انضم إلينا
اغلاق
فرنسا تنتخب.. بين "المخلّص" و"المسيخ"

فرنسا تنتخب.. بين "المخلّص" و"المسيخ"

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض
تنقلب السياسة الفرنسية رأسًا على عقب، ويخرج الحزبان التقليديان الجمهوري والاشتراكي من الصورة، ويتصدر مرشحان فقط سباق الرئاسة، أحدهما هي "مارين لو بِن"، زعيمة حزب الجبهة الوطنية المتطرف، والآخر محمد بن عباس، زعيم جماعة الإخوان المسلمين حديثة التأسيس في فرنسا، والتي يقرر الحزبان الجمهوري والاشتراكي دعمها بأشكال مختلفة، فقط ليحولا دون وصول مارين لو بِن لقصر الإليزيه.

 

يصل بن عباس بالفعل للإليزيه، ويسمح لحلفائه من الاشتراكيين بحيازة كافة الوزارات، عدا وزارة التعليم التي يحتفظ بها لجماعة الإخوان، ومن ثم تتحول تحت إمرته جامعة السربون لجامعة إسلامية مموّلة من السعودية ومقصورة على الأساتذة المسلمين فقط، ليُجبَر فرانسوا -أحد الأساتذة السابقين- على اعتناق الإسلام قبل عودته إلى منصبه.

 

يروي لنا فرانسوا تلك الأحداث بنفسه بينما تجري في فرنسا كما تخيّلها الروائي ميشيل ويلبِك عام 2022 في روايته الأخيرة "الاستسلام"، والتي تحكي عن "استسلام" فرنسا للإسلام بصورة أو أخرى، بينما تتواطئ أحزابها السياسية ضد هويتها فقط من أجل مصالحها السياسية وعرقلة مسيرة مارين لو بِن نحو السُلطة.

 

بيد أن رواية ويلبِك، الصادرة قبل حوالي عام، تحولت اليوم إلى نبوءة، أو بالأحرى نصف نبوءة. لقد دخلت مارين لو بِن بالفعل للجولة الثانية من السباق الرئاسي بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الفرنسية بالأمس، وظهر أبرز منافسيها في صورة إمانويل ماكرون، الوجه الجديد وقائد حركة "إلى الأمام" الإصلاحية الليبرالية، والذي اقتنص الصدارة وأزاح الحزبين الجمهوري والاشتراكي من جولة الإعادة لأول مرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، ليجبرهما غالبًا على دعمه في الإعادة بوجه سيناريو فوز لو بِن.

 

لو بِن: "مُعضلة ويلبِك الانتخابية"

"مئة بالمئة أعضاءٌ بالجبهة الوطنية! صفر بالمئة مهاجرين"

(شعار الموقع الخاص بشباب حزب الجبهة الوطنية)

ماري لو بن زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسية (رويترز)


لطالما اقتصرت شعبية حزب الجبهة الوطنية على المدن الفرنسية الواقعة في أقصى الجنوب على شواطئ البحر المتوسط، حيث تتركز شرائح محافظة من المجتمع الفرنسي تميل لأجندة الحزب اليمينية، علاوة على الفرنسيين القوميين الذين عادوا ليسكنوا بالجنوب بعد رحيلهم عن الجزائر إبان استقلالها، وانحازوا لحزب الجبهة إثر رفضه آنذاك لانسحاب شارل ديغول من الجزائر.

 

حمل حزب الجبهة على عاتقه باستمرار لواء فرنسا المضادة، وضم في صفوفه كثيرين ممن لم يقبلوا بسرديات فرنسا ما بعد 1945، وظلوا على تعاطفهم مع بعض ممارسات النازية، لا سيّما محرقة الهولوكوست التي ظل "جيان لو بِن"، رئيس الحزب السابق ووالد "مارين لو بِن"، على موقفه من إنكار حدوثها والتقليل من شأنها، أضف لذلك بعض النوستالجيا لزمن الإمبراطورية الفرنسية ونابليون، بما يمثله من تعارض مع التزام الجمهورية الفرنسية بدورها داخل التحالف الغربي والاتحاد الأوروبي اليوم.

 

ظل ذلك الوجه الآخر تحت السطح لوقت طويل، لكنه بدأ بالظهور رويدًا، أولًا عام 1989، حين نجح حزب الجبهة في الفوز بعمودية بلدة سان جيل في الجنوب، ثم عام 1995 حين حاز عمودية ثلاث مدن أخرى في الجنوب أيضًا، قبل أن يفجر المفاجأة عام 2002 بوصول جيان لو بِن لجولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، والتي شهدت اكتساح جاك شيراك بـ82 بالمائة، وتبلور ظاهرة الخسارة القوية لحزب الجبهة متى وصل للإعادة، نتيجة لتدفق الناخبين المعادين له لاختيار المرشح المضاد بغض النظر عن خلفيته الأيديولوجية.
 

"مُعضلة ويلبِك الانتخابية": تقضي بعجز الحزب الأول باستمرار عن الوصول لرأس السُلطة وعجزه عن حصد "الأصوات المرنة" في الإعادة، نتيجه لاحتشاد بقيد الأحزاب ضده

رويترز


كانت تلك هي نفس المُعضلة التي سلط عليها ميشيل ويلبِك الضوء في روايته، منتقدًا إياها ربما أو ساخرًا منها، فالفرنسيون، والأحزاب التقليدية على رأسهم، مستعدون لانتخاب الشيطان نفسه حتى لا يصل حزب الجبهة للإليزيه، ورُغم إمكانية تفوّق الحزب في الجولة الأولى على كافة منافسيه، كما تشي لنا استطلاعات الرأي الحالية التي منحت في معظمها مارين لو بِن المركز الأول بحوالي ربع الأصوات، إلا أن تلك الشريحة الانتخابية الصلبة في ولائها للحزب وأجندته، تقابلها على الناحية الأخرى مُعضلة عجز الحزب التام عن استقطاب أي شخص من خارجه في جولات الإعادة، ومن ثم حتمية خسارته.

 

لنُسميها "مُعضلة ويلبِك الانتخابية" إن جازت تلك التسمية، وهي تقضي بعجز الحزب الأول باستمرار عن الوصول لرأس السُلطة نظرًا لأفكاره المتطرفة وعجزه عن حصد "الأصوات المرنة" في الإعادة، إلا إذا وصل عدد مؤيديه المُخلصين إلى أكثر من نصف الناخبين، الأمر الذي يتيح له إنهاء الانتخابات حينئذ من الجولة الأولى بفوزه، أما طالما ظل ناخبو الجبهة أقل من النصف، ومهما شكلوا من نسبة كبيرة في مواجهة الأحزاب الأخرى، فإن خسارتهم محتومة في جولة الإعادة باحتشاد البقية ضده.

 

بيد أن قانون ويلبك هذا قد يتغيّر مع تبدُّل الظروف، أو حال نجح حزب الجبهة في الخروج من معقله بالجنوب والفوز بثقة ناخبين فرنسيين جدد، وهو أمر جارٍ بالفعل منذ بضعه سنوات، كما تكشف لنا نجاحات الحزب في حصد أكبر عدد من الأصوات في المناطق الشمالية الشرقية بالانتخابات المحلية عام 2014، تمامًا كما تشي لنا التحوّلات السياسية الجارية في بلدة "هايانغ".
 

هُنا هايانغ: لغز شعبية المتطرفين في قواعد اليسار

"لقد كانت أمي شيوعية، ثم قامت بانتخاب ساركوزي، قبل أن تقرر الآن دعم الجبهة الوطنية. لقد قطعت شوطًا كبيرًا"

(إحدى مؤيدات مارين لو بِن)
 

لم تكن مسألة صعبة على حزب الجبهة في ظل تراجع اليسار أن يطرح نفسه كممثل للمتضررين من المنظومة الاقتصادية العالمية من ناحية، وكذلك من أعداد المهاجرين المتزايدة من ناحية أخرى

بكساباي


قبل ثلاثة أعوام فقط، شهدت بلدة "هايانغ" الفرنسية، الواقعة على الحدود مع لوكسبمورغ، زلزالًا سياسيًا محليًا بخسارة الحزب الاشتراكي لانتخابات عُمدة المدينة، في مقابل تحوّل الناخبين إلى النقيض تمامًا، واختيارهم لـ "فابيان إنغلمان"، مرشح حزب الجبهة الوطنية، عُمدة لبلدتهم الصغيرة البالغ تعدادها 15 ألف مواطن. كان قرار أهل هايانغ مفهومًا في تحوّل وجهتهم السياسية ناحية إنغلمان، والذي جسّد هو نفسه تحوّلًا مشابهًا عام 2010، حين ألقى خلف ظهره سجّله الحافل كناشط يساري عمّالي، وترشح تحت لواء حزب الجبهة اليميني المتطرف.

 

"يجلس العامل السابق بأحد المناجم اليوم عن عمر يناهز الستين وقد خرج من وظيفته أصلًا قبل 15 عامًا، لكنه يحصل على راتب شهري دون أي عمل يقوم به في المقابل، ومن ثم يصبح اليوم أغنى من ابنه الشاب"، هكذا تحدث إحدى ساكنات المدينة عن التحولات الاقتصادية السيئة في فرنسا، والتي خسرت 900 ألف وظيفة صناعية على مدار عقدين لأسباب عدة، منها زيادة استيراد سلع أو موارد بأسعار أرخص، وهو ما جرى في مدينة هايانغ بالتحديد التي تعرقلت نشاطات استخراج الحديد فيها بعد بدء استيراده من كندا وموريتانيا، ومنها أيضًا دخول الماكينات بدلًا من العمالة التقليدية، مثلما جرى مجددًا في هايانغ حيث يقبع أحد المصانع بحوالي ألفي عامل، بعد أن كان يوظف 13 ألف عامل في السبعينيات.

 

بينما تتضاءل مساحات التصنيع التقليدية تحت وطأة الاستيراد الرخيص وغزو الماكينات، تشهد فرنسا اليوم ظهور جيل جديد من الشباب الأقل استقرارًا في عمله نتيجة لانتشار عقود العمل قصيرة الأجل، والتي شكلت 82% من عقود العمل الجديدة عام 2012، وبالنظر لموجات الهجرة المتزايدة في السنوات الأخيرة، والمنافسة الشرسة التي يجدها هذا الشباب من الأفارقة، لم تكن مسألة صعبة على حزب الجبهة في ظل تراجع اليسار الفرنسي أن يطرح نفسه كممثل للمتضررين من المنظومة الاقتصادية العالمية من ناحية، وكذلك من أعداد المهاجرين المتزايدة من ناحية أخرى.
 

ليس من المفاجئ أن تكون شعبية لو بِن هي الأعلى في صفوف الشباب بين 18 و25 عامًا كما تكشف استطلاعات الرأي، مقابل تراجعها تدريجيًا كلما تقدمت أعمار الناخبين، لأنها صارت مارين رمزًا للتمرد فقط  (رويترز)


يحدث هذا في هايانغ وغيرها من مدن الشمال الشرقي كما تشي نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، وهي نجاحات تُعزى أيضًا لمراجعات مارين لو بِن داخل الحزب، حيث نحّت رئيسة الحزب تاريخ حزبها العنصري والمُعادي للسامية، ورفعت شعارات احترام العلمانية وقيم الجمهورية، مقابل التأكيد على فساد المنظومة وأهمية تعزيز دولة الرفاهة الفرنسية وحقوق الطبقة العاملة، لتنتقل أجندة الحزب القومي بكل رشاقة من عالم الفاشية ومحاباة النازيين، إلى التمرد على النظام القائم وحماية العمال، وتنتقل معه مئات الآلاف من المصوّتين من اليسار إلى أقصى اليمين.

 

ليست مفاجئة إذن أن تكون شعبية لو بِن هي الأعلى في صفوف الشباب بين 18 و25 عامًا كما تكشف استطلاعات الرأي، مقابل تراجعها تدريجيًا كلما تقدمت أعمار الناخبين، فقد صارت مارين رمزًا للتمرد فقط ليس إلا، دون الغوص في تفاصيل تاريخية عن حزبها، وباتت القائد الأبرز في صفوف العمال، دون الاكتراث لكونها النقيض الأيديولوجي للشيوعية كما يفترض، فالطبقات العاملة الفرنسية في الشرق لم تكن تصوّت لليسار نتيجة قراءاتها الماركسية المعمّقة، بل نتيجة لما مثله اليسار سابقًا من مصالح العمال والتمرّد -أحيانًا- على قواعد الرأسمالية الأوروبية.

 

يتحدث الكثير من شباب حزب الجبهة المولود في أواخر التسعينيات بفخر، ليس فقط عن قفزتهم الشجاعة من صفوف الحزب الاشتراكي الذي خذلهم بماكينته الثقيلة والتقليدية المتعالية على الشباب والوجوه الجديدة، إلى حزب مارين لو بِن المكروه في أروقة الحكم الفرنسية والأوروبية، بل وعن السهولة التي وصلوا بها لمناصب مهمة في الحزب الأكثر احترامًا للشباب، والأكثر قدرة على تجديد الدماء في فرنسا من وجهة نظرهم. "نحن شباب ونعلم أن في هذا الحزب بأن صوتنا مسموع، دون أن نكون بالضرورة من خريجي كلية الإدارة الوطنية"

 

يزدري كثيرون في حزب الجبهة كُلية الإدارة الوطنية المرموقة، والتي تخرّج منها المئات من أصحاب المناصب العُليا على مدار تاريخ فرنسا القريب مثل رئيسها الحالي فرانسوا أولاند. بيد أن إمانويل ماكرون، الوجه الجديد والمنافس الأكثر شراسة لمارين لو بِن حتى الآن، وصاحب الشعبية الكبيرة أيضًا بين شرائح واسعة من الشباب، للمفارقة خريج هذه الكُلية.
 

ماكرون: على خُطى ترودو؟

"حين تتحدث لأنصار حزب الحرية الهولندي، يبدأ حديثهم دومًا بالإسلام والمهاجرين واللاجئين، لكنه سرعان ما يتحوّل خلال دقائق إلى عدم المساواة في الدخول والبحث عن الإسكان وقوانين الرعاية الصحية التي لا يستطيعون تكبّدها"

(جيسي فراس كلافر، رئيس حزب اليسار الأخضر الهولندي)
 

المواطنين الفرنسيين في كندا يتوجهون لمراكز الاقتراع للمشاركة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية  (رويترز)


وضع ساسة أوروبا أياديهم على قلوبهم حين جرت الانتخابات الهولندية الشهر الماضي، خوفًا من وصول موجة اليمين القومي إلى السُلطة في أمستردام، أحد أهم مفاتيح المشروع الأوروبي، بعد أن مرت سابقًا بالبيت الأبيض والعاصمة البريطانية لندن، لكن الموجة لحسن حظهم توقفت عند مشارف القارة الأوروبية، بل وجلبت معها واحدة من المفاجآت السارة كذلك، هي الصعود القوي لحزب اليسار الأخضر بقيادة رئيسه الشاب جيسي كلافر، والذي بات يُعرف بـ "يسّياه" وتعني "هدية الرب"، على وزن "مسيّاه" بالإنجليزية في إشارة للمخلِّص.

 

أتى درس المخلّص الهولندي ومعه عِبَر عدة، أهمها إمكانية كبح موجة اليمين بالاهتمام بمشاعر الغضب تجاه النظام الأوروبي القائم والرغبة في التجديد المؤسسي، والاعتراف بالمشكلات الاقتصادية وحاجتها لحلول جذرية، وتوفير مساحات مفتوحة لمشاركة الشباب في السياسة دون النظر لهياكل الأحزاب التقليدية الكبيرة، في مقابل الابتعاد تمامًا عن الأجندة العنصرية لليمين، ومن ثم تركها لناخبيها التقليديين من اليمين، واستعادة الكُتل الشبابية والمتمردة منه.

 

كان هذا أيضًا هو الدرس المستفاد من فوز جاستن ترودو في كندا، والذي يستمر في التمتع بشعبيته نتيجة خطابه السياسي الصريح البعيد عمّا حفظته وتداولته النخب السياسية الكندية لعقود، بيد أن ترودو لم يفي في الواقع بالكثير من وعوده، فهو لم يستقبل أعداد اللاجئين السوريين التي تعهد بها، ولم يخفّض عجز الميزانية العام الماضي كما تعهّد أيضًا، لكن التأثير النفسي لخطابه الجديد والصريح، ومنحه مساحة واسعة للشباب بعيدًا عن الأحزاب التقليدية يفي له بالغرض السياسي، والغرض السياسي ببساطة هو أن تظل شعبية اليمين دون "حاجز ويلبِك" إن جاز القول.
 

على غرار ترودو وكلافر، ظهرت حركة "إلى الأمام" بقيادة إمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد السابق، باعتبارها المخلّص من سيناريو لو بِن الكارثي

رويترز


على غرار ترودو وكلافر، ظهرت حركة "إلى الأمام" بقيادة إمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد السابق، باعتبارها المخلّص من سيناريو لو بِن الكارثي، فالرجل يصارح الشباب بأن النظام السياسي الفرنسي بات عقيمًا وفاسدًا بالفعل، وأن فرنسا فقدت بريقها التاريخي الذي عُرفت به في يوم من الأيام، وكل ذلك ليس بسبب الاتحاد الأوروبي أو المهاجرين، والذين يدافع عنهم ماكرون، بل بسبب النخبة السياسية القديمة التي خلقت واقعًا سياسيًا واقتصاديًا شديد الركود، ومن ثم دفعت بالشباب إلى البديل الوحيد المتاح: الجبهة الوطنية.

 

تشي لنا حركة "إلى الأمام" بأن تلك الظاهرة صحيحة جزئيًا، فمارين لو بِن وإن لم تفقد كتلتها الكبيرة تمامًا لصالحه، إلا أنها تواجه منافسة شرسة بعد التوسع الكبير في صفوف الحركة، والتي تضم الآن مائتي ألف فرنسي لم يتول معظمهم أية مناصب في الدولة أو الحكومات المحلية في السابق، وهي شريحة لا تبالِ بأن ماكرون نفسه خريج كلية الإدارة الوطنية وجامعة "ساينسز يو" المرموقتين ومعقل الكثير من الوجوه القديمة، ولا تبالِ أيضًا بأن ماكرون قادم بالأساس من عالم البنوك والصرافة البعيد كل البعد عمّا كتبه في مانيفستو "الثورة" الذي يلخّص رؤيته لحركته الإصلاحية ولفرنسا.

 

مثله مثل ترودو، يتعهد ماكرون بالكثير، بداية من تدشين "بطاقة ثقافية" بقيمة خمسمائة يورو لكافة الشباب البالغ من العمر 18 عامًا لشراء الكتب والمشاركة في الفعاليات الثقافية وغير ذلك، وحتى تأمين الموظفين بعقود قصيرة وتعزيز المساواة بين الجنسين في بيئة العمل وزيادة أعداد المعلّمين، وهي وعود يصاحبها خطاب باستمرار فتح الباب أمام المهاجرين وتعزيز العلاقات مع ألمانيا وأوروبا، واحترام التعددية الثقافية وبالأخص شعائر الدين الإسلامي كالحجاب والامتناع عن أكل لحم الخنزير، في محاولة للفوز بأكبر عدد ممكن من أصوات الليبراليين والمسلمين، وهُم كثيرون في فرنسا، إلى جانب الشباب الحانق على الأحزاب القديمة.
 

من يخلّص فرنسا وممن


"سيعودون لنفس الخراء"

(الرئيس الفرنسي شارل ديغول)
 

بهذه الكلمات الصادمة والمباشرة أجاب شارل ديجول، حين سُئل عمّا سيفعله الفرنسيون حين يترك قصر الإليزيه ويرحل عن السُلطة في فرنسا. لعل مارين لو بِن تتفق معه نوعًا ما، خاصة إذا ما خسرت بالفعل جولة الإعادة أمام ماكرون، والتي تجري في شهر مايو، كما تتنبأ استطلاعات الرأي حاليًا، فالرجل في نظرها مجرد وجه من داخل المنظومة ولكن في ثوب جديد، أو "مسيخ أوروبي" ليس أكثر لخداع الشباب الراغب بالتغيير بانتخاب وجه جديد، يخفي خلفه عالمًا من الأفكار القديمة المحابية لبرلين وبروكسل، والمنافية لـ «روح فرنسا الحقيقية» التي جاءت مارين لتخلّصها.


على الناحية الأخرى، تنقلب الرؤية تمامًا، فمارين لو بِن هي "المسيخ القومي" في نظر المصطفين حول "ماكرون"، وفي نظر أقطاب الأحزاب التقليدية كذلك، و"إلى الأمام" هي المخلّص الوحيد من اللحاق بموجة اليمين الذي وصل لسدة الحكم في الولايات المتحدة؛ مخلّص الجمهورية الخامسة والاتحاد الأوروبي في آن، وكل ما تجسده فرنسا الحرّة ما بعد 1945.

 

مصداقًا لـ "قانون ويلبِك" الانتخابي، ستكون معركة الإعادة أسهل كثيرًا على ماكرون من معركته بالجولة الأولى لهزيمة مرشحي الأحزاب التقليدية. بيد أن خسارة لو بِن المتوقعة في نهاية السباق ستكون هي النصف المتحقق فقط من نبوءة ويلبِك، بينما يقتصر نصفها الثاني الخيالي بـ«استسلام» فرنسا لرئيس مسلم على صفحات روايته ليس إلا.

 

سيستسلم الفرنسيون على الأرجح لا لشيء سوى لوجه قديم بعباءة جديدة، أما راديكالية الأحلام والكوابيس على السواء فتظل حبيسة كتب الأدب والفلسفة الفرنسية، لتثبت أن ديغول لربما عرف الفرنسيين بالفعل أكثر من أدباءهم وفلاسفتهم.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار