انضم إلينا
اغلاق
سياسة بدون سياسة.. أزمة الديمقراطيين الأميركيين

سياسة بدون سياسة.. أزمة الديمقراطيين الأميركيين

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
لكي يستخلص المرء تصور الحزب الديمقراطيّ لنفسه اليوم، فليس هناك أمام المرء ما هو أسوأ من مراجعة بيان زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي الأخير الذي تقول فيه "ليس لدينا أرثوذكسيّة حزبيّة فالجمهوريّون أيديولوجيون".

 

فمنذ فترة من الزمن سادت هذه الرّؤية للانقسام السياسي -أي الديمقراطيون براغماتيون بارعون، والجمهوريون عبيد متزمتون بالدوغما- في الدوائر النخبويّة الليبراليّة؛ حيث ركّزت هيلاري كلينتون بنهاية المطاف حملتها الانتخابيّة على الكفاءة والخبرة أكثر بكثير من أيّ تصور فعليّ للسياسة.

 

وعلى الرغم من الكارثة التي حلّت إثر ذلك فإنّ هذه الرغبة لحيازة سياسة دون سياسة -أي هذه الاستراتيجيّة لبناء تحالفٍ خالٍ من أية قيم واضحة أو مبادئ- لا تزال تحرّك معارضة الليبراليين لترمب. ويعتقدُ الديمقراطيون حقاً، على ما يبدو، بأنّهم يقدرون على كبح اليمين الرّجعيّ دون مفصلة أيّ رؤية سياسيّة بديلة خارج الحوكمة الرشيدة.
 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والقائدة في الحزب الديمقراطي نانسي بوليسي (وكالة الأنباء الأوروبية)


والحال أنّ المفارقة هاهنا ذات شقّينـ الشق الأول يتمثّل في أنّ الليبراليّة النخبويّة متشبثة باستراتيجيّة فاشلة بوضوح، تكشف عن نفسها بأنّها أيديولوجيا تعرّف نفسها ضد كلّ شيء متمسك بالدليل المتناقض كما ضدّ الجمهوريين الرجعيين.

أمّا الشقّ الثاني فيتمثّل في أنّه بسبب كافة تمجيدات الديمقراطيين للبراغماتيّة، فإنّهم ملتزمون تماماً برؤيتهم الخاصّة للرأسماليّة النيوليبراليّة مثل الجمهوريين، كما أنّهم غير قادرين على إحداث شقاقٍ مع هذه الرؤية، وفي الواقع قبل أيام قليلة من إعلان الديمقراطيين بأنّهم أحرارٌ من الأرثوذكسيّة، ردّت نانسي بيلوسي على سؤال طالب حول الاشتراكيّة بقولها "نحن رأسماليّون، هذا هو ما عليه الحال".

 

وعندما يحاربون اليمين يكون الديمقراطيّون غير أيديولوجيين وبراغماتيين، ومع ذلك بمجرد أن يُرى التحدّي آتياً من اليسار فإن الحزب فجأة يتوقف محتشماً، ويعلن نفسه على أنّه في صالح الرأسماليّة بصراحة، والنتيجة هي مشهدٌ سياسيّ متحرّك ناحية اليمين على الدوام ينتهي به الحال لتحريض القوى والشخصيّات نفسها التي يعارضها الديمقراطيون بمن فيهم ترمب.

 

معارضة بائسة
حتى قبل انتخاب ترمب فإن انشداد الديمقراطيين نحو التسييس دون سياسة قد أدّى بهم للهبوط إلى منطقة كريهة.

على مدار الحملة الانتخابيّة سحبَ معسكر كلينتون أيّ داعية للحرب المنقوعة في الدم من إدارة بوش، صارخين له "أرأيتَ؟ حتى جون يو وروبرت كاغان وماكس بوت يعتقدون بأنّ ترمب ذهب لأبعد من ذلك!"

رويترز

وعلى مدار الحملة الانتخابيّة سحبَ معسكر كلينتون أيّ داعية للحرب المنقوعة في الدم من إدارة بوش صارخين له "أرأيتَ؟ حتى جون يو وروبرت كاغان وماكس بوت يعتقدون بأنّ ترمب ذهب لأبعد من ذلك!"، إذ ينبغي أن يكون قِصَر الأجل واضحاً للجميع، باعتبار أنّ المساعدين الإمبرياليّين المذمومين تمّ تهديمهم أمس وقُدِّموا اليوم كرجال دولة راشدين.

 

بالكاد يمكن لهذا الأمر أن يكون محطّ قلق لكلينتون وهي التي اتفقت مع المحافظين الجدد حول معظم أسس السياسة الخارجيّة الأميركيّة، ومع ذلك فإنّ هؤلاء المعارضين للتمايل الخطابيّ نحو اليمين كان لديهم مخاوف أكبر من ذلك، وحرفيّاً كان الديمقراطيّون أكثر راحةً في معارضة ترمب مع المسؤولين الجمهوريين من مفصلة أيّة أفكار قابلة لتمييز خاصّة بهم.

 

حوّل الديمقراطيّون فرصة مهاجمة شخصية هدّامة ولا تحظى بشعبيّة سياسيّة إلى مطاردة وهميّة..، فقد اتّبعوا خطاً "لا سياسيّاً" للهجوم الذي بدا أنّه ليس أقلّ حزبيّةً، بينما تحاشو الإشكالات السياسيّة الحقيقيّة

ومنذ ارتقاء ترمب للسلطة اتخذت النّخب الديمقراطيّة حماقتها إلى آفاقٍ جديدة، وعليه بات لدينا مشهد مبهرج للمسؤول تيد ليو وهو يغرّد على تويتر في أوائل فبراير قائلاً "في الأربعة وعشرين ساعة الأخيرة على تويتر، تشدق دونالد ترمب بكلام صاخب حول الموت والدمار والأخبار الكاذبة والشرّ، فهل يجب عليه أن يجتاز امتحان الصحّة العقليّة؟"، ومن ثم يقدم تيد لو مشروعاً يتطلب من البيت الأبيض طبياً نفسانياً؛ إذ تتمركز حملة تيد لو ضدّ ترمب غاضّةً النّظر عن التاريخ القذر لاستعمال الطبّ النفسانيّ لسياسة الشّرطة، على سلوك ترمب بدلاً من أيّ جانب من جوانب أجندة سياساته.

 

وقد حاول الديمقراطيّون كثيراً أن يفشلوا ترمب بمجرّد اصطياده في بعض أفعال النفاق، ووصل هذا إلى أشدّه مباشرةً بعد أن أعلن ترمب حظره المبدئيّ للسفر، كما هرعَ الليبراليّون إلى شتّى السبل لاتهام الرئيس بإبعاد الدّول التي كان له فيها علاقات تجاريّة، حتى إن مارك بوكان مسؤول ويسكونسن أثار شبح الاتّهام على صراع المصالح المزعوم.

ولم يهدر مرّوجو ترمب أيّ وقت مستغلّين الموقف المحرج الذي أوقع الديمقراطيّون أنفسهم فيه، قائلين "إذا كان الناس في وسائل الإعلام يودّون أن يرشّحوا إضافة بلدان إضافيّة، فيمكنك أن ترسل لنا بمقترحاتك".

 

وحوّل الديمقراطيّون فرصة مهاجمة شخصية هدّامة ولا تحظى بشعبيّة سياسيّة إلى مطاردة وهميّة للحظة "قبضت عليك"، وبدلاً من التشهير بهذا الإجراء باعتباره عنصريّاً وكارهاً للأجانب؛ فإنّهم اتّبعوا خطاً "لا سياسيّاً" للهجوم الذي بدا أنّه ليس أقلّ حزبيّةً، بينما يتحاشون الإشكالات السياسيّة الحقيقيّة التي أثارها الحظرُ.

ريتشيل مادو تستضيف أعضاء الحزب الديمقراطي المرشحة الرئاسية السابقة هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز ومارتين أومالي

رويترز

وسقطت راتشيل مادو في فخّ مماثل ليلة الثلاثاء وبعد تقديمها وعوداً لانهائيّة عن كشف إقرارات ترمب الضريبيّة، أخذت مضيفة قناة "MSNBC" المشاهدين لرحلة مدتها عشرون دقيقة من خلال كلّ وسائل التخمين، مما يمكن أن يكون في نماذج الضرب إلى لماذا يكون ترمب قد خبأهم.
 

وعلى مدار الحلقة -التي بدت أثناء أكثر من مرّة مثل "حركة الشاي" (Tea Partier) -حركة سياسيّة أميركيّة- تقريباً في 2010 تشرح مولد أوباما الكينيّ-، غطت مادو مواضيعَ هامّةً مثل أين أوقف داعمو ترمب الماليّون يخوتهم، والعلاقة بين الأوليغارشيات الأذربيجانيّة والحرس الثوريّ الإيرانيّ. 

 

وعندما كشفت أخيراً محتويات العوائد الضريبيّة، كان واضحاً بأنّ المفاجأة الكبرى كانت ممّلة أكثر من التنمية، وباختصار فقد كوّن ترمب مبلغاً فاحشاً من المال في عام 2005، ودفع أقلّ أو أكثر ممّا يدفعه فاحشو الثراء، ولم يكن بإمكان مادو الإسهاب بتصريح "أمسكت بك" لأن مادو وضيفتها أُجبرتا على ملء الوقت المتبقّي بتخمينات حول ما يتوجّب على ترمب دفعه في حال نجحت خطته الضريبيّة، أو ما إذا كان هو نفسه قد سرّب العوائد "مَن الذي يلعب شطرنجاً ذا أحد عشر بُعداً الآن؟".

 

وخلال البرنامج أصرّت مادو على "ما إذا كنت داعماً لترمب أو لا" فإن العوائد ورفض ترمب الأوليّ للكشف عنها قد كانت صفقة كبيرة جدّاً، وبالنسبة إلى الليبراليين مثل مادو يُفترَض أنّ مسائل كهذه فوق السياسة هي ما سيسمح للديمقراطيين بتشويه سمعة ترمب وإعادة الحزب للسّلطة، ومع نهاية العرض فقد كان مشكوكاً حتى فيما إذا كان كلّ إخلاص مادو قد عدّ العوائد الضريبية مسألة رئيسة.

 

مما لا شكّ فيه أن العنصر الأكثر بؤساً في هجوم الديمقراطيين المُناهضين لترمب، كان يدور حول علاقة الرئيس بروسيا، ويبدو الليبراليون مبتهجين قطعًا بفرصة الالتفاف حول المحافظين ورميهم مرّة واحدة بتهم الخيانة، ويبدو أنّ الديمقراطيين قد أعادوا اكتشاف فضائل رُهاب الروس خلال الحرب الباردة.

 

حتى التقدميين ظاهرياً قد واكبوا الموجة مثل مايكل موور الذي وصف ترمب بأنّه "خائن روسيّ"، ولحسن الحظ، فإنّ بيرني ساندرز لم ينغمس بهذه اللغة التحريضيّة لكنه أيّد جوهر اتهام موور، مُتسائلاً "فيما إذا كانت سياسة رئيسنا الخارجية تُمثّل المصالح الفضلى لهذه الدولة أم المصالح الفضلى لروسيا".

إنّ كلاً من موور وساندرز كبيران بما يكفي ليتذكّرا عندما كان أدنى تلميح عن عدم الرضا عن الرأسماليّة الأميركيّة يُقابل باتهامات الخيانة الروسيّة، إن رؤيتهم وهم يردون الاعتبار لهذا النوع من الخطاب أمرٌ مخزٍ حقاً.
 

هاري ترومان رئيس الولايات المتحدة الأميركية الثالث والثلاثون (1884 - 1972) (غيتي)


وستكون النتيجة عكسية حتماً على ما أعتقد فلن يكون جيداً أبداً لليسار حين يبدأ الليبراليون برمي تهم الخيانة. إنّ التطهير المكارثيّ، بعد كل شيء بدأ بأمر الديمقراطيّ هاري ترومان التنفيذي بإنشاء قوة تحقيق لضبط "الولاء" بين موظفي الحكومة، وكان ترومان أيضاً قلقاً إزاء كون المواطنين يعملون لصالح الولايات المتحدة أكثر من روسيا.
 

ومن الوهميّ حتماً تخيّل أن الديمقراطيين الهزيلين الذين يقدمون شخصاً مثل بيرني ساندرز بوصفه خائناً لن يلوحوا بتهم التعاون الروسي ضدّ اليسار في أوّل فرصة.

 

لكن الأكثر إثارةً للخوف يبدو أن الديمقراطيين قد تبنّوا الموقف الأكثر عدوانيّة تجاه روسيا كطريقة لتصعيد تعاون ترمب المزعوم مع بوتين، ففي يناير حذّر السيناتور الديمقراطيّ جاك ريد من أن الجهود الروسية لتقويض الديمقراطيّة في الداخل والخارج وزعزعة دولة على حدودها، لا يمكن تجاهلها أو تداولها مقابل إظهار حسن الآداب الدبلوماسيّة.

 

لا يتعيّن على المرء أن يجعل الحكم الأقلّي الوحشيّ لبوتين في دولته أو سياسته الخارجية الإمبرياليّة خارج بلده رومانسياً ليجد أنّ هذه الإعلانات تقشعر لها الأبدانُ، ومن المفارقة فإن الديمقراطيين ذاتهم الذين يتهمون ترمب بزعزعة السياسات الدوليّة ليس لديهم أي هواجس تجاه الانتقال من حسن الآداب الدبلوماسيّة إلى المواجهة مع قوّة أخرى مسلّحة نوويّاً.

 

أزمة الليبراليّة الأميركيّة

إنّ السّعي الليبراليّ لتقويض ترمب باستخدام بعض المعايير الأسطوريّة العليا وباستخدام أيّ شيء "فوق السياسة"، يخاطر بتقويض المقاومة نفسها التي تُطوَّر في مواجهة مبادراته المختلفة.

 

والأكثر مركزيّة من ذلك أنّ هذا النوع من الاستراتيجيّة لن ينجح ببساطة، وفي اللحظة نفسها التي يعرب فيها ليبراليّون مثل ليو عن الرعب في سلوك ترمب الهمجيّ، فمن البيّن بالنسبة إلى كثير من مؤيديه أن رفض ترمب للتصرّف مثل سياسيّ تقليديّ هو بالتحديد ما يجده جذاباً.
 

ولم تكن المقالات التي لا تنتهي الشاجبة لترمب بسبب سلوكه "اللاسياسيّ" ترياقاً لهؤلاء الذين يعانون من إغلاق المصانع ومن والأجور المتدنّية، وهم الذين مثّل لهم ترمب على الأقلّ إمكانيّة للقطيعة مع السياسة كما اعتيدَ عليها، والوضع الرّاهن الذي تدافع عنه كلينتون باستماتةٍ غير ناجع بلا ريب.

لقد بدا أوباما أنّه مُنقذ لليبراليّة، واعداً بتخليصها من إخفاقاتها البئيسة خلال سنوات حكم بوش. إلّا أنّ ثماني سنوات من المركزيّة الإداريّة خلّفت الحزبَ مجوّفاً مؤسّساتيّاً وأيديولوجيّاً على حدّ سواء

غيتي

حتى إنّ ثمار استراتيجيّة الديمقراطيين على المدى الطويل هي أكثر إثارة للقلق، فالديمقراطيّون بتأطيرهم معارضتهم لترمب باعتباره لا سياسيّاً يخلّدون الأزمةَ في الليبراليّة الأميركيّة.


لقد بدا أوباما بادئ الأمر أنّه مُنقذ لليبراليّة واعداً بتخليصها من إخفاقاتها البئيسة خلال سنوات حكم بوش، إلّا أنّ ثماني سنوات من المركزيّة الإداريّة خلّفت الحزبَ مجوّفاً مؤسّساتيّاً وأيديولوجيّاً على حدّ سواء، وبدون أيّ تحدٍّ حقيقيّ من اليسار لم يبتعد أوباما بتاتاً عن المسار الذي خطّته البنوك وشركات التكنولوجيا التي موّلت حملاته.
 

وفي حين سمحت عطاياه الشخصيّة بكسب تقديرات استحسان وقبول عالية جداً للرئاسة لمدّة سنتين؛ فإنّ سياساته لم تقم إلّا بالنّزر القليل لتخفيف البؤس المتنامي داخل قطاعاتٍ كبيرة من البلد؛ حيث كفلَ عجزُ أوباما عن إعادة كتابة القواعد الاقتصاديّة والسياسيّة للعبة إنّ أيّ مرشَّحٍ يفتقرُ إلى مواهبه لن يكون قادراً على تجميع التحالف نفسه.

 

إنّه هذا الإخلاص المستمرّ لليبراليّة الأميركيّة وهذا الالتزام الصارم بإبقاء الأشياء على ما هي عليه إلى حدّ ما، هما اللذان يقفان خلف الخشية الجلية للديمقراطيين من الأفكار، فأيّ محاولة فعليّة للارتقاء بالمبادئ التي تلوحُ في المخيال الليبراليّ الأميركيّ ستستلزمُ على إثرها نوعاً من أنواع المواجهة مع رأس المال، بينما الحزبُ الديمقراطيّ المُشترى والمُباع من قبل رأس المال غير مستعدّ للتفكير في خطوةٍ كهذه.

 

إنّ نانسي بيلوسي بمعنى ما هي يَمينيّة ففي حين أنّ الجمهوريين لديهم أيديولوجيا واضحة ورؤية جليّة للمجتمع -التي ربّما تكون بشعة-؛ فإنّ الديمقراطيين لا يمكنهم أن يقدّموا إلّا دجلاً جديراً وتعديلاتٍ تكنوقراطيّة، ويبدو أنّ موقفهم يقول بوجوب أن يظلّ النّظام الاجتماعيّ بالأساس هو نفسه، مع إصلاحاتٍ هاهنا وهنالك من الأناس الأذكياء والمختصّين.

 

وبينما تحوزُ هذه الرؤية استحساناً من الطبقات الوسطى المتعلّمة، وسيحصلُ الديمقراطيّون دائماً على بعض الدّعم من المجموعات التي يكون فيها الحزب الجمهوريّ كبش فداء غالباً؛ فإنّه ليس مفاجئاً أنّهم يجدون أنفسهم عاجزين بزيادة عن حشد دعم من خارج هذه الدوائر الأساسيّة.

 

الطريق للهزيمة
نانسي بوليسي تقف بجانب لوحة موجهة للجمهوريين كتب عليها "اجعل أمبركا مريضة مجدداً" (رويترز)


من حسن الحظّ أنّ البديل للتفاهة الديمقراطيّة ليس من الصعب إيجاده، فقد تردّدَ عبر كثير من المقاومة الشعبيّة لرئاسة ترمب، وعندما تجمّع آلافٌ من الناس في مطار جون إف كينيدي (JFK) احتجاجاً على حظر المسلمين، فإنّهم لم يقوموا بإيقاف رحلة مترو الأنفاق لمدّة ساعة في البرد؛ لأنّهم يعتقدون أنّ ترمب كان منافقاً أو لا رئاسيّاً، ولكنّهم تجمعّوا لأنّهم اعتقدوا أنّ ترمب خرقَ قيماً أساسيّة للمساواة والعدل، لقد حرّكهم شعورٌ أساسيّ بالظلم وبمعنى آخر لقد حرّكتهم السياسةُ.

 

وبينما يعطي التملّص الليبراليّ من السياسة الانطباع بأنّ الديمقراطيين ليس لديهم أفكار هم واثقون بما يكفي للدفاع عنها؛ فإنّ التجمّعات والحشود مثل احتجاجات التضامن مع اللاجئين تقوم بالعكس تماماً، فعندما يجتمع آلافٌ من الناس بلافتاتٍ تعلنُ "المهاجرون مرحّب بهم هاهنا"، فإنّهم يتشاركون في أرضيّة سياسيّة تواجه ترمب مباشرةً، ويقدّمون بذلك وتداً سياسيّاً قادراً على جمع حشد أكبر.

 

والحال أنّ حشوداً كهذه في نهاية المطاف هي التي تستطيع أن تعيقَ ترمب والحزب الجمهوريّ والديمقراطيّون، بعد أن تركوا وسائلهم الخاصّة ويواصلون تقديم نزعة إدرايّة فقيرة، يتخلّلُها شبحٌ عرضيّ مشفق على الذات "لكن إيميلاتها"، بينما يقودنا ذلك كلّه للطريق إلى الهزيمة.

 

وبدلاً من ذلك يتوجّب على الحراك المعادي لترمب أن يعبّر دونما تحفّظٍ عن المبادئ السياسيّة؛ مثل مبادئ المساواة والتضامن التي تحرّكه، وسيعني هذا تطوير تصوّراتنا حول ماذا تبدو هذه المبادئ اليوم، وتطوير منظّماتنا لتقدر على النّهوض بهذه المبادئ.
 

وفي حين يسعى الديمقراطيّون للإطاحة بترمب والعودة بالبلد إلى وضع أوباما، فإنّ حراكنا يجب أن يؤسّس نفسه على سياسةٍ قادرةٍ على مواجهة كلٍّ من ترمب والليبراليّة النخبويّة الفاسدة التي مكّنت من صعوده. 


============================================
 

المقال مترجم عن: الرابط التالي

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار