انضم إلينا
اغلاق
ما بعد تنظيم الدولة.. العراق يتطلع إلى الأردن

ما بعد تنظيم الدولة.. العراق يتطلع إلى الأردن

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مع انهيار الدولة الإسلامية الوشيك في الموصل، تلجأ العراق بالفعل إلى خطوات لإعادة الأمن، وتنشيط التنمية في محافظة الأنبار، وستكون إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي على طول حدودها مع الأردن أمرا بالغ الأهمية لنجاة العراق سياسيا.

 

هزيمة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق باتت وشيكة، وكثير من التركيز الموجه لبغداد سيشمل براعتها الأمنية.

 

غير أن الاختبار طويل المدى سيكون قدرتها على تسخير العلاقات مع البلدان العربية المحيطة بها والحفاظ عليها من خلال التجارة وحرية التنقل، ولكي تعيد فرض نفسها في بيئة ما بعد تنظيم الدولة فإن بغداد لا تعتمد فقط على مستقبل محافظة الأنبار المضطربة، وإنما على المملكة الأردنية الهاشمية لضمان بقاء بوابة العراق الرئيسة إلى العالم مفتوحة.

 

تُعدّ محافظة الأنبار أكبر مساحة أرض في العراق، وتقع على حدود ثلاث دول مجاورة هي السعودية وسوريا والأردن. دفعت المنطقة منخفضة الكثافة السكانية ثمنا باهظا أثناء سعي بغداد لتحرير البلاد من تنظيم الدولة، ففي الرمادي والفلوجة مناطق دُمرت بأكملها حيث استهدفت قوات الأمن العراقية والتحالف المسلحين بالغارات الجوية ومارست عليهم الحصار، وفي جميع أنحاء المحافظة لا يزال هناك انعدام ثقة عميق في الحكومة العراقية، وهو شعور دفع العديد من المتمردين العراقيين من كونهم خلايا قومية تحت الأرض إلى الفكر الجهادي لتنظيم الدولة الإسلامية.

 

أخذت العراق إجراءات لتعزيز الأمن على طول الطريق السريع الرابط بين بغداد والأردن  (رويترز)

 

فراغ أمني تملؤه ثلاث دول

لا يزال العنف يشكل تهديدا لقوات الأمن العراقية والمدنيين في الأنبار، وقد أسفر هجوم في بلدة رطبة عن مقتل 10 جنود في نهاية (أبريل/نيسان). هذه المدينة ذات الأهمية الإستراتيجية هي آخر منطقة حضرية رئيسة قبل الحدود مع الأردن، وقعت رطبة في أيدي المتطرفين (مايو/أيار) 2014 والذين سرعان ما تقدموا للاستيلاء على الحدود، ومن المرجح أن تكون الهجمات الأخيرة التي قامت بها الدولة الإسلامية ردا على ارتفاع وتيرة المناورات الأمنية التي قامت بها العناصر القبلية مناوئة لتنظيم الدولة الإسلامية شمال رطبة في وقت سابق من الشهر.

 

أخذت العراق إجراءات لتعزيز الأمن على طول الطريق السريع الرابط بين بغداد والأردن، وتذكر وسائل التواصل الاجتماعي أن الجيش العراقى نشر مؤخرا مزيدا من القوات على طول طريق النقل الرئيس. في (مارس/آذار)، أفضى جهد مشترك بين قيادة عمليات "نحن قادمون يا نينوى" ووحدة عمليات شرق الأنبار العراقية، إلى القبض على أحد كبار قادة تنظيم الدولة في محافظة الأنبار، وتعمل العراق على زيادة التعاون العسكري مع الحكومة السورية من خلال تنسيق الضربات الجوية ضد المواقع الجهادية على طول المنطقة الحدودية.

 

ومع ذلك، فإن انتشار العنف من الحرب الأهلية في سوريا لا يزال يشكل تهديدا حقيقيا، فقد انتقلت مئات القوات الحكومية السورية -التي تدعمها نحو 3 آلاف من قوات الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران- مصحوبة بالدبابات إلى بلدة السبع بيار الصحراوية بالقرب من الحدود السورية والعراقية والأردنية.

 

لقيت هذه الخطوة -التي قام بها نظام الأسد على الأرجح لتأمين الطريق السريع بين دمشق وبغداد- غارة جوية أميركية قاتلة على قافلة من الميليشيات الموالية للأسد، وتم ذلك لمنع النظام من تضييق الخناق على القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في منشأة الطنف الحدودية في سوريا بالقرب من الحدود الأردنية والعراقية، كما قامت الحامية الأميركية نفسها بصد هجوم تنظيم الدولة في (أبريل/نيسان)، ومن الواضح الآن أن الولايات المتحدة تعتزم منع الحكومة السورية من إعادة بناء طريقها البري إلى حليفها إيران، واحتمال أن يكون رجال الميليشيات الذين قتلوا في الغارات الجوية هم من العراقيين الذين جنّدتهم إيران للقتال في سوريا قد يعقّد الأمور لكل من واشنطن وبغداد.

 

 قوات أميركية وإيطالية ضمن التدريبات المشتركة على الحدود الأردنية السعودية مايو 2017 (رويترز)

 

رغم الحذر الموجود في المؤسسة الأمنية الأردنية من أنشطة إيران الأخيرة بالقرب من الحدود، وكون العراق صار جزءا من "الجسر البري الإيراني"، فقد اتخذ الأردن بعض الخطوات المبدئية نحو تطبيع العلاقات مع دمشق بعد الحرب الأهلية السورية، وقد قام المسؤولون العسكريون الأردنيون بزيارات إلى دمشق وموسكو مع كونهم البلد العربي السني الوحيد الذي يحضر محادثات السلام في أستانا.

 

بالطبع لا يزال العراق يحتفظ بموطئ قدم في المعسكر الموالي للغرب أيضا، واستضافت الأردن العراق والعديد من الدول الغربية خلال التدريب العسكري السابع "Eager Lion" الذي عقد على مدى أحد عشر يوما واشتمل على عنصر أمن الحدود. تأسيس علاقة تجارية متينة مع الأردن سيكون أمرا بالغ الأهمية لأن غالبية العالم السني لا يزال يشعر بالقلق من إقامة علاقة جديدة مع العراق نظرا للوجود الإيراني الكبير في البلاد.

 

الدبلوماسية والشكوك الجغرافية السياسية

أثرت الصراعات الإقليمية على الاقتصاد الأردني، وبسبب معدل النمو البطيء والعجز الشديد في الموازنة عانت المملكة لجذب السياحة وإرضاء الشباب القلق. ومع ذلك، فإن الأردن لم تحافظ على استقرارها وحسب، بل نجحت أيضا في الاحتفاظ بمكانها في مجال السياسة الخارجية في واشنطن، خاصة مع وصول إدارة ترمب المتهورة. حتى الآن أبلى الملك عبد الله بلاء حسنا في الحفاظ على العلاقات الإستراتيجية الأميركية الأردنية، فضلا عن توجيه الرئيس الجديد في الفروق الدقيقة في سياسة الشرق الأوسط، وعلى الأرجح ستتبع بغداد خطى الأردن في إدارة علاقاتها الجديدة مع البيت الأبيض.

 

كانت المملكة الهاشمية نقطة دخول أساسية إلى العراق الذي مزقته الصراعات منذ الاحتلال الأميركي، إذ إن مشروعات التنمية الحكومية والعسكريين والمسافرين من رجال الأعمال وبرامج التبادل الثقافي بين الغرب والعراق يتم ضخها جميعا عادة من خلال الأردن.

 

وبسبب الصراعات في العراق ينظر الأردنيون إلى اللاجئين العراقيين نظرة تملؤها الشكوك، ولا يزال العراق يعتمد بشكل كبير على الأردن باعتبارها بوابة إلى العالم الخارجي، فالبلد بعد عزلته فترة طويلة لم يتبق أمامه الكثير من الخيارات. حاولت الولايات المتحدة الأميركية التخفيف من عزلة العراق من خلال تحسين علاقاتها مع دول الجوار، لكن نجاح تلك الجهود كان مشوبا في أحسن حالاته.

 

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ورئيس الوزراء الأردني السابق عبدالله النسور (رويترز)

 

تأتي الأهمية البالغة لعلاقة العراق بالأردن جراء شكوكها المتبادلة مع جارتها الجنوبية المملكة العربية السعودية، فعلى سبيل المثال، تعاقدت المملكة العربية السعودية -جارة العراق الجنوبية- مع مجموعة إيرباص لبناء حاجز حدودي يبلغ مسافة 600 ميل على حدودها مع العراق، غير أنه في الآونة الأخيرة بدأت العلاقات بين البلدين في التحسن ببطء، إذ كان العراق مسرورا لدى إعادة فتح بوابة عرعر إلى المملكة العربية السعودية في صيف 2016 والتي تقع إلى جنوب الرمادي بحوالي 280 ميلا، ما سمح باستمرار تدفق الحجاج العراقيين إلى الأماكن المقدسة للمرة الأولى منذ حرب العراق عام 2003، غير أن العلاقة بين البلدين أبعد ما يكون عن الكمال.

 

لاقى تشجيع إدارة ترمب للمحادثات بين الحكومة السعودية وبغداد نجاحا بدرجات متباينة، كما أن استئناف الرحلات المباشرة وإلغاء الديون العراقية البالغة 30 مليار دولار أميركي يبدوان مُرضِيان للوضع الحالي.

 

إن إطلاق سراح مجموعة الصيد القطرية  مؤخرا -والتي تزامنت مع اتفاقية نقل السكان سوريا مع مزاعم عن فدية مدفوعة لمليشيات وهو ما تنفيه الحكومة القطرية- سيجعل التعاملات المستقبلية مع دول الخليج العربي صعبة، وقد عبر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن أسفه إزاء الحدث، ما يدل على الخلاف الواقع بين النخبة السياسية العراقية الحاكمة بشأن وضع الأنشطة الإيرانية في العراق.

 

كالعنقاء.. هل تصعد جبهة جديدة من بين الرماد؟

بالنسبة للأردن، كان فقدان التجارة البرية أثناء الحملة على "تنظيم الدولة" بمنزلة خسارة اقتصادية بالغة، لا سيما أن البلد يعاني من معدل بطالة مرتفع مع نقص في الموارد الطبيعية. وقد أوردت وكالة أسوشيتد بريس أن الأرباح التجارية قد انخفضت من 1.16 مليار دولار في عام 2014 إلى 690 مليون دولار في عام 2015. لكن الوضع يتغير سريعا مع بزوغ فرص جديدة في الأفق، إذ يعمل البَلَدان على تطبيق إلغاء الرسوم الجمركية على قائمة عريضة من المنتجات تهدف إلى تحسين التجارة عبر الحدود وتشجيعها.

 

 الملك عبدالله ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي (رويترز)

 

وقد اجتمع البلدان في (مارس/آذار) الماضي لتخطيط تنمية موارد الطاقة الإقليمية، وقد أشار إبراهيم سيف -وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني- إلى أن المرحلة الأولى من خط أنابيب البصرة العقبة المزمع تدشينه في 2017 سيمتد من مدينة البصرة جنوب العراق عبر صحراء النجف ليصل في نهاية المطاف إلى ميناء العقبة البحري الأردني.

 

صرح وزير الصناعة والتجارة والتوريد يعرب قداح أن "توفير التسهيلات، وتشجيع المستثمرين العراقيين في الأردن والتعجيل ببناء خط أنابيب النفط بين العراق والأردن كانت أبرز الموضوعات خلال المباحثات".

 

سيكون هذا خط الأنابيب الأول الذي يمتد من العراق إلى الأردن منذ خط أنابيب الموصل حيفا المنكوب، والذي كان يمر عبر الأردن ليصل للبحر الأبيض المتوسط. في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، استهدفته كلا من الميليشيات العرب وجماعة إرغون الصهيونية عدة مرات حتى انتهى أخيرا نتيجة لانتصار إسرائيل في حرب 1948، ولم يكد يُثار الحديث حول إعادة تشغيل خط الموصل حيفا بعد إطاحة الولايات المتحدة الأميركية صدام حسين حتى اندثر.

 

في (إبريل/نيسان)، اجتمع مجلس الأعمال الأردني العراقي في عمان لوضع خطة إحياء التجارة البرية عبر الحدود، وكان من بين الموضوعات التي نوقشت مشروعات الإسكان في العراق، المناطق اللوجستية على الحدود العراقية الأردنية وبناء موانئ برية بإمكانيات تسهل نقل البضائع بين البلدين، وقد نسق المجلس للاجتماع مجددا في بغداد (أكتوبر/تشرين الأول) القادم.

 

 

علاوة على ذلك، وقَّع العراق على اتفاقية مع شركة "أوليف غروب" الأميركية لإصلاح الطرق وترميم 36 جسرا مدمرا، وبناء أماكن استراحات، ومحطات وقود والإشراف على أمن الطرق المؤدية لمعبر تبريل الحدودي. وفي إشارة مؤكدة للتحديات السياسية الماثلة مستقبلا عقب سقوط الدولة الإسلامية، أعربت العديد من الفصائل الشيعية العراقية المدعومة من إيران عن استيائها من استعانة بغداد بشركة أميركية خاصة من أجل تحقيق أمن الحدود والنقل.

 

كما أضافت الشائعات المستمرة عن ارتباط الشركة الأميركية بشركة بلاك ووتر إلى المشاعر السلبية إزاء المشروع، ولا يزال هناك أعضاء في البرلمان العراقي يدفعون باتجاه المزيد من التعاون مع الحكومة السورية لأجل تأمين الحدود، فضلا عن أن الضربات الجوية الأميركية في سوريا ضد المليشيات الشيعية الموالية للنظام بإمكانها زيادة احتمالية الهجمات الانتقامية من قبل قوات الحشد الشعبي الشيعي في العراق ضد القوات الأميركية.

 

كانت محافظة الأنبار المركز الرئيس لتنظيم القاعدة في العراق التي تعد منظمة تمهيدية لتنظيم الدولة الإسلامية، وقد دعا محمود المشهداني -أحد كبار السياسيين السنة- للتوصل إلى ما أسماه بـ "تسوية تاريخية" لمنع تفكك البلاد. وتعد الإصلاحات السياسية، واللامركزية، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار المباشر في المناطق السنية جميعها مطالب رئيسة مطروحة على طاولة الحوار، فبغداد أمامها فرصة حقيقية لرأب جراحها القديمة، ولتحقيق ذلك ستعتمد على صداقتها مع الأردن، في حين أن الأحداث في سوريا والعراق قد تجعل من عملية التعافي عملية مرهقة ومليئة بعدم اليقين.

 

==========================================

 

التقرير مترجم عن الرابط التالي

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار