انضم إلينا
اغلاق
"أكبر سرقات التاريخ".. الرجل الأبيض والاستيلاء على خيرات أفريقيا

"أكبر سرقات التاريخ".. الرجل الأبيض والاستيلاء على خيرات أفريقيا

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    
في ذلك التوقيت لم يكن هناك صوت يعلو فوق صوت الربيع العربي؛ حيث يموج العالم بالصخب بعد رحيل زين العابدين بن علي وحسني مبارك، في حين بدأ للتو القصف الدولي على ليبيا بهدف الإطاحة بالقذافي، بينما كانت التطورات تتلاحق مسرعة في اليمن وسوريا. في خضم هذا الصخب، وتحديدًا في (أبريل/نيسان) 2011، كانت الطائرات الفرنسية تحلق بكثافة في سماء أبيدجان، عاصمة ساحل العاج، مرسلة صواريخها لتدمر مستودعات الأسلحة حول المدينة محولة سماء البلاد الهادئة إلى عرض مرعب للألعاب النارية(1).
 
وسرعان ما تحولت الطائرات، بعد السيطرة على مطار أبيدجان، إلى القصر الرئاسي؛ حيث يقيم الرئيس "لوران غباغبو"، الذي كان قد لجأ للتو إلى المجلس الدستوري من أجل إلغاء نتائج الانتخابات التي فاز بها منافسه "الحسن واتارا"، الذي يحظى بعلاقات جيدة مع فرنسا، والذي تم الاعتراف به كرئيس شرعي للبلاد. وفي خضم الاشتباكات بين قوات الجيش الموالية لغباغبو، والمسلحين الموالين للرئيس الجديد، انقسمت البلاد فعليًا تحت سيطرة حكومتين، قبل أن تتدخل فرنسا من جديد بغطاء دولي وتقوم باعتقال "غباغبو"، الذي يتعرض اليوم للمحاكمة أمام الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

 

لم تكن عملية أبيدجان بحال خارجة عن سياق النشاط الفرنسي المستمر في أفريقيا، والذي لم توقفه بحال النهاية "الرسمية" لعهود الاستعمار بحصول جميع الدول الأفريقية على استقلالها. فعلى مدار العقدين الماضيين نفذت فرنسا تدخلات عسكرية نشطة في كل من جيبوتي ومالي وأفريقيا الوسطى وتشاد، ناهيك عن قواتها الموجودة بحكم الواقع في هذه البلاد، إضافة إلى السنغال وبوركينا فاسو والكونغو والغابون وغيرها، وهو نشاط لا يغير من طبيعته حقيقة أنه لا يحظى بحقه اللائق من التغطيات الإعلامية الغربية، نظرًا لأن وسائل الإعلام في الغرب ربما لا تزال تستبطن تلك الرؤية الهيغلية -نسبة إلى الفيلسوف الألماني هيغل- حول أن العبودية هي "خاصية أفريقية ومصير محتوم للأفارقة"، وأن العبيد الأفارقة الذين تم اقتيادهم قسرًا إلى الغرب لم يكونوا ليصبحوا أفضل حالًا لو ظلوا في بلادهم، تلك الصورة النمطية حول الحكم والسياسة والمجتمع في أفريقيا التي لا يزال العالم أسيرًا لها إلى الآن.

 

 جندي فرنسي في بانغي عاصمة أفريقيا الوسطى (رويترز)

 

شبكات فرانس - أفريك

"الاستبداد والفساد المستشري ليسا لازمين للثقافة الأفريقية كما يبدو. في الواقع فإن المجتمعات عديمة الدولة مثل الصومال والإيبو والتيف تميزت دومًا برفض أي سلطة مركزية، لذا لم يكن من الممكن أن يظهر بينهم حكام مستبدون، بدلًا من ذلك فقد قامت هذه الأنظمة على القانون العرفي والعدالة كمبادئ حاكمة"

(اللورد بيتر باور، اقتصادي بريطاني شهير، في كتابه(2) "بين الواقع والبلاغة: دراسة في اقتصادات التنمية")

 

في ظل هيمنة هذا المنظور "الهيغلي" في التعامل مع أفريقيا؛ فإن الحجة السابقة، ومثيلاتها، مما خطه بيتر باور لم تكن لتجد على الأرجح نصيبها من الانتشار في مواجهة السرديات المهيمنة على النظرة العامة إلى القارة، ليس فقط من قبل العوام؛ ولكن أيضا من قبل كبار القادة والسياسيين حول العالم وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي ترمب. على الأغلب فإن ترمب، الذي لا يجد غضاضة في الاعتراف بأنه لا يحب قراءة الكتب، لا يدري أن غانا كانت يوما ما أكثر تطورًا معماريًا من فيينا أو أمستردام قبل أن يدمرها البريطانيون، وأن مدينة "تمبكتو" في مالي كانت يومًا ما أكبر خمس مرات من لندن، وأن إمبراطور مالي "مانسا موسى" يذكره المؤرخون إلى اليوم كأغنى رجل في التاريخ. كما أنه ربما لم يسمع يومًا بنُظم السلطة في مشيخات مثل "فانتسي" و"موسي" و"شونا" و"خوزا"؛ حيث لم يكن من الممكن لرئيس أن يملي سياسة أو قانون مستقل دون موافقة من مجالس الشيوخ والعشائر، أو حتى بملوك "الزولو" و"الشاكا" الأقوياء، والذين برغم قوتهم لم يكونوا يملكون سوى تفويض الكثير من سلطاتهم.

 

كان ترمب بحاجة إلى أن يعرف بعضًا من هذا قبل أن يصرح -بعنصريته المعتادة- بأن الأفارقة "بحاجة إلى الاستعمار لمئة عام أخرى"، وأنهم لا يعرفون شيئًا عن الحكم والقيادة بسبب "كسلهم وغبائهم وهوسهم بالطعام والجنس والعنف".(3) ولكن ترمب ليس بحاجة إلى قراءة الكثير من الكتب التي يكرهها من أجل أن يجبر نقصه المعرفي حول أفريقيا، وجهله بتطلعات الشباب الأفريقي الطامح إلى التغيير، فهناك الكثير من الوثائق في مبنى مخابراته المركزية في لانغلي يمكنها أن تخبره كيف أسهمت بلاده في رسم تلك الصورة التي يعتقدها اليوم عن أفريقيا. وإذا كان ترمب يصر على عدم كسر عادته في كراهية الكتب والمخطوطات بالتبعية، فربما تكفيه زيارة قصيرة إلى حليفه الأهم في أوروبا، فرنسا؛ حيث يمكنه قضاء بعض الوقت مع من تبقوا على قيد الحياة من خلية الظل التي كانت حتى وقت قريب، وربما لا تزال إلى الآن بأساليب مختلفة، بتفويض من بلاده التي كانت منشغلة بالحرب الباردة، تدير مصالح باريس في أفريقيا.

 

بدأت شبكات "فرانس أفريك" عملها مع تأسيس الجمهورية الخامسة في فرنسا، ووصول "شارل ديغول" إلى السلطة عام 1958؛ حيث منح ديغول اتفاقًا لـ14 مستعمرة فرنسية سابقة في أفريقيا تحصل بموجبه على استقلالها خلال عامين، مقابل اتفاق أمني مع فرنسا، اتضح فيما بعد أنه يشمل بنودًا غير معلنة(4)، توضع بموجبها نسبة 85% من مدخولات هذه الدول تحت رقابة البنك المركزي الفرنسي، كنوع من المقابل للبنية التحتية التي ادعى الاستعمار تشييدها. وقد جلبت فرنسا إلى خزائنها بموجب هذا الاتفاق قرابة 500 مليار دولار عامًا بعد الآخر.

 

الرئيس الفرنسي هولاند مع رؤساء ورؤساء وزراء الدول الأفريقية في مؤتمر التنمية المستدامة في فرنسا (الأوروبية)

 

أعطى الاتفاق فرنسا أيضًا الحقوق الحصرية في الحصول على أي مواد خام يتم اكتشافها في أراضي مستعمراتها السابقة، كما منح الشركات الفرنسية أولوية في أي أنشطة اقتصادية في هذه البلاد، في حين احتكرت باريس وحدها عقود التدريب العسكري وحقوق الأنشطة الأمنية في هذه البلدان التي أجبرت، بموجب الاتفاق ذاته، على التحالف مع فرنسا في حال خوضها لأي حرب.

 

تم الكشف عن هذه الشروط وغيرها في منتصف التسعينيات إثر الفضيحة الشهيرة التي عرفت آنذاك باسم قضية(5) "ألف"، نسبة إلى شركة البترول الوطنية الفرنسية "ألف آكتين" المعروفة بـ"توتال" حاليًا، والتي عملت بمثابة ذراع استخباراتي لفرنسا في مستعمراتها السابقة، تحت قيادة وزير المحروقات الفرنسي السابق "بيير فيوما"، وفق الخطة التي هندسها أمين عام الإليزيه للشؤون الأفريقية، ورجل فرنسا الأول في أفريقيا، "جاك فوكار"، بأوامر مباشرة من الرئيس الفرنسي "شارل ديغول" شخصيًا.

 

عُرف فوكار في فرنسا آنذاك على أنه الرجل الوحيد الذي يمكنه لقاء ديغول كل مساء، وكانت وظيفة فوكار تتلخص ببساطة في هندسة أنظمة الحكم في دول أفريقيا، وتثبيت الحكام أو الإطاحة بهم بما يتلاءم مع مصالح فرنسا. وكانت البداية في غينيا(6)؛ حيث يحكم الرئيس "أحمد سيكو توري" الذي قرر الاستقلال من جانب واحد عن فرنسا، وسرعان ما قررت باريس معاقبته عبر حرمانه من "امتيازاتها الاستعمارية".(7)

 

على الفور، غادر ثلاثة آلاف فرنسي غينيا، محملين بأموالهم وأملاكهم، ومدمرين لكل ما لا يستطيعون حمله، كالمدارس وحضانات الأطفال، والمباني الإدارية والسيارات والمعدات؛ بل إنهم قاموا بحرق مخازن الغذاء وقتل الماشية والأبقار. ولم تكتف فرنسا بذلك؛ بل عمدت إلى تدمير العملة الغينية الجديدة من خلال إغراق السوق بالعملات المزورة التي تم طبعها في فرنسا، وقامت بتسليح معارضين غينيين من أجل الإطاحة بـ"سيكو توري". أما في الكاميرون فقد فعلت فرنسا النقيض تمامًا، وقامت بتدبير عملية اغتيال المعارض الكاميروني الأبرز "فليكس مونيه"، في فيينا، بجرعة من التاليوم شديد السمية، من أجل تثبيت حكم الرئيس "أحجو" الذي كان يعرف آنذاك على أنه "دمية فرنسا".

 

 شركة ألف الفرنسية (رويترز)

 

في الغابون، الدولة الغنية بالنفط والتي حصلت شركة ألف على 70% من عائداتها النفطية بموجب اتفاق مع الحكومة، قامت فرنسا بإعادة حليفها الرئيس "ليون أمبا" إلى موقعه، بعد الانقلاب عليه من قبل صغار الضباط في الجيش، وسرعان ما قامت بتدبير وصول ألبير برنارد، المعروف بـ"عمر بونغو"، إلى السلطة خلفا لليون، من خلال تعيينه نائبًا للرئيس عبر تعديل دستوري تم إقراره في سفارة الغابون في فرنسا. ويتولى اليوم "علي بونغو"، نجل "عمر بونغو"، السلطة في الغابون بتواطؤ فرنسي، وبموجب انتخابات صورية اعترفت المخابرات الفرنسية بأنه تم تزويرها.

 

على النقيض أيضًا حاولت فرنسا إسقاط نظام "ماثيو كريكو" الشيوعي في بنين(8)، مستغلة فريقًا من المرتزقة بقيادة "كلب الحرب" الشهير(9) "بوب دينار"، ولكن تم إحباط المحاولة بواسطة الجيش البنيني، في حين أنها قامت بتثبيت نظام شيوعي آخر هو نظام "دينيس ساسو" في الكونغو برازافيل، بسبب موافقته على تأمين حصة شركة ألف في النفط الكونغولي. ورغم تأكيد الرئيس الفرنسي الحالي "فرانسوا هولاند" على نهاية عصر شبكات "فرانس أفريك"، إلا أن الواقع يخبرنا أن لعبة النفوذ لا تزال تجري على قدم وساق في أفريقيا من الشرق إلى الغرب، وأنها تأخذ أشكالًا جديدة، وتستقطب في كل يوم إلى الرقعة مزيدا من اللاعبين الجدد.

 

استعمار الشركات

"تستغرق الدورة بين اكتشاف النفط في منطقة ما وبداية إنتاجه حوالي ثماني سنوات، والسماح بحدوث تغيرات في السلطة كل عام يضر بمصالح الطاقة الخاصة بنا، لذا فإننا نبحث دومًا عن الاستقرار"

(بيير فيوما، وزير المحروقات الفرنسي الأسبق)

 

ربما تمثل فرنسا النموذج الأسوأ والأكثر صراحة في حماية مصالحها على حساب الشعوب الأفريقية؛ إلا أن دولًا مثل بريطانيا وبلجيكا وألمانيا والبرتغال، ومن بعدها الولايات المتحدة وروسيا والصين، لم تكن أقل شراسة(10). ففي حين رفعت جميعها شعارات حول أحقية الأفارقة في التمتع بحقوق الإنسان والديمقراطية وعائدات التنمية، أسوة بمواطني دولهم، دول العالم الأول؛ إلا أنها جميعًا ظلت تستبطن هذا التصور الذي يرى دوما أن جميع الأمم متساوية، ولكن بعضها يبقى "أقل مساواة" من الآخرين.

 

 شباب أفريقي في احتجاجات ومسيرات لتسليط الضوء على البطالة والمشاكل الاجتماعية (رويترز)

 

ومع ذهاب زمن التدخلات المباشرة وانقلابات وضح النهار، فإن التلاعب الغربي بمستقبل الأفارقة صار يتخذ أشكالًا أقل مباشرة؛ ولكنها ربما أكثر ضراوة. إلا أن هذا لم يجعل الشباب الأفريقي غافلًا عن إدراك حقيقة أن بلاده لا تزال مستعمرة بصور مختلفة؛ حيث جاءت تظاهرات طلاب الجامعات في جنوب أفريقيا تحت شعار "أسقطوا رودس" لتعبر دومًا عن هذه الحقيقة: أفريقيا لا تزال رهينة القوى الأجنبية(11)؛ حتى وإن كان ذلك في جنوب أفريقيا التي قطعت شوطًا طويلًا من أجل تحرير إرادتها. وقد اختار الشباب النيجيري المحتج ضد البطالة وقلة فرص العمل التظاهر العام الماضي أمام مقر شركة "شيفرون" الأميركية، في مشهد لا يخلو من رمزية تاريخية واضحة.(12)

 

تملك شركات النفط الأجنبية في أفريقيا تاريخا طويلا من دعم الحكام المستبدين حفاظًا على مصالحها، وعلى حساب تطلعات الشعوب الأفريقية.(13) في منتصف التسعينيات، وتحديدًا في دلتا النيجر، قامت شركة "شل" بتقديم الأموال لصالح الديكتاتورية العسكرية في نيجريا(14)، من أجل قمع تظاهرات شعوب المنطقة ضد أنشطة الشركة المتسببة في تدمير البيئة والقضاء على مواردها الطبيعية، دون أي استفادة مقابلة لهذه الشعوب من عائدات ثرواتهم؛ بل إنه تبين فيما بعد أن "شل" قدمت رشاوى للمدعين العامين والشهود من أجل الحكم بإعدام المناضل النيجيري(15) "كين سَرو وِيوَا"، وقادة الاحتجاجات في المنطقة الغنية بالنفط، وقُدر مجموع الأموال التي دفعتها شركة "شل" من أجل هذه الأنشطة بحوالي 383 مليون دولار. وبالرجوع إلى التاريخ قليلًا، فإن شركة "ألف" الفرنسية كان لها السبق في هذا المسار، حين وظفت عوائد النفط الغابوني لدعم الحرب الأهلية في "بيافرا"، والتي راح ضحيتها أكثر من مليون شخص.

 

ولكن شركات النفط لم تكن الممثل الأوحد لقوى الاستعمار الجديد في أفريقيا؛ فحيثما وجدت الشركات الأجنبية ومصالحها فإنه دومًا ما ترافقها الأنظمة الديكتاتورية وتزايد القمع. وتبقى الكارثة الأكبر التي تلتهم أفريقيا في الوقت الراهن، وتستنزف مليارات الدولارات من مواردها الاقتصادية، هي تلك الإمبراطورية المتنامية للشركات الأمنية الخاصة، التي تنشر عشرات الآلاف من الجنود المرتزقة الذين تكمن مهمتهم في حماية مصالح الشركات الدولية والأنظمة الداعمة لها، والتي تتوسع بشكل أخطبوطي حتى إنها توشك على التهام أفريقيا بأكملها.

 

تشمل القائمة مجموعة كبيرة من الشركات الأميركية والأوروبية والمحلية؛ بل والإسرائيلية أيضًا، تأتي في مقدمتها شركة "أكاديمي" وريث الإمبراطورية الأشهر في عالم مرتزقة الحروب "بلاك ووترز".

 

 

نبدأ من شركة داينكورب الأميركية، التي توظف 17 ألف شخص بحجم أعمال يتجاوز 200 مليار دولار، والتي انتزعت في عام 2014 عقدًا لتدريب قوات حفظ السلام في السودان. وقد صرح مدير تطوير الأعمال في الشركة عام 2008 أن أفريقيا هي الهدف المثالي لها، وأنها أبرمت عقودًا هناك بقيمة 1.2 مليار دولار على مدار 5 سنوات مع الأمم المتحدة وشركات النفط والتعدين. وهناك أيضا شركة "ساند لاين" البريطانية التي قامت بالعمل لصالح الحكومة لقمع التمرد في جزيرة بوغانفيل في غينيا، مقابل مديونية قدرت بـ36 مليون دولار، في حين تولت شركة أو بي أس الفرنسية مسؤولية تأمين رئيس أفريقيا الوسطى السابق فرانسوا بوزيزي من هجوم قاده معارضو السيليكا، وتدخلت شركات إكزيكوتيف أوتكمس -شركة جنوب أفريقية تم حلها عام 1998- وشركة لفدان الإسرائيلية، وساند لاين البريطانية، وشركة ميليتاري بروفشيونال رسورسيز الأميركية(16)، في الأزمات ذات الطابع الاقتصادي بين الشركات الكبرى والشعوب المتمردة مثل أزمة النفط في أنغولا، وأزمة الماس في سيراليون. وتمارس شركة جي فور إس الأميركية، ثاني أكبر شركة أمنية في العالم سدس أنشطتها العالمية في أفريقيا، في دول جنوب السودان وأنغولا ونيجيريا وزيمبابوي ضمن قائمة تضم 29 بلدًا أفريقيًا ما يجعلها أكبر الشركات الأجنبية العاملة في أفريقيا على الإطلاق.(17)

 

ومع توسع كعكة الأنشطة الأمنية مدفوعة الأجر في القارة؛ فقد عمدت بعض دول أفريقيا إلى تأسيس شركات المرتزقة الأمنية مدفوعة الأجر والتي تعمل لحساب الأنظمة الحاكمة والشركات الدولية، مثل شركة "أفينت" في زيمبابوي وشركة "تلي سيرفيس" في أنغولا وغيرها.(18) في الواقع فإن بلومبيرغ تقدر أن أعداد قوات الأمن الخاصة العاملة في جنوب أفريقيا مثلًا يبلغ تقريبًا ضعف عدد القوات الشرطية الحكومية، بواقع 446 ألف شرطي مسلح خاص مقابل 227 ألفا هو إجمالي عدد قوات الأمن الحكومية.(19) ومع التاريخ الطويل للأعمال القذرة مدفوعة الأجر التي مارستها الشركات الأمنية الكبرى، من العراق إلى أميركا الجنوبية وحتى في أفريقيا نفسها؛ فإن التوسع المحموم لهذه الشركات وتلك الشبكة القوية التي تضمها مع شركات النفط والمعادن والأنظمة الديكتاتورية في أفريقيا تمثل عائقًا قويًا نحو تطلعات الشباب الأفريقي نحو التغيير، وخاصة في الدول الغنية بالمواد الخام أو تلك الدول التي ترتبط بمصالح أمنية واقتصادية مع القوى الكبرى، وأيضًا مع تصاعد الهجمات المسلحة التي صارت تشكل تهديدًا لمصالح القوى الكبرى في القارة السمراء.

 

اللاعبون القدامى والوافدون الجدد: هوامش المناورة

ينظر إلى أفريقيا دومًا على أنها قارة الفرص، بما يعني أن مصالح الدول الأجنبية في القارة السمراء تبقى مرشحة للتوسع وإن اختلفت أشكال هذه المصالح، وبما يعني أيضًا أن القارة سوف تظل تجتذب القوى الطامحة إلى لعب دور عالمي، بما يغير خريطة النفوذ التقليدية فيها(20)، والتي طالما احتكرتها أوروبا، وخاصة بريطانيا وفرنسا، والتي أصبحت اليوم معرضة للتغيير بشكل متواصل.

 

تعي الديناصورات الحاكمة لديكتاتوريات أفريقيا العتيقة هذه التطلعات؛ لذلك يواصلون السعي إلى ضمان البقاء في السلطة من خلال الحفاظ على هوامش المناورة بين القوى الدولية. من بين أعتى الديكتاتوريات في أفريقيا، لا تزال هناك خمسة أنظمة تتمتع بالدعم الدبلوماسي الرسمي من قبل الولايات المتحدة(21)، على رأسها أنظمة غينيا الاستوائية والكاميرون وتشاد وأوغندا، وتتمتع نفس الأنظمة، بالإضافة إلى الغابون وأفريقيا الوسطى والكونغو، بالدعم الفرنسي.

 

لا يقتصر الدعم على إقامة علاقات دبلوماسية رسمية؛ فالدولتان كلاهما -فرنسا والولايات المتحدة- تحرصان على تعزيز تواجدهما العسكري المباشر في أفريقيا؛ حيث لا تزال فرنسا تحتفظ بثلاثة قواعد عسكرية في كل من السنغال والغابون وجيبوتي، بينما تحتفظ بتواجد قواتها على الأرض في قرابة عشر دول، تشمل أيضًا تشاد ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وساحل العاج والصومال. وفي حين تستضيف جيبوتي القاعدة الأميركية الرسمية الوحيدة في أفريقيا، فإن القيادة الأفريقية الأميركية المشتركة "أفريكوم" تحافظ على عمليات مشتركة مع جميع الجيوش الأفريقية تقريبًا؛ حيث تملك الولايات المتحدة علاقات عسكرية مباشرة مع 49 دولة من إجمالي 54 دولة أفريقية(22)، في الوقت الذي تتجه فيه لإنشاء قاعدة للطائرات بدون طيار في النيجر.(23)

 

 

يأتي ذلك في حين تسارع الأنظمة الديكتاتورية، التي لا تحظى بالغطاء الغربي الآمن، نحو توطيد علاقاتها مع القوى الجديدة الوافدة إلى القارة، وفي مقدمتها الصين، ويمثل "روبرت موغابي" في زيمبابوي أفضل الأمثلة على هذا التوجه، حين استضافه الرئيس الصيني "تشي جين بينغ" في القصر الرئاسي، نهاية عام 2015، وقام بمنحه جائزة "كونفوشيوس للسلام"، ووصفت السفارة الصينية في زيمبابوي البلدين بأنهما "أصدقاء في السراء والضراء".(24)

 

وفي الوقت الذي رفض فيه صندوق النقد الدولي تمويل نظام "دي سانتوس" في أنغولا، فإنه سرعان ما اتجه شطر بكين أيضًا. ويبدو هذا التوجه مميزًا للسياسة الصينية منذ صعود تشي إلى السلطة؛ حيث حظي نظام "موسى داديس كامارا" في غينيا على سبيل المثال بعقود اقتصادية مع الصين بقيمة سبعة مليارات دولار، بعد شهر واحد من وصوله إلى السلطة مرتكبًا مذابح دامية. وفي الوقت الذي تحول فيه الرئيس السوداني "عمر البشير" إلى فريسة مطاردة من القوى الغربية؛ فإن الصين سارعت إلى بناء قصر رئاسي جديد له(25) في مطلع عام 2015.

 

لا يمكن إغفال الحديث عن دول الخليج وإيران ضمن قائمة اللاعبين الجدد في أفريقيا، بالأخص في السودان، وفي منطقة القرن الأفريقي في الصومال وإريتريا؛ حيث تكثف كل من السعودية والإمارات تواجدهما العسكري هناك، ويبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة في طريقها للانضمام إلى نادي الكبار(26)، بعد أن دشنت عمليات بناء أول قاعدة عسكرية لها في إريتريا على البحر الأحمر، وهو ما يعني بالضرورة تدفق الأموال الخليجية إلى نظام "أسياس أفورقي"، المسيطر على السلطة في إريتريا منذ حازت البلاد استقلالها عن أثيوبيا.

 

الضوء البرتقالي

"جميع الحيوانات متساوية؛ ولكن بعضها أكثر مساواة من بعض"

(جورج أورويل، رواية مزرعة الحيوانات)

 

 الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول يصافح أحد قادة الدول الأفريقية

 

يخبرنا "موريس دولوناي" سفير فرنسا السابق في الغابون بعض التفاصيل حول طبيعة عمل شبكات "فرانس أفريك". في البدء أعطى "شارل ديغول" رجاله في أفريقيا ما تعارفوا على تسميته حينها بـ "الضوء البرتقالي" وهو يعني رسالة ضمنية من ديغول مفادها "افعلوا ما ترونه مناسبًا، إذا نجحتم فسوف أدعمكم، وإذا فشلتم فأنا لا أعرف شيئًا عنكم". يبدو -إذن- أن درس "الضوء البرتقالي" هو أهم ما يجب أن يتعلمه شباب الربيع الأفريقي عن تاريخهم القريب، ففي الوقت الذي تمضي فيه أفريقيا الشابة في طريقها نحو الحرية، فإنها لن تعدم أن تسمع تلك الدعوات، التي تشيد بحق الأفارقة في الحرية والتنمية والحكم التمثيلي والفرص العادلة. ولكن كما يعلمنا التاريخ، فإن بعض الشعوب تبقى أكثر مساواة من بعض، والضوء البرتقالي حاضر دومًا في الخلفية من أجل حماية المصالح العالمية، وآلات القمع جاهزة ومعدة، والتجارب تعلمنا أن الشعوب الطامحة ليس لها حلفاء إلا أنفسها.

 

حين تدخلت فرنسا للإطاحة بديكتاتور أبيدجان مطلع العقد الحالي، وتثبيت الرئيس الجديد المنتخب الذي يحكم البلاد إلى اليوم، فإنها لم تكن تضع نصب عينيها سوى مصالحها، فلا تزال باريس إلى اليوم لا تشعر بالكثير من الارتياح مع وجود رئيس معاد لها في إحدى مستعمراتها السابقة، وهي التي تورطت سلفا في اغتيال، أو الإطاحة بـ 22 رئيسا أو رئيس وزراء أفريقي لضمان مصالحها. ورغم أن فرنسا اليوم ليست فرنسا الأمس، وشبكات فرانس أفريك، أيا كان مسماها اليوم، هي في أفضل الأحوال نسخة باهتة من عصرها الذهبي؛ فإن حظ أفريقيا من الغرب لا يبدو أفضل حالًا، في ظل عالم يحكم القوى العظمى فيه رجل يظن أن أكثر ما تستحقه أفريقيا هو قرن جديد من الاستعمار؛ بينما يصر الوطن المنتظر لربع شباب العالم على المضي قدمًا في طريقه، منفردًا، كما اعتاد دائمًا.

المصادر

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار