انضم إلينا
اغلاق
كيف شكّل الشيوعيّون نزعة اليمين الأميركي؟

كيف شكّل الشيوعيّون نزعة اليمين الأميركي؟

خلال شهادة شامبرس ضد هيس عام 1948 بأنه جزء من المجتمع الشيوعي السري. (أسوشيتد برس)

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
هذا التقرير متخصص جِدًّا في التاريخ الأميركيّ، إذ يوضّح كيف أنّ "الإكس شيوعيين"- ما ترجمتُهُ بالشيوعيين المرتدين- قد شكَّلوا ما نشهده اليوم مِن مُحافظةٍ يمينيّة تعمّ العالم.

 

نص التقرير

إنّ إحدى المفارقات في السياسة الأميركيّة في القرن العشرين أنّ حركتها الأيديولوجيّة الأكثر استدامة، ألا وهي النّزعة المحافظة الحديثة، كانت من بنات أفكار الشيوعيين السابقين الذين أصيبوا بخيبة أملهم من جرائم الثورة السوفياتيّة أو قُبِضَ عليهم في الجانب الخطأ للنزعات الفصائليّة. ومضوا -مرتابين وغير سعيدين- بحثًا عن إله جديد وساعدوا على إنشائه بصورة مرآوية، كثيرا ما تبدّت، من تلك التي انكسرت لهم في المرّة الأولى. لقد كانوا "هِبَة ستالين لليمين الأميركيّ"، هكذا كتب جون باتريك ديغنز في كتابه "من الشيوعيّة" عام ١٩٧٥، وكان سرده متعلّقا بأربعة كتّاب أقصوا أنفسهم عن اليسار ثمّ هاموا كأرواح قلقة قبل البحث عن لجوء في صفحات صحيفة "ناشونال ريفيو"(National Review)  لويليام باكلي في الخمسينيّات وبواكير الستينيّات.

 

في كتابه الذي يحمل عنوان "في حقّ الخروج: الذين غادروا اليسار وأعادوا تشكيل القرن الأميركيّ" يستعرض دانيال أوبنهايمر-وهو كاتب ومدير الاتصالات في جامعة تكساس في أوستن الذي وُلد بعد عام من ظهور كتاب ديغنز- تاريخ المنشقين السياسيين، وعلى عهدة أوبنهايمر فإن سياسته الخاصة -التي تبدو يساريّة- لا تتدخل في القصص الشيقة التي يقصّها، ويستهلّ بالشيوعيين المرتدّين وايتاكر شامبرس وجيمس بورنهام، ثمّ يناقش اثنين من المتخلّين عن الليبرالية، وهما رونالد ريغان ونورمان بودهوريتز، ويكمل الدائرة باثنين من ضحايا يسار الستينيّات والسبعينيّات الراديكاليّ، ألا وهما ديفيد هورويتز وكريستوفر هيتشنز، ويكتب أوبنهايمر أنّ "المؤمنين السابقين -الهراطقة والمرتدّين- هم مشكلة صعبة في أي سياسة، وفي أي وقت"، ولكنّ المشكلة -كما يشيرُ- ليست متعلّقة بهم، إنّما بنا، لذا سرعان ما نندد أو نثني، ونطالب بأن يقول كلّ أحد على أي جانب يقف، ناسين أنّ السياسة تقدّم أيضا أمثالا لأفكار ولتحول آخر. تذكّرنا الاستبدالات الأيديولوجيّة -إذا فهمناها في اللحظة المواتية- بأنّ "الاعتقاد معقّد، ومشروط، ومتعددة عزائمُه". ويمكن أن تبيّن لنا أيضا "مدى صعوبة أن يكون شخص في العالم، وفي فترة ما، وإلى أيّ حدّ من المربك أن تصبح تلك المهمة عندما تحمل على عاتقك المسؤوليّة لإصلاحها وإعْتاقها."

 

 الصحفي الأميركي وايتاكر شامبرس (1901-1961) (مواقع التواصل)

 

إنّ الإصلاح والإعْتاق إنّما يحدّدان الفاصل إلى أبعد حدّ، وهما ينطويان على مهمّة دينيّة. وقد صحّ ذلك بما يكفي على شامبرس، العميل السوفياتيّ المتحوّل إلى معاد شرس للشيوعيّة، الذي ظنّ في نفسه أنّه يونس وهو يخرج من بطن الحوت، فقد كتبَ عن دوره المثاليّ -باعتباره المتّهِم في محاكمة الجاسوس الجزائريّ- الذي روّجه بأعجوبة "ضدّ سلطات العالم التي وقفت بقوّة" ضدّه. ولكن ماذا عن هيتشنز الذكيّ الذي لم يدع اليسار مطلقا، والذي ظهر زخرفه الأيديولوجيّ في صفحات الأتلانتيك، معرض الخُيلاء، وفي صحيفة "ذا نيشن"، وفيما وصفه ذات مرّة بأنّه "الرفقة الإجراميّة لغرفة ضيف الاستوديو" (Green Room)، حيث يلتقي المتنافسون لإزالة المكياج ويتصرّفون إلى حدّ ما كما لو أنّهم يعرفون جميعا بأنّهم سيعودون مقبلا في الأسبوع القادم"؟

 

ليست الاختلافات بخافية على أوبنهايمر، وفي حين أنّ موضوعاته من حيث المبدأ تقدّم نمطا من أنماط الاشتباك السياسيّ، فإنّ شخصيّة المرتدّ تتغيّر على مدار سرديّته، والتي تمتدّ على مدار قرن تقريبا. بعبارة أكثر بساطةً، إنّهم يصبحون أقلّ جديّة، مما يعكسُ انحدارا واسعا في الحياة الأيديولوجيّة الأميركيّة. كان شامبرس شاعرا لعينا وأكاديميّا أدبيّا بلشيفيّا في العشرينيّات، ثمّ انزلقَ سرّا للإشراف على حلقة تجسّس اخترقت في نهاية المطاف وزارة الخارجيّة، وكان برنوهام -المُعاصِر له- منظّرا وقائدا للحزب العمّاليّ، وهو تابع مفضّل لحزب ليون تروتسكي عندما كان يحاول تروتسكي أن ينظّم الثورة المعادية للستالينيّة من المنفى في المكسيك.

 

كان شامبرس وبرنوهام شابيّن نسبيّا في منتصف الثلاثينيّات عندما تخلّوا عن الثورة لأنّ وقائع الاتحاد السوفياتيّ غدا من القبيح جدا تبريرها، فكانت انسحابتهما مبادئيّة ومؤلمة ونبيلة -كما يحاجج أوبنهايمر-، وابتعد كلّ منهما عن تجربة الدروس المهمّة للتعليم. فإضافة إلى دليله القاطع ضدّ هيس (Hiss)، والذي بلغ إلى حدّ كونه ضربا من ضروب السيمنار العموميّ حول الشيوعيّة السريّة، فإنّ شامبرس كتبَ مذكراته الرائعة التي تحمل عنوان "الشّاهد"، ويؤمن أوبنهايمر بأنّه -كَكِتاب سُلطة وجمال آسر- دليل على أنّ "خيال شامبرس كان في رقّته ورحابته فقط بمجرّد أن أصبح ذا نزعة محافظة"، وكتب بورنهام اثنين من كلاسيكيّات السياسة الواقعيّة في القرن العشرين -الثورة الإداريّة، والميكافيليّون، دراسات في السّلطة وصعود "النخب" وهو مصطلح ساعدَ في تعميمه هو- بجانب كتب تدور حول إستراتيجيّة الحرب الباردة قُرئت بشدّة آنذاك، بمن فيهم صانعو السياسات في إدارة أيزنهاور.

 

وفي الوقت ذاته، فإنّ هذين الرجلين -رغم اختلافهما الذي كانا عليه- تقاسما رؤية نبؤيّة بلهاء حتى فجائعيّة للعالَم، إذ قال شامبرس جهارا إنّه "تخلّى عن الجانب الفائز لصالح الجانب الخاسر"، وبدا أيضا بورهمان في صراع مع الرؤية الثوريّة حتّى النهاية. لقد هُدِّدَ العالمُ الحرُّ بالانقراض، وبدا -بتفاؤله الأعمى- أنّه مرحِّب بالموت والاندثار، بينما الأعداء المستترون في كلّ جانب جهزوا "شبكة تخريب" عالميّة في الداخل والخارج، كما قال بورهمان.

 

ولقد ظهرَ هذا التطرّف بطرق أخرى أيضا، الأمر الذي لم يناقشه أوبنهايمر، واشتملت حقبة شامبرس بعد خروجه تقريبا على عقد في مجلّة "تايم"، حيثُ أصبحَ شامبرس المنفِّذ الأيديولوجيّ المفضَّل لهنري لوك، مبقيا على الصحافيين الليبراليين بالاتجاه نفسه أثناء المراحل الأخيرة من الحرب العالميّة الثانية، حينما كانت توتّرات الحرب الباردة في طور ظهورها بالفعل. وقد صُدِمَ المراسلون -بمَن فيهم ثيودر وايت في الصّين- برؤية الحقائق التي جمعوها بشقّ الأنفس في الحقل الذي أمدَّ في دراسة شامبرس المعادية للشيوعيّة حديثا.

 

 الرئيس الأميركي رونالد ريغان (1911-2004) (مواقع التواصل)

 

وبالإضافة إلى كتاباته الجيوسياسيّة أنتجَ بورنهام صحافة مصبوغة بالمكارثيّة، وفي مقاله المعنون بـ"القضيّة ضدّ أدلاي ستيفنسون"، المنشور عام ١٩٥٢، اشتملت "القضيّة" على ملف حول مستشار ستيفنسون آرثر شليسنغر، فـ"شليسنغر متزّوج من أخت جون فيربانك، من هارفرد" كما كتب برونهام. 

فسيكون من القسوةِ أن يلوم الرجل على صهره، ولكن شليسنغر قد تحمّل مسؤولية سياسية ومسؤولية شخصية واضحة عن النيّة الحسن لفيربانك الذي كان قد أدلى بشهادته تحت القسم إنّه كان عضوا في الحزب الشيوعيّ.

 

في الواقع -كما عرفَ بورنهام جيدا- كان شليسنغر من ديمقراطيي العقد الجديد ومؤسّسًا مُشاركًا للـ"أميركيين للعمل الديمقراطيّ"، وهي منظمة ليبرالية استبعدت الشيوعيين بشكل قاطع. لم تكن خطيّته معادية الشيوعيّة بما فيه الكفاية لبرنهام الشيوعيّ المرتدّ.

 

يُغفل أوبنهايمر كلّ هذا لأنّني أعتقد أنّه يريد منّا أن نرى هؤلاء "المؤمنين السابقين" وهم في أحسن حالاتهم، وأن نسجّل التباين مع الشخصيات اللاحقة والأكثر انفتاحا لخدمة الذات والانتهازيّة. ورِدّةُ ريغان كانت الأولى من نوعها -كما في قول أوبنهايمر-، فهي أقلّ تحسبا مشحونا مع قوى التاريخ أكثر من كونها إعادة تمرير عفويّة مرتكزة على تغيّر المناخ. غير منضمّ إلى الثورة، كان ريغان عضوا بارزا في اليسار الليبراليّ في هوليوود وزعيما طويل الأمد في نقابة الممثلين (Actors Guild)، وأحيانا يتصارع مع النشطاء العمّاليين الذين لم يدركوا -كما فعلَ- "الأخلاق الأساسية والفضيلة والإنتاجيّة للشعب الأميركيّ" كما يكتب أوبنهايمر. وفي الخمسينيات، وبينما كان لا يزال ديمقراطيّا ولكن يتحرك نحو اليمين، درس ريغان عن كثب كتاب "الشاهد" ومجلّة "ناشونال ريفيو" (National Review)، الذي كان معظم وجودها الحاسم متمثّلا في شامبرس وبرنهام، ودمج ريغان تعاليمهم مع مبادئ السوق الحرة التي اعتنقها كمتحدث باسم "جنرال إلكتريك"، وكانت النتيجة ماركته المشمسة الفريدة من الوعّاظ المحافظين، التي بدأت آملة حتى عندما شملت تحذيرات سوداء بأن الرعاية الطبيّة كانت الخطوة الأولى نحو العبوديّة، ومن شأنها أن تؤدي إلى "برامج اتحادية أخرى ستغزو كل مجال من مجالات الحريّة كما عرفناها في هذه البلاد حتى يوم واحد... وسوف نستيقظ مرّة ونجد أن الاشتراكيّة عمّت علينا". كان لريغان قدرة كبيرة الحجم -كما يحاجج أوبنهايمر- على "تمييز الحقيقة البسيطة تحت تعقيد السطح".

 

 ديفيد هورويتز.. كاتب أميركي محافظ (مواقع التواصل)

 

قد تبدو هذه كمؤازرة، ولكنّ المرتدين غالبا ما يقولبون أنفسهم كمهاجرين سافروا الطريق الطويل والشاق نحو تنقية البساطة. لقد قام شامبرس بذلك بالتأكيد، كما بودوريتز أولتراسوفيستيكش، المحرر الرائع والناقد الأدبي البارع. لقد قال أوبنهايمر في مقابلة حول كتابه "حق الخروج": "إنّ الوضوح شجاعة". "كل شيء كان بسيطا" عندما أدرك أنّه كان محافظا في نهاية المطاف، "لم يكن هناك شيء سريّ أو مقصور على أحد، كانت هناك حقيقة بسيطة وراء كل شيء". هذا عكس تعاليم معلّمه ليونيل تريلينغ، الذي كان نفسه متغزّلا بالراديكاليّة في الثلاثينيّات ولكن قد آل به الحال إلى الريبة "التي طاردت هواء" الأيديولوجيا، سواءً من اليسار أو اليمين. وبوصفه أستاذا في اللغة الإنجليزيّة في جامعة كولومبيا، كان تريلينغ نبوءة لـ"التعقيد والصعوبة الأخلاقيّة"، فنثره نضحَ بالفروق الدقيقة وبالبراعة الديالكتيكيّة، وقد شعر بالجزع عندما قام بودهوريتز -بوصفه محررا مجلّة "التعليق"- بتشجيع الأناركيين الراديكاليين مثل بول غودمان، وشعر بالجزع مرة أخرى عندما قرأ مخطوطة مذكرات بودوريتس (1967)، مع احتفالها الذاتيّ الصريح ورسمها للتسلف الاجتماعيّ داخل "عائلة" من مثقفي منهاتن. نصح تريلينغ بودوريتز بعدم نشرها، وتوقع أنه سيتم حظره بلا رحمة وستهتزّ سمعة بودهوريتز. وكان محقّا، ففي وقت لاحق، غارقا في الكرب والمحنة، هل أعاد بودهوريتز تفسير الهجمات على كتابه على أنّها سياسيّة بصورة خفية، وإنْ تكُ بعمق. لم يكن تسجيله الاجتماعيّ وأهزوجاته للنجاح مجرّد زلّة في الذوق، لقد كانوا معتنقين -وإنْ مؤقتا- بـ"القيم الأميركيّة الطبقوسطيّة"، ولذلك كانوا خطرا على "خط الحزب الراديكاليّ" المتبوع بالمقلّدين الأدبيين في مانهاتن. 

 

وفي غضون جيل -من أواخر الثلاثينيات وحتى أواخر الستينيات- خرجنا من جيل ثوريّ كان قراره الإقلاع عن الشيوعية السريّة المتورطة في أشهر طويلة من الاختباء من القتلة المحتملين، إلى مهرجان في مانهاتن بعد الأحزاب ابتدأت ليلة روحه الليلاء بكتاب غير وديّ يستعرض ومرذول من قائمة ضيوف جاكي كيندي. ويستمر الهبوط، لأنّ الشخصية لا تندمج مع السياسيّ فحسب، بل تبتلعه كلّه، ولأنّ البدعة الأيديولوجيّة تصبح آخذة شكلها الخاص من الاستعراضيّة ما بعد الحديثة. وهذا يقودنا إلى ديفيد هورويتز، الراديكاليّ محرّر "ورامبارتس" السابق الذي أدّى نزع سحره عن يساريّة منطقة خليج سان فرانسيسكو إلى إدخال امتيازات تضمّنت سلسلة الكتاب الأسود لليسار الأميركي -المجلد الثامن، اليسار في السلطة من كلينتون لأوباما، هو المقرر أن يخرج في (سبتمبر/أيلول)- جنبا إلى جنب مع مشاريع رقميّة متنوعة. يدير هورويتز مجلة فرونتباج" إعادة تسمية الحزب الديمقراطيّ الراديكاليّ" هي ميزة نموذجية، وهي مجلة إلكترونية لمركز ديفيد هورويتز لـ"فريدوم سينتر"، وهو موقع على شبكة الإنترنت تتضمن خدماته إدراج الحرم الجامعيّ لـ"الإرهابيين" المعادين لإسرائيل.

 

ينتهي كتاب "حقّ الخروج" بصورة متعاطفة ولكن غير مقنعة للـ"المرتد المهنية" كريستوفر هيتشنس، الذي كان يحدّ من حملة صليبيّة إلى أخرى، فدعمه الحثيث للغزو العراقي في عام 2003 أجبره على التواطؤ المحرج مع المحافظين الجدد الذين قد سبّهم هو ذات مرّة، ثم أجبره على تهويل إدانة منتقدي إدارة بوش حتى عندما تحولت الحرب إلى أمر سيء، والدفاعات الوحيدة التي حشدها كانت ضد "أضعف الحجج التي قدمها أسخف الناس"، في تقدير أوبنهايمر.

 

ولكنّ شامبرس وبورنهام تعثرا أيضا، وكان لهما تاريخ طويل من سوء التشويه. ما يوحّد هؤلاء المرتدين -على أيّة حال- ليس تجاربهم الحياتيّة التي على عكس حياة الآخرين، ولكن جوّ النضال الإماتيّ الذي جلبوه إلى السياسة، حتى إنّ ريغان المُعتدل فضّلَ الخطاب البغيض: "إمبراطوريته الشريرة" هي النسخة الكرتونيّة من "محور الشر المركّز في عصرنا"، مثلما أطلق شامبرس على الشيوعيّة في مذكّراته "الشاهد"، وتتردد صياغات مماثلة تروج اليوم في اليمين في العبارات الممجوجة الدافئة للإرهاب الإسلاميّ والصراع بين الحضارات، وفي التأكيد الرسمي أنّ سياسات الرئيس أوباما هي ترضيات شفافة "خانت" الأمة.

هيس ألغير

(1904-1996)

مواقع التواصل

 

تلك هي لهجة التعصب، أو ربّما "النمط المتعصّب"، وهو ما يختلف عن ما أسماه ريتشارد هوفستادتر "النمط البارنويديّ". كان هوفستادتر حريصا على القول إنّه لم يصف حالة سريريّة، بل يصفُ آفاقا مُشيّدة، وقد انبثقت موضوعاته التآمرية من "طريقة خاصّة لرؤية العالم والتعبير عن نفسه". وهكذا الحال اليوم مع النمط الحالي للخطاب المحافظ، فهو يفترض وجود أعداء مخفيين، لكنه يؤكّد أيضا -حتى أكثر ممّا فعل "البارنويديون"- على سوء نية الليبراليين الذين هم غير راغبين وربما غير قادرين على الاعتراف بإلى أيّ حدّ هي الأشياء السيئة حقّا، أو لاستدعاء الشرّ باسمه الحقيقيّ.

 

ولقد ظهرت لحظة حاسمة في تاريخ الردّة مؤخرا في عام 1999، عندما قام هيتشنز الذي يكنّ الكراهية كلّها لبيل كلينتون بشهادة خطيّة ضد المواطن سيدني بلومنتال الموالي لكلينتون، مُورِّطًا إياه في جرائم الرئيس المزعومة. كان هيتشنز وبلومنثال صديقين قديمين، تماما مثل شامبرس وهيس، كما لاحظ العديد في ذلك الوقت. وكان هوتشنز نفسه (المقولب نفسه كشامبرس) سعيدًا بالمقارنة وبـ"المبالغة البطوليّة". في الواقع، فإنه أظهر كيف تغيّرت الرهانات، إذ إنّ "مأساة التاريخ" -بعبارة شامبرس الشهيرة التي قِيلت خلال جلسات الكونغرس- قد بُخِّسَ ثمنها في مهزلة الجنس.

 

وبالعودة إلى عام 1948 نجد أنّ اتهامات شامبرس ضد هيس أذهلت الكثيرين على نحو غير مرغوب فيه، والبعض اشتبه في بعض الدوافع الخفيّة. وفي وقت ما طلب عضو البيت الأبيض الذي يقود التحقيق -وهو ريتشارد نيكسون البالغ من العمر 35 عاما- من شامبرس ما سبب اتهامه لهيس. هل كان يحمل له ضغينة؟ قال شامبرس: "لقد شهدتُ ضدّه ببعض النّدم والشفقة، ولكن ساعدني الله، فلم أستطع أن أفعل خلاف ذلك". كلمات "ندم" و"شفقة" هي كلمات نادرا ما تستخدَم في السياسة اليوم، ولكن لهم معنى للمرتدين الأصليّين الذين اعترفوا أنّ اللوم بدأ بأنفسهم، حتى لو لم يكن دائما يقفُ هناك عند هذا الحدّ. 

 

=============================================

 

التقري الأصلي نُشر بموقع مجلة "ذا أتلانتك" عبر: هذا الرابط

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار