انضم إلينا
اغلاق
دول المافيا.. كيف تتلاعب الجريمة المنظمة بالحكومات؟

دول المافيا.. كيف تتلاعب الجريمة المنظمة بالحكومات؟

حمزة عامر

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
يتناول الكاتب ما يُعرَف بدول المافيا، مبيّناً كيف تماهت، أو تغوّلت، الجريمة المنظّمة في عددٍ من المنظومات الحكومية حول العالم، كما يشرح بعض خصائص وارتسامات هذه الظاهرة.

 

نص المادة
كانت الأزمة الاقتصادية العالمية فأل خيرٍ على أشكال الإجرام العابر للقارات، فبفضل الاقتصاد الضعيف أصبحت المنظّمات الإجرامية قادرةً على الاستيلاء على شركاتٍ مألومةٍ مالياً، ولكنها تنطوي على قيمةٍ كبيرة بأسعارٍ بخسة. وأُرغِمت الحكومات في كل مكان أن تقتطع حصصاً من ميزانية مؤسّسات تطبيق القانون والمحاكم في ظلّ سياسات التقشف. ففقد ملايين الناس وظائفهم، ووجدوا أنفسهم مضطرين إلى انتهاك القانون، فضلاً عن وجود عددٍ وافرٍ من الأشخاص العاطلين الذين لهم باعٌ في الجوانب المالية، والمحاسبة، وتكنولوجيا المعلومات، والقانون، واللوجستيات، وهو ما أثرى حقل المواهب الرفيعة التي تستطيع العصابات الإجرامية كسب ودها.
 
في المقابل أصبحت المشاريع القيمية، أو الفيلنثروبية، عملةً أكثر ندرة حول العالم في ظلّ تقليص المانحين لتمويلهم، ما خلق حالةً من العوز إلى التمويل في مجالات الفن، والتعليم، والرعاية الصحية، وغيرها، وهو ما ترك الفرصة سانحةً أيضاً للمجرمين لسدّ هذا النقص مقابل امتيازاتٍ سياسية، وشرعيةٍ اجتماعية، ودعمٍ شعبي. لم يكن المجرمون العالميون ليمنّون أنفسهم ببيئةٍ حركية أفضل من هذه، فأنشطتهم تكون عادةً ذات هامشٍ ربحيٍ عال، وتقوم على التعامل بالدفع النقدي، وهو ما يعني تمتّعهم بسيولةٍ عالية، وبلا شك فهذا ليس بحالٍ سيء في عالمٍ أصبحت فيه القيمة الائتمانية العالمية في الحضيض.

  

في دول المافيا، يُنعِشُ المسؤولون الحكوميون ثرواتهم وثروات عوائلهم وأصدقائهم، ويقومون باستغلال العلاقات العالمية التي تتمتّع بها العصابات الإجرامية لتكريس سلطتهم وتعزيزها

رويترز
  

الفيلنثروبية أو الإحسان، وتعني لغةً حب الإنسان، وهي، بالمفهوم الحديث على الأقل، فعل الأعمال الحسنة بدافع خيرية البشرية. ولكن الموارد المتناقصة وتكالب الخصوم ليست المشكلة الوحيدة التي تواجهها مؤسّسات الشرطة، فضلاً عن المدعين والقضاة، ففي السنوات الأخيرة، طفحَ خطرٌ جديدٌ على السطح: دول المافيا. نجح المجرمون في بقاعٍ مختلفةٍ من العالم في التغلغل داخل الحكومات بصورةٍ غير مسبوقة، كما أن العكس قد شوهد أيضاً، فقد قامت حكومات بالاستيلاء على الأنشطة غير الشرعية للعصابات عوضاً عن محقها. ففي دول المافيا، يُنعِشُ المسؤولون الحكوميون ثرواتهم وثروات عوائلهم وأصدقائهم، وفي نفس الوقت يقومون باستغلال المال، والسلطة، والنفوذ السياسي، والعلاقات العالمية التي تتمتّع بها العصابات الإجرامية لتكريس سلطتهم وتعزيزها.

 

ولم تعد أرفع المناصب في المؤسّسات الربحية غير الشرعية حصراً على الذين انخرطوا في سلك الجريمة، بل أصبح يشغل هذه المناصب في بعض الأحيان مسؤولون حكوميون كبار، ومشّرعون، وزعماء تجسس، ومديرو دوائر شرطة، وضباطٌ عسكريون، وفي بعض الحالات العسيرة، رؤساء دول أو أفراد عوائلهم حتى.

 

نحن لا نتحدّث هنا عن السبل التعاونية، التي تتسم بشيءٍ من التقييد، بين الحكومات والمجموعات الإجرامية كما حصل في الماضي، فاندماج هاتين الكتلتين أمرٌ مختلف. في الماضي، لجأت بعض الحكومات والوكالات التجسسية، بما في ذلك تلك التابعة لدولٍ ديمقراطية، للمجرمين لتهريب السلاح إلى حركات تمرد حليفة في دولٍ أخرى، أو اغتيال بعض الأعداء. (لربما تكون محاولة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) للاستعانة بشخصياتٍ في المافيا الأميركية لاغتيال فيدل كاسترو في 1960 أشهر مثالٍ على هذا).

 

ولكن على النقيض من الدول الاعتيادية، لا يقتصر الأمر على اعتماد دول المافيا أحياناً على المجموعات الإجرامية لتكريس أهدافها السياسية الخارجية، وإنما يصبح المسؤولون الحكوميون الكبار شخصياتٍ حيوية، إن لم يكونوا أنفسهم قادة، مشاريع إجرامية، ويصبح الدفاع عن أعمال هذه التكتلات وتعزيزها أولويةً رسمية. تتداخل المصالح القومية ومصالح الجريمة المنظّمة بصورةٍ متشعّبةٍ بحيث يصبح من المستحيل فصلهما في دول المافيا مثل بلغاريا، وغينيا-بيسار، ومونتريجيرو، وميانمار (المعروفة أيضاً باسم بورما)، وأوكرانيا، وفنزويلا.

 

تمثّل دولٌ كهذه تحدياً عسيراً على صناع السياسات الدولية ومحلّلي السياسات نظراً إلى أن تقسيم السياسات والموارد في دول المافيا يعتمد على نفوذ المجرمين على نفس القدر من العوامل التي تحدّد سياسات أي دولة في العادة. فيستعصي تصنيف دول المافيا، ويتماهى الخط الفاصل بين الدول واللاعبين غير الحكوميين، ونتيجةً لهذا يصعبٌ التكهن بسلوك هذه الدول، وهو ما يجعلها ثقلاً خطيراً في الساحة الدولية.

 

ثورة جرائمية

استفادت المنظّمات الإجرامية من الإنترنت، وهو ما خلق نمواً مهولاً في حجم الجريمة الإلكترونية التي كلّفت الاقتصاد العالمي ما يقارب 114 مليار دولار في عام 2011 وفقاً للشركة المختصة في أمن الإنترنت "سيمانتيك"

رويترز
  
ترتكز الثقافة السائدة حولَ الشبكات الإجرامية الدولية على ثلاثة افتراضات مغلوطة، أولاها هي أن هناك العديد من الناس الذين يظنّون أن عالم الأنشطة غير الشرعية قد أفشى بكل أسراره، ونعم صحيحٌ أن المجرمين، والمهرّبين، والأسواق السوداء كانت، وستبقى، موجودةً منذ زمن طويل، ولكن طبيعة الجريمة الدولية قد مرّت بتغييرات كبيرة في العقدين المنصرمين، فقد توسّعت الشبكات الإجرامية ورسمت لأنفسها حدوداً جديدة تجاوزت أسواقها الاعتيادية، بحيث أصبحت حريصةً على الاستفادة من التحولات السياسية والاقتصادية، واكتشاف التقنيات التكنولوجية الجديدة.

 

ومثالاً على ذلك، كانت المجموعات الإجرامية في 1990 من أوائل مستخدمي الابتكارات الحديثة في مجال التواصل، كطرق التشفير الإلكترونية المتقدّمة، كما استحدثت العصابات الإجرامية طرقاً جديدة لنقل المخدّدرات، مثل "غوّاصات المخدرات": وهي سفنٌ شبه غطاسة (semi-submersible) تتمتّع بالقدرة على الإفلات من الرادارات، وأجهزة السونار، ونظم الأشعة تحت الحمراء. (حتى أن عصابات المخدّرات في كولومبيا أبت إلا أن تتم النقلة إلى غواصات غطاسة بشكلٍ كامل). وفي السنوات الأخيرة، استفادت المنظّمات الإجرامية أيضاً من الإنترنت وهو ما خلق نمواً مهولاً في حجم الجريمة الإلكترونية التي كلّفت الاقتصاد العالمي ما يقارب 114 مليار دولار في عام 2011 وفقاً للشركة المختصة في أمن الإنترنت "سيمانتيك".

 

المغالطة الثانية هي أن الجريمة العالمية هي مجرّد ظاهرةٍ تواجدها تحت الأرض ينشطُ فيها شريحةٌ بسيطةٌ من هوامش المجتمع. ففي الواقع، لا يتكلّف المجرمون اليوم في الكثير من الدول عناء التواري تحت الأرض، ولا هم أيضاً هامشيون بأي شكلٍ من الأشكال، ففي الكثير من الحالات اكتسب أشخاصٌ اشتبه في كونهم قادة مجموعاتٍ إجرامية كبيرة حالةً من الشهرة، وأصبح الأثرياء الذي ينحدرون من خلفياتٍ مشبوهة أشخاصاً فيلانثروبيين يقصدهم القاصي والداني، ونجحوا في التحكم بمحطاتٍ إذاعية وتلفزيونية، وتملك صحفٍ تؤثّر على الرأي العام. يُضاف إلى ما سبق أن كدس المجرميون لثورتهم وقوتهم لا يرتكز فقط على أنشطتهم غير الشرعية، بل أيضاً على أفعال أفراد المجتمع العاديين وتوجهاتهم، وكمثالٍ على ذلك، لك أن تنظر في ملايين المواطنين الناشطين في مجال تزوير المستهلكات في الصين، وفي تجارة المخدرات في أفغانستان، وملايين الغربيين الذين يتعاطون الحشيش، ومئات آلاف المهاجرين الذين يلجأون إلى المجرمين لتهريبهم إلى أوروبا، وعديدِ الموسرين الذين يستأجرون المهاجريين غير الشرعيين لوظائفَ كالتربية والتنظيف. فالأشخاص العاديون هم أيضاً جزءٌ حيوي من النظام الاقتصادي الإجرامي.

 

الخطأ الثالث هو الافتراض الذي يقضي بأن الجريمة الدولية هي قضيةُ تطبيق قانون يجب أن تترك بالكلية لمؤسّسات الشركة، والمدعيين، والقضاة، في حين أن الواقع يجبرنا على رؤية هذه القضية بأنها مشكلةٌ سياسية لها تبعاتٌ تمسّ الأمن القومي. فحجم أعتى المنظّمات الإجرامية الدولية ونطاقها في يجاري، وبسهولة، أكبر الشركات العابرة للحدود في عالمنا اليوم. ويسعى المجرمون، تماماً مثل أي منظّمةٍ شرعية، بالحصول على النفوذ السياسي. وطبعاً لطالما سعى المجرمون إلى إشاعة الفساد في الأنظمة السياسية لمصالحهم الخاصة، ولكن لم يسبق وأن حظيت المجموعات غير القانونية بهذه الدرجة من التأثير السياسي التي تحظى بها اليوم في دول أفريقيا، وأوروبا الشرقية، وأميركا اللاتينية، ناهيك عن روسيا والصين.

  

توظّف موسكو منظّماتٍ إجرامية بصورةٍ منتظمة، كما حصل عندما أمرت المخابرات العسكرية الروسية مجموعةَ مافيا بتزويد المتمرّدين الأكراد بالسلاح في تركيا (رويترز)

 

عبرَت هذه الظاهرة العتبةً في العقد الماضي، وهو ما أدى إلى نهوض دول مافيا قوية. خوسيه جريندا هو مدعٍ عام إسباني أمضى سنوات طويلة وهو يحارب المنظّمات الإجرامية في أوروبا الشرقية، يقول جريندا بأن التفرقة بين مصالح المنظّمات الإجرامية ومصالح حكوماتها المنظّمة أصبح أمراً مستحيلاً له ولزملائه، ووفقاً لجريندا فإن مؤسّسات تطبيق القانون الإسبانية تواجه بصورةٍ مستمرة منظّماتٍ إجرامية تعمل بصفتها ذيلاً لحكومات روسيا البيضاء، وروسيا، وأوكرانيا.

وفي تعليقاتٍ سرية للسلك الدبلوماسي الأميركي والتي نُشرت ضمن تسريبات ويكيليكس، يعبّر جريندا عن قلقه من "النفوذ الهائل" الذي تتمتّع به ما سماه "المافيا الروسية" على قطاعاتٍ استراتيجية من الاقتصاد العالمي، مثل الألمنيوم والغاز الطبيعي، وإن هذا النفوذ، كما يقول جريندا، لم يكن ممكناً إلا في ظلّ التعاون بين الكرملين والمنظّمات الإجرامية الروسية.

 

يعمل المسؤولون الحكوميون والمجرمون في دول المافيا معاً ضمن كتلٍ تجارية قانونية تتمتّع بصلاتٍ وثيقة مع قادةٍ رفيعين وعوائلهم وأصدقائهم. ووفقاً لجريندا، فإن موسكو توظّف منظّماتٍ إجرامية بصورةٍ منتظمة، كما حصل، على سبيل المثال، عندما أمرت المخابرات العسكرية الروسية مجموعةَ مافيا بتزويد المتمرّدين الأكراد بالسلاح في تركيا. هناك أيضاً دلالةٌ أخرى على التقاطع بين الحكومة الروسية والمجموعات الإجرامية في روسيا تمثّلت في قضية سفينة البضائع، "أركتيك سي"، حيث ادعت الحكومة الروسية بأن قراصنةً استولوا على السفينة بالقرب من الساحل السويدي في عام 2009.

وبالفعل أرسلت موسكو قواتها البحرية لإنقاذ السفينة، ولكن يعتقد الكثير من الخبراء بأن السفينة استخدمت في الواقع لتهريب أسلحةٍ بأمرٍ من المخابرات الروسية، وما كانت بهرجة الاستيلاء وإرسال القوات البحرية سوى حيلةً لتغطية عملية التهريب بعدما قامت مخابرات دولٍ معاديةٍ لروسيا بمضايقة العملية. ويقول جريندا بأن التهريب كان عمليةً مشتركةً أدراتها عصاباتٌ إجراميةٌ منظّمة، وما سمّاه، ضمنياً، "المخابرات الأوراسية". وقع الروس في حرجٍ كبير، ولكن النهاية كانت حميدة، وربما ساخرةً بعض الشيء. ومع ذلك، سلّطت هذه القصة الضوء على صعوبة التنبؤ بتراكيبية بيئةٍ أمنية يكون فيها التفريق بين الحسابات الجيوسياسية لدولة وبين الدوافع الربحية لمنظّمةٍ إجرامية أقرب إلى المستحيل.

 

البلاد في قبضة المافيا
استجلبت تجارة المخدرات بلداناً أفريقيةً مع عولمتها، بحيث أصبحت نقاط عبورٍ هامة من دول الأنديز وآسيا إلى الأسواق الأوروبية العطشى للمخدرات (رويترز)
 
بالطبع ليست روسيا هي الدولة الوحيدة التي أُحيل فيها الخط الفاصل بين وكالات الدولة والمجموعات الإجرامية ضباباً. ففي العام الفائت، أي 2011، نشر مجلس أوروبا تقريراً يقتضي بأن رئيس وزراء كوسوفو "هاشم ثاكي" وحلفائه السياسيين يتمتّعون بـ "درجةٍ رهيبةٍ من السيطرة على تجارة الهيروين وغيرها من المواد المخدّرة"، ويشغلون مناصب هامة في "الجريمة المنظّمة في كوسوفو الأقرب، في بنيتها، إلى المافيا". وربما يكون الترابط بين الدولة والجريمة أوثق حتى من هذا في بلغاريا، كما تبيّن برقيةٌ دبلوماسية أميركية من عام 2005 نُشرِت ضمن ويكيليكس، ويجدر بنا اقتباس مقتطعاتٍ طويلةٍ منها نظراً للتصوير المروّع الذي تشتمل عليه هذه البرقية لبلغاريا وغرقها في مستنقع المافيا. ما يلي هو مقطعٌ من البرقية:

 

دُزَّ بعددٍ من الجنرالات الذين شغروا مناصب في مؤسّسات مكافحة المخدرات المكسيكية في السجن، بعد أن أصبحوا جزءًا من الجريمة التي كُلّفوا بمحاربتها

"استشرى الفساد في جميع المؤسّسات البلغارية بسبب الجريمة المنظّمة، بما في ذلك الحكومة، والبرلمان، والجهاز القضائي. حاول رموز الجريمة المنظّمة ترسيخ نفوذهم بغض النظر عمن يصل إلى دفة الحكم عبر التبرع لجميع الأحزاب الرئيسية الكبرى، حيث أن هؤلاء الرموز قد وسّعوا رقة أعمالهم إلى أعمالٍ تجاريةٍ شرعية، محاولين فرش طريقهم إلى كواليس السلطة بالأموال، وقد لاقت هذه المحاولات شيئاً من النجاح. وعلى صعيد المواقع الأدنى من الحكومة وقيادة الأحزاب السياسية الرئيسية، "استحوذت" الجريمة المنظّمة على عددٍ من أعضاء البرلمان ومجالس البلديات. يُعتبر هذا الانخراط المباشر في العمل السياسي، عندما يُقارن بطرق الرشوة، تطوراً جديداً نسبياً بالنسبة للجريمة المنظّمة في بلغاريا. بسطت الجريمة المنظّمة سيطرتها على المجلس البلدي ومكتب العمدة على نحوٍ مشابه في المركز الإقليمي لبلدة فيلنجارد، كما رأينا سيناريوهات مماثلةً بصورةٍ كبيرة في عددٍ من البلدات والقرى الصغيرة حول بلغاريا. يصف "أتاناس أتاناسوف"، عضوٌ في البرلمان البلغاري ومسؤولٌ سابق في مكافحة التجسّس، المشهد في بلغاريا: "المافيا جزءٌ من أي بلد، لكن في بلغاريا فإن البلد جزءٌ من المافيا".

 

تقاطعت أيضاً مؤسّسات الجريمة والحكومة في أفغانستان التي نرى فيها مسؤولين حكوميين ومتصرّفين بلديين يواجهون اتهاماتٍ بقيادة شبكات تجارة المخدرات والتواطؤ معها حسب بما في ذلك أحمد والي كرزاي، الأخ غير الشقيق للرئيس الأفغاني حميد كرزاي الذي اغتيل العام الماضي. واستجلبت تجارة المخدرات بلداناً أفريقيةً أيضاً مع عولمتها، بحيث أصبحت هذه البلدان نقاط عبورٍ هامة من دول الأنديز (فنزويلا، كولومبيا، الإكوادور، البيرو، الأرجنتين، بوليفيا، تشيلي) وآسيا إلى الأسواق الأوروبية العطشى للمخدرات، وفي النهاية كان لا بد أن ينخرط عددٌ من الحكام الإفريقيين وعوائلهم، وسياسيين من مستوياتٍ أدنى، وضباطٌ عسكريون، وأعضاءٌ في الجهاز القضائي في تجارة المخدرات، فعلى سبيل المثال وصمت الحكومة الأميركية في عام 2010 رسمياً عثمان كونتي، نجل الرئيس الراحل لانسانا كونتي في غينيا، بأنه "إسكوبار مخدرات".

 

وأصبحت مؤسّسات الشرطة، والمخابرات، والمحاكم، والحكومات المحلية والبلدية، والمؤسّسات المانحة لجوازات السفر، ومكاتب الجمارك فريسةً سانحةً تستولي عليها الشبكات الإجرامية. في العام الفائت اعتقل عملاء فيدراليون أميركيون ريني سانابريا في بنما بعد أن اتهمَ الجنرالٌ المتقاعد الذي رأسَ وكالة مكافحة المخدرات البوليفية بالتخطيط لشحن مئات كيلوجرامات من الكوكايين لميامي، وأقرّ سانابريا بجرمه ليُحكم بأربعة عشر عامٍ في السجن. وفي سيناريو مشابه، دُزَّ بعددٍ من الجنرالات شغروا مناصب في مؤسّسات مكافحة المخدرات المكسيكية في السجن بعد أن أصبحوا جزءًا من الجريمة التي كُلّفوا بمحاربتها.

  

الرئيس السابق للقوة الخاصة لمحاربة المخدرات الجنرال رينيه سانابريا، والذي اعتُقل في بنما عام 2011 بتهمة الاتجار بالمخدرات

الأوروبية
  

ضربت دولة المافيا أيضاً جذوراً عميقةً في فنزويلا، ففي عام 2010 عيّن الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز الجنرال هنري رانجيل سيلفا قائداً أعلى للقوات المسلّحة الفنزويلية، وبداية هذا العام عُيّن سيلفا وزيراً للدفاع. ولكن في عام 2008، أضافت وزارة الخزانة الأميركية اسمه رانجيل سيلفا إلى قائمة ما يعرفون بـ "إسكوبارات المخدّرات" موجّهين له تهماً بـ "بتقديم العون المادي لأعمال تهريب المخدّرات". كما قامت الوزارة ذاتها بوسم هذا الوصف على عددٍ من المسؤولين الفنزويليين، من بينهم خمسة ضبّاطٍ رفيعي المناصب في الجيش الفنزويلي، ومسؤولٌ كبير في المخابرات، وعددٌ من أعضاء الكونجرس رفيعي المستوى الذين يتمتّعون بعلاقةٍ وثيقةٍ مع تشافيز.
 
في عام 2010، اعتقلت السلطات الكولومبية شخصاً فنزويلياً اسمه وليد ماكليد، اتهمت عددٌ من الحكومات ماكليد بترأس أحد أكبر مجموعات تهريب المخدرات في العالم. وقبل تسليمه لفنزويلا، ادّعى ماكليد بأن في حوزته مقاطع فيديو، ومكالماتٌ هاتفية مسجّلة، وتشيكات ملغية، وغير ذلك من الأدلة التي تثبت علاقته بشبكةٍ إجرامية تضمنّت 15 جنرال فنزويلي (من بينهم رئيس المخابرات العسكرية، ومدير مكتب مكافحة المخدّرات)، وأخو وزير الداخلية في البلاد، وخمسة أعضاء في الكونجرس.

 

شهدت تجارة المخدرات في فنزويلا ازدهاراً واسعاً في السنوات الأخيرة، ويُعزى ذلك، جزئياً، إلى علاقاتٍ من هذا النوع. تتولّى فنزويلا اليوم ضخّ نصف شحنات الكوكايين إلى السوق الأوروبي بحسب مكتب المخدّرات والجريمة التابع للأمم المتحدة، ولا تقتصر النشاطات غير الشرعية على المخدّرات في فنزويلا، فقد أصبحت البلاد قاعدة عمليات تجارة البشر، وغسيل الأموال، والتزوير، وتهريب الأسلحة، وتجارة النفط المهرّب.

 

عدّ علماء السياسات الخارجية فيما مضى الجريمة العالمية مشكلةً ثانوية تقع مسؤولية التعامل معها على عاتق النظم القانونية، فقد كان الاعتقاد السائد بأن أثر الجريمة حقيرٌ مقارنةً بخطر الإرهاب، وتداول أسلحة الدمار الشامل. ولكن لحسن الحظ، نلاحظ اليوم وجود نقلةٍ في العقلية السائدة حول هذه القضية، فهناك عددٌ متزايدٌ من الخبراء وصناع السياسات الذين باتوا يؤمنون بأن الجريمة أصبحت أحد المصادر الهامة للاضطراب العالمي، وخصوصاً مع بروز دول المافيا على السطح.

 

رغم أن كوريا الشمالية أعلنت مؤخّراً باستعدادٍها لإيقاف اختبارات أسلحتها النووية، والكفّ عن تخصيب اليورانيوم، مقابل الحصول على مساعداتٍ غذائية، إلا أنها تبقى دولة دكتاتورية مسلّحةً بأسلحةٍ نووية

رويترز
   

مثالاً على ذلك، انخرطت العصابات الإجرامية في التداول الربحي للأسلحة النووية، فيدعي عبد القادر خان، بائع الأسلحة النووية سيء السمعة، بأنه قام بالبوح بأسرار صناعة القنابل لدولٍ أخرى في سبيل تكريس مصالح باكستان. ولكن الشبكة الدولية التي بناها لتسويق بضائعه وتوصيلها اعتبرَت مشروعاً ربحياً غير قانوني. وحذّر الخبراء في مجال التداول النووي مراراً بأن استجابة الأقطاب غير الدولية قد تكون دون استجابة الدول لإستراتيجيات الردع النووي، ولهذا فهناك سببٌ حقيقي يدفعنا للقلق، فاندماج المنظّمات الإجرامية مع الحكومات قد يجعل مأمورية مهمة الردع أكثر صعوبة.

 

ولربما قد تكون كوريا الشمالية هي المشكلة الأبرز على هذا الصعيد، فبالرغم من أن الكوريين الشماليين أعلنوا مؤخّراً بأنها على استعدادٍ لإيقاف اختبارات أسلحتها النووية، والكفّ عن تخصيب اليورانيوم، والسماح لمفتّشين دوليين بزيارة منشآتها النووية مقابل الحصول على مساعداتٍ غذائية، تبقى الدولة دولة دكتاتورية مسلّحةً بأسلحةٍ نووية، ولا ننسى بأن مسؤولي الولايات المتحدة أطلقوا عليها "دولة السوبرانوس" (نسبةً إلى عائلة السوبرانوز من المسلسل التلفزيوني الشهير The Sopranos (1999-2007) الذي يتمحور حول عائلةٍ السوبرانوز الإجرامية) إشارةً إلى المشاريع الإجرامية التي تُديرها لدولة نفسها. وكتبت "شينا تشيستنت جريتينز"، الخبيرة في علاقات الدولة والجريمة في كوريا الشمالية، بأن كوريا "تملك السبل ولديها بالدوافع لتصدير موادها النووية." محذّرةً بأن "الدولة الموّرة لن تستطيع دائماً أن تتحكّم هذا التداول التي تديره شبكاتٌ غير قانونية" وهو ما يُلقي بمزيدٍ من الغموض على مشكلةٍ خطيرةٍ.

 

وحتى لو تجاهلنا الفكرة القبيحة بوجود دول مافيا نووية، يجب أن لا ننسى أن الحكومات التي لها نشاطاتٌ واسعة في أعمالٍ تجارية غير شرعية لن تتوارى على الأرجح عن استخدام القوة إذا ما شعرت بأن أسواقها المثمرة أصبحت في موضع خطر. ولك أن تنظر على حرب عام 2008 بين جورجيا وروسيا على الأراضي المتنازع عليها في أبخازيا وأوسيتيزيا الجنوبية، فوفقاً لـ "توماس دي وال" من "مؤسّسة كارنيج"، وهو خبيرٌ بشؤون بلاد القوقاز، كانت هذه الأراضي مناخاً خصباً للنشاطات غير الشرعية التي أدارتا منظّمات إجرامية، حيث كانت التجارة غير الشرعية أحد ركائز الاقتصاد.

ومع أن إيجاد دليلٍ على هذا ليس بالمهمة اليسيرة، يُستشفى من حجم هذه النشاطات الاقتصادية تواطؤ مسؤولين روسيين كبار مع هذه النشاطات، حيث لعب هؤلاء المسؤولون دورَ الشريك والراعي لهذه النشاطات. وطبعاً، لا يجدر بنا إهمال العوامل الأخرى الكثيرة التي سعّرت رحى هذا النزاع، بما في ذلك الأزمة العرقية، والسياسات الجورجية الداخلية، ورغبة روسيا في ترسيخ سيطرتها على المناطق القريبة من حدودها، ولكن ليس من المستهجّن أن يظنّ المرء بأن أحد نقاط المصالح التي دفعت الكرملين إلى هذه الحرب هي عمليات التهريب المربِحة في المناطق المتنازَع عليها.

 

تكسب في الظلال

في عام 2010 أُدين جاكي سيليبي، رئيس الإنتربول في ذاك الوقت ومفوّض الشرطة في جنوب أفريقيا، بقبول رشوةٍ قيمتها 156 ألف دولار من مهرّب مخدرات، وهو الآن يقضي محكوميته في السجن تصل إلى 15 عام

رويترز
  
في عالمنا اليوم، هناك أهميةٌ متزايدة لمنع مسخِ الحكومات إلى منظّماتٍ إجرامية وعكس هذه العملية، فلا يكفي فقط تجفيف منابع تهريب السلع المزوّرة، والمخدّرات، والأسلحة، والبشر لمحاربة الجريمة العابرة للحدود. ستبقى دائماً التجارة غير الشرعية تنطوي، في جوهرها، على مساوئ كثيرة، ولكن الخطر يتضخّم على المجتمع عندما يصبح المجرمون مسؤولين حكوميين في مناصب عليها، وعندما تستولي الحكومات على المنظّمات الإجرامية. ولكن اليوم تقف وكالات تطبيق القانون عاجزةً تماماً أمام منظّمات قانونية تتمتّع بالثروة، ولا تترفّع عن العنف أو القسوة، وتقف وراءها، فوق كل هذا، حكوماتٌ وطنية بدبلوماسييها، وقضاتها، وجواسيسها، وجنرالاتها، ووزرائها، ومؤسّسات الشرطة فيها.


تتمتّع دول المافيا بالموارد المالية التي تمكّنها من توظيف أفضل المحامين والمحاسبين، وبين يديها أحدث التقنيات التكنولوجية. فلا تستطيع وكالات تطبيق القانون ذات التمويل المنضَب، والمحاكم التي تفوق واجباتها طاقتها، والبيروقراطيات البطيئة أن تجاري هذه المؤسّسات بتمويلها وحيويتها.

 

كما تشكّل الحدود القومية لوكالات تطبيق القانون عائقاً آخر، في حين تنشط المنظّمات الإجرامية الكبيرة، وأيضاً عملاء دول المافيا، في أكثر من دائرة سلطةٍ قضائية واحدة. فتستفيد دول المافيا من سرعة ومرونة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود كما أنها تنعم أيضاً بالحماية القانونية والامتيازات الدبلوماسية التي لا تحظى بها سوى الدول، لتكون النتيجة النهائية هي لاعبين دوليين في صورةٍ هجينة تقف أمامها وكالات تطبيق القانون المحلية مكتوفة الأيدي بصورةٍ شبه كاملة. وأيضاً تتصف الأدوات الحالية التي يمكن استخدامها لمواجهة هذا الخطر الجديد -المعاهدات، والمنظّمات متعدّدة الأطراف، وصور التعاون بين وكالات تطبيق القانون القومية- بالبطء، كما أنها غير عملية، وغير ملائمةً لهذه المشكلة. ففي النهاية، يصعب أن تتخيّل أن يستطيع بلدٌ ما أن ينسّق جهوده لمكافحة الجريمة مع قادةٍ حكوميين وضباط شرطة إذا ما كانوا هم أنفسهم مجرمين.

 

إنّ بروز دول المافيا على السطح يشكّل خطراً جوهرياً على مبدأ تطبيق القانون الدولي. في عام 2006، اجتمع رؤساء 152 مؤسّسة شرطةٍ في البرازيل في الاجتماع العام الخامس والسبعين للإنتربول، المنظّمة متعدّدة الأطراف التي يُطلب منها، كما جاء في دستورها، بأن "ترعى وتكرّس جهود التعاون المشترك بين جميع سلطات الشرطة." وفي كلمته الافتتاحية، حثّ "جاكي سيليبي"، رئيس الإنتربول في ذاك الوقت ومفوّض الشرطة في جنوب أفريقيا، زملائه على "إيجاد أنظمةٍ تضمن أن حدودنا وأمنها قائمٌ على أسسٍ متينة." وليس لأحدٍ أن يشكّك في نبل هذا الهدف بالطبع، ولكن للأسف تبيّن لاحقاً أن بطل القضية إنسانٌ دنيء، ففي عام 2010، أُدين سيليبي بقبول رشوةٍ قيمتها 156 ألف دولار من مهرّب مخدرات، وهو الآن يقضي محكوميته في السجن تصل إلى 15 عامٍ.

  

من المحزن أن معظم مبادرات مكافحة الجريمة هي محليةٌ بالصورة الرئيسية، بالرغم من وجود إجماعٍ شبه كوني بأن محاربة الجريمة الدولية يتطلّب تحركاً على المستوى الدولي (رويترز)

 

ولكن المشكلة الأكبر في الإنتربول، والأكبر حتى من أي فضيحةٍ فردية، هي ما يسمّيها أناسٌ من داخل الإنتربول نفسه "مشكلة انعدام الثقة" وهي مشكلةٌ أقضّت مضجع الإنتربول لسنوات، فقد قال لي مسؤولٌ رفيع في وكالة الجريمة المنظّمة في المملكة المتحدة عندما سألته عن الإنتربول: "المحزن أنني لن أقوم بإفشاء أفضل وأخطر معلوماتٍ لدي مع مؤسّسات الشرطة الروسية أو المكسيكية." وبالرغم من أن الوكالة تبذل جهوداً استثنائية لصيانة سرية المعلومات التي يقدّمها أعضاءها، تتحفّظ وكالات تطبيق القانون عن إفشاء الكثير من المعلومات.

 

مع تبلور وجه دول المافيا، بدأ مسؤولو تطبيق القانون حول العالم بتطوير سياساتٍ واستراتيجياتٍ جديدة للتعامل مع هذه الدول، بما في ذلك الاشتراط على المسؤولين الرفيعين في القطاع العام بالكشف عن أمورهم المالية، وإجراء عمليات تدقيقٍ واسعة للمحاسبين، والمحامين، وخبراء التكنولوجيا الذين يحمون أسياد الجريمة، والعمل على تحسين التنسيق بين الوكالات المحلية المختلفة. لقد مثّل نهوض دول المافيا سبباً آخر يدفع العالم إلى تسريع عملية السعي لإيجاد طرقٍ لعولمة محاربة الجريمة.

 

ويُمكن وصف منهجية تأسيس "تحالف الشرفاء" في وكالات تطبيق القانون بأنها أحد الطرق الواعدة لهذا، بحيث يكون من الصعب أن تتوغّل أو تستولي المجموعات الإجرامية على هذه التحالفات. وهناك بالفعل بعض الدول التي بدأت بتجربة أمورٍ كهذه، بحيث يتجاوز هذا التعاون الثنائي ضد الجريمة من خلال تضمين ممثّلين من وكالات استخباراتية، والقوات المسلّحة فضلاً طبعاً عن وكالات تطبيق القانون. ويمكن أيضاً العمل على خطوةٍ تكمّل هذه الجهود بتطوير شبكاتٍ عابرةٍ للحدود تتألّف من القضاة، وضباط الشرطة، ومحللّين استخباراتيين، وصناع سياسات لتكريس درجةً أعلى من التعاون من تلك التي يختص بها الإنتربول الذين يرتكز على الثقة بين مسؤولي مكاتب تطبيق القانون الذين حاربوا الشبكات الإجرامية العابرة للحدود معاً لعقود. وكما هو معروفٌ دائماً، فإن التعاونات طويلة المدى بين أفرادٍ ذوي عقلياتٍ متشابهة ألفوا بعضهم البعض، ويتشاركون في القيم أكثر فعاليةً من التنسيق الرسمي بين مؤسّسات بالكاد يعرف مسؤولوها بعضهم البعض.

  

إن تخصيص المال العام لتقويض قوة دول المافيا سيكون أمراً بلا طائل أو حتى بنتائج عكسية إلا إذا دُفِعَ التمويل لمؤسّسات شرطةٍ تتمتّع بمعرفةٍ وفيرة

رويترز
 

من المحزن أن معظم مبادرات مكافحة الجريمة هي محليةٌ بالصورة الرئيسية، بالرغم من وجود إجماعٍ شبه كوني بأن محاربة الجريمة الدولية يتطلّب تحركاً على المستوى الدولي. وبالرغم من أن دول المافيا جعلت من الجريمة الدولية قضية أمنٍ قومي، لا تزال مسؤولية محاربتها تقع على عاتق وكالات تطبيق القانون بصورةٍ حصرية. ويخبرنا الواقع بأن، وحتى في الدول المتقدّمة، مؤسّسات الشرطة ونظم تطبيق القانون الأخرى نادراً ما تنسّق مع المؤسّسات المختصة بالأمن القومي مع أن الجريمة العابرة للحدود تهدّد الحكم الديمقراطي، والأسواق المالية، وحقوق الإنسان.

 

يبقى نقص الوعي بين المواطنين العاديين وصناع السياسات حول مدى تفشي هذه الظاهرة عائقاً هاماً في محاربة انتشار دول المافيا. فالجهل بحجم المشكلة ونطاقها سيجعل العمل على زيادة ميزانيات المؤسّسات الموكَلة بمحاربة الجريمة الدولية، الهزيلة أصلاً، أو تبريرها حتى أمراً أكثر صعوبة، وخصوصاً والتقشف المالي أصبح ديدنّ هذا الزمن. ولكن سيكون من الصعب تعزيز هذا الوعي عندما نفتقر إلى فهم العديد من جوانب عملية "جرمنة" الدولة، وهنا تكمن مشكلةٌ أكبر. فتخصيص المال العام لتقويض قوة دول المافيا سيكون أمراً بلا طائل أو حتى بنتائج عكسية إلا إذا دُفِعَ التمويل لمؤسّسات شرطةٍ تتمتّع بمعرفةٍ وفيرة.

 

 للأسف، لا تتوفّر الكثير من المعلومات عن ظاهرة دول المافيا، وبيئات العمل التحليلية التي توظّفها الحكومات حالياً لهذه المشكلة تتسم بالرجعية، وتقوم على مفاهيم أكل الدهر عليها وشرب للجريمة المنظّمة. لا بد إذا من توظيف سلطات تطبيق القانون، والوكالات الاستخباراتية، والمنظّمات العسكرية، ووسائل الإعلام، والأكاديميين، والمنظّمات غير الحكومية لمعالجة مشكلة قحط المعرفة على هذا الصعيد، وتوفير معلوماتٍ يُعوّل عليها. ومع هذا، لن يكون هذا سوى خطوةٍ أولى، وحتى ربما غير كافيةٍ وحدها.

____________________________________

المقال مترجم عن: الرابط التالي

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار