انضم إلينا
اغلاق
القاعدة وتنظيم الدولة.. الجهاد بين المافيا والرايخ

القاعدة وتنظيم الدولة.. الجهاد بين المافيا والرايخ

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض
لا يعرف أحد على وجه الدقة أين يقبع "سيف العدل" اليوم، يُقال إنه عاد لأفغانستان لمتابعة نشاطاته هناك مع تنظيم القاعدة، ويُقال إنه في سوريا لمواكبة الساحة الجهادية الجديدة التي انفتحت أبوابها على مصراعيها هناك بعد عام 2011، ولتقديم الدعم والمشورة لجبهة النصرة، الفرع الرسمي السوري لتنظيم القاعدة.

 

كان "سيف" ضابطًا سابقًا بالجيش المصري، قبل انضمامه لجماعة الجهاد بالثمانينيات ثم القاعدة في التسعينيات، وشارك في التخطيط لتفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، ومن ثم وُضِع اسمه على قائمة المباحث الفيدرالية الأمريكية لأخطر «إرهابيين» مطلوبين في العالم، مع رصد مكافأة خمسة ملايين دولار لمن يدُل على مكانه.
 

بيد أن إيران لم تُبال بتلك الجائزة المالية، لتُطلق سراحه مطلع عام 2015 في صفقة سرية لتبادل الأسرى مع تنظيم القاعدة باليمن إثر اختطاف الأخير لدبلوماسي إيراني، ومن ثم انتشرت التكهنات مرة أخرى بمصيره منذئذ بين مختلف أفرع القاعدة حول العالم، مع ترجيح اتجاهه لسوريا، حيث تعكف القاعدة على تعزيز موقعها هناك في مواجهة الصعود السريع لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، المنافس الأكبر للقاعدة الآن في "الساحة الجهادية".
 

بينما يتقدّم سيف في العُمر مع رفقائه من قيادات القاعدة اليوم، فإن «ساحة الجهاد العالمي» كما تُسمّى تغيرت كثيرًا. ربما لم يكُن أحد منهم ليتوقع بأي شكل أن يصبح الشريط الحدودي بين سوريا والعراق، الواقعتين سابقًا تحت حُكم نظامين بعثيين يتنافسان مع بعضهما البعض في «الجنون والقمع»، مرتعًا ل «تجربة جهادية لا تقل جنونًا». لكنها تجربة لم تثر إعجاب حرس القاعدة القديم أو إعجاب الظواهري، زعيم «القاعدة» والمصري أيضًا، والذي تكشف بياناته عن خلاف حاد بين قطبي «الجهاد» الأكبر في العالم.
 

الأفكار لا تلعب دورًا رئيسًا في الخلاف كما يظهر لأول وهلة، وإلا كان الصُلح بينهما سهلًا، بل هناك فارق شاسع بين مسار وطبيعة كل من "قاعدة الجهاد" و"تنظيم الدولة الإسلامية" 

رويترز
 

قبل حوالي عام، كتب بروس هوفمان، أستاذ الدراسات الأمنية بجامعة جورج تاون، مقالًا في مجلة فورين أفيرز عن الاتحاد المُقبل بين «داعش» والقاعدة، والذي يعزوه لانتمائهما لنفس التوجه الأيديولوجي الجهادي في نهاية المطاف، ولتاريخ مشترك جمعهما حين كانت «داعش» مجرد فرع من فروع القاعدة باسم «دولة العراق الإسلامية»، علاوة على مواقف على الناحيتين تشي بتضامنهما مع بعضهما البعض في مواجهة أي عدو مشترك كالتحالف الغربي.
 

بيد أن منطقية «القاعدة الأيديولوجية المشتركة»، واحتياج «داعش» والقاعدة على السواء إلى التوحّد الآن أكثر من أي وقت مضى بمواجهة الحملة العسكرية الغربية على «الإرهاب»، وكمّ الاستفادة الممكنة لهما من ذلك الاتحاد، لا يكفيان نظريًا لحدوث ذلك في ظل واقع الاختلاف الهيكلي الكبير بينهما، فالأفكار لا تلعب دورًا رئيسًا في الخلاف كما يظهر لأول وهلة، وإلا كان الصُلح بينهما سهلًا، بل هناك فارق شاسع بين مسار وطبيعة كل من "قاعدة الجهاد" و"تنظيم الدولة الإسلامية".
 

كابول 1979 .. بغداد 2003: حكاية مدينتين وجيلّين


«لقد كانت السجائر تُباع في كل مكان، أي نوع من الخلافة هذه إذن؟»
 

(مقاتل سابق لـ «داعش» من بلدان آسيا الوسطى)
 

كان تساؤلًا بديهيًا عبّر به "محمد" عن استيائه الشديد مما رآه في صفوف التنظيم أو الدولة «الأكثر جنونًا وتطرفًا في العالم» كما يُعتَبر. كانت نوايا محمد دينية وبسيطة، أو ربما حسنة النية أكثر من اللازم، فقد اتفق مع أحد المقاتلين المصريين المستائين أيضًا من التدهور الأخلاقي في صفوف "تنظيم الدولة" الداخلية لتدشين حملة «دعوية» تحُث على الاهتمام بالقرآن والسُنة، حملة سرعان ما اجتذبت بضعة جنود آخرين.
 

للمفارقة، لم تُعجب قيادات التنظيم بذلك الاتجاه «المتطرف» كما رأته في صفوف جنودها، ليقوم موظفو «الدولة الإسلامية» بوضع تلك الدائرة «الدعوية» تحت الرقابة الصارمة، تمامًا كما تفعل معظم دول الشرق الأوسط المحافظة المحيطة بها، وحين اختفى أحد المنتمين لتلك الدائرة، قرر "محمد" الفرار من تلك «البيروقراطية غير الإسلامية» كما سمّاها قبل أن تدور عليها الرحى.
 

لعل الصدمة كانت لتصيب كثيرين من مقاتلي القاعدة القدامى إذا ما انخرطوا في صفوف «داعش» كما اختار محمد، ولم تكن لتقتصر الصدمة على تعامل «التنظيم» وأفراده مع «محظورات دينية» كالسجائر والكحوليات والمخدرات فيما بينهم، كما تكشف زجاجات الكحول التي يتركها مقاتلو التنظيم خلفهم من أماكن فرارهم، بل كانت لتشمل طبيعة عمل التنظيم وتشكيله «شديد البيروقراطية».
 

"الدولة الإسلامية" ليست بحاجة لشبكة تمويل «هشة» كتلك التي تعتمد عليها القاعدة، بل تتحكم في مساحات شاسعة مليئة بالنفط والموارد الطبيعية (رويترز)

 

تمتلئ قيادات القاعدة بالجيل القديم من إسلاميي مصر والسعودية وغيرها من بلدان المنطقة، في انعكاس واضح «للتجربة الجهادية» متعددة الأجناس التي شكّلت القاعدة في الثمانينيات أثناء الحرب الأفغانية، أما قيادات «داعش» فمعظمها من العراقيين كما يقول أبو حمزة أحد المقاتلين السابقين، والكثير منهم ضباط ومسؤولين سابقين بنظام البعث العراقي، وهو ما ينعكس بشكل خاص في قسوتهم البالغة وذائعة الصيت بالتنكيل بأسراهم على المستوى الفردي، في حين يملأ الأجانب صفوف المقاتلين على الأرض فقط دون أي أدوار قيادية.
 

لا يعرف تنظيم الدولة بأساليبه بالغة القسوة فقط، بل ولخبرة قياداته الإدارية غير المسبوقة في عالم «الجهاديين»، فالدولة ليست بحاجة لشبكة تمويل «هشة» كتلك التي تعتمد عليها القاعدة، بل تتحكم في مساحات شاسعة مليئة بالنفط والموارد الطبيعية، تكفيها مثلها مثل أي نظام سياسي مستقر إلى جوارها، ومسألة التمويل كما يكشف نشاط الولايات المتحدة في مكافحة «التمويل الإرهابي» هي نقطة الضعف الأشد التي قصمت ظهر القاعدة في السنوات الأخيرة، بل وربما أتاحت لـ «داعش» التفوق عليها بهذا الشكل السريع.
 

وبينما يصنف "سيف العدل" كمقاتل بصفوف «جماعة محظورة» هاربًا من مصر قبل ثلاثة عقود، تنتمي قيادات تنظيم الدولة لنظام سياسي حكم العراق بنفسه خلال نفس الفترة، وليس لشبكة مسلحة على غرار التجارب «الجهادية» القديمة التي لجأت إلى مدن أفغانستان بطبيعتها الجبلية والقبلية، وتاريخها الذي شهد بالكاد تبلور دولة بمعناها الحديث، ولم تلقَ فيه أية تجربة تحديث عسكرية جذرية نجاحًا يُذكر.

 تبلورت تجربة دولة العراق الإسلامية، و«داعش» من بعدها، كتجربة ذات طابع عراقي محلي ظل شبح التجربة البعثية حاضرًا فيها

رويترز
 

هُم أبطال الأمس في أعين الجهاديين إذن، يرونهم مقاتلين تمسّكوا بعقيدتهم ومعارضتهم للنظم السياسية «العلمانية»، وفروا بحثًا عن ملجأ جغرافي مناسب لشبكاتهم «الجهادية»، شبكات باتت عالمية بالفعل تستقطب شباب الصحوة من «الراديكاليين»، وتستهدف بالأساس المصالح الغربية الراعية للنظم «العلمانية» في العالم الإسلامي، وتعتمد في تمويلها على تبرعات المتعاطفين من كل حدب وصوب محاولةً التخفي لكيلا تنكشف قنواتها المالية أمام الاستخبارات الغربية.
 

تبلور بعد عقود ثلاثة جيل جديد في صفوف المسلمين في الغرب أولًا، والشباب العربي ثانيًا، وشباب بلدان الاتحاد السوفيتي السابق ثالثًا، صفوف لا يروقها خطاب القاعدة وطبيعتها بأي حال، فالشريحة الأولى تُعتبر جزءًا من موجة يمينية غربية، لا يشكّلها الدافع الديني التقليدي بقدر ما تجذبها الرغبة في معارضة النظام القائم وبشكل شخصي وعنيف، أما الشريحتين الثانية والثالثة فخرجتا من رحم تجارب «استبدادية» حديثة وعنيفة أحيانًا، وتشكّلت لديها دوافع «جهادية» أكثر انتقامية بالنظر للقمع والإحباط الذي رأته، كما تشكّلت لديها تصورات عن ماهية "المشروع الإسلامي" بعيدة عن شبكات القاعدة وخطابها الكلاسيكي، وأكثر شبهًا للمفارقة بالنظم المؤسسية والأيديولوجية التي عاشت فيها.
 

كانت تلك الشرائح الشبابية الجديدة بعيدة عما تطلبته ساحات الجهاد الأفغاني القديمة، لكنها لاءمت كثيرًا ساحات الفوضى التي أعقبت الثورات العربية في سوريا والعراق، فقد تبلورت تجربة دولة العراق الإسلامية، و«داعش» من بعدها، كتجربة ذات طابع عراقي محلي ظل شبح التجربة البعثية حاضرًا فيها، لتنجح فيما تجاهلته القاعدة لعقود طويلة: منح «حيازة الأرض وبسط السيادة» أولوية فوق كل اعتبار، لما فيه من تشكيل حاضنة واسعة وآمنة «للجهاديين» يُعلن فيها «المشروع الجهادي الإسلامي» على الملأ بقلب الصحاري العربية، بدلًا من التخفي في جبال كابول.

 

بين «قاعدة» التطرّف و«دولة» الإجرام
دولة شمولية «عنيفة» أقرب في طابعها الأيديولوجي لنظم كالبعث والرايخ الألماني والنظامين الشيوعي الصيني والروسي، في مراحلهما المبكرة (رويترز)


«إنها عصابة ضخمة فقط ليس إلا»

(ألين غرينارد، رئيس شرطة بروكسل الفيدرالية، متحدثًا عن «داعش»)

دون سابق إنذار، أطلق ميسا هوجيتش الرصاص على الشرطة من مسدسه وشرع في الهروب حين حاولت الاقتراب منه والإمساك به. كان ميسا، ذو الأصول البوسنية، تاجرًا للمخدرات في إحدى أحياء مدينة كوبنهاغن، العاصمة الدنماركية، وقد مات متأثرًا بجراحه بعد أن لاحقته الشرطة وأطلقت عليه الرصاص. خلال يومين فقط، أعلنت «داعش» تبنيها لهجومه على الشرطة، واعتبرته جنديًا من جنود الخلافة، وهو أمر تأكدّت منه الشرطة بالفعل، بعد أن اكتشفت عضويته في مجموعة سلفية ظهرت في تسجيلات الفيديو الدعائية الخاصة بـ «الدولة الإسلامية».
 

لم تكن تلك حالة منفردة كما أكدت الشرطة الفيدرالية الألمانية، فحوالي ثلثي من سافروا إلى سوريا كانت لديهم قضايا مسجلة، في حين تمت إدانة ثلثهم بالفعل في جرائم سابقة، تمامًا كما هو الحال في النرويج وهولندا، حيث تكشف السجلات إدانة أكثر من نصف «الجهاديين» المسافرين لسوريا بالمشاركة في جرائم مختلفة، وهو نمط يجزم أحد المسؤولين البلجيكيين بوجوده أيضًا بين «جهاديي» بلجيكا، والذين أدين نصفهم في جرائم سابقة قبل الاتجاه لسوريا.
 

شريحة شبابية جديدة من المسلمين لعلها أكثر انتماءً لسياقها الأوروبي الشبابي الحالي الذي تغزوه ظاهرة اليمين المتطرف والمنحاز للأفكار الفاشية، ويستهويه العنف والخطاب الهوياتي العنصري، نظرًا للمشكلات الاجتماعية والنفسية التي يعاني منها النسيج المجتمعي الأوروبي المعاصر. أما مجموعات «الجهاديين» الأوائل فهي بعيدة تمامًا عن عالم الجريمة التقليدي، حيث غلب على أعضائها التديّن بمعناه شبه المتفق عليه، وكان دافعها الوحيد عقائديًا لتبني فلسفة الجهاد في الثمانينيات، ولا يزال جاذبًا لكثير من المنتمين لنفس التنظيمات الإسلامية القديمة، كما يشي اجتذاب جبهة النصرة لبعض شباب الإخوان في مصر ممن تركوا الجماعة واتجهوا للجهاد في سوريا، في مقابل اجتذاب الجبهة لنسبة أقل من المسلمين الأوروبيين.
 

تكشف طبيعة الهجمات التي تبنتها «داعش» أيضًا عن قدرتها على استغلال شريحة جديدة من الشباب الجهادي أوروبي المنشأ لم تصل لها القاعدة من قبل

رويترز
 

هي محاولة إذا من «تنظيم» الدولة للاستفادة من شتى الظواهر الإجرامية بشكل أوسع، تمامًا كما تخترق بعض النظم الشمولية الراديكالية شبكات الجريمة المنظمة، مثلما فعل نظاما البعث العراقي والسوري في أوقات مختلفة، وفي حالة «داعش» فإن تلك المساحة تشمل للمفارقة ظاهرة الجرائم الإرهابية نفسها، وهو ما يفسر ما قد يسمى بـ «ركوب» الدولة لموجة من الجهاديين وتبنيها لأساليبهم المتنافية مع طبيعتها كدولة بيروقراطية، فالهجمات التي تبناها التنظيم على مسرح باريس وسوق برلين وعدة أماكن ترفيهية في إسطنبول وغيرها تكشف رغبة من الدولة للاستفادة من الظاهرة الجهادية.
 

تكشف طبيعة الهجمات التي تبنتها «داعش» أيضًا عن قدرتها على استغلال شريحة جديدة من الشباب الجهادي أوروبي المنشأ لم تصل لها القاعدة من قبل، وهو ما ينعكس على طبيعة عمليات «داعش»، فعمليات القاعدة عادة ما استهدفت أهداف مركزية وكبيرة معروفة لمواطني تلك البلدان، تمامًا كما هي معروفة للغريبين عنها نتيجة لقيام عرب غالبًا بتنفيذها، مثل برجي مركز التجارة العالمي في 2001، وتفجيرات السفارتين الأمريكيتين بشرق أفريقيا 1998، وتفجيرات قطار مدريد 2004، أما عمليات «داعش» في السنوات الأخيرة فتتم عادة في أماكن معيّنة مألوفة لقاطني تلك المدن دون غيرها، مثل مسرح باتاكلان في باريس 2015، وحادث برناردينو بالولايات المتحدة ثم حادث ملهى «الشواذ» الليلي بأورلاندو 2016، ثم سوق رأس السنة في برلين نهاية العام المنصرم.
 

دولة شمولية «عنيفة» أقرب في طابعها الأيديولوجي لنظم كالبعث والرايخ الألماني والنظامين الشيوعي الصيني والروسي، في مراحلهما المبكرة، منها إلى التنظيمات الجهادية القديمة، فحيازة الأراضي والتوسع فيها للهيمنة على الموارد الطبيعية كمصدر رئيسي لنظامها الاقتصادي، وحشد طاقات الشباب على خطوط أيديولوجية راديكالية في صفوف نظامها العسكري، مع الحفاظ على قيادة سياسية مركزية متجانسة عرقيًا ولغويًا، يذكرنا بأنظمة هتلر وستالين أكثر بمراحل من «عُصبة بن لادن» ومن حوله.

 
 

أما العمليات التي تبناها «تنظيم الدولة» فلا تعدو محاولة لاستغلال الظاهرة الجهادية ليس إلا، ولا تشكل الهدف الرئيسي للتنظيم على عكس القاعدة، فالحيز الجغرافي -كأي دولة قومية- هو نقطة الارتكاز الرئيسية للتنظيم، ومن ثم فإن استراتيجية الدولة تصبح بالتبعية إقليمية في المقام الأول، ومهتمة بالمواجهة مع التمدد الشيعي المدعوم إيرانيًا بقدر ما تهتم بمواجهة التحالف الغربي في شرق الأوسط، وهي عقيدة جيوسياسية لعلها موروثة هي الأخرى من نظام البعث، في تجلٍ واضح لما تمثله «داعش» من امتداد لظاهرة التواجد العربي السُني العراقي في تلك المنطقة، وحتمية عودتها للظهور بعد سقوط صدام ولكن في صورة أخرى، وهو ملمح يماثل مجددًا الأنظمة الشمولية المذكورة أعلاه، وينافي تمامًا شبكات القاعدة العالمية.
 

شبح البعث: أحفاد صدام وأصدقاء الأسد

«قام مسؤولو الاستخبارات السورية بعد غزو العراق بمنح التدريب العسكري للإسلاميين المسجونين في صيدنايا ليقاتلوا قوات التحالف الغربي، ذهب بعضهم للبنان وبعضهم ظل في العراق في حين أعيد اعتقال مجموعة ثالثة بصيدنايا، لقد شعر هؤلاء بالخديعة متوقعين معاملة أفضل، بل وربما إطلاق سراحهم تمامًا» -بيتر نيومان، أستاذ الدراسات الأمنية بجامعة كينغز كوليدج لندن، متحدثًا عن تمرّد مسجوني صيدنايا عام 2008
 

في ربيع عام 2009، جرى اجتماع رفيع المستوى نظمه مسؤولون بالمخابرات السورية في مدينة الزبداني الواقعة بريف دمشق، جمعوا فيه قيادات سابقة بحزب البعث العراقي مع قيادات عسكرية لتنظيم القاعدة بالعراق المعروف آنذاك بـ «دولة العراق الإسلامية». تم الاجتماع بالتحديد في منزل "أبو غادية"، المسؤول اللوجستي لتنظيم القاعدة بالعراق، والمقيم في المدينة بعلم المخابرات السورية منذ توليه المنصب عام 2004 حتى مقتله عام 2008.
 

كان الهدف من الاجتماع الذي ترأسه البعثيون السوريون والعراقيون على السواء هو بدء حملة لعدد من التفجيرات في مدينة بغداد تهدف لتقويض قبضة نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي آنذاك، والذي كان ممثلًا للاحتلال الأمريكي ليس إلا في ذلك الوقت، لا سيما والقاعدة تعاني من نجاحات التحالف الأمريكي مع مجالس الصحوات، وهو أمر لم يُرِح نظام الأسد في ظل الاعتقاد السائد بأن بلاده هي الهدف القادم للبنتاجون بعد إنهاء المهمة العراقية بنجاح.
 

يمتد إرث البعث المشكّل لـ «داعش» حتى العام 2011، ويشمل عالم استخبارات الأسد وبيروقراطية صدام. (رويترز)

جرت العادة دومًا في الكثير من التحليلات الإشارة للجذور البعثية العراقية لتجربة «داعش» الحالية، والحملة الإيمانية التي دشّنها صدام حسين في الثمانينيات لمواجهة الثورة الإيرانية وأنصارها من الشيعة في الداخل، وحشد دعم الإسلاميين السُنة لنظامه، بعد أن كان ملتزمًا في السابق بأجندة «قومية عربية وعلمانية» مشابهة لنظيريه السوري تحت حكم الأسد، والمصري تحت حكم عبد الناصر، وهي أجندة اكتوى الإسلاميون أنفسهم بنيران «قمعها»، قبل أن يقرر صدّام الالتفات لهم تحت تهديد طموحات طهران الإسلامية الوليدة عام 1979.
 

كانت حقبة صدّام الأخيرة قد شهدت تبلور ملامح جديدة للنظام، أبرزها التداخل بين جهاز المخابرات العسكرية وبعض المساحات الدينية مثل المساجد، في محاولة لتوجيه الخطاب الديني السُني ضد إيران، وتدشين شبكة من العلاقات التجارية بين الشخصيات الرئيسية في النظام والقبائل السُنية في العراق، للالتفاف على العقوبات الدولية عبر التجارة في الأسواق السوداء المجاورة، وهي قاعدة استفاد منها فيما بعد تنظيم القاعدة في العراق و«داعش» من بعده، وسهّلت من تحوّل الكثيرين في صفوف البعثيين إلى أجندة التنظيم بالفعل لاحقًا لحماية مصالحهم.
 

غير أن بعث العراق لم يكن وحده الأب الروحي لتجربة «داعش» العسكرية والبيروقراطية باختراقه لبعض المساحات القبلية والدينية السُنية في التسعينيات، بل بعث سوريا أيضًا في الفترة ما بين 2003 و2011 كما يكشف اجتماع الزبداني في 2009، وما سبقه وتلاه من اجتماعات سرية لعل أخبارها لم تصل كلها إلينا، وإن كان الراجح أن قيام المخابرات السورية باختراق تلك الشبكات كان بهدف حماية المصالح السورية بقدر ما كان بهدف استهداف النظام الأمريكي الجديد في العراق، إلا أن تلك التجربة الطويلة بين نظام الأسد والقاعدة تركت أثرها على التنظيم، ولعبت دورها في تبلور طبيعة خاصة له أبعدته رويدًا عن بقية أفرع القاعدة العالمية في تصوراته عن الدولة وأجهزتها البيروقراطية والاستخباراتية، تمامًا كما فعلت تجربة البعث العراقية من قبلها.
 

لقد كان إرث البعث المشكّل لـ «داعش» أطول وأقرب مما تصوّر كثيرون، فهو ممتد حتى العام 2011، ويشمل عالم استخبارات الأسد كما يشمل بيروقراطية صدام.
 

دار الإسلام ودار الحرب .. ودار ويستفاليا

«الصراع من أجل الوجود يعني في المقام الأول الصراع من أجل المكان»

(فريدريش راتزل، جغرافي ألماني، وأحد منظري فكرة التمدد الثقافي الألماني جغرافيًا قبل ظهور الرايخ أثناء الحربين العالميتين)
 

يلفت الانتباه دومًا كيف استمرت القاعدة طوال هذه السنوات باسم «قاعدة الجهاد»، دون أن تحاول وسم نفسها بالإسلام صراحة كما فعلت الدولة في بضعة سنوات. يلفت النظر كيف يعكس اسمها ملحمتها الدينية الكلاسيكية بوجه النظام العالمي، أو هكذا تعتقد قاعدة الجهاد: إنها «ملحمة جهاد ضد العالم، ضد الجاهلية، وضد الغرب حيث نشأ كل ذلك». لقد باتت الأرض كلها دار حرب، ولم تعُد دار الإسلام سوى تلك الشبكة المحلقة فوق الجغرافيا، والمختبئة في جبال أفغانستان أو القوقاز، أو صحاري اليمن وشمال أفريقيا، أو جيوب النُصرة السورية أو الشباب الصومالي، كأنها عصابات شبيهة بشبكات المافيا الإيطالية، لكنها شبكات عسكرية ودينية عالمية هذه المرة.

 


 

لا يجاهد «الدواعش» أحدًا، فهُم أكثر انسجامًا مع دار ويستفاليا التي يعيش فيها العالم منذ حوالي قرنين أو يزيد، لكنهم على غرار الألمان أتوا متأخرين إلى اللعبة، ومن ثم يحملون على عاتقهم مهمة شبيهة بمهمة الرايخ الألماني، للتوسع جغرافيًا بما يكفي لاستعادة حقوق العرب السُنة تاريخيًا ويشفي غليلهم بعد إقصائهم، وهي مهمة يقفون فيها أمام حملة مضادة غربية من ناحية وإيرانية من ناحية أخرى، تمامًا كما وقف سلفهم البعثي. لا يحلق «الدواعش» فوق الجغرافيا أبدًا كالقاعدة، بل إن شاغلهم الرئيسي هو تثبيت أقدامهم فيها، والاستحواذ على مدن عربية كبرى بدأت بالرقة والموصل، وتصل لحلب وبغداد كما يطمحون.
 

رقعة مناسبة من دار ويستفاليا هي ما تريده الدولة، وهي مسألة يستحيل تخيّل قبول المنظومة الإقليمية والدولية بها، تمامًا كما حدث مع الرايخ الألماني. قواعد ويستفاليا في نهاية المطاف لا تساعد دولة وحيدة قررت قلب الخارطة في ليلة وضحاها، إلا إن وجدت لها ظهيرًا قويًا، كما فعل المعسكر الشرقي مع نظام كوريا الشمالية الباقي حتى اليوم، والذي يملك فوق دعم الشرق سلاحًا نوويًا.
 

حالة من الحُب والكُره إذن تجمع الدواعش مع ويستفاليا حتى وإن لم يعرفها معظمهم، فهُم بشكل ما أبناؤها بالنظر لتشكيل نظامهم العسكري والبيروقراطي، وبشكل ما أعداؤها أيضًا، لا سيما بتبنيهم لعمليات «إرهابية» صريحة في شتى بقاع الأرض. قد ينجح تنظيم الدولة في الاستمرار لفترة طويلة، مع كل ما يتطلبه ذلك من ضغوط مالية وعسكرية هائلة، وهو ربما الشرط الوحيد لحدوث نوع من التطبيع النفسي والسياسي مع حقيقة وجودها في مساحة معيّنة، تمامًا كما جرى مع كوريا الشمالية، يصحبه التزام الدولة بقواعد اللعبة الإقليمية، وهجر ملامحها الجهادية بالكُلية.
 

احتمال مستبعد بالنظر للخسائر العسكرية التي يتكبدها التنظيم اليوم، بينما يهدده مصير مشابه لمسلحي الشيشان بالتراجع وصولًا لبُقعة محدودة وغير ذات قيمة من الأرض، ومن ثم تصبح «داعش» فعليًا يومًا ما أشبه بخلية من خلايا القاعدة، وهو السيناريو الوحيد الذي يمكن معه تخيّل عودتها إلى كنف التنظيم الذي خرجت من عباءته؛ أن تسقُط الدولة تمامًا، ولا يتبقى سوى عنفها الخالص.
 

بيد أن سقوطًا كهذا، على غرار سقوط الرايخ، سيحتاج لتسوية مسألة العرب السُنة تاريخيًا وديمغرافيًا في الشام والعراق، والذين يستحيل تصفيتهم بأي حال. أما شبكة القاعدة المافياوية التنظيم، والتي لا تلعب أبدًا وفق قواعد ويستفاليا، فهي باقية ما بقي الجهاديون في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وللمفارقة فإن آفاقها الجهادية تبدو أوسع حال تحقق السيناريو الداعشي الأخير.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار