انضم إلينا
اغلاق
هزيمة الشعبويين.. النصر ليس كل شيء

هزيمة الشعبويين.. النصر ليس كل شيء

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
أظهرتْ الانتخابات التي جرت مؤخرًا على جانبَي المحيط الأطلنطي أنّ الفوزَ ليس كل شيء؛ وأن الحُكم ليس سهلًا أيضًا.

 

أصبح من السهل جدًّا بالنسبة لِلّيبراليين والعَولميين أن يتنفسوا الصعداء في انتصار إيمانويل ماكرون في فرنسا. فإن فوزه يحول دون ظهور أزمة قصيرة الأجل على شروط مشاركة فرنسا في الاتحاد الأوروبي، ولكن لَطالما اكتشف الشعبويون وخصومهم أنّ النصر ليس كل شيء. عليكم أن تحكموا أيضًا.

 

يبدو الأمر غير عادل، ولكن لإنجاز شيء مّا، فإن ماكرون سوف يتعين عليه أن يفوز بالانتخابات الثالثة بعد نجاحه في الجولتين الأولَيَيْن من الانتخابات الرئاسية. وسوف تشكِّل مرحلة التصويت التي ستنعقد في أوائل شهر (يونيو/حزيران) للمقاعد التشريعية تحديًا خطيرًا لحِزبه المتألق الجديد "إلى الأمام"، الذي أَعلَن في هذا الأسبوع لائحة من المرشحين الجُدُد على الساحة السياسية. وبينما يظهر ماكرون في حاجةٍ إلى أغلبية يفوز بها، أو أي تحالف يمكن الاستفادة منه على الصعيد العملي، فإن فرصة مارين لوبان في حزب "الجبهة الوطنية" في النجاح تتضاءل أمامَ ماكرون. صحيحٌ أنه من المتوقع أن تفوز بعدد قليل من المقاعد، ولكن في ظل حيازتها على مقعدَين فقط الآن، فإن أي مكسب لهم سيكون تسارعًا في الحركة السياسية لهذا الحزب اليميني المتطرف، وهو ما من شأنه أن يقوِّيَ موقفَ الحزب للترشح في خوض الانتخابات الرئاسية المُقبلة.  

 

الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون يجتمع مع أعضاء الحكومة في قصر الإلزيه (مايو 2017) (رويترز)

 

وفي الوقت نفسه، يجب أن تنجح أفكار ماكرون الجريئة لتعميق التكامل الأوروبي في التغلب على الارتياب الألماني. تتأهب المستشارة أنجيلا ميركل لإعادة انتخابها في (سبتمبر/أيلول)، وتتقلّب حكومتها بين الموقف المبهَم وبين الاعتراض الموجَّه إلى بعض أجزاء من جدول أعمال ماكرون الاقتصادي. حتى إن وزيرة الدفاع الألمانية استغرقت وقتًا لِإعلان نقدها لأجندة ماكرون الاقتصادية قائلةً في أعقاب التصويت الفرنسي "لا يمكننا إعادة توزيع الثروة في أوروبا قبل أن ننشئها في المقام الأول"، وَفقًا لما ذكرته مجلة "ذي إيكونوميست". يواجه ماكرون موجة اقتصادية متصاعدة -ولمرةٍ واحدة تُحرز أوروبا تقدمًا في شيء-، لكنّ حفنةً من الانتصارات الانتخابية التي أحرزها بعض الوسطيين لا يغير من الحقيقة السياسية التي تقول إن معظم الإصلاح الذي يتم في أوروبا لا يحدث إلا في أعقاب الأزمات.

 

ويمكن القول إن موقف ماكرون يعتبر أكثر حظًّا في ظل غياب وسائل الإعلام الوطنية القوية في فرنسا. فقد كانت تغطية الهجوم الإلكتروني على حملة ماكرون الانتخابية رقيقةً في فرنسا، ومدفوعةً إلى حدٍّ كبير بالأصوات اليمينية في الولايات المتحدة. أما لوبان، التي تُدير حسابًا يعتبر أكثر الحسابات ملَلًا على تويتر لأي زعيم قومي، فإنها كانت تُطالع وصايا "خِيرْت فيلدرز" السياسي الهولندي، بحثًا عن نصائح. وعلى الرغم من خدمة فيلدرز في البرلمان لما يقارب العقدَين من الزمان، فإنه لا يزال يضع نفسَه في موضع الغريب المحبوب، وساعده في ذلك استغلاله العدواني لوسائل الإعلام الحديثة. وبإمكانه أن يستخدم قاعدته في هولندا لضرب ميركل في عُقر دارها في ألمانيا وأن يتعاون مع متطرفي الفِكر مثلِه، كمُمثِّل ولاية آيوا: ستيف كينغ. ويعني النظام السياسي الهولندي المجزَّأ أن الأحزاب الأخرى يمكن أن تشكل حكومة بدونه، ولكن القيام بذلك ليس بالأمر اليسير. قال مارك روت، رئيس الوزراء المؤقت الذي أشاد بفوزه على فيلدرز في شهر (مارس/آذار) لكنه لم يُشكِّل أي حكومة بعدُ "ما زلنا نعاني يومًا بعد يوم".

 

لم يكن الفوز لقمة سائغة في فَمِ الشعبويين. انتهج حزب سيريزا اليوناني المتطرف نهجًا رفضوا فيه التقشف الذي فرضه الدائنون حتى تمكنوا من الانتصار السياسي في عام 2012. لكن الحُكم وإدارة البلاد أخضع هذا النهج للاختبار. وكما كتب ستاثيس كاليفاس، فإن قرار رئيس الوزراء ألكسيس تسبيراس بالتأكيد على رفضه لبنود الدائنين في عام 2015، عندما كان يعلم أنه سيتعين عليه قبولها على أي حال، كلف بلده المليارات. تمكن تسبيراس من التمسك بالسلطة، إلا أن إدارته الفوضوية سمحت بتمهيد الطريق لكيرياكوس ميتسوتاكيس منافسِه الجديد القوي، وأنه وحزَبه التقليدي "الديمقراطية الجديدة" يتمتعان بوضع جيد لتولي السلطة في المرة القادمة التي يتعثر فيها تسبيراس.

 

بالرغم من أنها ليست معروفة بأنها شعبوية، لكن تيريزا ماي  استطاعت احتواء مثيري القلاقل بحُبها وشغفها بالخطابة الواضحة والعاطفية

رويترز
 

وثمة موضوع يربط بين كل من سيريزا وماكرون، وهو الحاجة إلى ما يدعوه المؤرخ تيموثي غارتون آش: التبسيط، والسرد العاطفي. وهذا هو السبيل الوحيد لخفض حِدة الضوضاء في عصر وسائل الإعلام المجزأة. لكنّ لها حدودًا تُظهرُها أيضًا. فكانت الرسالة التي ضمت ثلثي الناخبين الفرنسيين خلف ماكرون هي معارضة حزب الجبهة الوطنية، وهو سرد قوي لدرجة أن السفير الفرنسي في واشنطن وصل إلى الإذاعة لمقارنة انتصار لوبان مع الممالأة التي وقعت في عهد حكومة فيشي. لكن ماكرون يحتاج إلى رسالة جديدة للانتخابات التشريعية؛ والدعوة إلى التكامل الأوروبي لا توفر القدر الكافي من الاتحاد خلفها. ولمّا كانت لوبان تحب تذكيرَ كلّ مَن يسمع، فإن فرنسا صوتت ضد دستور الاتحاد الأوروبي في عام 2005.

 

أما القائد الذي قبِل هذا التحدي وكان على اضطلاع به فهو تيريزا ماي في بريطانيا. ليست معروفة بأنها شعبوية، لكنها برغم ذلك استطاعت احتواء مثيري القلاقل بحُبها وشغفها بالخطابة الواضحة والعاطفية. بل إنها اتهمت الاتحاد الأوروبي بالتدخل في انتخابها، وكان من الذكاء أنْ جعلها هذا الأمر خارج نادي الاتحاد الذي تعهدت بالخروج منه. وتقول ردًّا على ذلك إن انتصار ماكرون يتطلب تفويضًا قويًّا لها. وأضافت "أن كل تصويت لصالحي ولصالح فريقي سوف يعزز من قدرتي في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي". ناهيك عن أن انتصار لوبان كان سيكون أسوأ بكثير لتيريزا ماي، عبر إضرام النيران في المبنى الأوروبي بينما تحاول ماي التوجه بهدوء نحو المخرج منه.

 

وما يمثل صعوبةً لِمَاي سيكون ضمان ألا تكون هذه اللحظة بعد توقيع المادة 50 لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وقبل استجلاء نتائج هذا الأمر، هي قمة حياتها السياسية. استهلك حزب المحافظين الحيوية السياسية لحزب استقلال المملكة المتحدة وأصبحوا يواجهون فراغًا من حزب العمال البريطاني. ولكن، كما تَكشَّف الأمرُ في اليونان مع تنشيط حزب الديمقراطية الجديدة، فإن حزب العمال عاجلًا أم آجلًا سيحظى بفرصة للتخلي عن قيادته الفاشلة؛ وعندما يفعل ذلك، فمن المرجح أن يواجه تشكيل حكومة ويصبح محتاجًا إلى رسالة جديدة لشرح لماذا تبقى الآمال معقودة عليهم. تشبه استراتيجية ماي السياسية حربًا أبدية مع بروكسل، ولكن، مع خروج المملكة المتحدة من المنطقة التجارية في أوروبا وضرورة عقد اتفاقية أخرى على عودتها، فإن هذه المعركة يمكن أن تجلب عواقب اقتصادية حقيقية للمصوِّتين لِمَاي. وسيترك ذلك ثغرةً واسعةً للمعارضة لمحاولة إعادة كتابة قصة بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

 

دونالد ترمب يتحدث إلى أعضاء النادي الاقتصادي في نيويورك (رويترز)

 

وعلى صعيد الولايات المتحدة أيضًا، فإن القوميين الاقتصاديين في كفاحٍ مع السلطة. لم تتحول قصة دونالد ترمب الانتخابية حول ضحايا سياسات المؤسسات الحاكمة إلى رؤية إيجابية للإصلاحات الاقتصادية التي يسعى الكونغرس إلى سَنها. وبصفته قائدًا سياسيًّا، لم يكن ترمب قادرًا أو راغبًا في فرض النظام على تلك الفوضى التشريعية، وعندما يتعلق الأمر بالرعاية الصحية فإن المشكلة تتجلّى أيَّما تَجَلٍّ. وإذا كان هناك أي تهديد حقيقي لترمب الآن، فسيكون من مناطق الكونغرس العميقة الحمراء التي تتحول ضده؛ لأن سنوات وعود ممثليهم بإبطال قانون الرعاية الصحية الأميركي "أوباما كير" فشِلت عند لحظة سيطرة الجمهوريين على الرئاسة. وإذا حدث ذلك، فإن الحزب سينقسم فيما يتعلق بسردية الإيذاء الاقتصادي.

 

وتشير الاحتمالات إلى أن نقطة البيانات التالية في التجربة السياسية الحية المتعلقة بالشعبوية ستكون في إيطاليا على الأغلب. يود الزعيم اليساري ماتيو رينزي تكرار تجربة تيريزا ماي والانتقال من رئيس الوزراء غير المنتخب إلى المنتخب. لكنه تعثر على طول الطريق. فبينما شغل مقعد رئيس الوزراء، الذي انتزعه من زعيم حزب سابق، حاول إصلاح قوانين الانتخابات الإيطالية ولكنه فشِل، مما دفعه إلى التنحي. ومثله مِثل ماكرون، كان يبلغ من العمر 39 عامًا عندما تولى القيادة في عام 2014، ولكن الآن، بينما هو يخطط للعودة إلى السلطة، فإن محاولاته المستندة إلى كونه وجهًا جديد قد أخذت في الأفول.

 

وفي الوقت نفسه، اكتسبت "حركة النجوم الخمسة" المناهِضة للمؤسسات الحاكمة قوةً سياسية، وسيصبح بإمكانها منافسة حزب رينزي على أصوات الانتخابات إن انعقدت الانتخابات في وقت قريب. وتعتبر حركة النجوم الخمسة تجسيدًا للاتجاهات الشعبوية الحديثة. إذ تبنّوْا أخبارًا مزيفة، وخلقوا آلة إعلامية لاختيار ما ينفعهم. لن يسعى زعيم الحركة، الكوميدي السابق بيبي جريللو، شخصيًّا إلى أن يصبح رئيسًا للوزراء، ولكنه سيتحكم في الحكومة من وراء الكواليس. وقد شكك أنصارُه في النظام الأوروبي وأيدوا سياسة الحِمائية.

 

والسؤال البديهي هو: بعد سحق المؤسسات التي تكبَّد بِناءَها أمثالُ ماكرون وميركل بحُبٍّ شديد، ماذا سيأتي بعد ذلك؟ والجواب سيكون اقتباسًا من دونالد ترمب "كنت أعتقد أن الأمر سيكون أسهل".

 

=================================

 

التقرير مترجم عن: هذا الرابط

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار