انضم إلينا
اغلاق
"البحرية المصرية".. جنود أوروبا المخلصون في البحر المتوسط

"البحرية المصرية".. جنود أوروبا المخلصون في البحر المتوسط

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
يُظهر مقطع فيديو قصير -يمتد لـ 51 ثانية فقط، لم يلق حظه من الانتشار على أهميته، ويفتقر تمامًا إلى أي معالم للإبهار البصري والسمعي التي تتميز بها هذه المقاطع عادة- رجلين مسلحين يحملان مدفعي "آر بي جي" بدائيين، ويقومان بإطلاق القذائف من مسافة قصيرة، تجاه سفينة حاوياتٍ صينية كانت تمر في ذلك التوقيت عبر قناة السويس، يتخفّى المسلّحان خلف فروع الأشجار الساترة لكثير من التفاصيل، رغم أن العملية -كما يبدو من المقطع- قد جرى تنفيذها في وضح النهار.

 

تم بث المقطع مزيّنًا بشعار جماعة تدعى "كتائب الفرقان"، مع العَلَم التقليدي المميز لـ"تنظيم القاعدة". وفي وقت لاحق أصدرت الكتائب بيانًا أعلنت فيه مسؤوليتها عن العملية وتوعدت بشنّ المزيد من العمليات، محذرة: "سنعاود مهاجمة المجرى، وتوجيه ضربات قاصمة إلى النظام وأعوانه ومؤسساته"، ومؤكدة أن استهدافها للمجرى المائي جاء بسبب "استخدامه كممر للمعدات الحربية الأجنبية المستخدمة في النهاية لقتل المسلمين".

 

  مقطع الفيديو المشار إليه
 

وقع ذلك الحادث في يوم 31 (يوليو/تموز) عام 2013، بعد أقل من شهر من إطاحة الجيش المصري بالرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين "محمد مرسي"، وكان الهجوم هو الثاني من نوعه، بعد هجوم مماثل تمامًا استهدف سفينة بَنمية قبل يومين فقط من العملية الصينية، وتبنته نفس الكتائب أيضًا. لم تصب السفينة البَنَمية بأية أضرار، في حين أصيبت السفينة الصينية بأضرار محدودة، ولم يتم تعطيل الملاحة في قناة السويس. قام الإعلام المصري بالتكتم على الواقعة بشكل كبير قبل أن تضطر السلطات المصرية إلى الاعتراف بوجود استهداف محدود للقناة، بعد أن أثار المقطع الكثير من الجدل في وسائل إعلام أجنبية، نظرًا للمكانة العالمية التجارية التي تحظى بها قناة السويس.

 

بشكل عام لا يمكننا أن ندعي أن مصر تعاني في الأعوام الأربعة الأخيرة أي فقر في معدلات العنف النظامي أو "الميلشيوي"؛ بل في حقيقة الأمر يبدو تزايد أنشطة الجماعات العسكرية وشبه العسكرية هو المبرر الدائم الذي يستحضره الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" لتبرير إنفاقه المكثف على شراء أسلحة متطورة، بمعدل يبدو "مثيرًا للريبة" في أفضل الأحوال في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد.

وفي حين تبقى قضية التسليح دومًا إحدى القضايا المقدمة دائمًا في غلاف شعور قومي شديد الحساسية، فمن لا يرغب أن تحوز بلاده جيشًا قويًا! إلا أنه من غير المنطقي تجاهل الرابط بين التهديد الذي أثارته احتمالية استهداف القناة، كما أعلنت(1) قوات الجيش قبلًا إحباطها لهجوم بصواريخ جراد على القناة في (فبراير/شباط) عام 2015، وبين النمط الغالب على الصفقات العسكرية التي أبرمها نظام السيسي، والتي كانت -حال استثنينا صفقة طائرات "الرافال" الفرنسية باهظة التكلفة، والمعدات الأميركية التي تأخر تسليمها بفعل الانقلاب العسكري، وهي طائرات الإف 16 ومروحيات الأباتشي ودبابات إبرامز- تبدو نمط صفقات موجّهٍ بشكل مكثف لتعزيز قدرات قوات مصر البحرية.

 

السباق المحموم

قرابة 3600 ميل بحري و22 يومًا من الإبحار قطعتها الغواصة المصرية الجديدة، ألمانية الصنع، "تايب 209" قبل أن تصل إلى المياه الإقليمية المصرية، تحت قيادة طاقم مصري قضى أكثر من ثلاثة أشهر في التدريب على الإبحار بالغواصة في المياه الضحلة والعميقة، وبإشراف الخبراء الألمانيين، قبل أن تخوض الغواصة الجديدة بالفعل أولى مهامها القتالية بالاشتراك مع القوات الجوية منتصف (أبريل/نيسان) الماضي.

 

قوات البحرية المصرية المسؤولة عن الغواصة الجديدة في مدينة هامبورغ الألمانية (مواقع التواصل)

 

تعد "تايب 209" إحدى الغواصات التقليدية الأكثر تطورًا على مستوى العالم(2)، ويتم بناؤها من قبل مجموعة "تيسن" في ميناء كيبل الألماني، وهي مسلحة بصواريخ "هاربون" المضادة للسفن ولديها القدرة على زرع الألغام. ويمكن اعتبار "تايب 209" مفيدة بشكل كبير في عمليات المراقبة البحرية وجمع المعلومات الاستخباراتية، ومناسبة بشكل مثالي لعمليات القوات الخاصة. وجرى التعاقد الأولي على شراء الغواصة في عام 2011، وقد شمل طلب شراء وحدتين فقط؛ إلا أن مصر عادت في عام 2014 وعززت طلبها بوحدتين إضافيتين.
 
ومثلت الصفقة -بشكل عام- نقلة نوعية في القدرات التشغيلية للبحرية المصرية؛ إلا أنها لا تعد التحرك المصري الأوحد في هذا المضمار؛ ففي (مارس/آذار) عام 2014 أبرمت مصر مع فرنسا صفقة بقيمة مليار يورو(3)، تحوز مصر بموجبها أربعة طرادات من طراز "غويند-2500"، مسلحة بصواريخ "إكسوسيت 40" المضادة للسفن، على أن تشمل -أيضًا- نقل تكنولوجيا التصنيع؛ حيث سيتم بناء ثلاثة من هذه الطرادات في مصر.

 

أما الصفقة الأكثر إثارة للانتباه، فتم إبرامها في (أكتوبر/تشرين الأول) من عام 2015، حين أعلنت مصر وفرنسا عن توصلهما إلى اتفاق تحصل بموجبه مصر على سفينتي هجوم برمائيتين من طراز ميسترال، مقابل مبلغ 950 مليون يورو. وكانت السفينتان قد تم إعدادهما بالأساس لصالح روسيا؛ ولكن تم إلغاء الصفقة في أعقاب التورط الروسي في أوكرانيا. ووافقت روسيا على نقل بعض معدات القيادة والسيطرة الروسية التي تم تركيبها بالفعل على السفن إلى مصر، جنبًا إلى جنب مع ضمان بيع 50 طائرة هليكوبتر من طراز "كيه 52"، وهناك طراز بحري خاص من هذه الطائرة، سيتمركز بعضها على متن حاملتي الطائرات ميسترال.

 

 

كان مجرد طرح فكرة استهداف قناة السويس كافيًا وحده لجلب الكثير من الانتباه إلى أهمية تعزيز القدرات البحرية المصرية. ففي حين تمثل القناة إحدى أيقونات الشعور القومي المصري؛ بالنظر إلى الجدل الوطني المصاحب لعملية حفرها ثم تأميمها، وأخيرًا عبورها خلال حرب (أكتوبر/تشرين الأول) عام 1973؛ فإن النقاش حول العلاقات المصرية مع الغرب، وبالأخص المساعدات الأميركية المقدمة للقاهرة، كان دوما نقاشًا متعلقًا بقناة السويس بالأساس، أو على وجه الدقة بمدى قدرة مصر جغرافيًا على العمل كرابط أكثر أمنًا وفعالية لنقل التجارة العالمية، والمعدات العسكرية إذا لزم الأمر، بين الشرق والغرب، وكان أمن القناة -المرتبط باتفاقية السلام مع إسرائيل- هو السبب الرئيس لتلقي مصر أكثر من 76 مليار دولار من المساعدات الأميركية حتى عام 2015.

 

على مدار تاريخها البالغ قرابة عقد ونصف؛ تم إغلاق قناة السويس في خمس مناسبات، كان أبرزها إبان العدوان الثلاثي حين قام الرئيس المصري "جمال عبد الناصر" بإغراق 40 سفينة في القناة عام 1956 لإغلاقها أمام الملاحة(4)، ثم خلال الفترة ما بين عامي 1967 و1975 بفعل الحرب المصرية الإسرائيلية، وكانت هذه الفترات كافية لجذب انتباه العالم إلى محورية ممر يعبر منه اليوم 8% من حجم التجارة العالمية بالكامل. ورغم أن إغلاق القناة كان يتم عادة تحت وطأة حروب كبرى، تبقى الحقيقة أن قناة السويس هي إحدى المناطق الأكثر هشاشة أمنيًا بالنظر إلى القيود التي تفرضها عليها طبيعتها الجغرافية؛ حيث يحتفظ السكان المحليون بقوارب صيد صغيرة على طول الممر المائي وبحيراته(5)، في حين أن العديد من البلدات والقرى والمزارع تنتشر على شاطئه الغربي.
 
ونتيجة لضيق عرض القناة الذي لا يسمح بمرور أكثر من سفينتين في نفس الوقت، فإن الأمر لا يتطلب أكثر من إغراق سفينة واحدة لإغلاق القناة بالكامل أمام الملاحة. ورغم أن إطلاق قذائف "الآر بي جي" لن يكون كافيًا بحال لتعطيل القناة، يبقى سيناريو الزوارق الانتحارية، التي تم استخدام أحدها لاستهداف المدمرة الأميركية "يو إس إس كول" قبالة السواحل اليمنية في عام 2000، أحد السيناريوهات الأكثر احتمالًا، وهو ما يفسر الذعر الكبير الذي تسببت به واقعة سيطرة مسلحين ينتمون لـ"تنظيم الدولة الإسلامية" على أحد قوارب البحرية المصرية بالقرب من دمياط(6)، قبل أن تتدخل القوات الجوية سريعًا لتقوم بإغراق القارب من خلال القصف الجوي.

 

ورغم أن قدرة الجماعات المسلحة في مصر على استهداف قناة السويس بشكل فعلي ظلت محدودة؛ إلا أن القناة ظلت حاضرة بشكل "أيقوني" في خطابات التمرد المصري. حتى قبل عام 2014، كانت فلسفة عمل هذه الجماعات قائمة حصرًا على استهداف النظام من خلال استهداف كل من قدراته الاقتصادية وصورته الدولية(7). وتعد قناة السويس هدفًا مثاليًا لتحقيق كليهما.

 

سفينة شحن تمر بقناة السويس (رويترز)

 

بيد أنه، وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لتأمين قناة السويس والخطر المتصاعد نظريًا بشأن أمن الملاحة فيها(8)، بفعل النشاط المسلح في سيناء؛ فإن القناة ليست وحدها المبرر لهذا للاهتمام الكبير الذي يوليه السيسي ونظامه لتعزيز قدرات القوات البحرية. فرغم أهمية القوات البحرية في تأمين مداخل القناة من البحرين المتوسط والأحمر وتنفيذ عمليات التدخل السريع؛ إلا أن التهديدات الأكثر احتمالًا للملاحة في القناة قادمة بشكل رئيس من البر، مثل العملية الفاشلة لاستهداف القناة بصواريخ غراد من رفح في (فبراير/شباط) من العام 2015؛ حيث يعتقد الخبراء أن استخدام صواريخ أرضية مضادة للدبابات ضد السفن البحرية في قناة السويس ربما يكون الخطر الأكثر مباشرة على الملاحة فيها. وفي الوقت الذي تخضع فيه مسؤولية تأمين القناة بشكل رئيس لسلطة الجيش الثالث الميداني؛ فإن الباب يظل مفتوحًا على مصراعيه للتكهن بشأن أسباب الاستثمار المكثف لمصر في تعزيز قدراتها البحرية.

 

إسقاط القوة

في مطلع العام الحالي -2017- أعلنت مصر في خطوة غير مسبوقة أنها صارت تمتلك أسطولين بحريين، شمالي وجنوبي(9)، بعد أن أعلنت تدشين قيادة الأسطول الجنوبي على متن حاملة المروحيات ميسترال الثانية "جمال عبد الناصر"، والتي تتمركز اليوم في البحر الأحمر على البوابة الجنوبية لقناة السويس. ويظهر أن تدشين الأسطول الجديد له علاقة -أيضًا- بتأمين الجزر المصرية الواقعة في البحر الأحمر، بالإضافة إلى الجزر الملاحية الموجودة على امتداد خليج العقبة، وهو يأتي مع توجه القاهرة إلى العديد من اتفاقيات تعيين الحدود(10)، سواء مع المملكة العربية السعودية، أو مع اليونان وقبرص وإسرائيل، وفي الوقت الذي تستعد فيه للتوسع في التنقيب عن اكتشافاتها الطاقوية.

 

تمتلك مصر شواطئ جنوبية ممتدة على مسافة أكثر من 1500 كم على حدودها، من الشرق إلى الجنوب بمحاذاة ساحل البحر الأحمر، وهي حدود ارتبطت طويلًا بأنشطة تهريب البشر والأسلحة من الحدود الجنوبية، كما أنها تتعلق بشكل واضح بالعمق الجنوبي لمصر ناحية منابع النيل في السودان وأثيوبيا، وناحية البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. وعلى مدار السنوات الماضية، بات البحر الأحمر مقصدًا لتمدد النفوذ وعلى الأخص في منطقة القرن الأفريقي، في حرب ضروس للسيطرة على مضيق باب المندب وخليج عدن.

 

تعد هذه المنطقة واحدة من أكثر المناطق كثافة من حيث التكدس العسكري الدولي والإقليمي. تمتلك إسرائيل قاعدة عسكرية خاصة بها في ميناء "مصوع" بإريتريا، وتسعى دولة الإمارات العربية المتحدة لتدشين أول قاعدة خارجية لها في ميناء "عصب" الإريتري أيضًا. بينما تبدو جيبوتي اليوم كدولة للقوات متعددة الجنسيات؛ حيث تستضيف تواجدًا عسكريًا يبدأ من فرنسا وأوروبا والولايات المتحدة ويمتد إلى اليابان، ومؤخرًا تسعى كلٌّ من الصين والمملكة العربية السعودية للانضمام لهذا الحشد. وفي الوقت الذي تمثل هذه المنطقة العمق الإستراتيجي الأهم للجنوب المصري، وترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي المصري؛ فإن مصر لا تكاد اليوم تمتلك عمقًا عسكريًا يذكر فيها.

 

 حاملة طائرات مصرية من طراز مسترال تحمل اسم "جمال عبد الناصر"  (رويترز)

 

من أجل أن تتوسع مصر عسكريًا في البحر الأحمر، فإنها تحتاج على الجانب الآخر لعلاقات مفتوحة مع دول منطقة القرن الأفريقي، وتحديدًا مع بلدان السودان وجنوب السودان والصومال وإريتريا وجيبوتي، وهي منطقة تفتقد فيها مصر للأصول الإستراتيجية الكافية. لذا بدا أن اهتمام القاهرة بتعزيز تواجدها العسكري في البحر الأحمر جاء متزامنًا مع حرب اليمن، ورغم أنه توجه تبرره العقيدة العسكرية المصرية ومقتضيات الأمن القومي؛ إلا أنه لا يمكن فصله بحال عن هذه الحرب، وخاصة مع وجود تأكيدات بأن حلفاء مصر الخليجيين -السعودية والإمارات على وجه التحديد- لعبوا دورًا كبيرًا في تأمين صفقة حاملات الميسترال الفرنسية إلى مصر(11)، كجزء من الجهود السعودية لتأمين تواجد قوى بحرية حليفة في البحر الأحمر، في إطار الصراع المحتدم على النفوذ بين ما يطلق عليه "القوى السنية" وبين إيران.

 

لم تتوان المملكة في الإفصاح عن طموحها بإنشاء قوة عربية مشتركة في مواجهة التهديدات الأمنية التي تمثلها طهران والجماعات الموالية لها.(12) ويمكن أن تكون الميسترال، التي تتميز بامتلاكها مركز قيادة يمكن أن تتشاركه عدة دول، ولديها القدرة على القيام بعمليات الإنزال البحري، أحد الأصول المهمة لتشكيل مثل هذه القوة. بيد أن نشاط التحالف المصري الخليجي لا يبدو أنه يسير في خط مستقيم دائمًا، وكثيرا ما تكتنفه المصالح المتعارضة والرغبة في إثبات سياسات استقلالية، سياسات تؤكدها تقارير تنسيق بحري مباشر بين القوات البحرية المصرية، والبحرية الإماراتية التي تشهد نموًا مضطردًا هي الأخرى في مضيق باب المندب، خارج إطار نشاط التحالف الخليجي في اليمن.

 

ووفقًا لما يؤكده موقع تاكتيكال ريبورت المتخصص في شؤون استخبارات الشرق الأوسط(13)؛ فإن هذا التنسيق يجري في وجود اتصال دائم مع وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون"، لتوسيع الأدوار "المصرية الإماراتية" في مضيق باب المندب، وهو توجه تدعمه التحركات العسكرية الإماراتية البارزة في منطقة القرن الأفريقي، بداية من سيطرتها على مقاليد الأمور في عدن، ووصولًا إلى نشاطها العسكري المكثف في موانئ إريتريا و"جمهورية شمال الصومال" غير المعترف بها؛ حيث حصلت الإمارات على عقود إيجار طويلة الأمد لبناء قواعد بحرية. وأجرت كل من مصر والإمارات مناوراتهما المشتركة "زايد 2"، للعام الثاني على التوالي، في وقت سابق من )مارس/آذار( الماضي، بمشاركة كل من القوات البحرية والجوية للبلدين، وهي أنشطة تجري بعيدًا عن المشاركة السعودية في أفضل الأحوال، وربما تكون على غير رغبتها في أسوئها!

 

حارس المتوسط

بالانتقال شمالًا إلى البحر المتوسط، وبالتحديد نحو الغرب إلى الحدود الليبية(14)، يُظهر لنا التدقيق صورا مكملة لمغزى فورة التسلح البحري المصري، في ظل استمرار اضطرابات الأوضاع في الجارة الغربية لمصر. بخلاف الدعم الذي قدمته مصر للقوات الموالية لـ"خليفة حفتر" في ليبيا، حافظت القاهرة على مسافة من التورط المباشر في الصراع الليبي، باستثناء قيامها سابقًا بتوجيه ضربة جوية في مدينة "درنة"، بعد نشر "تنظيم الدولة" في ليبيا لمقطع فيديو يظهر عملية ذبح 21 قبطيًا مصريًا؛ إلا أن تسرب الأسلحة والمقاتلين من ليبيا إلى مصر يمثل اليوم صداعًا مزمنًا للسيسي. ومع حقيقة أن فرنسا استخدمت حاملات الميسترال في تدخلها في ليبيا عام 2011، يبقى البحر الأبيض المتوسط بؤرة أخرى محتملة لنشاط البحرية المصرية، تقع في القلب من الاهتمام الأوروبي بتقليص تدفق اللاجئين إلى القارة العجوز.

 

تشعر أوروبا اليوم إذن بالحاجة إلى مصر أكثر من أي وقت مضى، وهو وضع يستغله نظام السيسي بوضوح، ليس فقط للحصول على مساعدات عسكرية وإنما للحصول على مساعدات مالية مباشرة أيضا

رويترز
 
سجل مصر الطويل من التشويش على مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية شديدة الضخامة؛ يخبرنا أن المصريين سوف يقبلون على الأغلب دفع إرث التبعات الهائلة لطموحات النظام المصري، ما داموا مقتنعين أن ثمن ذلك هو حصولهم على جيش قوي وحدود مؤمّنة، وهما من ضمن خطوط الداخل المصري شبه المقدسة

تنظر أوروبا اليوم إلى السيسي بوصفه الحارس الأمين على بواباتها الجنوبية(15)، وهو ما يفسر ما يبدو اليوم وكأنه سباق محموم من قبل القوى الأوروبية على تسليح النظام المصري، وإجراء المناورات العسكرية التدريبية مع البحرية المصرية، بداية من فرنسا التي أجرت تدريبين عسكريين مع مصر خلال العام الماضي 2016، هما مناورات رمسيس في (مارس/آذار)، وتدريبات كليوباترا في (يونيو/حزيران) من نفس العام؛ وصولًا إلى بريطانيا التي خاضت تدريبًا مشتركًا مع مصر في (أكتوبر/تشرين الأول) الماضي، تزامنًا مع وصول البارجة البريطانية "أوشن" إلى شواطئ الإسكندرية، وهي أول قطعة تابعة للبحرية الملكية البريطانية تزور مصر منذ ثمانية أعوام كاملة..
 
وانتهاءً بألمانيا التي تتفاوض اليوم باسم الاتحاد الأوروبي على اتفاق شامل مع مصر(16)، قد لا يتضمن -فقط- قيام القاهرة بدور أكبر في منع تدفق قوافل الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط؛ ولكنه ربما يمنح نظام "السيسي" مبالغ مالية كبيرة، في مقابل إقامة معسكرات إيواء تستقبل حتى 500 ألف شخص، من المهاجرين غير الشرعيين الذين يتم التقاطهم من البحر، إضافة إلى الذين يتم إبعادهم من الاتحاد الأوروبي.

 

تشعر أوروبا اليوم إذن بالحاجة إلى مصر أكثر من أي وقت مضى، وهو وضع يستغله نظام السيسي بوضوح، ليس فقط للحصول على مساعدات عسكرية يتم تمويل جزء كبير منها عبر قروض تحصل عليها مصر من أموال دافعي الضرائب الأوروبيين؛ ولكن -أيضًا- للحصول على مساعدات مالية مباشرة، أو الاستفادة من النفوذ الأوروبي لتسيير شروط التمويل من قبل المؤسسات الأوروبية كما حدث مع قرض صندوق النقد الدولي.

 

يأمل السيسي -من خلال توسعه في تسليح البحرية المصرية- إلى تحقيق جملة أهداف متداخلة، ربما يكون منها معالجة أي طارئ عاجل أو تهديدات أمنية غير تقليدية؛ لكن توسعه البحري يهدف اليوم في المقام الأول إلى تعزيز قدرات نظامه على القيام بعمليات إسقاط القوة في البحرين المتوسط والأحمر، ما يضمن لمصر سيطرة قوية على حدودها البحرية من ناحية، ويكفل لها -من ناحية أخرى- القدرة على تقديم نفسها كحليف موثوق به، سواء من خلال مساعدة داعميها الخليجيين في البحر الأحمر، أو القدرة على الاستجابة لمطالب الحلفاء الأوروبيين في البحر المتوسط.
 
أما في الداخل، ورغم أن هذه الصفقات تأتي بتبعات هائلة على الاقتصاد المصري الذي يعاني بالأساس؛ إلا أن سجل مصر الطويل من التشويش على مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية شديدة الضخامة، يخبرنا أن المصريين سوف يقبلون على الأغلب دفع إرث التبعات الهائلة لطموحات النظام المصري، ما داموا مقتنعين أن ثمن ذلك هو حصولهم على جيش قوي وحدود مؤمّنة، وهما من ضمن خطوط الداخل المصري شبه المقدسة.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار