انضم إلينا
اغلاق
حرب الأيام الستة.. أساطير 1967 التي لم تمت

حرب الأيام الستة.. أساطير 1967 التي لم تمت

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
بعد مرور 50 عاما على اندلاع حرب 1967 بين العرب وإسرائيل يُعاد النظر في الادعاءات التي نُسجت حول آثارها. فما من شك أن الحرب التي اندلعت بين العرب وإسرائيل في (يونيو/حزيران) 1967 كانت نقطة تحول عظمى في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، ونقطة انعطاف محورية في الصراع العربي الإسرائيلي. فباجتياح إسرائيل للضفة الغربية، وقطاع غزة، وهضبة الجولان، والقدس الشرقية، استطاعت فرض واقع جديد ومستمر من شأنه أن يُؤطر لمساعي التوصل إلى السلام، ونشوب حروب خلال نصف القرن القادم، أما على الجانب الفلسطيني ستكون التجربة مريرة إلى حد كبير.

 

في الوقت نفسه، فإن فكرة المقولة الشائعة بأن حرب الأيام الستة قد خلقت مجازيا يوما سابعا -فهو نوع من التهويل بأن الصراع العربي الإسرائيلي قد بدأ للتو، بحدة أكبر وبلا هوادة خلال هذه السنوات الممتدة- ما هي إلا قراءة سطحية.

 

لقد أوجَدَت الحرب حظها العادل من الأزمات بكل تأكيد، لكنها خلقت أيضا بعض الفرص، وأوجدت ديناميكية جديدة أكثر واقعية بين الدول العربية والفلسطينيين، والتي عكست -على الأقل جزئيا- نتائج الحرب نفسها، ونقلت كثير من هذه النتائج إلى ساحة المواجهة العربية الإسرائيلية.

 

بأخذ ذلك في الحسبان، إليكم بعض الأساطير المرتبطة بالحرب وآثارها التي تحتاج إلى إعادة النظر:

 

"كانت حرب 1967 هي الأكبر تأثيرا والأكثر توابعا في مراحل الصراع العربي الإسرائيلي"

لم ينته الأمر بهذه السرعة، فمن الواضح أن حرب 1967 قد حملت صورة إعلامية وسياسية وذهنية معاصرة أكثر من أي حرب بين العرب وإسرائيل، من حيث السرعة المذهلة للنصر الذي حققه الجيش الإسرائيلي، وحجم الهزيمة العربية الفادحة، واحتلال القدس، وتثبيت طبيعة الاحتلال الإسرائيلي ومشروعه الاستيطاني، كل هذه الأشياء ضمنت بروز تلك الصورة.

 

ورغم ذلك، ثمة ملابسات قد تجعل حرب عام 1948 أكثر أهمية، إذ نشأت عنها دولة إسرائيل، وبرزت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، بالإضافة إلى اندلاع ثورة سياسية على السياسة العربية، نشأ عنها عدة انقلابات عسكرية، وثورات شعبية. بالإضافة إلى "قضية هوية عرب 1948" -الخاصة باللاجئين وقبولهم بالدولة اليهودية- والتي لا تزال قائمة حتى الآن، حيث تُعدّ من أكثر القضايا تعقيدا خلال المفاوضات.

 

كما لا يمكننا أيضا أن نقلل من شأن حرب (أكتوبر/تشرين الأول) لعام 1973، فقد تسببت حرب 1967 في انسداد الأفق حتى كُسر هذا الجمود من خلال الهجوم المشترك للمصريين والسوريين في عام 1973، والجهود الدبلوماسية التي بذلتها الولايات المتحدة الأميركية بعد ذلك. فقد كانت حرب 1973 وليست حرب 1967 هي التي جعلت هارولد ساوندرز -مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى- يصوغ المصطلح الشهير "عملية السلام" خلال فترة حكم كيسنجر، ما مكنه من وضع حجر الأساس لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.

 

"كانت هناك فرص حقيقية ضائعة لإبرام معاهدة بين العرب وإسرائيل في بداية الحرب"

ليس صحيحا، فقد كان هناك عدد من المبادرات، والتصريحات، ومناورات بين الولايات المتحدة وروسيا خلال فترة ما بعد الحرب. ففي شهر (نوفمبر/تشرين الثاني) من عام 1967، صدر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، والذي نص على المبادئ التوجيهية لمفاوضات السلام العربية الإسرائيلية، والتي تُعدّ أهم نتيجة دبلوماسية للحرب. لكن الواقع المخالف للتقديرات كان عملا معقدا ومحفوفا بالمخاطر في أحسن الأحوال، فمن خلال تجربتي الشخصية عندما عملت مستشارا في ملف المفاوضات العربية الإسرائيلية بين عامي 1988 و 2003 لدى وزارة الخارجية أثناء حكم الجمهوريين والديمقراطيين، يمكنني أن أؤكد أن الدبلوماسيين وصناع السلام غالبا ما يُطلقون العنان لتصوراتهم، بينما تكون الفرص منعدمة على أرض الواقع.

 

كاتب المقال آرون ديفيد ميلر -والذي يعمل حاليا نائبا لرئيس مركز وورد ويلسون الدولي للأبحاث- في حوار مع كبير المفاوضين صائب عريقات (رويترز)

 

في 19 (يونيو/حزيران) من عام 1967، قرر مجلس الوزراء الإسرائيلي بشكل سري تسليم سيناء والجولان مقابل إبرام اتفاقية سلام مع المصريين والسوريين، غير أنه لم يتم التوصل لاتفاق بشأن الضفة الغربية، لذا وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على ضم قطاع غزة إلى إسرائيل، وإعادة توطين اللاجئين في مكان آخر في المنطقة.

 

تم تمرير اقتراح مجلس الوزراء الإسرائيلي بصعوبة وبفارق صوت واحد، فقد كان الانقسام الواضح بين الجيش والسياسيين -فضلا عن بعض الجماعات الأخرى- جعل من هذه المبادرة أمرا مثيرا بشكل لا يُصدق. بينما كان العرب الذين لا يزالون يعانون ويلات الهزيمة أكثر تركيزا على تنظيم بيتهم الداخلي، والحفاظ على قدر من الوحدة بعد خزي الهزيمة العسكرية الذي لحق بهم. وحتى لو كان العرض الإسرائيلي جاهزا، فإنه كان سيواجه تحديات هائلة، فقد بدأت مصر حرب استنزاف طويلة، كما أن الموقف العام المتشدد للعرب أعرب عن استحالة بدء عملية مفاوضات جدية، فقد تمخضت قمة الخرطوم في (أغسطس/آب) من عام 1967 عن ثلاث لاءات "لا سلام، ولا تفاوض، ولا اعتراف" لخصت المشهد المتأزم، رغم استعداد الرئيس المصري جمال عبد الناصر -كما بدا حينها- للتفكير في الوساطة الأميركية والروسية، والانسحاب العسكري من الأراضي المحتلة.

 

"الحرب كانت كارثة مكتملة على الفلسطينيين"

ليس تماما، فمن المؤكد أن حرب 1967 -والتي عرفت بالنكسة، في مقابل حرب 1948 التي عرفت بالنكبة- مثلت هزيمة أخرى للفلسطينيين، سواء كنت تصدق المصادر الإسرائيلية أو الأردنية، فقد طُرد قرابة 175 ألفا أو 250 ألف فلسطيني من الضفة الغربية. لكن الحرب سوف تتسبب في عدد غير متوقع من العواقب التي من شأنها أن تعيد تعريف الحركة الوطنية الفلسطينية، فقد كان فقدان الثقة في الدول العربية -وعلى الأخص الإفلاس الذي حظيت به القومية العربية- سببا في اضطرار الفلسطينيين إلى تولي شأنهم الخاص بأنفسهم، فهم لا يُعدون من ضمن الأنظمة العربية، وهم بصدد أن يصبحوا رمزا للرجل العربي الجديد الذي وُلد في أعقاب الهزيمة إلا أنه لم يُقهر بعد.

 

تولى ياسر عرفات عام 1968 سلطة منظمة التحرير الفلسطينية، وفي قمة الرباط التي عُقدت عام 1974 اُعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي أوحد للفلسطينيين، وبدأ الفلسطينيون في التحول من مجرد لاجئين لا حول لهم ولا قوة خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات إلى مقاتلين ومقاومين خلال فترة الستينيات والسبعينيات، ثم تحولوا إلى مفاوضين سياسيين بحلول ثمانينيات القرن العشرين. وربما كان الأمر غير مناسب سياسيا، فرغم الألم والمعاناة الناتجة عن التهجير والتشريد فإن هزيمة العرب قد أحيت الهوية الفلسطينية، ووضعت الفلسطينيين على الخريطة السياسية للمنطقة.

 

  الرئيس الفلسطيني ورئيس منظمة التحرير الراحل ياسر عرفات عام 1974 

 

"كانت حرب 1967 بمنزلة كارثة على إحلال السلام"

غير صحيح، فمن الناحية الإستراتيجية أدت حرب 1967 إلى ولادة واقع جديد لا يمكن إنكاره، وهو ضعف الدول العربية، والتضاؤل المتسارع لاحتمالية القضاء على إسرائيل باستخدام القوة، حتى ولو على مراحل متعددة. بينما ظل الخطاب العربي ينادي بضرورة القضاء عليها، لكن حرب (أكتوبر/تشرين الأول) 1973 -والتي أوشكت فيها إسرائيل على إبادة الجيش الثالث المصري، واقتراب جيش الدفاع الإسرائيلي من دمشق، والتزام الملك حسين ملك الأردن الحياد التام- أكدت بوضوح أنه مهما كانت المشاعر التي تختلج في قلوب قادة الدول العربية فإن أيديهم لم تكن قادرة على تطهير المنطقة من الدولة اليهودية.

 

كانت نتيجة اتفاق فك الارتباط مع سوريا عام 1974 واتفاقية السلام مع مصر عام 1979 استحالة افتراض فتح جبهتين للحرب ضد إسرائيل، وفي ظل  توطيد العلاقات بين واشنطن والقاهرة وعمان كان لا بد من تقليل مخاطر اندلاع صراع بين دولتين، فقد اندلعت حروب كبرى بين العرب وإسرائيل خلال كل عقد من النصف الثاني من القرن العشرين، حيث اندلعت حروب في أعوام 1948، و1956، و1967، و1973، و1982، وكان العقد الأخير من القرن العشرين أول عقد يخلو من الحرب بين العرب وإسرائيل، ولم ينشب أي صراع بين الدول على مر السنوات الخمس والثلاثين الماضية رغم اندلاع صراعات غير متكافئة بين إسرائيل وحماس وحزب الله. لكن التقارب المتنامي بين إسرائيل والدول العربية السنية -لا سيما دول الخليج العربي- أدى إلى نشوء واقعية جديدة في التعامل مع التهديد المشترك الذي يمثله تعاظم القوة الإيرانية، وانتشار الجهاديين السنة، وضجر الدول العربية بالقضية الفلسطينية.

 

  هزيمة حرب الأيام الستة 1967

 

"بعد مرور خمسين عاما، العرب والإسرائيليون والفلسطينيون على استعداد تام لحل الصراع القائم"

لا تراهن على ذلك، إن حقيقة تعهد الرئيس ترمب بإبرام "اتفاق نهائي" يتزامن مع الذكرى الخمسين للفشل في إبرام مثل هذا الاتفاق، وهو ما يجب أن يكون مؤشرا تحذيريا. ما من شك أن إمكانية فتح الحوار الجديد الذي تعهد به الرئيس الأميركي الجديد الذي لا يمكن التنبؤ بأفعاله -على الأقل مجازيا- يقود إلى وفاق إسرائيلي فلسطيني، ويظهر استعدادا من الجانب العربي السني للتواصل مع إسرائيل، فمن شأن الدول العربية أن تدعم وتسهل وتكمل ما يقوم به الإسرائيليون والفلسطينيون رغم عدم تمكنهم من إيجاد بديل لذلك.

 

ورغم ذلك، تُعد المشكلة الأساسية هي عدم ظهور أي دليل على التغيير، بسبب وجود فجوة هائلة حول القضايا الأساسية، مثل حدود عام 1967، ووضع مدينة القدس، واللاجئين الفلسطينيين، والقبول بإسرائيل كدولة يهودية. وحتى بدون تقليص تلك الفجوة، وبصرف النظر عن كيفية بدء عملية سلام جديدة، من الصعب تصور انتهاء الأمر بشكل جيد. وبأخذ ذلك في الحسبان، يُرجح أن تستمر ظلال حربي عام 1967 وعام 1948 لائحة في الأفق.

 

 ===================================

 

المقال مترجم عن: هذا الرابط

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار