انضم إلينا
اغلاق
هل يحقق ترمب آمال أكراد العراق بالاستقلال؟

هل يحقق ترمب آمال أكراد العراق بالاستقلال؟

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض

أصدر الحزبان السياسيان الرئيسيان في كردستان العراق الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بيانًا مشتركًا في الثاني من أبريل/ نيسان، أعلنا فيه التزامهما بإجراء استفتاء على الاستقلال الكردي.

يختلف الحزبان فيما بينهما في كثير من الأحيان ولكن يبدو أنه في ظل اقتراب معركة الموصل من الوصول إلى نهايتها المريرة، وبعد ثلاث سنوات من الحرب المستمرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، يعتقد أكراد العراق أن هذا هو الوقت المثالي لاستغلاله في الوصول إلى مكاسبهم السياسية صعبة المنال.


يعرف قادة كردستان أن الاستقلال لن يأتي بسهولة، لاسيما في ظل محاولات تركيا وإيران لمنع مثل هذه الجهود في ظل قلقهما من تطلعات السكان الأكراد في بلادهما، ومن ناحية أخرى تجنبت الولايات المتحدة عبر تاريخها فكرة تفكيك الدولة العراقية، خوفًا من خلق سابقة تؤسس للنزعة الانفصالية في المنطقة.

كما أن النزاعات الكردية الداخلية حول توقيت وطريقة الانفصال قيَّدت من طموحات الأكراد بالاستقلال، وعلى هذا النحو وضع المسؤولون الأكراد الاستفتاء على الطاولة باعتباره إعلان للنوايا، بينما لم يحن الوقت بعد من أجل الاستقلال الحقيقي.


لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها مثل هذا الإعلان إلا أن هناك شيء مختلف هذه المرة، وهو ما يمنح الأكراد مزيدًا من التفاؤل بأن مسلك الاستقلال الذي يسيرون فيه قد يُستكمل في نهاية المطاف؛ يكمن هذا الاختلاف في وجود الرئيس الأميركي دونالد ترمب.


فقد تحدثت إلى عددٍ من الساسة والمسؤولين ورجال الأعمال الذين يعتقدون أن رئاسة ترمب خلقت فرصًا جديدة أمام الاستقلال الكردي، وذلك خلال إحدى الرحلات التي خضتها مؤخرًا إلى إقليم كردستان العراق، علاوة على ذلك بدا الجمهور الكردي في جملته متفائلًا بترمب منذ انتخابه، بيد أن الجوانب الأكثر إثارة لحماسة أكراد العراق من وراء رئاسة ترمب هي ذات الجوانب التي تثير قلقًا شديدًا لدى خبراء السياسة الخارجية الأمريكيين.
 

هل يُعاد تعيين السياسة الخارجية؟
الرئيس الأمريكي ترمب ووزير خارجيته ريكس تيلرسون (رويترز)


بادئ ذي بدء يهمِّش ترمب مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية، فمنذ يناير/ كانون الثاني سعى البيت الأبيض سعيًا حثيثًا كي يقلل من نفوذ رموز السياسة الخارجية المحنكين عن طريق التقليل من شأن مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية، وتهميش الخبراء الجمهوريين المعتمدين.


إذ إن وزارة الخارجية "تؤدي وظائفها بالكاد حاليًا"، كما أنها تعمل منذ أشهر بدون كبار المسؤولين، ويحمل تفريغها آفاقًا مخيفًة للمتخصصين على الصعيدين؛ لأن الوزارة والعاملين فيها شكلوا عادةً حجر الأساس لاستمرار ارتباط الولايات المتحدة بالعالم.


خلاصة القول إن الحفاظ على "المؤسسة" يضمن عدم فقد المعرفة المؤسسية عن الدول والأقاليم والقادة والعلاقات، وهي المعرفة التي تُجمع وتُطور وتُنسق عادةً على مدى عقود عندما تتولى إدارة جديدة مقاليد الحكم.

 

ربما قوبلت خبرة تيلرسون، بوصفه أحد العاملين في مجال النفط، في واشنطن بردود أفعال صحية ومختلطة بين المديح والقلق، لكن إقليم كردستان العراق الغني بالنفط يرى أنها ميزةٌ في جملتها

وعلى الرغم من هذا لم تكن المؤسسة الدبلوماسية من الناحية التاريخية متسامحة مع الأكراد، على أقل تقدير حتى الانتفاضة الوطنية للأكراد عام 1991 -التي تعرف أيضًا بـ "الانتفاضة الشعبانية" والفترة التي سبقت الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

ورغم أن الأميركيين معتادون الآن على رؤية المسؤولين الأكراد والأميركيين وهم يتصافحون ويجتمعون علانيةً، يشير قدامى الدبلوماسيين الأكراد سريعًا إلى أنها ظاهرة جديدة حدثت بعد حوالي 60 عامًا من المقاومة والمعاناة.

وعلى الرغم من وجود بعض الأفراد الذين كانوا متعاطفين تعاطفًا خاصًا مع الأكراد، فإن مؤسسة وزارة الخارجية أكدت على أنها طريقٌ مسدودٌ أمام الدبلوماسية الكردية خلال القرن العشرين، ويعود الفضل في ذلك إلى السياسات شديدة الرسوخ التي تدعم السلامة الإقليمية للدول وعدم الاعتراف بالجهات الفاعلة غير الحكومية.

لذا فإن نتيجة هذه السياسات تعني أنه بغض النظر عن أهمية أكراد العراق لسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ السبعينات، وبغض النظر عن كيفية تنامي العلاقات المتقاربة منذ حرب الخليج، فإن دعم استقلال كردستان يشكل سقفًا زجاجيًا يُفرض من الناحية المؤسسية.


غير أن ترمب أعلن أنه لا يشعر بالتقيد بالسياسيات والعلاقات الأميركية المعتمدة، ويُضرَب مثال على ذلك عندما أشار في ديسمبر/كانون الأول إلى أن الولايات المتحدة ليست ملتزمة بتبني "سياسة صين واحدة"، ولم يغير موقفه سوى بعد أشهر من ذلك التصريح، على الرغم من أن نظرته قد تبدو مثيرة للقلق للمستفيدين من الأعراف المعتمدة، يأمل كثير من الأكراد أن يفتح ترمب الطريق أمام الاعتراف بدول جديدة.

علاوة على ذلك هناك ميزة فريدة لاختيار ترمب لأحد الأشخاص من خارج مؤسسة الخارجية، وهو ريكس تيلرسون الرئيس التنفيذي السابق لشركة "إكسون موبيل" النفطية، ووضعه على رأس وزارة الخارجية الضعيفة.

قد لا يكون تيلرسون دبلوماسيًا محنكًا لكنه وجهٌ مألوفٌ للأكراد، فقد شهد توسع شركة "إكسون موبيل" في كردستان عام 2011، وربما قوبلت خبرة تيلرسون بوصفه أحد العاملين في مجال النفط، في واشنطن بردود أفعال صحية ومختلطة بين المديح والقلق، لكن إقليم كردستان العراق الغني بالنفط يرى أنها ميزةٌ في جملتها.
 

مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق (رويترز)


الأمر الثاني أن خبراء الأمن القومي يعبرون عن حزنهم من رغبة ترمب في أن يحيط نفسه بالمتقاعدين من جنرالات وأفراد الجيش؛ لأن ذلك قد يتسبب في زيادة الانقسام بين المدنيين والعسكريين، لكن الأكراد يرون أن هذا مسلك جديد لزيادة مصالحهم.

وفي ظل تعيين جيمس ماتيس في منصب وزير الدفاع والأميرال مايكل روجرز في منصب مدير وكالة الأمن القومي، والجنرال جون كيلى في منصب وزير الأمن الداخلى، والفريق هربرت رايموند ماكماستر في منصب مستشار الأمن القومي، وأيضًا مايك بومبيو الذي تخرج من الأكاديمية العسكرية الأميركية في "وست بوينت"، في منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية- فربما ترك المدنيون المقاعد الأمامية من أجل الجيش فيما يتعلق بتشكيل السياسة الأمنية للولايات المتحدة، ولكنه شيء جيد للأكراد.


كان البنتاغون في تعامله مع الأكراد أكثر ودًا من وزارة الخارجية بفضل تقارب التعاون العسكري الذي يعود إلى عقود مضت، وقد صار في الوقت الحالي قويًا على نحو خاص، لقد عمل البنتاغون ومجتمع المخابرات عن كثب مع الأكراد في عراق ما بعد 2003، بما في ذلك الضغط المستمر لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية منذ صيف 2014.

وشكَّل أفراد الجيش الأميركي وعناصر البشمركة روابطًا قوية من الصداقة والثقة، وكلما زاد أعداد أفراد الجيش الذين يتشاطرون الرؤى الإيجابية عن أكراد العراق في جملة الدوائر القريبة من ترمب، كلما ارتفعت فرص الأكراد لكسب مزيد من التفضيل في واشنطن.

فعلى سبيل المثال يمتلك ماتيس وماكماستر خبرة تأسيسية على المسرح العراقي، وعندما اجتمع ماتيس مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني في مارس/ آذار، نقلت وكالة "روداو" الإعلامية الكردية أن ماتيس شدد على دعم الولايات المتحدة من خلال الإشارة إلى أنه كان "مطلعًا على القضية الكردية، وأن كردستان قدمت التضحيات جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة"، لذلك ويأمل الأكراد أن يُترجم مثل هذا الاحترام إلى تعاون سياسي واقتصادي متجاوزًا المجال العسكري.
 

مرونة وتقلب سياسة ترمب تعني أن نفس القوى التي تخلق فرصًا جديدة- قد تتسبب في تحرك ترمب إلى الاتجاه المعاكس في ظروف محددة وعلى هذا النحو، فإن الطريق إلى دولة كردية يكاد يكون طويلًا ومعقدًا وغير مستقر
رويترز


وفي النهاية
 يرى الأكراد ميزةً في قلة خبرة ترمب بسياسات الشرق الأوسط والسياسة الخارجية بصفة عامة، إذ إن القصور المعرفي فيما يتعلق بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للعراق والمنطقة برمتها يعني أن ترمب سيكون لديه منحنى تعلُّم شديد الانحدار، وفي ظل مؤسسة ضعيفة لوزارة الخارجية ورئيس يحرص على التعلم، يمتلك الأكراد الآن صفحة بيضاء من أجل التسويق لروايتهم والتقدم بقضية الاستقلال الخاصة بهم إلى البيت الأبيض.

علاوة على ذلك قد يخلق تجاهل ترمب للبروتوكول الدبلوماسي أخطاءً مفيدة، (فلنفكر في استقبال الرئيس المنتخب لمكالمة تهنئة بفوزه من رئيسة تايوان، ليكسر بذلك سياسة استمرت لعقود من الزمن) يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة إعلان ترمب تقديمه دعمًا ارتجاليًا غير واضح، أو قطعيًا للاستقلال الكردي، حتى إن كان هذا يأتي على عكس السياسات الأمبركية الراسخة، ويمكن أن تشكل هذه التصريحات حتى إن كانت تحمل ثقلًا قانونيًا بسيطًا ذخيرةً مفيدةً للساسة الأكراد في مواجهة بغداد وأيضًا في الدوائر الداخلية لإقليم كردستان العراق.
 

ولعل هذه العوامل مجتمعة تقدم ميزةً لطموحات الاستقلال التي تراود أكراد العراق، وعلى الرغم من هذا لا يزال ثمة اعتراف -على الأقل في اللحظة الراهنة- بأن هذه مجرد آمال، إذ إن نمطًا من السياسة الأميركية الجديدة والمرنة قد تكون بمثابة مكاسب غير متوقعة للأكراد، غير أن أربيل تدرك الاحتمالات التي قد تنقلب عليهم إذا وجدت الروايات المعارضة لمساعيهم طريقها لآذان الرئيس.

فمرونة وتقلب سياسة ترمب تعني أن نفس القوى التي تخلق فرصًا جديدة- قد تتسبب في تحرك ترمب إلى الاتجاه المعاكس في ظروف محددة، وعلى هذا النحو فإن الطريق إلى دولة كردية يكاد يكون طويلًا ومعقدًا وغير مستقر، بيد أن نافذة الأمل أمام أكراد العراق تبقى في الوقت الحالي مفتوحة على مصراعيها.

____________________________

المقال مترجم عن: الرابط التالي

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار