انضم إلينا
اغلاق
ما هي الأصلانيّة؟.. عن ترمب ورُهاب الأجانب بأميركا

ما هي الأصلانيّة؟.. عن ترمب ورُهاب الأجانب بأميركا

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

هذه مقالة ممتازة، تناقش مصطلح "الأصلانيّة" باعتباره مفهوماً أمريكيّاً، يمكننا من خلاله فهم سياسات ترمب التي تعادي الأجانب وتكرههم. وترتكز المقالة إلى تحليلات بصيرة وعالمة لعلماء سياسة أمريكيين معادين للترمبويّة وكيف نفسّر هذا الصعود الغريب لليمين الشعبوي وعلاقة ذلك بالتركيز على مسألة الهجرة والمهاجرين، وكرههم.

 

نص المادة

لكي تفهم الأفكار التي تشكِّل إدارة ترمب، يتوجّب عليك أن تفهم الشعبويّة والسّلطويّة والأصلانيّة (Nativism)؛ وذلك لأنّ دونالد ترمب "يلقي النيران على هذه الأسطوانات الثلاث". والحال أنّني سبقَ وأن سبرتُ تعريفات الشعبويّة والسّلطويّة. لكن ما هي الأصلانيّة؟ كيف تختلف عن "القومويّة" (nationalism) و"الوطنويّة" (patriotism -وهي الكلمات التي يستعملُها الأصلانيّون عادةً لتوصيف أيديولوجيّتهم؟ وهل ترمب، الرّجل أمرَ فقط بضربات جويّة ضدّ زعيم أجنبيّ بسبب هجومه على شعبه في دولة أجنبيّة، أصلانيٌّ حقّاً؟ ولماذا تحمل الأصلانيّة مثل هذه الارتباطات السّلبيّة، عندما يبدو أنّها تثير أسئلة مشروعة حول حقوق الأصلانيين في مقابل غير الأصلانيين (non-natives)؟

 

ما هي الأصلانيّة؟

هناكَ سببٌ ما في ظهور كلمة "الأصلانيّة" في وسائل الإعلام الأمريكيّة وليس في أي مكانٍ آخر؛ إذ بحسب كاس مودي، الأستاذ المساعد في جامعة جورجيا، فإنّ الأصلانيّة هي مفهوم أمريكيّ حصرا نادرا ما تتمّ مناقشته في أوروبّا الغربيّة. وتعود أصول المصطلح إلى حركات منتصف القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة -وأشهرها على الإطلاق حزب لا أدري (Know Nothing party) - التي صوّرت الهجرة الكاثوليكيّة من بلدان مثل ألمانيا وأيرلندا باعتبارها تهديدا خطيرا على الأمريكيين البروتستانت الأصلانيين. (ناهيك عن أنّ "الأصلانيين" البروتستانت كانوا أنفسهم مهاجرين وفقا لسكّان أصلانيين آخرين). إذن، فقد نشأت الأصلانيّة في مكان طبيعيّ؛ أي في أمّة شُيِّدت من خلال حركات الهجرة والردود الارتجاعيّة عليها، حيث معنى "الأصلانيّ" يتطوّر طوال الوقت.

 

يُسمّي العالم السياسي إريك كوفمان الأصلانيّة بأنّها مصطلح "فظّ" ويفضّل استعمال شيء آخر أكثر دقّة، ألا وهو "القوميّة الإثنيّة-الأكثرويّة

مواقع التواصل
 

يميل الأوروبيّين للحديث عن "القوميّة المتطرّفة" أو "رهاب الأجانب" أو العنصريّة بدلا من الأصلانيّة، كما يقول كاس مودي، هولنديّ الأصل. لكنّ هذه اللغة، برأيه، لا تلتقطُ الظاهرةَ تماما، والتي "ليست مجرّد تحيّز [ضدّ] غير الأصلانيين فحسب"، وإنّما أيضا "رؤية حول كيف يجب أن تُبنى الدولة".

 

عادةً ما يقضي الأصلانيّون وقتا أكبر في تعريف الـ"هُم" (أي غير الأصلانيين) من الـ"نحن" (أي الأصلانيين)، لأنّ الـ"نحن" الأكثر تحديداً تثير أسئلة شائكة حول الهويّة القوميّة

وأضاف بأنّ "الأصلانيّة هي قوميّة قائمة على رهاب الأجانب". فهي "أيديولوجيا تريد تحقيق التماهي بين الدّولة والأمّة -أي تحقيق الوحدة السياسيّة والثقافيّة. وتريد دولةً واحدة لكلّ أمّة وأمّة واحدة لكلّ دولة. وتنظرُ إلى غير الأصلانيين كافّة.. على أنّهم مصدرُ تهديد. لكن غير الأصلانيين ليسوا أناسا فحسب؛ بل قد يكونوا أفكارا أيضا". والأصلانيّة هي الأكثر جاذبيّةً على مدار العقود التي شعر فيها الناس بأنّ الانسجام بين الدّولة والأمّة يتلاشى.

 

ويُسمّي إريك كوفمان، العالم السياسيّ في كليّة بيركبيك بجامعة لندن، الأصلانيّة بأنّها مصطلح "فظّ" ويفضّل استعمال شيء آخر أكثر دقّة، ألا وهو "القوميّة الإثنيّة-الأكثرويّة"، والذي ينطبق على الناس الذي يعتبرون أنفسهم أصلانيين أو مستوطنين لدولةٍ ما ويريدون أن يحموا "سيطرتهم الديموغرافيّة في هذا الإقليم".

 

تهتمّ بعض أنواع القوميّة بالأيديولوجيا (أميركا كقائدة للعالم الحرّ) أو بالحالة (أميركا باعتبارها الدّولة الأكثر قوّة في العالم). لكنّ القوميّة الإثنيّة "تهتّم بصورة أقلّ بالوصول إلى القمر وأن تكون الأولى"، كما قال كوفمان. فهي "قوميّة تقوم على الحدود".

 

وأضاف مودي بأنّه عادةً ما يقضي الأصلانيّون وقتا أكبر في تعريف الـ"هُم" (أي غير الأصلانيين) من الـ"نحن" (أي الأصلانيين)، لأنّ الـ"نحن" الأكثر تحديداً تثير أسئلة شائكة حول الهويّة القوميّة وتستبعد قطاعات من السّكان الذين قد يدعمون بوجه آخر السياسيّ الأصلانيّ. وغالباً ما يُصوَّر الأصلانيّ على أنّه الضدّ غير المتكلّم للآخر؛ فـ"الآخر هو البربريّ، مما يجعلك حديثاً. والآخر كسول، مما يجعلك ناشطاً. والآخر مارقٌ، مما يجعلك تخشى الله".

 

تضع إيفارسفلاتن القوميّة في التصنيف الأوسع للشعبويّة اليمينيّة، وهي أيديولوجيا تقوم على تمثيل "الشعب الفاضل" ضد "النخبة الفاسدة"

فليكر
 

قبل فترة طويلة من تبنّي ترمب شعار "أميركا أولا"، علّمت إليزابيث إيفارسفلاتن طلابها في جامعة بيرغن في النرويج أن يفكّروا في السياسيين الأصلانيين باعتبارهم "حزب بلدي الأول"؛ حيث يجب على جميع القادة السياسيين -نظريا- وضع مصالح بلادهم في المقام الأوّل. لكنّ الأصلانيّة تتجاوز هذا المنطق. فـ"الفكرة القائلة إنّ هذه الأحزاب تشتغلُ بجدّ هي -في واقع الأمر- أنّ هناك تشديداً كبيراً يُجرى وضعه بشأن تدويل واستيعاب الناس الذين يريدون الدخول إلى البلد"، ولكنهم ليسوا منها بالأصل، كما قالت إيفارسفلاتين. وسواء انطوت الأصلانيّة على معارضة الاتحاد الأوروبيّ لأن الألمان عليهم إنقاذ الإغريق، أو معارضة التعدديّة الثقافيّة لأنّها تعني القبول بأشكال من اللباس الإسلاميّ، فإن الفكرة هي أن "هناك سكاناً أصلانيين أو ثقافة أصلانية يجب أن تُعطى الأولوية على أنواع أخرى من الثقافات".

 

تضع إيفارسفلاتن القوميّة في التصنيف الأوسع للشعبويّة اليمينيّة، وهي أيديولوجيا تقوم على تمثيل "الشعب الفاضل" ضد "النخبة الفاسدة". وقد وجدت إيفارسفلاتن أن لدى جميع الأحزاب الشعبية اليمينية التي أدت بشكل جيد في انتخابات أوروبا الغربية في بواكير الألفيّة شيءٌ مشترك، وهو استغلال شكاوى الناس من الهجرة. أما المظالم الأخرى -المتعلقة بالاتحاد الأوروبي والسياسة الاقتصادية وحالة الاقتصاد أو النخبوية السياسية والفساد- فلم تؤد إلى نجاح هذه الأحزاب على نحو متّسق أو قوي كما فعلت قضايا الهجرة. وكتبت إيفارسفلاتن آنذاك بأنّه "في الوقت الذي تصبح فيه أولويّات سياسة الهجرة أكثر تقييداً، تزداد احتماليّة التصويت لليمين الشعبويّ بشكل كبير".

 

هل دونالد ترمب أصلانيّ؟

يحاجج مودي أنّ الأصلانيّة كانت إحدى السمات الأولى لـ"الأيديولوجيا الأساسيّة" لترمب بوصفه مرشحا للرئاسة، على الرغم من أنه يعترف بأن ترمب ليس أيديولوجيّا متّسقا. (يعتقد مودى أنّ ترمب تبنّى الشعبويّة مؤخرا، تحت تأثير كبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض ستيف بانون).

 

الناس الذين يشعرون أنهم قد أصبحوا مشوشين ثقافياً"، وليس الناس الذين يشعرون بالجزع من فقدان الهيبة الأمريكيّة في الخارج

رويترز
 

وسرعان ما علم ترمب أنّ الأصلانيّة كانت شعبويّة؛ إذ أشار مودي إلى أنّ خطب حملة ترمب كانت مملة فى البداية -مع استطرادات طويلة حول صفقاته العقارية-، ولكن هذه الحشود اندلعت بتصفيقٍ عندما تحدّث عن بناء جدار حدوديّ مع المكسيك، أو عن منع الإرهابيين الإسلاميين الراديكاليين من دخول البلاد.

 

وأضافَ مودى أنه يمكن وصف العديد من كبار المسؤولين فى إدارة ترمب، بمن فيهم بانون والنائب العام جيف سيسيونس، بأنهم أصلانيّون. كما إنّ عدداً من سياسات الإدارة المبكّرة، بما فى ذلك حظر السفر، وإنشاء مكتب يركّز على الجرائم التي ارتكبها المهاجرين الذين لا جنسيّة لهم، يمكن أن تكون أصلانيّة كذلك.

 

أحد الأسباب التي جعلت رئاسة دونالد ترمب بالغة الأهمية هي أنّها إذا كان أصلانيّاً في الواقع، فسيكون واحداً من أول من يصعد إلى السلطة في الغرب منذ عام 1980

ومجيبا على سؤال عما إذا كان ترمب مؤهلًا كأصلانيّ، ركّز كوفمان على أنصار ترمب، بدلًا من الرجل نفسه. وأشار إلى أنّ الأمريكيين الذين يشعرون بالقلق حيال المهاجرين الذين يهدّدون القيم الأمريكية ويقوضون الأغلبيّة البيضاء فى الولايات المتحدة من المحتمل أن يدعموا بحماس ترمب أثناء الحملة. ويفسّر كوفمان قوميّة ترمب بالقول إنه"جعل أميركا العظمى مرة أخرى" باعتبارها أقل من إعادة تأكيد القوة الأمريكيّة في العالم من كونها "تدور حول استعادة نوع من الخصوصيّة الثقافيّة والهويّة". برأي كوفمان، فإنّ أنصار ترمب الأساسيين هم "الناس الذين يشعرون أنهم قد أصبحوا مشوشين ثقافياً"، وليس الناس الذين يشعرون بالجزع من فقدان الهيبة الأمريكيّة في الخارج.

 

بيد أنّ ترمب هو زعيم للحزب الجمهوري، وليس لبعض الأحزاب الصغيرة، على النمط الأوروبي، كما أشارت إيفارسفلاتن. "إنه لا يستطيع إعادة اختراع الأيديولوجيا الجمهوريّة كلّها عبر عدسة أصلانيّة". كما اقترحت أنّ ترمب ليس مجرّد أيديولوجيّ كقماشةٍ فارغة يقوم الآخرون بتخطيط مشاريعهم عليها. ويبدو أن قرار الرئيس بقصف الجيش السوريّ لاستخدامه الأسلحة الكيميائيّة ضد المدنيين، على سبيل المثال، يمثّل انتصاراً للدولانيين الجمهوريين التقليديين على جناح البانونت -أي أنصار ستيف بانون - مـ، في إدارة ترمب، على الرغم من أن الانتصار قد يكون مؤقتاً. وأيضاً من الصعب أن نضع ترمب الأصلاني الأول في أميركا مع ترمب رجل الأعمال الذي يجوب العالم.

 

وأردفت إيفارسفلاتن "ليس لدي أية فكرة عما هي العدسة الايديولوجية لدونالد ترمب فعلاً"؛ فـ"أخبرني أنت".

 

ماذا لو كان ترمب أصلانيا؟



أحد الأسباب التي جعلت رئاسة دونالد ترمب بالغة الأهمية هي أنّها إذا كان أصلانيّاً في الواقع، فسيكون واحداً من أول من يصعد إلى السلطة في الغرب منذ عام 1980. ففي ورقة نُشرت عام 2012 عن الأصلانيّة في أوروبا وأميركا الشمالية، لاحظ مودي أنّه في الحالات النادرة التي كانت فيها الأحزاب الأصلانيّة جزءاً من الحكومة -في بلدان أوروبية مثل النمسا وإيطاليا وسويسرا- فإنّها لعبت دوراً هاماً في إدخال القيود على سياسات الهجرة. لكن القصة كانت مختلفة في الولايات المتحدة وكندا.

 

كتب مودي آنذاك بأنّه "في الولايات المتحدة، كان للفاعلين الأصلانيين تأثيرٌ غير مباشر على السياسة في أحسن الأحوال، لأن الأصوات الأصلانيّة داخل الحزب الجمهوريّ، على سبيل المثال، لم تجعلها في مناصب بارزة في الحكومة". ولاحظ مودي بأنّ أميركا أتت إلى امتلاك حزب أصلانيّ حيويّ، وكانت مع حزب الاصلاح لِبات بوكانان فى انتخابات الرئاسة عام 2000. (شعار بوكانان؟ "أميركا أولا!").

 

تدفقات هجرة اليد العاملة إلى أوروبا الغربية زادت في السنوات التي سبقت الأزمة النفطية في عام 1973، ولكن الهجرة لم تكن مُسّيسة هناك حتى الثمانينّيات والتسعينيّات

والأصلانيّة الآن، المتخيّلة في الولايات المتحدة والمُعاد إحياؤها في أوروبّا، تعود إلى موطنها الأصلانيّ بقوّة.

 

يقول مودى بأن "الأصلانيّة هي السمة الأساسية لليمين الراديكاليّ اليوم، والأبعاد الأيديولوجيّة الأخرى للسياسيين المعاصرين اليمنيين العنصريين - مثل الشعبويّة والسلطويّة- تميل إلى المرور عبر مصفاة أصلانيّة. ومن حيث الشعبويّة، قال مودي إنّ "النخبة تعتبر فاسدة لأنّها تعمل لصالح غير الأصلانيين أو تقوض الجماعة الأصلانيّة". ومن حيث السّلطويّة التي تؤكد على إنفاذ القانون والنظام، فإنّ "الجريمة ترتبط دائماً بالغرباء تقريباً". وفي حين أنّ الحركات الأصلانيّة قد دأبت على القول إنّ المهاجرين يشكلون تهديداً متعدد الأوجه للثقافة والأمن والرفاه الاقتصاديّ للسكان الأصلانيين، كما كتب مودي في ورقته الصادر عام 2012، في فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، فإن التهديدات الثقافيّة والأمنيّة أصبحت متشابكة مع الدين. ويلاحظ بأنّه "ينظر إلى المهاجر بشكل متزايد على أنه مسلمٌ، وليس على أنّه تركيّ أو مغربيّ".

 

وتشير بعض الدراسات إلى أنّه مع ارتفاع مستويات الهجرة إلى بلد ما، فكذلك يرتفع دعم سياسيي اليمين الراديكاليّ الأصلانيين. لكن مودي يدعي أنّ العلاقة أكثر تعقيداً من ذلك؛ إذ ليس كافياً بالنسبة إلى رُتب المولودين في الخارج في أمّة ما أن يتضخّموا. فالهجرة يجب أن تتحول إلى إشكاليّة سياسيّة. ويجب أن تكون مرئية لجزء كبير من السكان. وأشار إلى أنّ تدفقات هجرة اليد العاملة إلى أوروبا الغربية زادت في السنوات التي سبقت الأزمة النفطية في عام 1973، ولكن الهجرة لم تكن مُسّيسة هناك حتى الثمانينّيات والتسعينيّات؛ فعندما توافد ملتمسو اللجوء إلى المنطقة، وبدأت الجهود في إدماج المهاجرين، وأطفالهم، في المجتمع وسوق العمل المتقلّبة، وبدأت الأحزاب اليمينيّة المتطرفة مثل الجبهة الوطنيّة في فرنسا تحقّق النجاح السياسيّ.

 

الحجةّ القائلة بأنّ الحدود يجب السيطرة عليها" يجب ألّا تكون مثيرة للجدل، "وإنّها بالتأكيد ليست غير ديمقراطية

رويترز
 

وصعدَ ترمب، من جانبه، إلى السلطة في الوقت الذي كان يغادر فيه المزيد من المهاجرين المكسيكيين بعدد أكثر من الواصلين إلى الولايات المتحدة، وعندما كان عدد المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة ثابتاً. ويقول مودي "هذا لا يعني أن ترمب [جعل] الناس كارهين للأجانب أو أصلانيين". إذ إنّ "جزءاً كبيراً من السكان في كل مكان في العالم أصلانيّون". ولكن تصويت هؤلاء الناس قد يكون ارتكز في الانتخابات السابقة على قضايا أخرى. وعندما يتمكّن السياسيّ من تحويل النقاش إلى مسائل تتعلق بالأمن والهجرة، فإنه يمكن له تغيير اتجاهات الناس في التصويت.

 

إنّ الأصلانيين، مثلهم مثل الشعبويين، "يثيرون بعض الأسئلة الهامة"، كما قال مودي "وإن الحجةّ القائلة بأنّ الحدود يجب السيطرة عليها" يجب ألّا تكون مثيرة للجدل، "وإنّها بالتأكيد ليست غير ديمقراطية. إنه حقّ ديمقراطيّ لدولة ما وسكانها في أنْ يقرّروا مَن يستطيعون المجيء [إلى البلد] وتحت أيّ ظروف".

 

لكنّ الأصلانيين، مثل الشعبويين، يقدّمون إجابات ذات "إشكالية كبيرة"، وفقا لمودي. فـ"الشعبوية ترى الناس كتلة واحدة ونقيّة. وترى الأصلانيّة أنّ الشعب واحد بالمعنى الثقافيّ والعرقيّ والمُعطى سلفاً. هذه الأمة غير موجودة. فالأمة تتغيّر فعليّاً على أساس يوميّ. وهذه الرؤية الفريدة تهدّد عنصراً أساسياً من الديمقراطيات الليبرالية مثل الولايات المتحدة؛ أي التعدديّة التي تؤكد أنّ المجتمع يتألّف من مجموعات مختلفة ذات مصالح مختلفة يجب اعتبارها جميعاً شرعيّة.

 

إلّا أنّ ما هو شرعيّ أيضاً، وفقاً لكوفمان، هو أن يحاول الناس تعزيز ثقافة جماعتهم العرقية وحصتها من السكان، طالما أنها مفتوحة لعمليات مثل الاستيعاب والزواج البينيّ. ويشير إلى التباين الذي أثاره شادي حميد، الباحث في بروكنجز، بين العنصريّة والمصلحة العرقية. وأردف كوفمان "هناك فرق مهمّ بين كُره المجموعات الأخرى، ومعاملتها بشكل سيئ، أو البحث عن نوع من النقاء العرقيّ، وكل ذلك سيكون خطراً، والأشياء التي أعتقد أنكم ستدعونها بالعنصرية، وبين المصلحة الذاتيّة العرقيّة، والتي يمكن أن تكون مجرّد محاولة للحفاظ على حيويّة جماعتك وحتى ربما السعي لئلا تزول جماعتك"، وأضاف "إذا شعرت الأغلبيّة بأنها لا تستطيع التعبير عن هذه الآراء دون أن تكون متفرقة كعنصريّة، فلست متأكداً من أنّها حالة جيّدة".

 

يعتقد كوفمان أنّ هذا الخطاب عن التعدديّة الثقافيّة هو، في جزء منه، مسؤول عن مبالغة الناس في تقدير حجم سكّان الأقليّات في بلادهم

رويترز
 

وأشار كوفمان إلى استطلاع الرأي الذي ساعده على إظهار أنّ 73٪ من ناخبي هيلاري كلينتون البيض يقولون إن الأمريكيّ الأبيض الذي يريد خفض الهجرة للحفاظ على نصيب مجموعته من السكّان هو عنصريّ، في حين يتفق 11٪ مع ذلك من الناخبين البيض لِترمب. (وقد لوحظ وجود فرق مماثل، ولكن ضيق، بين الناخبين البريطانيين لـ"ابقَ" و"اتُرك" في استفتاء المملكة المتحدة الأخير على الاتحاد الأوروبيّ). وأضاف كوفمان بأنّ "هناك تعريفاً أوسع بكثير للعنصريّة بين ناخبي كلينتون وتعريفاً أضيقَ بكثير بين ناخبي ترمب".

 

تكتسب الأصلانيّة حاليا زخما في العالم الغربيّ؛ وذلك لأنّ الأغلبية الإثنيّة تتعرض لضغوط ديمغرافيّة. كما تنخفض معدّلات الخصوبة، ممّا يخلق حاجة إلى الهجرة في المجتمعات الشائخة. (وهذه هي الديناميكية التي أشار إليها عضو الكونغرس الجمهوريّ ستيف كينغ مؤخراً في تغريدته المشينة على نطاق واسع بأنّ "الثقافة والديموغرافيا هي مصيرُنا" وأنه "لا يمكننا استعادة حضارتنا مع أطفال أشخاص آخرين"). وأخبرني كوفمان بأنّ رسالة القادة السياسيين في كثير من الأحيان هي "إذا ما كنتَ تشكّل الأغلبية، فأنت نوع من أنواع من الماضي.  وعليك أن تتبنّى التنوع. لكن المُستتر لذلك هو، إنك تتقلّص".

 

إن كان يريدُ السياسيّون التخفيف من فتنة الأصلانيّة، يقول كوفمان، فإنّهم بحاجة إلى تسليط الضوء على نجاحات الاستيعاب - علامات الاستمراريّة وليس مجرّد التغيير- وتخفيف لهجة الحديث عن التنوع (إذ يعتقد كوفمان أنّ هذا الخطاب عن التعدديّة الثقافيّة هو، في جزء منه، مسؤول عن مبالغة الناس في تقدير حجم سكّان الأقليّات في بلادهم). وهم بحاجةٍ إلى طمأنة الأغلبية الإثنيّة بأن لديهم مستقبلَهم، وأن يقدّموا رؤية لما قد يبدو عليه المستقبلُ.

 

السؤال الأساسيّ الذي يطرحه صعودُ الأصلانيّة في وقت الاضطرابات الديموغرافيّة، هو "ما هو مستقبل جماعات الأكثريّة العرقيّة في الغرب؟

رويترز
 

لقد اعتادَ قادةُ الديمقراطيّات الليبراليّة على مناقشة حقوق الأقليّات، وليس حقوق الأكثريّات. لكنهم مجبرون الآن على إعادة التفكير في ذلك النهج. وقد كتب مودي في 2012، "تناقش الدول من بلجيكا إلى النرويج ومن إسبانيا إلى الدنمارك ما هي حقوق وواجبات السكان المُضيفين والمُهاجرين، مع التركيز المتزايد على واجبات المهاجرين".

 

وقال كوفمان "إذا كانت الحكومة تحكم حصراً نيابة عن الأكثرية العرقيّة ... فإنّ هذا إشكالي". "لكن هذا لا يعني أن شؤون الأكثرية العرقية ليس لها قيمة ... [يقول العديد من الليبراليين]، ' لقد امتلكت الأكثرية العرقية الدولة، وبالتالي يمكننا فقط أن نركز على حقوق الأكثرية العرقيّة. لكن إذا كانت الدولة تعرّف نفسها كدولة محايدة وليبراليّة مدنيّة، فإنها ليست بحق دولة للأكثرية العرقيّة. [لا يزال أعضاء الأكثريّة العرقيّة] لديهم اهتمامات ثقافيّة وديموغرافيّة. فإذا لم يتم تمثيل هؤلاء، فإنك قد ترى حينها هذه الحركة تجاه الشعبويّة".

 

وحسب كوفمان، فإن السؤال الأساسيّ الذي يطرحه صعودُ الأصلانيّة في وقت الاضطرابات الديموغرافيّة، هو "ما هو مستقبل جماعات الأكثريّة العرقيّة في الغرب؟". ويكمل قائلاً بأنّه ليس سؤال "مَن نحن كدولة قوميّة؟". كما أنه ليس ماذا يعني أن تكون بريطانياً أو أمريكيّاً؟ إنه ماذا يعني أن تكون بريطانياً أبيضَ أو أمريكيّاً أبيض.
 

----------------------------------------------------------------------------------------------

المادة مترجمة من: الرابط التالي

تقارير متصدرة


آخر الأخبار