انضم إلينا
اغلاق
ما بعد الشيوعية.. الإصلاحات التي تغير وجه كوبا

ما بعد الشيوعية.. الإصلاحات التي تغير وجه كوبا

نور مراد

مترجمة
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
كتبت هذه المقالة في العام 2013، لذا فهي تتناول فترة ما قبل الانفتاح والزيارة التاريخية للرئيس السابق باراك أوباما لكوبا، فهي تدرس ملامح الإصلاح والتغيير التي ارتأت القيادة الكوبية ضرورتها في تلك المرحلة، كما تتناول قانون الهجرة الجديد والذي يشكل نقطة بارزة في انفتاح السياسة الكوبية، وأخيرا تستعرض السياسات الأميركية للتعامل مع كوبا وبداية ظهور المؤشرات إلى إمكانية التواصل والانفتاح من ثم سيناريوهات المشهد والتعامل الأميركي معها. 
 
نص التقرير
للوهلة الأولى، تبدو الهياكل السياسية والاقتصادية في كوبا راسخة ومتينة مثل سيارات منتصف القرن الماضي الأميركية التي لا تزال تجوب شوارعها؛ فالحزب الشيوعي باقٍ في السلطة، والدولة تهيمن على الاقتصاد، والجِداريّات التي تُصوِّر وجه الثائر المفارق للحياة منذ عقود "تشي جيفارا" ما برحت تظهر على جدران المدينة. وعلى الرغم من أن التوقعات التي تنبأت بمرور الجزيرة بتحول سريع على خُطى الصين أو فيتنام، ناهيك عن الكتلة السوفيتية السابقة، قد أثبتت خطأها مرارًا؛ إلا أن كوبا تبدو اليوم مختلفة عما كانت عليه منذ عشرة أو عشرين عامًا مضت، أو حتى عما كانت عليه بالأمس القريب في عام 2006 حين أجبرَ المرضُ المتفاقم رئيسَ البلاد العتيق -الراحل- "فيدل كاسترو" على التنحي جانبًا. وبعيدًا عن حرثها البحر طيلة سنوات؛ فقد ولجت كوبا إلى مرحلة جديدة، بملامح تستعصي على التصنيف السهل أو المقارنة بتحولات في مناطق أخرى.

 

وقبل ثلاث سنوات، أثار الرئيس -الراحل- "كاسترو" عاصفة إعلامية بتصريحه الساخر لصحفي أمريكي بأن "النموذج الكوبي لم يعد يصلح حتى لنا بعد الآن". واعتناقًا لهذا الموقف بشكل ضمني؛ يقود شقيقه "راؤول كاسترو"، رئيس الجمهورية الحالي، إصلاحًا تدريجيًا -لكنه يبقى راديكاليا بالنسبة لكوبا- للعلاقة بين الدولة والفرد والمجتمع، مع الإبقاء على الحبل السُري الاشتراكي، وهو ما جعل هذه الحالة غير المستقرة تفتقر إلى تعريف مكتمل أو تصنيف مُقنِع.

 

فالتعبير التلطيفي المفضل للحزب الشيوعي "تفعيل النموذج الاجتماعي والاقتصادي الكوبي" يُضخِّم من حقيقة درجة التماسك الأيديولوجي، بينما يجعل الآثار الاجتماعية والسياسية أقل أهمية. وفي الوقت الراهن، ربما يكون الوصف الأفضل لكوبا الناشئة هو أنها "هجين" بين القطاعين العام والخاص، تتعايش فيه أشكال متعددة من الإنتاج وملكية العقارات والاستثمار إضافة إلى دولة رفاهة أصغر وحرية شخصية أكبر؛ مع شركات حكومية يديرها الجيش، وهكذا مع استمرار حكم الحزب الواحد.

 

مدينة هافانا عاصمة كوبا (رويترز)

 

وفي هذا الصدد، يقدِّم قانون الهجرة الجديد الذي بدأ سريانه في عام 2011 مثالًا قاطعًا على الإصلاحات الجارية في كوبا؛ فرغم احتفاظ الدولة بحق رفض جواز سفر أي شخص لأسباب تتعلق بالأمن القومي، واستمرار تنظيمها لدخول وخروج الرياضيين المحترفين ومسؤولي الأمن؛ إلا أن قانون الهجرة الجديد يمنح من غادروا البلاد بصور غير شرعية، مثل المنشقين والهاربين، إذنًا بالزيارة أو ربما العودة النهائية للوطن؛ إذ يُلغي الحاجة إلى "البطاقات البيضاء"، وهي تصاريح مكلّفة وغير شعبية تُعَدُّ بمثابة إذن حكومي رسمي كان لزامًا على الكوبيين الحصول عليه لمغادرة البلاد حتى وقت قريب، فيما واجه الأطباء منهم والعلماء والرياضيون وغيرهم من المهنيين عقبات إضافية. وكذلك يوّسع القانون أمد المدة التي يمكن للكوبيين الإقامة فيها في الخارج بشكل قانوني دون فقدان حساباتهم المصرفية ومنازلهم وتجارتهم في الجزيرة؛ من 11 شهرًا إلى سنتين.

 

إن هذه اللحظة الجديدة التي وصلتها كوبا لم تأت كضربة مفاجئة؛ بل جاءت في أعقاب سلسلة من التدابير والإجراءات المتراكمة، أبرزها؛ الإصلاح الزراعي، وإضفاء الطابع الرسمي على قانون الضرائب التصاعدية، وجهود الحكومة المُعلنة على نطاق واسع للبدء في تقليص حجم الرواتب الحكومية من خلال السماح بتواجد عدد أكبر من الشركات الصغيرة. كما تُبشّر بدايات الائتمان الخاص وأسواق العقارات والجملة بمزيد من التطور.

 

ومع ذلك، لا تبدو كوبا مستعدة لانتهاج المخطط الصيني أو الفيتنامي لتحرير السوق في أي وقت قريب؛ إذ يجعلها واقعها الديموغرافي والجغرافي والاقتصادي الفريد -وبخاصة شيخوخة سكانها البالغ عددهم 11 مليون نسمة، وقربها من الولايات المتحدة، ومزيج رأس المال البشري المتطور بها مع البنية التحتية المتداعية، بمنأًى عن غيرها من البلدان التي انتقلت بعيدًا عن الشيوعية.

 

وربما لا يثير الدهشة -إذن- أن التغييرات الجارية في كوبا لا تماثل سيناريو التحول السريع المُتَوَخّى في تشريع هيلمز بيرتون لعام 1996 الذي اشترط إجراء انتخابات متعددة الأحزاب، وإعادة الممتلكات التي أُمِّمت في الستينيات، مقابل رفع الحظر الأميركي. وفي هذا الصدد، لا تزال واشنطن أكثر جمودًا من هافانا.

 

قد تبدو الإصلاحات في كوبا بطيئة بشكل مُحبِط، ومتنافرة، وغير كافية للتصدي للصعوبات الاقتصادية لرعاياها ورغباتهم في مشاركة سياسية أوسع. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار هذا الافتقار للسرعة من جانب الحكومة دليلًا على رفضها للتغيير أو تجاهلها للرهانات السياسية؛ إذ انطوت استجابة الزعماء الكوبيين للتحديات الشاقة وطويلة الأمد التي تواجهها بلادهم على تفكير استراتيجي ونقاشات مستفيضة. والواقع أن السنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة. كما أشار إلى ذلك مؤخرًا "ميغيل دياز كانيل"، ذو الـ53 عامًا وهو نائب الرئيس الحالي وخَلَف "راؤول كاسترو" المُعيّن حديثًا، بقوله "أحرزت كوبا تقدُّمًا في القضايا الأسهل حلًا؛ لكن القضايا الباقية تمثل الخيارات الأكثر أهمية وحسمًا في تنمية البلاد".

 

تحدث "راؤول كاسترو" بصراحة عن مأزق كوبا منذ توليه السلطة المؤقتة في عام 2006؛ إذ صرح في خطاب وطني قصير ومحدد في عام 2010 بأنه "إما أن نُصلِح، وإما أن نغرق"

رويترز
 

وتشمل هذه المعضلات الجوهرية ما يلي: كيف يمكن لكوبا جذب وإدارة الاستثمار الأجنبي الذي هي في أمس الحاجة إليه مع حفظ سيادتها التي بَلَغَتها بِشِقِّ الأنفُس؟ ماهو مقدار عدم المساواة الذي سيتحمله مواطنو الجزيرة مقابل زيادة الإنتاجية والفرص الأكبر؟ وحتى إن استطاع الحزب الشيوعي التراجع خطوة للخلف عن تسيير الأمور اليومية للحكومة، كما يُصرّ كاسترو على ذلك، فكيف سيتصدى قادة كوبا للضغوط المتأجّجة منذ أمد طويل لأجل زيادة الشفافية والمساءلة العامة والمشاركة الديمقراطية؟

 

إن كان الماضي القريب تمهيدًا له ما بعده؛ فستمضي كوبا، على الأرجح، في مسلكها المتدرج نحو مجتمع أكثر انفتاحًا وتعددية؛ بينما تحافظ على استقلال سياستها الخارجية.

 

إصلاحٌ ذو خصوصية كوبيّة

تحدث "راؤول كاسترو" بصراحة عن مأزق كوبا منذ توليه السلطة المؤقتة في عام 2006؛ إذ صرح في خطاب وطني قصير ومحدد في عام 2010 بأنه "إما أن نُصلِح، وإما أن نغرق". كذلك، أضحت مصطلحات مثل "اللامركزية" و"المساءلة" و"المأسسة" كلمات متداولة وغير محرّمة، رغم تمسك هافانا بقناعتها السياسية المركزية بأن الحزب الشيوعي يظل أفضل دفاع للبلاد ضد التدخل الأميركي الممتد لأكثر من قرن. وفي حين كانت هافانا مستعدة لترخيص عدد محدود -فقط- من الشركات الخاصة كتدبير اضطراري في التسعينيات؛ فإن الحكومة تتفاوض الآن علنًا لضمان أن يكون 50% من الناتج المحلي الإجمالي لكوبا في يد القطاع الخاص خلال خمس سنوات. هذه الأهداف الطموحة، سواء أكانت واقعية أم لا، كانت لتعد بمثابة انتهاك للمحرمات قبل أقل من عشر سنوات. وبالفعل، فإن تمثيل أصحاب الأعمال التجارية الصغيرة الكوبية في المجلس الوطني، ومشاركتهم في موكب عيد العمال السنوي؛ يقدمان دليلاً على التغييرات الجارية.

 

وقد أسفرت الإصلاحات عن عدة نجاحات متواضعة حتى الآن؛ فبعد أن واجهت كوبا أزمات حادة في السيولة وميزان المدفوعات في أعقاب الانهيار المالي العالمي الذي حدث في عام 2008؛ نجحت في استعادة قدر يسير من الاستقرار المالي، واستئناف مدفوعات ديونها، وخفض وارداتها بشكل حاد، وبدء مهمتها الشاقة في تقليص الإنفاق العام. كما تمضي العديد من الاستثمارات الإستراتيجية الرئيسة ذات الشراكة الدولية قُدُمًا بحسب ما هو مخطط لها، وأبرزها تجديد ميناء "مارييل"، بمساعدة الحكومة البرازيلية، لتحويله إلى ميناء رئيس للشحن البحري بالحاويات. وفي الوقت نفسه، شَرَعت دائرة رسمية مختصة بالمساءلة المالية في مهمتها الصعبة المتمثلة في القضاء على الفساد المستشري.

 
لكن رغم ذلك، تواجه كوبا عوائق جسيمة في سعيها نحو حيوية اقتصادية أكبر. وخلافًا للصين وفيتنام في بداية جهودهما الإصلاحية؛ فإن كوبا دولة نامية تعاني مشاكل الدول المتقدمة، لا لشيخوخة السكان وحسب -إذ إن 18% من السكان فوق سن الستين-؛ بل لميل اقتصاد البلاد -أيضًا- بشدّة نحو قطاع الخدمات.

 

 

وبالمقارنة مع تجربة فيتنام في مشروع "دوي موي"، أو ما يُعرف بـ"التجديد" الاقتصادي في عام 1986، فقد شكّل قطاع الخدمات فيها نحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين شكّلت القاعدة الإنتاجية نحو 67% منه. أما في كوبا، وعلى النقيض من ذلك، تمثّل الخدمات ما يقرب من 75% من الناتج المحلي الإجمالي للجزيرة، وهي عاقبة ما يربو على 20 عامًا من التدهور الصناعي البالغ وانخفاض معدلات الادخار والاستثمار. وتشكل صادرات الخدمات -وبخاصة من المهنيين في مجال الرعاية الصحية- إلى جانب السياحة والتحويلات المالية؛ الأساس الدفاعي للبلاد في مواجهة عجز متواصل في ميزان المدفوعات.

 

يُقرُّ المسؤولون والاقتصاديون الكوبيون بهذا الضعف الهيكلي، كما شددوا على ضرورة تعزيز الصادرات وتشجيع وجود سوق محلية أكثر دينامكية. ومع ذلك، لم تتمكن الدولة -حتى الآن- من تصحيح هذا الاختلال. ففي صناعة السكر، التي تمثل حجر زاوية، لا يزال الإنتاج يتراجع رغم الارتفاع الأخير في أسعاره العالمية والاستثمار البرازيلي الجديد. والحال نفسه بالنسبة لصناعة النيكل؛ إذ أدت فضيحة فساد مع تدني أسعاره العالمية إلى إغلاق واحد من مرافق معالجة النيكل الثلاثة الموجودة بالجزيرة. وبصورة أعم، لا تزال الإنتاجية الكوبية هزيلة، والبلاد عاجزة عن الاستفادة من قوتها العاملة ذات التعليم العالي.

 
ورغم أهمية توسيع قطاع الأعمال التجارية الصغيرة؛ إلا أنه لا يحل هذه القضايا الجوهرية. فثمة الآن 181 فئة قانونية للعمل الحر؛ لكنها تكاد تتركز بشكل حصري تقريبًا في قطاع الخدمات، بما في ذلك من مُلّاك المطاعم المستقلة، وأكشاك الطعام الصغيرة، وفنادق المبيت والإفطار. كما أن تمويل المشاريع الناشئة شحيح، ورسوم التراخيص المطلوبة مرتفعة، وبعض الفئات القانونية مُعيّنة دون منطق. ويبقى من غير الواضح ما إن كانت فرصة الكسب المشروع ستغري شركات السوق السوداء للخروج إلى العلن أم لا!

 
لا عجب -إذن- أنّ توسع العمل الحر لم يُمكِّن الدولة من بلوغ أهدافها فيما يخص تخفيض رواتبها المتضخمة. في أواخر عام 2010، تعهد -الراحل- "كاسترو" بإلغاء 500.000 وظيفة حكومية في الأشهر الستة الأولى من عام 2011، بغية دمج ما يزيد على 1.8 مليون عامل -من إجمالي القوة العاملة المقدّرة بـ5.3 مليون- في القطاع الخاص بحلول عام 2015. لكن، تمكنت الحكومة من القضاء على 137.000 وظيفة فقط في السنة الأولى. ومع ذلك، تُحدِث الإصلاحات فارقًا حقيقيًا؛ إذ توَظِّف الشركات الصغيرة حاليًا نحو 400.000 مواطن، بزيادة قدرها 154% منذ بدأ تحرير العمل الحر في أكتوبر من عام 2010. من ناحية أخرى، ولأجل استنهاض مزيد من النمو؛ أطلقت السلطات مؤخرًا شركة تجارة بالجملة تسمح للشركات الناشئة بشراء الإمدادات بالشروط نفسها التي تشتري بها شركات الدولة، ومن ثَم تعالج شكوى رئيسة من شكاوي أصحاب الأعمال التجارية.

 

في سعيها لزيادة الإنتاج المحلي، سلمت الدولة أكثر من 3.7 مليون فدان من الأراضي لمزارعي القطاع الخاص الذين تساهم محاصيلهم الحالية فيما نسبته 57% من إجمالي الإنتاج الغذائي في البلاد (رويترز)

 

واستكمالًا لهذه المكاسب، تحتاج كوبا إلى مواصلة إعادة بناء قدراتها الإنتاجية في المجالات الأساسية مثل الزراعة. فقبل وصول "راؤول كاسترو" إلى السلطة، كانت حوالي 20% من الأراضي الصالحة للزراعة أرضًا مُبوَّرة و متروكة دون زرع، واستوردت كوبا نصف إمداداتها الغذائية المحلية، وجاء جزء معتبر منها من الولايات المتحدة في ظل استثناء عام 2000 من الحظر التجاري.

 

وفي سعيها لزيادة الإنتاج المحلي، سلمت الدولة أكثر من 3.7 مليون فدان من الأراضي لمزارعي القطاع الخاص الذين تساهم محاصيلهم الحالية فيما نسبته 57% من إجمالي الإنتاج الغذائي في البلاد رغم شغلهم لأقل من 25% من الأراضي الصالحة للزراعة. ومع ذلك، لا تزال مستويات الإنتاج الغذائي الإجمالي في معظم الفئات الأساسية تحوم حول مستويات عام 2002 أو أقل قليلًا.

 
كما أن ثمة استثمارا واعدا بصورة كبيرة، وهو مشروع تجديد ميناء "مارييل"، بقيادة تكتل "أودبريشت" البرازيلي، و بدعم من مصرف التنمية الوطني البرازيلي، الذي تأمل كوبا في أن يجعلها مركزًا رئيسًا للنقل البحري في منطقة البحر الكاريبي، فموقعه بين قناة بنما ووجهات في الولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى ضخامته، ومياهه العميقة، يجعله مثاليًا لمباشرة التجارة مع الولايات المتحدة وغيرها في عالم ما بعد الحظر.

 
وبالإضافة إلى ذلك، عقدت أربع شركات أدوية برازيلية اتفاقات لإنتاج أدوية في المحيط المجاور للميناء وتصديرها مباشرة إلى الأسواق البرازيلية وغيرها؛ لكن، ستظل الفوائد طويلة الأجل للميناء محدودة في حال بقي الحظر الأميركي قائمًا.

 

في هذا الصدد، يؤكد مشروع الميناء على بعض المعضلات الأوسع نطاقًا التي تعوق الاستثمار الأجنبي في كوبا وآفاق النمو الشامل للبلاد. فرغم اعتبار هافانا "مارييل" منطقة اقتصادية خاصة -وهي منطقة تمنح فيها الشركات الأجنبية حوافز وامتيازات خاصة- في محاولتها جذب دولارات الاستثمار التي هي في أمسّ الحاجة لها، واستهداف المسؤولين الكوبيين للإفادة من سكان البلاد ذوي التعليم الجيد، وإنشاء مناطق استثمارية موّجَهة نحو الابتكارات التكنولوجية المتقدمة وغيرها من الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية؛ إلا أنه في حال افتقاد الروابط مع الصناعات المحلية، قد تصبح هذه المناطق الاستثمارية جزراً اقتصادية توفر فرص العمل للسكان المحليين والدخل للحكومة الكوبية لكنها تُخفِض الآثار المضاعَفة.

 

  ميناء مارييل

 

ومن ناحية أخرى، يزيد نظام العملة المزدوجة في الجزيرة من صعوبة التحدي؛ إذ يمثل البيزو الكوبي القابل للتحويل (سي يو سي) عملة قطاع السياحة اليوم، كما أنه مطلوب لشراء العديد من السلع الاستهلاكية وهي نتائج ثانوية لتداول الدولار الأميركي في التسعينيات -بداية في السوق السوداء، ثم بشكل قانوني بعد ذلك-. لكن قيمته مرتبطة بالدولار بالنسبة للمواطنين الكوبيين العاديين، وتساوي قيمة عملة واحدة منه ما مقداره 25 بيزو كوبي، وبالتالي يتمتع المواطنون الذين يحصلون على العملة الصعبة من الخارج، أو يتلقون أموالًا بالبيزو القابل للتحويل، مثل البقشيش الذي يحصله العاملون في السياحة من السياح؛ يتمتعون بدخول أعلى من نظرائهم المعتمدين فقط على الرواتب المدفوعة بالبيزو الكوبي.

 

بل والأسوأ من ذلك أن الشركات الحكومية -بداخلها وفيما بينها- تعتبر العملتين متساويتين في القيمة. وفي حين أسهمت هذه الممارسة المحاسبية الغريبة في عزل أسعار البيزو الكوبي عن التضخم أثناء الأزمة الاقتصادية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي؛ إلا أنها اليوم تُعقِّد على المحللين والمستثمرين عملية تقدير التكاليف الحقيقية لممارسة الأعمال التجارية في الجزيرة أو تقدير قيمة الشركات المملوكة للدولة.

 

ويتفق الاقتصاديون على أن الحل الأقل خطورة للانتقال إلى عملة واحدة هو الدمج التدريجي لسعري الصرف بالتوازي مع زيادة مطردة في الناتج المحلي الإجمالي والرواتب بشكل عام. لكن في الوقت نفسه، تؤدي نسبة الصرف المتساوية "واحد إلى واحد" المفتعلة داخل القطاع العام إلى تضخيم قيمة سعر الصرف الدولي للبيزو الكوبي، ما يخفض بدوره القدرة التنافسية للسلع المحلية. ومن المفارقات أن نظام العملة المزدوجة يحمي الواردات على حساب الإنتاج المحلي.


قانون الهجرة الجديد

يُلخّص الإصلاح الذي أجرته كوبا لقانون الهجرة مؤخرًا، وبشكل دقيق، عددًا من الإمكانات والحدود والآثار المترتبة على خطة كاسترو وجدول أعماله الأوسع نطاقًا؛ إذ على الرغم من اعتباره دليلًا على استعداد الدولة لاتخاذ قرارات إستراتيجية وكونه ربما أهم إصلاح حتى الآن؛ إلا أنه يشدد أيضًا على ضراوة المعارك الباقية، ويوضح صعوبة إدارة التوقعات وطريقة استقبال الجماهير لها. وكما هو الحال مع معظم القضايا في المجتمع الكوبي، فإن الخط الفاصل بين السياسة والاقتصاد ضبابي تمامًا.

 

بدأت الحكومة الكوبية في تنظيم حركة مواطنيها إلى الخارج بدرجة كبيرة منذ أوائل الستينيات؛ مواجهةً منها للهجرة الجماعية للكفاءات المهنية ورأس المال خارج البلاد بعد الثورة. واعتبرت الهجرة مسألة تتعلق بالأمن القومي خاصة بعد المشاركة المباشرة لمهاجرين سياسيين كوبيين في محاولات، مموَّلة عادة من الحكومة الأميركية، للإطاحة بنظام كاسترو. ولسنوات عدة؛ جردت الدولة من نجح في مغادرتها، بشكل قانوني أو غير قانوني، من ممتلكاتهم، ولم تُمكّنهم من العودة، فيما عدا استثناءات نادرة. وبالطبع؛ خَلّفَت هذه القيود جروحًا غائرة.

 

إن قانون الهجرة الجديد في كوبا من شأنه تنشيط الاقتصاد عن طريق تسهيل سفر الكوبيين وعملهم بالخارج ثم عودتهم إلى الديار (رويترز)

 

ومع ذلك، مضى زمن طويل منذ كان بالإمكان تقسيم الكوبيين في الجزيرة وخارجها بشكل دقيق إلى: إما مناهضين للشيوعية أو ثوريين مؤيدين لكاسترو. إذ تشهد أي زيارة إلى مطار ميامي اليوم على قوة الروابط عبر الوطنية؛ حيث تحمل أكثر من مئة رحلة جوية مستأجرة أسبوعيًا الكوبيين والكوبيين الأميركيين بين البلدين في موسم الذروة. توسعت هذه الرحلات -التي سُمِح بها تحت ظروف معينة منذ أواخر السبعينيات- بدرجة كبيرة منذ عام 2009 حين رفع الرئيس الأميركي "باراك أوباما" القيود المفروضة على الزيارات العائلية. وفي عام 2012، زار الجزيرة ما يزيد على 400.000 كوبي قادم من الولايات المتحدة. فضلًا عن مئات الآلاف من الكوبيين المهاجرين في جميع أنحاء أميركا اللاتينية وكندا وأوروبا وما وراءها ممن يزورون عائلاتهم في الوطن و يعولونهم.


والواقع أن قانون الهجرة الجديد في كوبا من شأنه تنشيط الاقتصاد عن طريق تسهيل سفر الكوبيين وعملهم بالخارج ثم عودتهم إلى الديار. ومنذ نهاية التسعينيات، أضحت التحويلات المالية من الخارج المقدّرة بمليار دولار سنويًا بمثابة صناعة كبرى، وساعدت الكوبيين في تعويض مرتباتهم المنخفضة، والإفادة من الفرص القليلة المتاحة للمشاريع الخاصة.

 

ربما يكون فتح الأبواب أمام مزيد من المواطنين الشباب لمغادرة البلاد أمرا محفوفا بالمخاطر، في ظل مجتمع سريع الشيخوخة، ومنخفض في معدلات المواليد، وعانى هجرة العقول لفترة من الزمن

الآن وقد أخذت الحكومة على عاتقها توسيع قطاع الأعمال الصغيرة؛ فستحقق الروابط بين الشتات وداخل الجزيرة مردودًا أكبر. وبالفعل، يساهم الكوبيون بالخارج في استثمار الأموال في المقاهي الصغيرة، ومحلات التصليح، وغيرها من المشروعات الصغيرة الناشئة في شتى أنحاء البلاد. كما يرسل بعض سكان الجزيرة أموالهم خارج البلاد ليبتاع لهم أقاربهم هناك سلعًا استهلاكية مقابلها.

 

غير أن قانون الهجرة الجديد -بخلاف تداركه لوضع راهن غير مُستَحب إطلاقًا- قد وضع الحكومة في موقف محرج؛ إذ ستضطر بلدان أخرى -وخاصة الولايات المتحدة- إلى استمرار استقبال الزوار والمهاجرين الكوبيين بأعداد كبيرة، هذا بافتراض قدرة الكوبيين على تحمّل رسوم وثائق السفر المُخفَّضة الجديدة؛ لكنها تبقى مرتفعة نسبيًا.

 

وللمفارقة؛ يبدو أن كوبا ستُفيد الآن من الأفضليات الخاصة الممنوحة للكوبيين بموجب قانون الهجرة الأميركي -وبخاصة المسار السريع ذي العام الواحد للحصول على الإقامة الدائمة بموجب قانون التعديل الكوبي لعام 1966- التي لا تزال سارية، والتي طالما انتقدتها كوبا طويلًا؛ لكونها بدت بمثابة تشجيع ومكافأة للمحاولات الخطيرة لبلوغ الشواطئ الأميركية. إذ يغدو اليوم بإمكان أكثر من 20 ألف كوبي يهاجرون بصورة قانونية للولايات المتحدة كل عام اكتساب البطاقة الخضراء الأميركية دون التخلي بالضرورة عن حقوقهم أو بيوتهم أو أعمالهم في الجزيرة، بعد توسيع مدة الإقامة القانونية خارج كوبا إلى سنتين.


قد يكون رأس المال الصغير للشتات أيسر في تنظيمه والاعتماد عليه من الموارد المالية القادمة من الشركات متعددة الجنسيات التي يقودها الربح وتتقيد به تقيُّدًا صارمًا، وقد يتقاعد بعض الكوبيين إلى الجزيرة مستصحبين معاشاتهم ومدخراتهم بعد عقود من العمل في الخارج. ومع ذلك؛ ربما يكون فتح الأبواب أمام مزيد من المواطنين الشباب لمغادرة البلاد أمرا محفوفا بالمخاطر، في ظل مجتمع سريع الشيخوخة، ومنخفض في معدلات المواليد، وعانى هجرة العقول لفترة من الزمن.

 

أفادت تقارير بأن الحكومة تنظر في سبل توفير شروط أكثر فائدة لمجموعة أوسع من الشركاء الأجانب المحتملين في المشاريع المشتركة

رويترز

 

وفي نهاية المطاف، لا يمكن إلا لنفقات مالية أكبر حجمًا أن تساهم في إصلاح المشكلة الاقتصادية الجوهرية في كوبا، ألا وهي؛ قاعدتها الإنتاجية المستنزفة. ويبدو -الراحل- "كاسترو" مدركًا لأن جذب الاستثمارات الأجنبية، وإضفاء الطابع اللامركزي على الحكومة، وزيادة توسيع القطاع الخاص؛ هي السبل الوحيدة لعلاج هذا المأزق طويل الأجل. بينما يُستبعَد أن تمضي الحكومة قُدُمًا في أي شيء سوى التزام الحذر؛ إذ يخشى المسؤولون من تعكير صفو السياسة الداخلية، كما ينفر المواطنون وقادة الحزب على حد سواء من احتمال حدوث علاج بالصدمة أكثر راديكالية. وقد زادت الاحتجاجات العامة المتزايدة في الصين وفيتنام ضد اللامساواة والفساد المستشري من تمسّك الحكومة الكوبية بتفضيلها المسارَ المتدرج.

 

يبقى تحقيق التوازن المناسب مهمة شاقة. في أواخر عام 2012، قننت هافانا إنشاء تعاونيات للنقل -وهي كيانات خاصة تقوم على تقاسم الأرباح، يملكها أعضاؤها و يديرونها- لإصلاح الاختناقات والعراقيل في التوزيع الزراعي، وفي الوقت نفسه، فإن 100 مؤسسة حكومية تدير شؤونها المالية باستقلال تام، كجزء من برنامج تجريبي لمدة عام. كما أفادت تقارير بأن الحكومة تنظر في سبل توفير شروط أكثر فائدة لمجموعة أوسع من الشركاء الأجانب المحتملين في المشاريع المشتركة. لكن، لا يزال الحزب الشيوعي يعمل من خلال تناقضات عدّة؛ إذ بينما يُسلِّم بوجود مكان لاقتصاد السوق، ويتحدّى التحيزات القديمة ضد رجال الأعمال، ويُلمِّح إلى إمكانية تطبيق لامركزية الميزانية؛ يمضي بشكل متناقض في إصراره على أن "الأولوية للتخطيط المركزي، لا السوق" على حد تعبير المبادئ التوجيهية الرسمية لعام 2011.

 

تخفيف وطأة الدولة الأبوية

إن تقليص الدور الاقتصادي للدولة مع الحفاظ على الاستمرارية السياسية يتطلب إبرة أيديولوجية دقيقة للغاية لنَظْمِهما معًا. فعلى الرغم من توقُّع الحكومة مواصلتها تزويد الكوبيين بالخدمات الاجتماعية الرئيسة مثل الرعاية الصحية والتعليم؛ إلا أن قادة الأحزاب وبَّخوا مواطني الجزيرة لاعتمادهم الُمفِرط على ما وصفه مسؤول بارز منذ بضع سنوات بـ"دولة الأب". وهو أمر مثير للسخرية في نظر العديد من الكوبيين، كون المؤسسين الثوريين الذين أقاموا الدولة الأبوية ابتداءً لخدمة المساواة؛ هم من يدعون إلى تفكيكها جزئيًا الآن. فضلًا عن أن معظم الكوبيين لا يزالون بحاجة إلى الالتجاء للسوق السوداء أو طلب العون من أسرة مقيمة بالخارج لتحصيل كثير من الضروريات اليومية.

 

ولا يعني هذا أن الإصلاحات قد أُجريت دون إسهامات شعبية؛ إذ عقدت الحكومة سلسلة غير مسبوقة من المجالس والتجمعات في شتى أنحاء البلاد للاستماع إلى مظالم المواطنين ومقترحات التغيير ومناقشة خطة كاسترو، وذلك في الفترة السابقة على انعقاد المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الكوبي عام 2011. وسمحت هذه المساعي بوجود نقاش عام واسع و جدليّ، رغم حدوث ذلك من خلال أُطُر مفاهيمية "اشتراكية" وغياب بشائر الانتخابات متعددة الأحزاب في الأفق.

 

ناشد فيدال كاسترو الطلاب أن "يتناقشوا دون خوف"، وأعضاء الأحزاب أن "يتطلع بعضهم إلى بعض دون خوف، ويختلفوا ويتجادلوا، ويختلفوا حتى مع آراء القادة كلما اعتقدوا وجود علّة ومنطق لفعل ذلك"

رويترز
 

ورغم دفاع -الراحل- كاسترو عن حكم الحزب الواحد؛ إلا أنه دعا المسؤولين الحكوميين لفتح قنوات التواصل بينهم وبين الصحافة، وطالب الصحافة، في المقابل، بالتخلي عن نزوعها التقليدي للتباهي بالانتصار. وعلى نفس المنوال؛ ناشد الطلاب أن "يتناقشوا دون خوف"، وأعضاء الأحزاب أن "يتطلع بعضهم إلى بعض دون خوف، ويختلفوا ويتجادلوا، ويختلفوا حتى مع آراء القادة كلما اعتقدوا وجود علّة ومنطق لفعل ذلك". ومؤخرًا؛ ذكر "دياز كانيل" علنًا استحالة حظر نشر الأخبار عبر وسائل الإعلام الاجتماعية وشبكة الإنترنت، في إشارة إلى كون الفائدة الإستراتيجية لتيسير الاتصال بالإنترنت على نطاق أوسع، ربما تفوق كثيرًا -بالنسبة للحكومة- فائدة تقييده ومراقبة الوصول له.

 

في الآونة الأخيرة، روّجت مجموعة صغيرة من المعتدلين الكاثوليكيين والماركسيين الإصلاحيين عبر الإنترنت لسلسلة من المقترحات المباشرة للإصلاح السياسي. وقد أثارت هذه المقترحات معارضة بعض المدافعين عن الوضع الراهن، فيما حظيت بتأييد واسع واهتمام من جانب أكاديميي الجزيرة

لا يزال الواقع متخلِّفًا عن اللحاق بهذا الخطاب؛ إذ تبقى المناظرات العلنية بين المسؤولين الكوبيين رفيعي المستوى نادرة، حتى ولو قيل إنها محتدمة ونشطة خلف الأبواب المغلقة. كما يصعب استيضاح ما إن كان بإمكان المجلس الوطني الكوبي أن يغدو أعظم تأثيرًا وأكثر تَشاوُريّة بوصفه أحد أفرع الحكومة. إضافة إلى استمرار اعتبار التصريحات العلنية التي يُتَصوّر أنها تطعن في شرعية الثورة من المحرمات، واعتبارها مسوِّغًا لملاقاة العواقب في مكان العمل أو حتى الإقصاء. ومع ذلك، وخارج أصوات الهيئات الحكومية رفيعة المستوى والصحافة اليومية التي لا تزال مُسكّنة إلى حد كبير؛ دفعت أصوات متعددة نطاق النقاشات وشروطه وخرجت عنه بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ما أدى بدوره إلى انطماس وضبابية الخط الدقيق المزعوم الذي يفصل بين المواقف "الثورية" وتلك "المناهضة للثورة".

 

وفيما ينزع الاهتمام الدولي إلى التركيز على المجتمع الكوبي الصغير والمُنشَق الذي يُعرِّف هويته بنفسه، ولاسيما مجموعة جديدة من النشطاء الرقميين البارعين والمدونين، في بلد لا يزال فيه الإنترنت سلعة باهظة الثمن وخاضعة لتنظيم شديد؛ ربما تَجري النقاشات الأهم والأكثر جدوى فيه بين الأكاديميين، والفنانين، وصانعي الأفلام المستقلين، والمسؤولين السابقين، والقادة الدينيين العاديين خاصة من الكنيسة الكاثوليكية؛ ممن تكون مواقعهم الإلكترونية ومجلاتهم ومنتدياتهم العامة أيسر منالًا وأقرب إلى سكان الجزيرة.

 

وبصفة عامة، لا يقترح هؤلاء الفاعلون قطيعة جذرية مع كل تركة الثورة ورموزها وسردياتها، في الوقت الذي يبقون فيه على مسافة بينهم وبين الدعم المالي الأجنبي، وبخاصة الأميركي والكوبي الأميركي، الذي يصوِّر كثيرًا من المنشقين كـ"مرتزقة" في نظر الدولة الكوبية؛ لكنهم في الوقت ذاته يفعلون ذلك عن قناعة سياسية أكثر من كونه عن حسابات إستراتيجية، رافضين القبول باختيار مزعوم من خيارين لا ثالث لهما؛ إما الانصياع للحزب في داخل الوطن وتبنّي نهجه، أو التعاون مع المخططات الانتقالية المُلفّقة من الخارج.

 

وفي الآونة الأخيرة، روّجت مجموعة صغيرة من المعتدلين الكاثوليكيين والماركسيين الإصلاحيين -الذين اندمجوا تحت رعاية مركز ثقافي تكفله الكنيسة- عبر الإنترنت لسلسلة من المقترحات المباشرة للإصلاح السياسي، واشتملت على؛ السماح بإجراء انتخابات تنافسية مباشرة تضم جميع المناصب القيادية الرئيسة في كوبا -وإن انتمى جميع المرشحين لحزب واحد-، ووصول غير مقيّد إلى شبكة الإنترنت، وإعلام أكثر حرية، والفصل بين السلطات في الحكومة بشكل أكثر فعالية، وزيادة اللجوء إلى الاستفتاءات العامة في القرارات الحكومية الرئيسة. وقد أثارت هذه المقترحات معارضة بعض المدافعين عن الوضع الراهن، فيما حظيت بتأييد واسع واهتمام ونقاشات من جانب أكاديميي الجزيرة.

 

كانت الهجرة هي الوسيلة الرئيسة للساخطين والغاضبين في الوطن لتسجيل رأيهم، وبخاصة الهجرة إلى الولايات المتحدة لما قدّمه قانون الهجرة الأميركي من حوافز متعددة للكوبيين (رويترز)

 

لكن يصعب التنبؤ بمدى إمكانية أن تُفضي هذه المناقشات إلى تغيير ملموس على المدى القصير، رغم اتساع نطاقها بشكل غير مسبوق؛ إذ لا يبدو أن لها تأثيرًا كبيرًا على الجمهور في الوقت الحاضر، ولا يوليها اهتمامًا كافيًا بقدر ما يفعل حماة الإيمان الثوري "الأرثوذوكس". ويعود تفسير هذا الموقف الانسحابي للكوبيين العاديين إلى اللامبالاة، والجمود، والميل إلى حفظ النفس، والاحتياجات المادية المتجددة يوميًا، وكذلك محدودية الوصول إلى المعلومات، وحق التجمع المُقيَّد.

 

وعلى أية حال، يشاهد عدد كبير من الكوبيين محطات تلفزيون ميامي عبر التسجيلات المقرصنة أو توصيلات الأقمار الصناعية غير المشروعة؛ لكنهم لم يثبتوا حتى الآن أنهم أكثر استعدادًا للخروج إلى الشوارع من جيرانهم المفتقرين إلى مثل هذه التوصيلات. ومنذ الستينيات، كانت الهجرة هي الوسيلة الرئيسة للساخطين والغاضبين في الوطن لتسجيل رأيهم، وبخاصة الهجرة إلى الولايات المتحدة لما قدّمه قانون الهجرة الأميركي من حوافز متعددة للكوبيين. وطالما تَوَاصَل هذا النمط؛ ستحظى "هافانا" بفسحة سياسية لمواصلة إصلاحاتها "دون تَوَقُّف، لكن دون تَسَرُّع أيضًا"، على حد تعبير -الراحل- "كاسترو".

 

آخر الدول العالقة "ككتلة الثلج" بعد الحرب الباردة

لا يمكن تقدير المآزق السياسية والاقتصادية في كوبا بمعزل عن عن سياقها الدولي، كما أظهرت قضية الهجرة. إذ لا يزال الحظر الأميركي يشكّل عقبة كؤودًا أمام الازدهار الاقتصادي طويل الأجل للجزيرة، ويُلقي بظلال قاتمة على السياسات الداخلية الكوبية. وفي حالة فيتنام؛ لم يشرع الاقتصاد في التحول بشكل جدي إلا بعد رفع الحظر الأميركي في عام 1994. وبالنظر إلى قرب كوبا الجغرافي من الولايات المتحدة، وتكاليف العمالة المنخفضة نسبيًا بها؛ فإن تحولًا مماثلًا في قانون الولايات المتحدة ربما يكون ذا أثر بالغ على الجزيرة.


وفي يناير، افتتح وزير الخارجية الأميركي "جون كيري" جلسة الاستماع المعقودة لاعتماد تعيينه مُشِيدًا بتعاونه الوثيق مع السيناتور "جون ماكين" في تجاوز تركة الحرب بغية استعادة العلاقات الأميركية مع فيتنام. ومع ذلك، لا يزال كل من "كيري" و"أوباما" يذعنان للحكمة التقليدية البالية التي تقضي بأن واشنطن لا يمكنها تغيير سياستها الفاشلة طالما استمرت معارضة الأميركيين الكوبيين في الكونغرس لذلك. غير أن الواقع يتبدَّل بالفعل، ودوائر الناخبين التابعين لهؤلاء المُشرعين قد بدأت أفعالهم تشي بما يُفضلونه، إذ ازداد سفرهم إلى الجزيرة وإرسالهم التحويلات المالية إلى أسرهم كما لم يحدث من قبل. وعلاوة على ذلك، يتحدث الآن عديد من أثرياء الكوبيين الأميركيين مباشرة مع "هافانا" بشأن استثمارات مالية واسعة النطاق. لذا، فإن أوباما -بوصفة ديمقراطيًا فاز بما يقرب من نصف أصوات الكوبيين في فلوريدا عام 2012- يتمتع بوضع أفضل من أي من أسلافه ليشرع في إنهاء الحظر الأميركي الممتد لخمسين عامًا.

 

بدأت إدارة أوباما في وضع ما يمكن أن يغدو جدول أعمال جادّ لفترة الولاية الثانية فيما يخص أميركا اللاتينية؛ مركزّة على الطاقة، والوظائف، والدمج الاجتماعي، وتعميق التكامل بين الأمريكتين

رويترز
 

كما يمثل السياق الجيوسياسي في أميركا اللاتينية سببًا آخر لدفع الحكومة الأميركية نحو تحوُّل جِدِّي في موقفها من كوبا. فمنذ خمس سنوات، تجاهل أوباما رفض أميركا اللاتينية بالإجماع موقف واشنطن تجاه كوبا، وبدت السياسة الأميركية حينها تجسيدًا لطموحات إمبريالية ترجع لعهد ولَّى وانقضى، ما أسهم في تهميش واشنطن، بدلًا من إدامة العزلة الدبلوماسية لهافانا. كما رفضت جميع بلدان المنطقة تقريبًا حضور اجتماع خاص بـ"مؤتمر قمة الأميركتين" ما لم تكن كوبا على الطاولة. وبدورها؛ تترأس كوبا حاليًا "جماعة دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي" التي تستبعد واشنطن من عضويتها.

بطبيعة الحال، وكما أثبتت التسعينيات؛ فإن النكسة المالية الضخمة حتى قد لا تكون باعثًا كافيًا يدفع هافانا إلى باب واشنطن؛ إذ دفعت الحرب الاقتصادية الأميركية  بالبيروقراطيين الكوبيين إلى ربط الانفتاح في الداخل أو تجاه الولايات المتحدة بخطر تهديد استقلال كوبا

وقد بدأت إدارة أوباما في وضع ما يمكن أن يغدو جدول أعمال جادّ لفترة الولاية الثانية فيما يخص أميركا اللاتينية؛ مركزّة على الطاقة، والوظائف، والدمج الاجتماعي، وتعميق التكامل بين الأمريكتين. لكن رمزية كوبا في سائر المنطقة تجعل طريق البيت الأبيض في الخروج الحاسم بالعلاقات الأميركية والأميركية اللاتينية من حقبة الحرب الباردة إلى القرن الحادي والعشرين يمرُّ فقط عبر كوبا وعبر تحوُّل سياسته تجاهها.

 
بيد أنه يتعين على واشنطن، لإجراء مثل هذا التحوُّل، أن تتخطى افتراضها القائل بتفضيل هافانا لعلاقة عدائية مع الولايات المتحدة. فقد أظهر "راؤول كاسترو" اختلافه عن شقيقه، واستغل قنوات عديدة، عامة وخاصة، ليبلغ واشنطن استعداده للحديث. لكن، لا يعني ذلك استعداده هو أو خليفته للمساومة على السياسة الداخلية لكوبا، والواقع أن ما يرغب "كاسترو" في طرحه على الطاولة لا يزال غير واضح. وفي الوقت ذاته، كان يُفترض بقرارات حكومته الإفراج عن أكثر من 120 سجينًا سياسيًا في عامي 2010 و2011 وسماحها لعدد من المدونين والنشطاء المنشقين بالسفر إلى الخارج هذا العام أن يسهم في تمهيد الطريق نحو إجراء محادثات محتملة مع الولايات المتحدة.

 
ومن ناحية أخرى، فقد أوضحت وفاة رئيس فنزويلا السابق "هوغو تشافيز" والفارق الضئيل في انتخاب خَلَفه "نيكولاس مادورو" أن هافانا لديها أسبابها الخاصة لتُمهِّد طريق المضي قُدُمًا مع الولايات المتحدة. ففي العقد الماضي أو نحوه، اعتمدت كوبا على فنزويلا للحصول على إمدادات كبيرة من النفط المدعم، مقابل عدد ضخم من الأطباء الكوبيين العاملين في البرامج الاجتماعية لحكومة "تشافيز"؛ لكن عدم اليقين السياسي في كاراكاس -عاصمة فنزويلا- يقدّم تَذكِرَة قوية لأخطار الاعتماد بالكلية على شريك واحد، أيا من يكن. وبالفعل، بدأت هافانا في التوسع والانتشار؛ إذ قدم البرازيليون اعتمادًا ائتمانيًا لتجديد وتوسيع خمسة مطارات في جميع أنحاء الجزيرة، ووقعوا مؤخرًا صفقة لتوظيف 6000 طبيب كوبي لسد النقص في الغطاء الصحي للمناطق الريفية بالبرازيل، إلى جانب تمويل تجديد ميناء مارييل. ومع ذلك، تظل الولايات المتحدة، على المدى الطويل، سوقًا طبيعية وحيوية للمنتجات والخدمات الكوبية.

 
وبطبيعة الحال، وكما أثبتت التسعينيات؛ فإن النكسة المالية الضخمة حتى قد لا تكون باعثًا كافيًا يدفع هافانا إلى باب واشنطن؛ إذ دفعت الحرب الاقتصادية الأميركية الممتدة لنصف قرن بالبيروقراطيين الكوبيين وكوادر الحزب إلى ربط الانفتاح في الداخل أو تجاه الولايات المتحدة بخطر تهديد استقلال كوبا؛ بل ربما يفضل بعض المتشددين تدبير الأمور بتخبّط في الوضع الراهن على حالة عدم اليقين التي قد تصاحب زيادة انفتاح بلدهم.

 

 
ويبدو أن أفضل طريقة لتغيير هذه المواقف هي اتخاذ واشنطن لزمام المبادرة في تأسيس سبل جديدة للتعايش مع هافانا اقتصاديًا ودبلوماسيًا. وعلى المدى القصير، تقابل الدولتان مشاكل عملية عديدة ليواجهانها معًا، بما في ذلك التحديات البيئية والأمنية، فضلًا عن مصير الرعايا رفيعي المستوى القابعين في السجون الأميركية والكوبية.

يبقى الخيار في يد أوباما. إما أن يختار مسار المقاومة السياسية الأقل. وإما أن يتجرأ ليصبح الرئيس الأميركي الذي ينتشل الولايات المتحدة أخيرًا من الجدل الداخلي لكوبا ويجد سبيلًا تتمكن فيه واشنطن وهافانا من العمل معًا

ولن تتطلب معظم إجراءات السياسة التي يجب على أوباما اتخاذها في المرحلة -مثل إزالة كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورفع الحواجز المعوِّقة لسفر الأميركيين إليها، والترخيص بمزيد من التجارة والاستثمار- موافقة الكونغرس أو أي صفقة كبرى مع هافانا. قد يكون من المحرج سياسيًا في الولايات المتحدة أن ينظر للرئيس على أنه يساعد كاسترو؛ لكن، بالنسبة للجزيرة؛ ستعزز مثل هذه التدابير الطرح القائل بأن كوبا بإمكانها أن تحظى بمجتمع أكثر انفتاحًا وديمقراطية دون دمار أو رضوخ للضغوط الخارجية. وعلاوة على ذلك، ربما يكون للعلاقات الاقتصادية الأعمق تداعيات تتجاوز الميدان الاقتصادي، بما تتيحه للإصلاحيين في الداخل من حرية وفسحة للمناورة ودعم متنامٍ لأجل مزيد من التحرر السياسي والاقتصادي.


في عام 1991، وقف الرئيس السوفيتي "ميخائيل غورباتشوف" إلى جانب وزير الخارجية الأميركي "جيمس بيكر" في موسكو مُعلنًا أن الاتحاد السوفيتي سيلغي معونته السنوية المُقدّرة بمليارات الدولارات إلى كوبا. وعلى الفور، شرع محللو وكالة المخابرات المركزية الأميركية والخبراء في التنبؤ بانهيار وشيك للثورة الكوبية واستعادة رأسمالية سريعة. وقد انقضى ما يزيد على 20 عامًا منذ ذلك الحين، وتقاعد؛ -بل ورحل- "فيدل كاسترو"، ويقضي الآن "راؤول كاسترو" ذو الـ82 عامًا عامه الأول من فترة ولايته الممتدة لخمس سنوات كرئيس للبلاد، والتي أعلن أنها ستكون الأخيرة.


وفي عام 2018، عندما يتسلم "دياز كانيل" مقاليد الحكم، ستواصل كوبا -على الأرجح- تحديها لأوهام ما بعد الحرب الباردة الأميركية؛ حتى وإن ابتعدت عن ماضيها الاشتراكي الأرثوذكسي. وبالنسبة لمن بَقِيَ من الجيل الثوري المؤسس لكوبا؛ سيتيح هذا التحول الدقيق فرصة أخيرة لتشكيل إرثهم. أما بالنسبة لمن وُلدوا من الكوبيين بعد عام 1991؛ فقد تجود السنوات المقبلة بفرصة ليتركوا وراءهم حالة الجمود الاقتصادي والأيديولوجي الطويلة التي نشأوا فيها.


من جهة أخرى، يبقى الخيار في يد أوباما. إما أن يختار مسار المقاومة السياسية الأقل ويسمح للبيروقراطيين المخضرمين ودعاة الأمن القومي والأصوات المؤيدة للحظر في بلده بأن يبقوا على السياسة تجاه كوبا كما هي؛ الخيار الذي يزيد من نفور الحلفاء الإقليميين وابتعادهم، ويُكرّس عقلية الحصار لدى المسؤولين الكوبيين. وإما أن يتجرأ ليصبح الرئيس الأميركي الذي ينتشل الولايات المتحدة أخيرًا من الجدل الداخلي لكوبا ويجد سبيلًا تتمكن فيه واشنطن وهافانا من العمل معًا. وهو ما سيعود بالنفع على الشعب الكوبي والمصالح الوطنية الأميركية في نهاية المطاف.


========================================


المقال مترجم عن: هذا الرابط

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار