انضم إلينا
اغلاق
"خرائط الموت".. كيف كونت سوريا ترسانتها الكيماوية؟

"خرائط الموت".. كيف كونت سوريا ترسانتها الكيماوية؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      
بعد منتصف ليلة من ليالي أغسطس/آب الحارة لعام 2013 سُمع صوت غريبٌ في غوطة دمشق الشرقية، كان صوتًا أشبه بقصف لكن غرابته تكمن في خفوته مقارنة بحدة أصوات القصف المعتادة، لم يكترث العم "عبد القادر" بذلك الصوت في البداية، فقد عاش سنواتٍ من القصف والحصار جعلته وأهل الغوطة يتندرون قائلين دومًا: "ما ضل غير يقطعوا عنّا الهوا"، إلا أنه لم يكن يعلم أن ذلك ممكن بالفعل، وأن المقولة المحلية ستتحقق حرفيًا. وفي تلك الليلة وبعد الصوت الغريب مباشرة بدأ ابنه يعاني من ضيقٍ شديدٍ في التنفس، أما ابنته الصغيرة فلم تعد تستطيع التنفس حتى وأُصيبت باختناق، لقد تحقق ما كان يظنه مستحيلاً هو وسكان الغوطة.

 

من جبال قاسيون القريبة انطلقت عدة صواريخ غير تقليدية محملةً برؤوسٍ كيماوية، في كل منها ما يتجاوز(1) 55 لترًا من غاز السارين القاتل، وكان بشار الأسد المنهك والمتراجع بحاجة، وقواته مصابة بهزائم المعارضة المسلحة المتتالية، لتوجيه ما ظن أنها ستكون ضربة قاضية، وبالفعل قضت(2) الضربة على 1500 من أهل الغوطة أغلبهم من النساء والأطفال تم توثيقهم فيما بعد، بينما خنقت آلافاً آخرين منهم "عبد القادر" وعائلته، ولأنها كانت مذبحة كيماوية مروعة لم يشهد مثلها العالم منذ أحداث "حلبجة" في العراق عام 1988، فلم يتوقع أحد رؤيتها مرة أخرى، إلا أن نظام الأسد بعدها بسنوات كان له رأي آخر.

 

ترسانة الموت السورية: التاريخ المنسي
 

"تمتلك سوريا أكبر ترسانة أسلحة كيمياوية في العالم تم تطويرها منذ أربعين عامًا"

(يائير نافيه، مساعد رئيس الأركان الإسرائيلي)
 

في عام 1992 عقدت روسيا اتفاقية مع سوريا مررت من خلالها 1700 طن من السلاح الكيماوي ومعدات تصنيعه

رويترز


مع السلطة المطلقة والقبضة الأمنية الشديدة ورَّث بشار الأسد من أبيه أيضًا ترسانةً من الأسلحة الكيماوية، لم يكن من المعلوم على وجه الدقة متى وكيف بدأت هذه الترسانة أو حجمها الحقيقي، إلا أنه من المرجح أن الأسد الأب صار أكثر نزوعًا لامتلاك السلاح الكيماوي بعد عام 1982، حينها اجتاحت (3) قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي أراضي لبنان، ليخوض معها الجيش السوري معركة قصيرة انتهت بنتائج مدمرة، بدأت بمواجهات عسكرية جوية في البقاع اللبناني عرفت بأنها أضخم مواجهة جوية في الشرق الأوسط، وخسرت فيها سوريا حوالي 80 طائرة حربية دفعة واحدة. هذه الهزيمة التي أصابت حافظ الأسد أولاً كرئيس للدولة وقائد للجيش دفعته لاتخاذ قرارات أكثر استراتيجية على المدى الطويل بحثاً عن توازن رعبٍ يساعده في حرب أخرى مشابهة.

 

تأسست أول المحاولات السورية لامتلاك السلاح الكيماوي قبل ذلك بسنوات، عندما أنشأ(4) "عبد الله واثق شهيد"، الفيزيائي النووي والمستشار الأول للرئيس الأسد، مركز البحوث والدراسات العلمية "SSRC" عام 1971 لأغراض الأبحاث الكيميائية، وحقق المركز نجاحات مكنته من إنتاج المواد الأولية المستخدمة في تصنيع غاز السارين، لكن النجاح الأكبر كان في تطوير غاز الأعصاب "vx"، أحد أكثر المواد الكيميائية سمية.

 

بعد ذلك حملت رياح الحظ للأسد تطورًا مهمًا لترسانته الكيماوية، ففي عام 1992 عقدت(5) روسيا اتفاقية مع سوريا مررت من خلالها 1700 طن من السلاح الكيماوي ومعدات تصنيعه، وكان "أناتولي كونتشيفتش" المسؤول عن التخلص من الكيماوي الروسي عراب الاتفاقية، ومن ثم تعرض "كونتشيفتش" على إثر ذلك للإقالة ولعقوبات أمريكية. إلا أن الأسد لم يكتفِ بهذا التطور، بل ذهب نحو مفاوضات(6) شاقة للفوز بصفقات شراء مفاعلات أبحاث نووية من الأرجنتين وروسيا، حتى تساعده على بناء مفاعله الخاص، لكن واشنطن عرقلت الصفقات في كل مرة.

 

رغم نفي النظام السوري المتكرر والعنيد لامتلاكه أو سعيه نحو امتلاك أي أسلحة دمار شامل، كان من الواضح بالنسبة للأمريكيين والإسرائيليين أن هناك طموحًا لذلك، وهو طموح لم تكن سياساتهما وأهدافهما تسمح بتمريره، لذا وبعد احتلال العراق عام 2003 بدأ يتصاعد الحديث الأمريكي الإسرائيلي عن سلاحٍ كيماويٍ في سوريا يشكل خطرًا على أمن المنطقة، وعن مساعٍ سورية لامتلاك أسلحة نووية.

 أصدرت المخابرات المركزية الأمريكية في عام 2009 تأكيدها أن لدى سوريا برنامج أسلحة كيميائية يمكنها بناءً عليه تنفيذ هجمات كيماوية بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى وبالمدفعية

رويترز


في عام 2007 وقع حادثان مهمان في مسيرة الكيماوي السوري، أولهما في شهر مارس/آذار عندما اقتحم(7) أفرادٌ من الموساد غرفةً في العاصمة النمساوية "فيينا"، كان يقيم بها "إبراهيم عثمان" رئيس اللجنة السورية للطاقة الذرية، ثم استولوا على معلومات سريةٍ من حاسوبه وغادروا بلا أثر. أما ثانيهما فجاء بعد تسعة أشهر، حينها أغارت(8) ثمان طائرات إسرائيلية على موقع في الصحراء السورية قاصفة إياه بـ 17 طنٍ من المتفجرات، وزعم الإسرائيليون وقتها أن الموقع يحمل منشآت أولية لمفاعل نووي مستنسخ من مفاعل "يونغبيون" الكوري الشمالي، حينها صرح بشار الأسد تصريحه الأشهر أن «سوريا تحتفظ بحق الرد على الاعتداء الإسرائيلي»، بينما نفى إعلام النظام الرسمي وقوع أي غارات محققة أو أن هناك استهداف بالفعل لمنشآت مفاعل نووي.

 

في عام 2009 أصدرت المخابرات المركزية الأمريكية CIA تأكيدها أن لدى سوريا برنامج أسلحة كيميائية يمكنها بناءً عليه تنفيذ هجمات كيماوية بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى وبالمدفعية، وفي يونيو/حزيران عام 2012 أكد(9) الجنرال "يائير نافيه" مساعد رئيس الأركان الإسرائيلي أن سوريا تملك "أكبر ترسانة أسلحة كيمياوية في العالم تم تطويرها منذ أربعين عاما"، ثم جاء أخيرًا أول اعتراف رسمي من قبل النظام السوري بأنه يمتلك أسلحة كيماوية بعد ذلك بأيام في يوليو/تموز من نفس العام، إذ أعلن(10) المتحدث باسم الخارجية السورية جهاد مقدسي أن النظام «لن يستخدم أي سلاح كيماوي أو جرثومي إلا في حال تعرضه لاعتداء خارجي».

 

الجحيم



عمل النظام السوري جيدًا على تطوير ترسانته وإخفائها بعيدًا عن أنظار المفتشين الدوليين وعن المقاتلين، وحين وصلت فرق التفتيش الدولية إلى سوريا عام 2013 لم يكشف النظام إلا عن 23
موقعا(11) لتخزين السلاح الكيماوي، وما كان مفاجئًا للمفتشين هو أن العديد من مختبرات الإنتاج كانت مخبأة على مرأى من الجميع، فوجدوا مثلًا أسلحة مخزنة على متن 18 شاحنة متنقلة، كانت تبدو مشابهة جدًا لشاحنات النقل العادية، وإحداهن كانت لشركة نقل هنغارية. وكشفت تسريبات خاصة، حصلت(12) عليها "الجزيرة.نت"، من ضابط كبير في الحرس الجمهوري عن بعض المواقع الأكثر سرية يخبئ فيها النظام سلاحه الكيماوي، وكانت مواقعًا مختارة بعناية فائقة.


سلسلة القتلة
 

"في حين أن أسماءهم قد تكون غير مألوفة فإن وحشيتهم ذائعة الصيت، وعلى أسمائهم أن تكون كذلك"

(سامانثا باور - المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة)

 

حتى تنجح هجمة كيماوية واحدة يمر العمل من التحضير والتجهيز وحتى التنفيذ بمراحل طويلة ومعقدة، وبالكثير من الأشخاص الذين يصدرون الأوامر أو ينفذون التعليمات، وبحسب تقرير(13) مفصل للفورين بوليسي تحت عنوان "سلسلة الأسلحة الكيميائية السورية"، تتكون المنظومة المعنية بالسلاح الكيماوي السوري واستخدامه من أربعة مستويات من الرجال والمسؤوليات.


الفـزع
ينتج استخدام الأسلحة الكيميائية كلفة إنسانية بالغة ليست سهلة التحمل أو التمرير بالنسبة للمجتمع الدولي، فيما لو استخدم على نطاق واسع وبلا تبعات يمكن للسلاح الكيماوي أن يبيد مُدنًا بأكملها بلا رحمة. ففي الحرب العالمية الأولى قُتل نحو تسعين ألف شخص بالغازات الكيميائية بمختلف أنواعها، دفع(14) ذلك العالم لوضع قواعد دولية ضد الحرب الكيميائية. وفي الحرب العالمية الثانية حظرت جميع الأطراف استخدام الغازات السامة، وبعد سلسلة من المعاهدات الدولية نشأت اتفاقية الأسلحة الكيميائية عام 1997، وقعتها أغلب دول العالم ولم يكن من بينها سوريا.

 

في سوريا هناك ما تخشى منه تل أبيب تحديدًا أكثر من ذلك، فمنذ بداية الثورة السورية وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين تظل تتكرر بخصوص الخشية من نقل السلاح الكيميائي إلى "حزب الله" اللبناني، وأن «إسرائيل لن تقف متفرجة على ذلك». وفي عام 2012 صرح(15) وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك أن «إسرائيل ستدرس القيام بعمل عسكري -إذا دعت الضرورة- لضمان عدم وصول الأسلحة الكيماوية والصواريخ السورية إلى حزب الله».

 

في أوقات متكررة ومتتابعة نفذ الطيران الإسرائيلي غارات جوية على مواقع وقوافل للنظام السوري، يقول الإسرائيليون أن ذلك لتقويض قدرة النظام على نقل الأسلحة إلى حزب الله، ولتدمير سلاح النظام الاستراتيجي الذي قد يشكل خطرًا على إسرائيل. في بلادٍ تعج بالتنظيمات الجهادية والفصائل المسلحة ثمة خشية أيضًا من أن يصل شيء من هذه الأسلحة إلى إحداها، وما يمكن أن يتبع ذلك من مخاطر يصعب حدها أو السيطرة عليها بالنسبة لتل أبيب وواشنطن على الخصوص.

 

منذ انطلاق الثورة السورية أُعلنت العديد من الخطوط الحمراء تجاوزها النظام السوري بالكامل، من أشهرها كان خط أوباما الأحمر، نسبة إلى تصريحه الشهير عن أن استخدام الأسلحة الكيميائية هو تجاوز للخطوط الحمراء، وهي سمة صارت تختزل بشكل مكثف سيرة حكمه، أو ما صار يعرف بـ «عقيدة أوباما».

دافعت الإدارة الأمريكية بشدة عن قرارها باعتباره حقق الغاية من التدخل في سوريا، وهي تقويض قدرة النظام السوري على استخدام أسلحة كيميائية

رويترز


بعد مجزرة غوطة دمشق في أغسطس/آب 2013 ظهر الرئيس الأمريكي من أمام البيت الأبيض يصرح بشكل حازم: «لم أكن أفكر بالضربة العسكرية لكن الأمر تغير بعد استخدام الأسد السلاح الكيميائي»، ثم انتظر(16) أوباما قرار الكونغرس ليبدأ عملًا أمريكيًا عسكريًا، وكانت الأجواء تنذر بأن التدخل العسكري الأمريكي سيتحقق، ثم للمفارقة أنه حينها  لم يهتم باتخاذ الإجراءات لتقليل أثر الضربة المنتظرة سوى «التنظيمات الجهادية» وفصائل المعارضة المسلحة، أما النظام السوري نفسه فبشكل غير مفهوم لم يكترث بأي شيء.

 

في التاسع من سبتمبر/أيلول التالي من نفس العام وصل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى لندن في زيارة تنسيقية سريعة، وفي المؤتمر(17) الصحفي عندما باغته صحفيٌ بالسؤال عن «كيف يمكن أن يتجنب بشار الأسد الضربات الأمريكية؟»، أجاب كيري بما بدا وكأنها رسالة مبطنة وأخيرة: «من المؤكد أنه يستطيع تسليم ترسانته الكيماوية كلها إلى المجتمع الدولي خلال الأسبوع المقبل، تسليم كل شيء وبدون إبطاء. لكنه ليس مستعداً للقيام بذلك ولا يمكنه القيام به».

 

بعد ساعة ونصف من المؤتمر، تلقى(18) جون كيري اتصالًا منتظرًا من موسكو وتحديدًا من نظيره الروسي "سيرغي لافروف"، وفيه اتفق الوزيران على الدفع باتجاه التسليم، أي أن يُستبدل استهداف النظام من قبل البنتاجون بتسليمه أسلحته والانضمام لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. تم الاتفاق وتكرس لاحقًا بقرارٍ من الأمم المتحدة، ووافق عليه مجلس الأمن واستخدمه كأساس للقرار 2118 الذي اعتمد من قبل الأعضاء بالإجماع، تحت إشاراتٍ من الفصل السابع الخاص بحق التدخل العسكري في حال لو لم يتم الالتزام بالقرار، وحددت نهاية شهر يونيو/حزيران من العام التالي 2014 كموعد نهائي لتدمير الأسلحة.

 

دافعت الإدارة الأمريكية بشدة عن قرارها واتفاقها باعتباره حقق الغاية من التدخل وهي «تقويض قدرة النظام السوري على استخدام أسلحة كيميائية»، وبأقصر وقت وأقل كلفة ممكنة، وعلى اعتبار أن قرار الضربة العسكرية لم يجد تأييدًا لا من الكونغرس ولا من الشعب الأمريكي كما كشفت استطلاعات الرأي، لكن الاتفاق كان مخيبًا بشدة لآمال المعارضة المسلحة السورية. ويعتقد(19) "جاي سولمون" الصحفي في صحيفة وول ستريت أن للاتفاق الكيميائي مع سوريا صلة مباشرة بالاتفاق النووي بين إدارة أوباما وإيران، وأن أوباما اندفع إليه في إطار تقديمه تنازلات لتحقيق الاتفاق الذي تفخر به إدارته كأهم إنجازاتها الدبلوماسية، وبحسب سولمون «عندما أعلن الرئيس عن خططه لمهاجمة نظام الأسد، كانت تلك بالضبط الفترة الزمنية التي كان المفاوضون الأميركيون مجتمعين مع المفاوضين الإيرانيين سراً في عمان للوصول الى الاتفاق النووي».

 (رويترز)


اعترف
(20) النظام بأن لديه 23 موقعاً للتخزين ممتدة على أكثر من 240 ميلاً فيها 1300 طن من المواد الكيميائية، كما اعترف بوجود أكثر من 100 رأس حربي صاروخي معظمها من صواريخ سكود، وتم تكليف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ومقرها لاهاي بالإشراف على إزالة ترسانة سوريا من الأسلحة الكيماوية، ووصلت فرق التفتيش فعلًا إلى دمشق في أكتوبر/تشرين الأول عام 2013.

 

كان عمل الفرق في بيئة حرب، وتحت إشراف النظام السوري وحمايته، ولم يكن بلا معوقات ولا شروط، واقتصر دخول الفرق إلى مواقع الكيماوي التي أعلن عنها النظام بالفعل، أما غير المعلنة فكان على المفتشين تقديم(21) طلب دخول إليها مرفق مع أدلة شكوكهم، أي أن المفتشين كانوا يتحركون تبعًا لشروط النظام وكان له الصلاحية برفض تحركاتهم، وكان في الاتفاق وتنفيذه ما يكفي من المرونة للنظام للتحرك والإخفاء والخداع، لذا قال أحد المفتشين: «قرر فريق التفتيش أنه لا يستطيع إثارة غضب المضيف لأن ذلك سوف يفقدهم إمكانية الوصول إلى جميع المواقع».

 

وفي إحدى الحالات شكك المفتشون بأن النظام لديه أكثر من مجرد 20 طن من غاز الخردل هي حجم ما اعترف به رسميًا، وعندما قامت الأمم المتحدة بالضغط من أجل ذلك قال النظام أنه كان قد أتلف فعلًا مئات الأطنان من غاز الخردل قبل بدء عملية التفتيش وهو ما لم يؤكد بالأساس، ولاحقاً وبعد أشهر أُعلن عن انتهاء العملية وأنه قد تم نزع أكثر من 90% من مخزون الأسد الكيميائي المعترف به، الأمر الذي اعتبره الأمريكيون نصرًا وإنجازًا يستحق الاحتفاء العالمي.

 

الحقيقة: لا إنجاز يذكر
لا قيمة فعليًا للإعلان الأمريكي إذ لم يتغير شيء بالنسبة للسوريين، فالهجمات المتكررة والمستمرة التي كان يخوضها النظام بالسلاح الكيماوي بمختلف أنواعه ضد الثوار السوريين كانت تنبأ بشكل واضح أن النظام لم يتخلص بعد من كل ترسانته الكيميائية. وأورد(22) وفد بريطانيا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تقريرٍ له أن: «كمية الثغرات في الإعلان السوري عن حجم الأسلحة الكيميائية، وإلغاء زيارة كانت مقررة لبعثة التفتيش إلى مركز البحوث "SSRC"، والاستمرار في استخدام الأسلحة في الهجوم، تترك أسباباً جوهرية للقلق بأن سوريا احتفظت بعناصر مخزونها وهي على استعداد لاستخدامها مرة أخرى».

 

وبحسب "نضال شيخاني"، أحد مسؤولي مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا، فإن النظام لم يكتف فقط بالاحتفاظ بكميات من ترسانته الكيماوية ضمن مخابئه السرية، بل أنه ما زال يصنعها وينقلها ويوردها إلى معاركه.


أدمن النظام السوري وبلا رادع على استخدام الأسلحة الكيماوية كواحدةٍ من خياراته الفتاكة، خيار يشكل استخدامه إرباكًا سريعًا لمناطق المعارضة المسلحة لدفعها إلى السقوط، أو أنه يشكل ضغطًا على المدنيين في مناطقهم، أو يثير الرعب والذعر مما يؤثر على الروح المعنوية للمقاتلين، أو يصد هجومًا لهم يوشك على النجاح. ولم يكن هجوم الغوطة المروع عام 2013 الأول وبالطبع لم يكن الأخير، فقد بدأ(23) استخدام النظام للأسلحة الكيميائية كأداة فاعلة في حربه ضد الثوار والمدنيين في يوليو/تموز من عام الثورة السورية 2012، ومن حينها وحتى هجوم الغوطة في أغسطس/آب 2013 نفذ النظام 28 هجومًا بأسلحة كيميائية.

 

لم تردع القرارات الأممية النظام، ويوثق(24) تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان تنفيذ النظام السوري 168 هجومًا بالأسلحة الكيماوية بعد إصدار القرار 2118 في سبتمبر/أيلول عام 2013، أسوأها كان هجوم خان شيخون الأخير في أبريل/نيسان الحالي، والذي ترك حوالي 100 ضحية من المدنيين السوريين. ورغم هذا العدد الضخم من الهجمات الكيماوية الموثقة، ورغم كل القرارات الدولية والبيانات ونتائج فرق التفتيش، لم يسبق للنظام السوري أن اعترف ولا بواحدة من هجماته الكيماوية، بينما يصدر إعلامه الرسمي في كل مرة رواية غير واقعية عسيرة التصديق يحاول بها تفسير ما حدث.

 

لا أحد في الحقيقة ينتظر اعتراف النظام السوري بأي شيء، إذ أن ترسانته الكيماوية لم تعد خافية بالكلية، ولم يعد الفاعلون المسؤولون عن إحضارها وتجهيزها وإطلاقها مجهولين بأي شكل، وفي عصر كهذا توثق مئات المقاطع المصورة بجودة عالية الأطفال المختلجين وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، والمشاهد التي تعرض العائلات المكومة فوق بعضها وقد اختنقت في بيوتها أو في الملاجئ، وتوثق بيانات الأمم المتحدة وتحقيقاتها ما يحدث وتعرض كل مرة.

 

لا شك من أن خط أوباما الأحمر الذي مرر الانتهاكات الكيماوية للنظام السوري، دون «عقاب دولي رادع» كما يقضي "النظام العالمي" إن جاز القول، كان له دور بالضرورة في زيادة حجم وعدد ونطاق تلك الانتهاكات، وعلى ما يبدو فإن صواريخ(25) التوماهوك الـ 59 الشهيرة التي أطلقها ترمب على مطار الشعيرات بسوريا بعد مجزرة خان شيخون الكيميائية سنرى تأثيرها على نزوع النظام الكيماوي في غضون الفترة القادمة، فيما يبدو وكأنها فترة ترقب بين النظام والرئيس الأمريكي الجديد لمعرفة خطه الأحمر هو أيضًا.

المصادر

آخر الأخبار