيا. وفشلت فترة الوحدة القصيرة، الممتدة لسبع سنوات في عهد الرئيس داوودا جاوارا، في إرجاع الأمر لسابق عهده، قبل أن يحتدم الصراع بين الطرفين مع وصول جامي إلى السلطة.


لم تكن هزيمة الصناديق وحدها كافية للإطاحة بجامي، لكن عوامل عدة جعلت تمسكه بالسلطة بعد خسارة الانتخابات أشبه بالرقصة الأخيرة لحيوان ذبيح، أولها الحتمية الجيوسياسية للتحول في جزيرة استبدادية تخترق حيزًا جغرافيًا من الديمقراطيات المستقرة -حاولت مجموعة إكواس سلفا فرض قرار يحد مدة الرئاسة بفترتين رئاسيتين في جميع دول المجموعة؛ ولكنه وجه باعتراض فقط من غامبيا وتوغو، وثانيها وقوعها في القلب من جار تاريخي متربص ومستعد للتدخل ويحظى بدعم شعبي كبير، ولا يمكن النظر إليه كمحتل في ظل التداخل التاريخي والجغرافي والعرقي، وأهمها على الإطلاق أنه على عكس معظم الديكتاتوريات التي تستمد بقاءها من الدعم الخارجي، فقد حوّل جامي نفسه عبر طقوس شعوذة سياسية مجنونة إلى تنين حبيس بلا أجنحة أو ديكتاتور منعزل بلا حلفاء.

 

ربيع أفريقي

تمتلك غامبيا الكثير من التشابهات الشكلية مع حالة الربيع العربي، رغم أن تغيير النظام تم من خلال صندوق الانتخاب، وليس الانتفاضة أو الثورة

رويترز

ويبدو أن ديكتاتور غينيا الاستوائية تيودورو أومبيانغ، الرئيس الأقدم في العالم لدولة جمهورية، كان على موعد مع استقبال ضيف جديد مثير للجدل، فقبل عقد من الزمان، استقبل سجن الشاطئ الأسود في غينيا المرتزق البريطاني سايمون مان، الذي حكم عليه بالسجن 34 عامًا لدوره في انقلاب وونغا الشهير ضد أومبيانغ، وللمفارقة فإن جامي شبّه محاولة الانقلاب عليه عام 2014 أنها جاءت على نمط انقلاب وونغا، وهو نمط مميز للإطاحة بالحكام من خلال الاستعانة بمرتزقة خارجيين، وعلى غرار جامي الذي قام بالانسحاب ببلاده من ميثاق الجنائية الدولية، فإن أومبيانغ لم يوقع الميثاق من الأساس، ما يجعل غينيا وجهة مثالية لجامي وأمواله.


تمتلك غامبيا الكثير من التشابهات الشكلية التي استدعت حالة الربيع العربي، رغم أن تغيير النظام تم رسميًا من خلال صندوق الانتخاب، وليس الانتفاضة أو الثورة، وهي تشابهات لا تقتصر على فرار زعيمها إلى الخارج هربًا من المحاكمة، محملًا بكميات كبيرة من الأموال والثروات -سيارتان من طراز بنتلي وسيارة رولز رويس ومبلغ 11.5 مليون دولار- كما حدث في تونس، أو الدور الكبير الذي لعبته الدول الخارجية في تغيير النظام كما حدث في ليبيا، أو النمط الكرنفالي المميز بخروج الشباب الغامبي إلى الشوارع احتفالًا برحيل جامي أسوة بما في مصر، وإنما وقع التغيير في غامبيا أيضًا بشكل عفوي ووفق سيناريو غير متوقع، وعلى حساب حاكم غريب الأطوار تعهد بحكم بلاده إلى الأبد، وبعد أقل من عامين على الإطاحة بالديكتاتور التاريخي في بوركينا فاسو، وفي نهاية عامٍ شهد مظاهرات حاشدة في 10 دول أفريقية، وفي مطلع عام من المنتظر أن يشهد انتخابات رئاسية في 4 دول أخرى من قلاع الديكتاتورية في وسط أفريقيا، ما يجعل لعبة التغيير التسلسلي مرشحة للظهور من جديد وإن كانت بوتيرة أكثر بطئًا.


ولكن العديد من الظروف تضافرت لإتمام عملية التغيير في غامبيا كما سبق أن أسلفنا، وهي ظروف ربما لا تكون مهيأة لغيرها من الدول الطامحة لدورها في لعبة أحجار الدومين، حيث لا تزال الديكاتوريات في الكونغو وأوغندا وأثيوبيا وإريتريا -على سبيل المثال- تتمتع بالكثير من الدعم من قبل قوى دولية مختلفة، في حين أن المجموعات الاقتصادية لدول وسط وشرق أفريقيا تبدو أقل التزامًا تجاه التدخل لنشر الديمقراطية، أو تثبيت الحكام المنتخبين في ظل سيطرة الأنظمة الأكثر استبدادية، ومن شأن رحيل جامي أن يبعث الكثير من الحياة في حراك الشعوب الأفريقية الطامحة نحو التغيير، ولكن الكثير من هذه الشعوب ربما لا تحظى بمثل هذا المسار السلس نسبيًا، وسوف يكون عليها أن تدفع أثمانا أكثر كلفة في رحلتها الطويلة نحوه.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار