انضم إلينا
اغلاق
فورين أفيرز: هل ستبقى أميركا ديمقراطية؟

فورين أفيرز: هل ستبقى أميركا ديمقراطية؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
أثار انتخاب دونالد ترمب رئيسًا للولايات المتحدة -وهو الرجل الذي امتدح حكامًا دكتاتوريين، وشجع على العنف بين أنصاره، وهدد بحبس منافسته في الانتخابات، ووصف وسائل الإعلام الرئيسية بـ"العدو"- مخاوفًا من أن الولايات المتحدة قد تكون متجهة نحو الاستبدادية. وعلى الرغم من أن التنبؤات بالانزلاق نحو الفاشية هي تنبؤات مبالغ فيها، يمكن أن تدفع رئاسة ترمب الولايات المتحدة نحو نموذج معتدل مما نطلق عليه "الاستبدادية التنافسية"؛ وهو نظام تكون المؤسسات الديمقراطية حاضرةً فيه، ومع ذلك تسيء الحكومة استخدام سلطة الدولة من أجل دحر خصومها.

 

لكن التحديات التي تواجه الديمقراطية الأميركية ظاهرةٌ منذ عقود، أي قبل فترة طويلة من وصول ترمب إلى مسرح الأحداث. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، أضعف الاستقطاب العميق وتطرف الحزب الجمهوري الأُسُسَ المؤسسية التي طالما صانت ديمقراطية الولايات المتحدة؛ مما يجعل رئاسة ترمب أكثر خطورة في الوقت الحالي مما كانت ستبدو عليه إن حدثت في العقود الماضية.

 

ومن المفارقة أن ديناميات الاستقطاب، التي تهدد الديمقراطية الآن، متجذرة في أعماق التحول المتأخر إلى نحو الديمقراطية في الولايات المتحدة. إذ إن بدايات السبعينات وليس قبلها -عندما تمكنت حركة الحقوق المدنية والحكومة الفيدرالية من القضاء على الاستبدادية في الولايات الجنوبية- هي التي شهدت التحول الحقيقي للبلاد نحو الديمقراطية. لكن هذه العملية ساعدت أيضًا في انقسام الكونغرس، وإعادة تنظيم صفوف الناخبين حسب الخطوط العرقية، ودفعت الحزب الجمهوري نحو اليمين. ساعد الاستقطاب الناتج على صعود ترمب، كما ساعد أيضًا على مزيد من الإضعاف لمؤسسات اليسار الديمقراطية أمام سلوكه الاستبدادي.
 


قد لا تأتي ضمانات الديمقراطية من الربوع التي يتوقعها المرء. إذ إن الالتزام المزعوم بالديمقراطية لدى المجتمع الأميركي ليس ضامنًا ضد الانزلاق. كما أن الضوابط والتوازنات الدستورية، والبيروقراطية، والصحافة الحرة ليسوا أيضًا ضامنين ضده. وفي نهاية المطاف، قد تكون قدرة ترمب على حشد الدعم الجماهيري -وهي قدرة محدودة في ظل ضعف أداء إدارته، ولكنها كبيرة إذا اندلعت إحدى الحروب أو وقعت إحدى الهجمات الإرهابية- هي التي سوف تحدد مصير الديمقراطية الأميركية.

 

كيف يبدو الانزلاق؟

إذا كان لانزلاقٍ ديمقراطيٍ أن يحدث في الولايات المتحدة، فلن يحدث في هيئة انقلاب عسكري، ولن يكون هناك إعلان للأحكام العرفية أو فرض لحكم الحزب الواحد. بل إن تجارب معظم الاستبداديات المعاصرة تشير إلى أنه قد يحدث عبر سلسلة من الخطوات التدريجية غير الملحوظة التي يكون معظمها قانونية ويبدو عديد منها غير ضار. غير أن وضعها سويًا قد يرجح الكفة لصالح الحزب الحاكم.

 

يختلف مدى قدرة الحكومة على إنجاز هذا المسعى، وكذلك سهولة تحقيقه. فأينما تترسخ المؤسسات الديمقراطية وحكم القانون ترسخًا شديدًا؛ وأينما تكون القوى المدنية وقوى المعارضة متينة، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة، تكون معها الإساءة أصعب لأن تظهر وأقل ترابطًا من وضعها في بلاد أخرى مثل روسيا وتركيا وفنزويلا. رغم هذا، حدثت مثل هذه الإساءة داخل الولايات المتحدة في الماضي القريب، لذا لا يمكن استبعادها.

 

يتضمن النوع الأول من الإساءة تسييسَ مؤسسات الدولة وحشدها ضد المعارضة. تمتلك الدول الحديثة هيئات متنوعة يمكنها التحقيق في الأخطاء التي يرتكبها الموظفون الحكوميون والمواطنون العاديون ومعاقبتهم عليها؛ وتتمثل هذه الهيئات في المحاكم، والمدعين العامين، ولجان الرقابة التشريعية، ووكالات إنفاذ القانون، والاستخبارات، وإدارات الضرائب، والوكالات التنظيمية. تشكل هذه الجهات تحديًا وفرصةً أمام الاستبداديين المحتملين؛ لأنها مصممة في الأساس لخدمة المحكمين المحايدين. إذ إن هيئات التحقيق تبقى مستقلة لدرجة أنها قد تكشف إساءة الحكومة بل وتعاقبها أيضًا. غير أنها إن تحكَّم فيها الموالون، فيمكن أن يتستروا على مخالفات المسؤولين وأن يكونوا بمثابة أسلحة قوية ضد خصوم الحكومة.

 

يمكن رشوة القضاة، أو إرهابهم، أو ابتزازهم من أجل الانصياع، أو تشويه صورتهم علانية بوصفهم بأنهم غير أكفاء أو فاسدون أو غير وطنيين. وذلك في سبيل تسييس جميع مؤسسات الدولة دون محاسبة

مواقع التواصل
 

ومن ثم يمتلك المستبدون المنتخبون حافزًا قويًا لإزاحة موظفي الخدمة المدنية والمسؤولين الآخرين ذوي الرؤى المستقلة ليستبدلوا بهم الحزبيين المناصرين لهم. أما الهيئات الأخرى التي لا يمكن إزاحتها، مثل القضاء، فيمكن تسييسها بطرق أخرى. على سبيل المثال، يمكن رشوة القضاة، أو إرهابهم، أو ابتزازهم من أجل الانصياع، أو تشويه صورتهم علانية بوصفهم بأنهم غير أكفاء أو فاسدون أو غير وطنيين. كما يمكن استهداف إحالتهم للمساءلة القانونية في الحالات القصوى.

 

يشبه حشد أجهزة الدولة شراء الحكام في المباريات؛ إذ إن الفريق المضيف لا يتجنب احتساب ضربات جزاء ضده وحسب، بل إنه يحصل على مزيد منها من الفريق المنافس. أولًا، يمكن أن تحمي الحكومة نفسها أمام التحقيقات والدعاوى القضائية والاتهامات الجنائية، كما يمكنها أن تطمئن من أن التصرفات المخالفة للدستور ستمر مرور الكرام. وثانيًا، يمكنها إنفاذ القانون إنفاذًا انتقائيًا مستهدفةً خصومها من السياسيين وأصحاب الأعمال ووسائل الإعلام، بينما تترك حلفاءها وشأنهم -أو هؤلاء الذين يبقون صامتين-. فقد أبعد فلاديمير بوتين على سبيل المثال معظم خصومه بعد أن صار رئيسًا لروسيا عن طريق ملاحقتهم قضائيًا في اتهامات بالفساد، فيما تجاهل انتهاج سلوك مشابه مع حلفائه.

 

تعتبر الاستمالة أيسر الطرق لإبعاد المعارضة؛ لذا تقدم معظم الحكومات الاستبدادية امتيازات أو رشاوى صريحة إلى وسائل الإعلام الرئيسية، وكبار رجال الأعمال، والرموز الدينية البارزة

ويمكن الاعتماد على الشرطة المسيسة في غضون ذلك لقمع المحتجين المعارضين، بينما تتسامح مع عنف قُطَّاع الطرق الموالين للحكومة؛ وهو النهج الذي أثبت نجاعته في فنزويلا. أما الاستخبارات المسيسة، فيمكن أن تُستخدم للتجسس على النقاد من أجل التفتيش عن مواد تصلح استخدامها لابتزازهم. هُمِّش أنور إبراهيم، زعيم المعارضة في ماليزيا، بهذه الطريقة، فبعد أن خضع لتحقيق شرطي مشكوك فيه، اتُهم بالمثلية الجنسية عام 1999 وأودع السجن. وللتأكيد، حتى البيروقراطيات في البلاد الديمقراطية عُرضة للتسييس، لكنها في الغالب تكون محدودة وتتعرض للعقاب عندما تكون سافرة. إلا أنها تكون منهجية ومترابطة، على النقيض من ذلك، في الأنظمة الاستبدادية التنافسية.

 

تكمن الطريقة الثانية التي تُمكِّن المستبدين المنتخبين من ترجيح الكفة لصالحهم في تحييد مكونات المجتمع المدني الرئيسية. تسعى قليل من الاستبداديات المعاصرة لإبعاد المعارضة كليًا. وبدلًا من ذلك، يحاولون استمالة أو إسكات أو تقييد المجموعات القادرة على الحشد: مثل وسائل الإعلام، وقادة الأعمال التجارية، والاتحادات العمالية، والهيئات الدينية، وما إلى ذلك.


تعتبر الاستمالة أيسر الطرق لإبعاد المعارضة؛ لذا تقدم معظم الحكومات الاستبدادية امتيازات أو رشاوى صريحة إلى وسائل الإعلام الرئيسية، وكبار رجال الأعمال، والرموز الدينية البارزة. إذ تحصل وسائل الإعلام الصديقة على امتيازات متعلقة بحرية الوصول إلى ما ترغب فيه، كما يحصل قادة الأعمال المفضلون على امتيازات مربحة للحصول على الموارد والفوز بالعقود الحكومية. فيما يلجأ المستبدون إلى السلطات المسيسة من أجل التعامل مع هؤلاء الذين يقاومون. فتواجه الصحف والشبكات التلفزيونية والمواقع التي تستنكر أخطاء الحكومة دعاوى بالقذف والتشهير، أو يحاكَموا بتهم نشر مواد يفترض أنها تحض على العنف أو تهدد الأمن القومي. أما رجال الأعمال الذين ينتقدون الحكومة، فيجري التحقيق معهم في اتهامات متعلقة بالتلاعب الضريبي أو أي مخالفات أخرى، كما يورط المعارضون السياسيون في الفضائح التي يفتش عنها أو تُختلق ببساطة عن طريق أجهزة الاستخبارات.

 

تسبب الإصلاح الانتخابي، الذي تقدمت به حكومة الرئيس رفائيل كوريا في الإكوادور عام 2012، في تقييد إسهامات الحملات الخاصة تقييدًا شديدًا. وقد كان الهدف الظاهري هو تقليل الإفساد

رويترز

 

يمكن أن تُضعف هذه الأنواع من المضايقات المستمرة المعارضة إضعافًا شديدًا. وقد تبقى الصحافة مستقلة اسميًا لكنها تراقب نفسها في هدوء، مثلما هو الحال في تركيا وفنزويلا. ويمكن أن ينسحب رجال الأعمال من السياسة بدلًا من ملاحقة الضرائب والوكالات التنظيمية لهم، مثلما يحدث في روسيا. وبمرور الوقت، تقل التغطيات الإعلامية النقدية، وفي ظل التهديد الذي يواجهه رجال الأعمال والاتحادات العمالية من أجل إجبارهم على الدخول في حالة من الخمول السياسي، تجد أحزاب المعارضة صعوبة في جمع الأموال، مما يعرضها لضرر بالغ.

 

وفي النهاية، يعيد المستبدون المنتخبون في الغالب كتابة قواعد اللعبة السياسية -من خلال إصلاح الدستور، أو النظام الانتخابي، أو المؤسسات الأخرى- لكي يصعِّبوا المنافسة على خصومهم. تُبرَر مثل هذه الإصلاحات في الغالب على أساس محاربة الفساد، أو إصلاح العملية الانتخابية، أو تعزيز الديمقراطية، إلا أن هدفهم الحقيقي يكون مزيدًا من الفساد. على سبيل المثال، تسبب الإصلاح الانتخابي، الذي تقدمت به حكومة الرئيس رفائيل كوريا في الإكوادور عام 2012، في تقييد إسهامات الحملات الخاصة تقييدًا شديدًا. كان الهدف الظاهري هو تقليل الإفساد الذي يتسبب فيه إقحام المال في السياسة. إلا أن الحزب الحاكم لكوريا استفاد في واقع الأمر من هذا الإصلاح؛ لأن قدرة الحزب على الوصول إلى الموارد الحكومية، التي لا تخضع لأي عملية تنظيمية، أعطته ميزة ضخمة.

 

في كل من ماليزيا وزيمبابوي، استدعت الحكومة هدفها بالسعي نحو "اللامركزية" من أجل تبرير الإصلاحات التي تزيد من الوزن الانتخابي للمناطق الريفية ذات الكثافة السكانية المنخفضة على حساب المراكز الحضرية، حيث كانت المعارضة تتمتع بأقوى حضور لها. وتعتبر مثل هذه الإصلاحات المؤسسية بالغة الخطورة لأنها تُبقي على مظهر خادع من مظاهر الشرعية. إلا أنها تُحيِّز النتائج الانتخابية تحيزًا ممنهجًا، كما تسمح -في كثير من الحالات- لأصحاب المناصب بالإبقاء على المميزات التي ولّدتها إساءة استغلالهم للسلطة منذ البداية.

 

ديمقراطية شابة

لعلَّه من المغري افتراض أن ديمقراطية الولايات المتحدة، البالغ عمرها قرون من الزمان، في منعةٍ أمام تآكل الديمقراطية، غير أن مثل هذه الثقة في غير محلها. ففي الحقيقة، ليست الديمقراطية الليبرالية -حيث يشارك في الاقتراع جميع البالغين وتوفر حماية واسعة للحريات المدنية والليبرالية- سوى تطور حديث نسبيًا في الولايات المتحدة. فوفقًا للمعايير المعاصرة، لم تصبح البلاد ديمقراطية كليًا إلا في سبعينات القرن الماضي.
 



بدءًا من تسعينات القرن التاسع عشر، بعد الحرب الأهلية وفشل "إعادة الإعمار"، أسَّس الساسة الديمقراطيون في كل ولاية من الولايات الإحدى عشرة للكونفدرالية القديمة حزبًا واحدًا، ليشكلوا جيوبًا للاستبدادية. وبعد انتزاع مساحة من أجل مناور ة المحكمة العليا، حرم الفرع التنفيذي وحزبهم المحلي والديمقراطيون المحافظون السودَ والفئات الأفقر من الناخبين البيض من حقوقهم، وقمعوا أحزاب المعارضة، وفرضوا حيزًا مدنيًا منفصلًا حسب أسس عنصرية، ومحرومًا من الحرية بدرجة كبيرة. كان هدفهم ضمان سيادة البيض والحصول على عمالة زراعية رخيصة، فاستخدموا العنف برعاية الدولة لإنجاز ذلك.

 

استفادت الولايات الجنوبية على مدى نصف قرن من الزمان من نفوذها في الكونغرس والحزب الديمقراطي ذي النزعة القومية من أجل حماية أنفسهم أمام جهود الإصلاح. إلا أن المحكمة العليا في الولايات المتحدة حكمت عام 1944 بعدم قانونية الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين بالمناطق التي لا تحتوي سوى على البيض. بدءًا من ذلك القرار، أجبر النشطاء السود، مستفيدين من الأحكام القضائية الفيدرالية والتشريعات البرلمانية وإصلاحات الأحزاب القومية، على إنهاء الحرمان من الحقوق والتمييز العنصري وقمع الدولة. وبقدوم السبعينات، هُزم الاستبداديون الجنوبيون. وفي الوقت الحالي، يقدم حوالي 6000 من المسؤولين المُنتخبين من بين السود خدماتهم في الدوائر الانتخابية الجنوبية.

 

بيد أن الاستبدادية الأميركية لم تكن ظاهرة جنوبية وحسب. فمنذ تأسيس مكتب التحقيق الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي، استخدمها الرؤساء لمراقبة العاملين بالبيت الأبيض، والصحفيين، والمعارضين السياسيين، والنشطاء. وقد شن مكتب التحقيقات الفيدرالي في الفترة بين 1956 و1971 أكثر من 2000 عملية من أجل عرقلة وتشويه منظمات الاحتجاج التي يديرها السود، ومجموعات مناهضة الحروب، والتهديدات المحتملة الأخرى. حتى أنها أمدت الرئيس الراحل دوايت أيزنهاور بمعلومات تحقر من شأن أدلاي ستيفنسون، منافسه الديمقراطي في انتخابات 1952. وبالمثل، حشدت إدارة نيكسون مكتب النائب العام والهيئات الأخرى ضد أعدائها في الحزب الديمقراطي ووسائل الإعلام. كما أن تحقيقات الكونغرس في التخريب المزعوم عمقت من التهديدات التي تواجهها الحريات والحقوق المدنية. وكما حدث مع الاستبداديات الجنوبية، انقضى أجل إساءة استخدام الاستخبارات الفيدرالية وهيئات إعمال القانون بدرجة كبيرة في السبعينات، والذي حدث في هذه الحالة بعد الإصلاحات التي أعقبت فضيحة "ووترغيت".

 

لا تزال الحقيقة قائمةً بأن الديمقراطية في الولايات المتحدة طالما كانت متعددة الأعراق بدون زيف لحوالي نصف قرن من الزمان

بكساباي
 

تبقى الديمقراطية الأميركية بعيدة عن المثالية. إذ إن الجنائيين السابقين، وأغلبهم من السود، يُمنعون من التصويت. كما أن عديدًا من الولايات تجرب مجموعة جديدة من القيود التي تفرضها على عملية التصويت، فيما تثير كثافة حملات التبرع بين الأغنياء مخاوفًا حقيقية حول مدى تمثيل الديمقراطية الأميركية للواقع. ولكن لا تزال الحقيقة قائمةً بأن الديمقراطية في الولايات المتحدة طالما كانت متعددة الأعراق بدون زيف لحوالي نصف قرن من الزمان. 

 

ومع ذلك، مثلما وفَّت الولايات المتحدة بوعدها الديمقراطي، بدأت أسس النظام في الاتجاه نحو الضعف. المثير للسخرية أن عملية التحول الديمقراطي ذاتها في الجنوب ولَّدت الاستقطاب الحاد الذي يهدد الديمقراطية الأميركية في الوقت الحالي.

 

الانقسام الكبير

عرَّف العلماء دومًا الاستقطاب السياسي بأنه عامل رئيسي وراء الانهيار الديمقراطي. يقود الاستقطاب الحاد الساسة ومؤيديهم نحو النظر إلى خصومهم على أنهم خصوم غير شرعيين، وفي بعض الحالات ينظرون إليهم باعتبارهم يشكلون تهديدًا وجوديًا. وفي الغالب تضعف المبادئ الديمقراطية لأن الساسة يصيرون عازمين على كسر القواعد والتعاون مع المتطرفين غير الديمقراطيين، بل وأيضًا يتسامحون في العنف ويشجعونه كي يبقوا على خصومهم بعيدين عن السلطة. وفي ظل مثل هذه الظروف، لا تتمكن من النجاة سوى قليل من الديمقراطيات.

 

بدت الولايات المتحدة حتى عهد قريب حصينة أمام مثل هذه التهديدات. ومن المؤكد أن عادات ضبط النفس والتعاون ساعد الولايات المتحدة على تجنب الاقتتال الحزبي حتى الموت؛ الذي دمر الديمقراطيات في ألمانيا وإسبانيا في الثلاثينات، وشيلي في السبعينات. أما في الولايات المتحدة، عارض كبار الديمقراطيين جهود الرئيس فرانكلين روزفلت لحشد المحكمة العليا، كما أيد الجمهوريون التحقيق مع الرئيس ريتشارد نيكسون ومساءلته القانونية. فلم يسبق على الإطلاق أن استغل الحزب الذي يحكم البيت الأبيض أقصى مدى للسلطة الحكومية ضد الحزب الآخر. وفي الحقيقة، كانت منهجية عدم الاستخدام الكامل للسلطة من قبل الرؤساء والأغلبيات البرلمانية مصدرًا حيويًا للاستقرار الديمقراطي في الولايات المتحدة.

 

ولكن مع تمرير "قانون الحقوق المدنية" و"قانون حق التصويت لعام" في الستينات، اضطلع الحزب الديمقراطي -الذي كان لفترة طويلة ضامنًا لسيادة البيض- والحزب الجمهوري -وهو حزب إبراهام لينكولن-، بمهمة إعادة تنظيم السياسات الوطنية تماشيًا مع الخطوط العرقية. دخل السود الجنوبيون الهيئات الانتخابية بوصفهم ناخبين ديمقراطيين، وصار البيض الجنوبيون جمهوريين على نحو متزايد. فقد صوت كثير من البيض الجنوبيين لصالح الجمهوريين لأسباب طبقية؛ إذ إن معدل دخول المنطقة كان يأخذ في الارتفاع، مما يعزز من قوة مناشدات الحزب الجمهوري المتعلقة بالسياسات الاقتصادية. غير أن كثيرين اختاروا الجمهوريين لمواقفهم المحافظة حول القضايا العرقية ومطالباتهم بـ"القانون والنظام".
 

1963 مظاهرة للمطالبة بالحقوق المدنية للأميركان السود (مواقع التواصل)


لقد ساعدت عملية إعادة الترتيب هذه على تغيير تكوين الكونغرس. ففي العقود التي تلت ذلك، تحول الجنوب من مؤيد للحزب الديمقراطي إلى منطقة يهيمن عليها الجمهوريون. ورغم أنه كان يرشح الديمقراطيين المعتدلين للكونغرس فيما مضى، أصبح اليوم ينتخب إما السود أو الليبراليين الديمقراطيين من أصول لاتينية، أو المحافظين الجمهوريين البيض، وهو الخيار الأكثر شيوعًا. يمتلك الاستقطاب الأيديولوجي في الكونغرس أسبابًا أخرى، بكل تأكيد، لكن إضفاء الطابع الديمقراطي على الجنوب يعتبر من أهمها. وكانت النتيجة هي وجود حزبين أكثر تجانسًا من الناحية الأيديولوجية وأكثر انضباطًا. انقضى عهد القضايا المشتركة التي تخفف من حدة الصراع الحزبي، وكذلك الأعضاء المعتدلين داخل كل حزب، الذين يعتبر وجودهم حاسمًا لصياغة الاتفاقات التشريعية.

 

لم يتسبب انتصار الديمقراطية في الجنوب في استقطاب الكونغرس أيديولوجيًا وحسب؛ بل وفي استقطاب الناخبين أيضًا. بداية من أواخر الستينات، بدأ المرشحون الديمقراطيون والجمهوريون في تبني آراءً متميزة تميزًا متزايد بشأن السياسة العامة: بشأن المسائل العرقية في المقام الأول -مثل التمييز الإيجابي-، ثم على مجموعة أوسع من القضايا. وكما قال عالم السياسة مايكل تيسلر، فإن الدعاية الانتخابية التي تحمل طابعًا عنصريًا تشجع الناخبين على تقييم البرامج الحكومية من حيث الفئات الاجتماعية التي يتصورون أنها تستفيد منها. ومع مرور الوقت، أصبحت المواقف العنصرية للناخبين البيض تسهم إسهامًا كبيرًا في تشكيل وجهة نظرهم حول السياسة العامة، حتى في القضايا التي تبدو غير ذات صلة بالعرق، مثل الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والضرائب.

 

وحين يلتقط قادة الأحزاب تلك الإشارات، يتم توجيه الناخبين إلى الحزب "الصحيح" أيديولوجيًا؛ فيتبقى عدد قليل من الناخبين الجمهوريين من يسار الوسط، أو الديمقراطيين من يمين الوسط. أصبحت نسبة الناخبين السود الذين يدعمون المرشحين الديمقراطيين أكبر من أي وقت مضى، فيما تدعم النسبة الأكبر من الناخبين البيض الجمهوريين. وعلى الرغم من أن نسبة ضئيلة من الناخبين الأميركيين لها توجهات أيديولوجية واضحة -على عكس ممثليهم في الكونغرس-، يظهر الناخبون الآن عداءً متزايدًا تجاه السياسيين والناخبين من الحزب الآخر، وهو ما وصفه علماء السياسة آلان أبراموفيتز وستيفن وبستر بـ"التحيز السلبي".

 

وقد عزز ضعف الإعلام المؤسسي من الاستقطاب الحزبي، وهو عنصر حاسم في المساءلة الديمقراطية. حتى التسعينيات، كان معظم الأميركيين يطلعون على الأخبار عبر عدد محدود من القنوات التلفزيونية الموثوقة. وقد اعتمد السياسيون أنفسهم اعتمادًا كبيرًا على الصحافة من أجل جذب انتباه الجمهور، ومن ثم فإنه ليس من مصلحتهم استعداء الصحفيين. ولكن على مدى السنوات العشرين الماضية، أصبحت وسائل الإعلام أكثر استقطابًا. إذ يعتبر ظهور فوكس نيوز بداية عصر القنوات الإخبارية الحزبية. وفي الوقت نفسه، سهلت شبكة الإنترنت على الأشخاص البحث عن الأخبار التي تؤكد معتقداتهم الحالية، ولعبت دورًا في إغلاق واسع النطاق للصحف المحلية والإقليمية.

 

بعد تقارب ترمب مع بوتين، نجد أن شعبية بوتين بين الجمهوريين ارتفعت من 10% في 2014 إلى 37% في 2016. وهو ما يدل على أن العديد ينظرون للأحداث السياسية بنظرة حزبية بحتة

رويترز
 

واليوم، يستهلك الديمقراطيون والجمهوريون أخبارًا من مصادر مختلفة بشكل صارخ، فضلًا عن الانخفاض الحاد في تأثير وسائل الإعلام التقليدية. ونتيجة لذلك، ازداد تقبل الناخبين للأخبار الكاذبة وتزايدت ثقتهم في المتحدثين الرسميين باسم الأحزاب. عندما تتم تصفية الأحداث من خلال وسائل الإعلام المجزأة والمستقطبة، ينظر الأميركيون تقريبًا إلى جميع الأحداث السياسية من خلال العدسات الحزبية البحتة. بالنظر إلى ما حدث بعد أن كسر ترمب السياسة التقليدية للحزب الجمهوري وتقارب مع بوتين، نجد أن شعبية بوتين بين الجمهوريين ارتفعت من عشرة في المئة في (يوليو/تموز) 2014 إلى 37 في المئة في (ديسمبر/كانون الأول) عام 2016.

 

كما أن الفجوة المتزايدة بين الأغنياء وباقي الشعب الأميركي زادت من حدة الاستقطاب. فقد وصل التفاوت في الدخل في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له منذ بداية الكساد الكبير. وأدت الزيادة الهائلة للدخول بين الأثرياء إلى زيادة دعم الناخبين الأثرياء والمساهمين في الحملات الانتخابية للسياسات الاقتصادية المحافظة، ولا سيما الضرائب، والدفع بالمشرعين الجمهوريين تجاه اليمين. علاوة على ذلك، أدى ركود الأجور على مستوى الطبقة العاملة خلال العقود الثلاثة الماضية إلى رد فعل شعبوي يميني يتجلى فيه الطابع العرقي، وخاصة بين البيض في المناطق الريفية، الذين وجهوا غضبهم تجاه برامج الإنفاق الليبرالية التي يرون أنها تفيد الأقليات الحضرية.

 

إذ إن الفوارق السياسية المتنامية حول الهوية تتجاوز ثنائية الأبيض والأسود التقليدية. فمنذ السبعينيات، أضافت الهجرة المتزايدة مزيدًا من الأميركيين من أميركا اللاتينية ومن آسيا إلى مجموع الناخبين، أغلبهم من الديمقراطيين، مما زاد من ترسيخ الفجوة الحزبية بين البيض وغير البيض. وقد أدت هذه الاتجاهات إلى تفاقم المخاوف بين العديد من الناخبين البيض حول فقدان تفوقهم العددي والثقافي والسياسي، تمامًا كما كان عليه حال الجنوبيين البيض قبل التحول الديمقراطي. فيما انتشرت السياسة العرقية الجنوبية على مستوى الدولة بصور متعددة.

 

مخاطر الاستقطاب

يشكل الاستقطاب الحزبي عدة تهديدات للديمقراطية الأميركية. أولًا، يؤدي ذلك إلى الجمود، لا سيما عندما يسيطر على السلطة التشريعية حزب مختلف عن ذلك الذي يسيطر على السلطة التنفيذية. ومع ازدياد الاستقطاب، يمرر الكونغرس قوانين أقل، ويترك قضايا هامة دون حل. وقد أدى هذا الخلل إلى تآكل ثقة الجمهور في المؤسسات السياسية، وعلى طول الخطوط الحزبية. لدى الناخبين الذين يدعمون الحزب الذي لا يشغل حاليًا البيت الأبيض ثقة ضئيلة للغاية في الحكومة: ففي استطلاع للرأي أجراه علماء السياسة مارك هيثرينغتون وتوماس رودولف في عام 2010، قال غالبية الناخبين الجمهوريين الذين شملهم الاستطلاع إنهم "لا يثقون أبدا" في الحكومة الاتحادية.

 

يشجع الجمود السياسي الرؤساء على اتخاذ إجراءات أحادية الجانب على حواف الحدود الدستورية. عندما تكون الحكومة منقسمة، ويعتزم الحزب الذي هو خارج السلطة على عرقلة جدول أعمال الرئيس التشريعي، يعمل الرؤساء حينها على الالتفاف حول الكونغرس، وتوسيع سلطاتهم من خلال الأوامر التنفيذية والتدابير الانفرادية الأخرى، وتمركز سيطرتهم على البيروقراطية الاتحادية. وفي الوقت نفسه، يصعِّب الاستقطاب على الكونجرس ممارسة الرقابة على البيت الأبيض؛ لأن الأعضاء يواجهون صعوبة في تشكيل استجابة جماعية من كلا الحزبين لسيطرة السلطة التنفيذية.

 

 البيت الأبيض (مواقع التواصل)

 
وعندما يسيطر الحزب نفسه على كل من الكونغرس والبيت الأبيض، يكون لدى المشرعين حافز ضئيل لممارسة رقابة صارمة على الرئيس. واليوم، يقلل الاستقطاب من فرصة قيام الجمهوريين في الكونغرس بتقييد ترمب. وعلى الرغم من أن العديد من النخب الحزبية تفضل جمهوريًا أكثر قابلية على التنبؤ في البيت الأبيض، فإن الدعم القوي لترمب بين الناخبين الجمهوريين يعني أن أي معارضة جدية من المحتمل أن تقسم الحزب وتشجع التحديات الأولية، كما أنها تعرض أجندة الحزب المحافظة الطموحة للخطر. ومن ثم، فإنه من غير المحتمل أن يتبع الجمهوريون في الكونغرس خطى أسلافهم الذين كبحوا جماح نيكسون. فقد رفضوا في الواقع حتى الآن التحقيق بجدية في تضارب مصالح ترمب أو الاتهامات بالتواطؤ بين حملته والحكومة الروسية.

 

والأكثر خطورة أن الحزب الجمهوري قد تطرف إلى حد صار معه "رافضًا لشرعية معارضيه"، على حد قول العلماء توماس مان ونورمان أورنشتاين. على مدى العقدين الماضيين، بدأ العديد من المسؤولين الجمهوريين المنتخبين والناشطين والشخصيات الإعلامية في معاملة منافسيهم الديمقراطيين على أنهم تهديدًا وجوديًا -للأمن القومي أو لطريقة حياتهم- وتوقفوا عن الاعتراف بشرعيتهم. برز ترمب نفسه سياسيًا من خلال التشكيك في جنسية الرئيس باراك أوباما. وخلال حملة عام 2016، أشار مرارًا وتكرارًا إلى منافسته هيلاري كلينتون، باعتبارها مجرمة، وقاد زعماء الجمهوريين الهتافات بـ "اعتقالها" في المؤتمر الوطني لحزبهم.

 

أدخل الجمهوريون العديد من القوانين التي تثير القلق، مثل فرض قيود جديدة على حقوق التصويت، وهو ما يبَرَر باعتباره جهودًا لمكافحة التزوير واسع النطاق للناخبين، وهي مشكلة لا وجود لها على الإطلاق

تلجأ الأحزاب التي ترى أن منافسيها غير شرعيين على الأرجح إلى تدابير متطرفة لإضعافهم. والواقع أن الحزب الجمهوري قد تخلى تخليًا كبيرًا عن القواعد الراسخة المتمثلة في ضبط النفس والتعاون -وهما من أركان الاستقرار السياسي الأميركي- لصالح التكتيكات التي، وإن كانت جائزة قانونًا، تنتهك التقاليد الديمقراطية وتزيد من مخاطر الصراع السياسي. كان اتهام الجمهوريين في الكونجرس للرئيس بيل كلينتون في عام 1998 مثالًا مبكرًا على ذلك. كما كان رفض الجمهوريين في مجلس الشيوخ عقد جلسات استماع للتصديق على مرشح أوباما للمحكمة العليا في عام 2016 مثالًا آخر.

 

وعلى مستوى الولايات، ذهب الجمهوريون إلى ما هو أبعد من ذلك بتمرير قوانين تهدف إلى الإضرار بمنافسيهم. المثال الأكثر وضوحًا يأتي من ولاية كارولينا الشمالية، إذ أقر المجلس التشريعي الجمهوري المنتهية ولايته في أواخر عام 2016 سلسة من قوانين اللحظة الأخيرة لتجريد الحاكم الديمقراطي المنتخب حديثًا من سلطاته. وفي الوقت نفسه، أدخل الجمهوريون في أكثر من عشر ولايات تشريعات لتجريم أنواع معينة من الاحتجاجات.


والأكثر إثارة للقلق هو فرض قيود جديدة على حقوق التصويت، وهو ما يبَرَر باعتباره جهودًا لمكافحة التزوير واسع النطاق للناخبين، وهي مشكلة لا وجود لها على الإطلاق. وقد تركزت هذه القوانين في الولايات التي سيطر فيها الجمهوريون مؤخرًا على السلطة التشريعية ولكنهم لا يملكون فيها سوى أغلبية ضئيلة، مما يشير إلى أن هدفها الحقيقي هو خفض نسبة إقبال الناخبين المرجح أن يدعموا المرشحين الديمقراطيين، مثل غير البيض. وقد أعطى ترمب، من جانبه، دفعةً لمثل هذه المبادرات. فهو لم يكتفِ بأن يزعم كذبًا أن انتخابات عام 2016 كانت مشوبة بالتصويت غير القانوني واسع النطاق، مما قوّض ثقة الجمهور في العملية الانتخابية، بل أن وزارة العدل في إدارته تبدو مستعدة لبدء الدفاع عن الولايات التي تواجه دعاوى قضائية بشأن القيود على الاقتراع.

 

واصل ترمب نفسه، بوصفه رئيس جمهورية، انتهاك القواعد الديمقراطية بالهجوم على القضاة، ووسائل الإعلام، وشرعية العملية الانتخابية

رويترز

 

وهكذا صعد ترمب إلى الرئاسة في وقت محفوف بالمخاطر على الديمقراطية الأميركية. إذ لجأ حزبه، الذي يسيطر على كل من مجلس النواب بالإضافة إلى 33 ولاية، على نحو متزايد إلى تكتيكات قاسية تهدف إلى إضعاف المعارضة. واصل ترمب نفسه، بوصفه رئيس جمهورية، انتهاك القواعد الديمقراطية بالهجوم على القضاة، ووسائل الإعلام، وشرعية العملية الانتخابية. وإذا كانت إدارته تنخرط في سلوك استبدادي صريح، فإن الاستقطاب قد قلّص من احتمالات أن يحشد الكونغرس مقاومة من كلا الحزبين، أو أن يتحول الشعب ضده تحولًا جماعيًا.

 

مصير الديمقراطية

ما الذي يمكن أن يوقف تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة؟ لا يوجد ما يدعو إلى توقع أن يكون التزام الأميركيين بالديمقراطية ضمانًا. وحتى في الستينيات، كان معظم الأميركيين يغضون الطرف عن القيود الخطيرة على الديمقراطية في الجنوب. ولا ينبغي لأحد أن يتوقع أن يعوق الدستور وحده ذلك التراجع. وكما قال باحثو الدستور توم غينسبورغ وعزيز حق، فإن غموض دستور الولايات المتحدة يترك مجالاً واسعًا لإساءة استخدامه على جبهات مختلفة، بما في ذلك القدرة على ملء الدواوين الحكومية بالموالين، وتعيين أو عزل المحامي العام الأميركي لأسباب سياسية. وفي غياب المعايير غير الرسمية لضبط النفس والتعاون، فإنه لا يمكن حتى لأفضل دستور أن يحمي الديمقراطية بصورة كاملة.

 

ليس من المرجح كذلك أن تمنع الصحافة المزيد من الانحدار والتراجع. إذ ستستمر وسائل الإعلام الرئيسية في التحقيق في أخطاء ترمب وإدانته. إلا أن البيئة الإعلامية الحالية قد تجعل الكشف عن الانتهاكات الخطيرة وسيلة يستغلها الديمقراطيون بشراسة، بينما يتجاهلها مناصرو ترمب باعتبارها هجمات حزبية.

 

أما أولئك الآملون في إمكانية وقوف البيروقراطية في وجه هذا السيل، فمن المرجح أن تخيب آمالهم كذلك، إذ تفتقر الولايات المتحدة إلى قوة هيكل الخدمة المدنية الموجود في الديمقراطيات الأوروبية، بالإضافة إلى أن سيطرة الجمهوريين على البيت الأبيض والكونغرس تحد من حافز المشرعين الجمهوريين لمراقبة تعامل الرئيس مع الوكالات الفيدرالية. في الوقت ذاته، يمكن أن يخشى موظفو هذه الوكالات من مقاومة انتهاكات البيت الأبيض. علاوة على ذلك، يسيطر الكونغرس على الميزانية الخاصة بهذه الوكالات، وفي يناير الماضي، أعاد الجمهوريون في مجلس النواب إحياء قانون هولمان، الذي يعود لعام 1876 والذي يسمح للكونغرس بتخفيض أي راتب بيروقراطي حتى دولار واحد.
 

مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة الأميركية (بكساباي)


سيكون على النظام الفيدرالي للحكومة الأميركية والقضاء المستقل توفير دفاعات أقوى أمام التراجع المحتمل. وعلى الرغم من أن اللامركزية الشديدة للانتخابات الأميركية تتسبب في عدم المساواة في الجودة، فإنها تعرقل الطريق أمام أي نوع من الجهود المنسقة للتلاعب بالانتخابات. وبرغم أن المحاكم الأميركية عادة ما فشلت سابقًا في الدفاع عن الحقوق الفردية -مثلما حدث حين سمحت باعتقال اليابانيين الأميركيين خلال الحرب العالمية الثانية-، عمل القضاة الفيدراليون على تقوية الحريات والحقوق المدنية منذ الستينيات. في الوقت ذاته لا تتمتع المحاكم الأميركية بالحصانة ضد الضغوط السياسية من مختلف أفرع الحكومة.

 

في نهاية المطاف، قد يتوقف مصير الديمقراطية الأميركية تحت حكم ترمب على عدة أحداث طارئة. فالعائق الحالي الأكبر أمام الانحدار هو عدم الشعبية الرئاسية. والساسة الجمهوريون الذين يشعرون بالاضطراب من جراء سلوكيات ترمب، والقلقون أيضًا بشأن الفوز بترشيح حزبهم، سيكون من الأيسر عليهم معارضة الرئيس إذا تراجع دعم الناخبين الجمهوريين له. كما أن تراجع الدعم قد يشجع القضاة الفيدراليين على مواجهة القرارات التنفيذية المتصاعدة بشكل أقوى. لذا فإن العوامل التي تقلل من شعبية ترمب -مثل أزمة اقتصادية أو أزمة شبيهة بـالأزمة الكارثية لكاترينا التي يسود اعتقاد واسع بمسؤولية الحكومة عنها- قد تؤثر على قوته.

 

من الجهة الأخرى، قد تتسبب هذه الأحداث في أثر معاكس. إذا اندلعت حرب أو وقع هجوم إرهابي، فمن المرجح أن يتراجع التزام الساسة والعامة بالحريات المدنية. بل إن ترمب وصف القضاء والصحافة المستقلين بالفعل بأنهما تهديدان أمنيان، متهمًا القاضي الذي أصدر حكمًا ضد حظر السفر المبدئي، بأنه يضع البلاد في "مأزق"، كما أطلق على وسائل الإعلام وصف "الأعداء". لذا فإن أي نوع من الجهود لقمع وسائل الإعلام أو المعارضة أو الأقليات الدينية أو العرقية ستلقى معارضة أقل في حالة وقوع هجوم بحجم 11/9.

 

لقد ثقبت رئاسة ترمب اعتقاد الكثير من الأميركيين باستثنائية بلادهم. والديمقراطية الأميركية ليست في منعةٍ من التراجع والانحدار. بل إنها في الحقيقة تواجه تحديًا يفوق ترمب: وهو الحفاظ على الديمقراطية متعددة الأعراق التي وُلدت منذ نصف قرن مضى. لم ينج سوى القليل من الديمقراطيات من الفترات الانتقالية التي خسرت فيها الجماعات العرقية المهيمنة تاريخيًا أكثريتها. وإذا نجحت الديمقراطية الأميركية في فعل ذلك، فستثبت استثنائيتها الحقيقية.

 

=============================================

هذا الموضوع مترجم عن: هذا الرابط.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار