انضم إلينا
اغلاق
أوروبا الضعيفة.. لماذا تعمل روسيا على إسقاط كرواتيا؟

أوروبا الضعيفة.. لماذا تعمل روسيا على إسقاط كرواتيا؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض

بعد انقسام الائتلاف الحاكم الكرواتيّ في (أبريل/ نيسان) بدا وكأنّ البلاد قد تشهد تكرارا للأزمة السياسيّة التي حدثت الصيف الماضي والتي أُطيحَ فيها برئيس الوزراء آنذاك تيهومير أوريسكوفيتش عبر التصويت بعدم الثقة، سوى أنّ كرواتيا أفلتت من الرصاصة فى (يونيو/حزيران)، عندما شكّل رئيس الوزراء أندريه بلينكوفيتش أغلبيّة برلمانيّة جديدة، ممّا أوقفَ الزعزعة لأحدث عضو بالاتحاد الأوروبيّ.

هذا الهروب الضيّق من الفوضى السياسيّة الوشيكة مضى دون أثرٍ؛ ومع ذلك، فإنّ استقرار كرواتيا، أو انعدامه أيضا، له آثار بعيدة المدى على كلٍّ من الولايات المتحدة وأوروبّا. فيمكن أن تضعف التوازن داخل الاتحاد الأوروبيّ الهشّ أصلًا ويؤثر على تدهور الوضع في البلقان التي تتميز بالاضطرابات الاقتصاديّة والفساد السياسيّ وبالنزعة القوميّة المتصاعدة. والأهم من ذلك، أنّ الحكومة الكرواتيّة المعتدلة هي حاليا أقوى حليف في الغرب ضدّ التوسع الروسيّ في المنطقة.

سلسلة الفوز الكرواتيّ
هزيمة الحكومة في (مايو/ أيار)  يبدو أنّها وضعت المسار التقدّميّ الكرواتيّ موضع تساؤل  (رويترز)


قبل عامٍ واحد فقط، بدا وكأنّ كرواتيا قد تتجه نحو الخلل السياسيّ نفسه الذي جعل البلقان، جارتها، عرضة للنفوذ الروسيّ. وقد جعل المأزق بين الأحزاب الفاسدة من اليسار واليمين البلد على شفا حفرةٍ من الفوضى. ففي (يونيو/ حزيران) 2016، أطلقت مجلّة الإيكونوميست على كرواتي أنّها "عاجزةٌ اقتصاديّة وسياسيّة"، وشككت في ما إذا كانت البلاد، بسياسييها غير الأكفاء الذين يتهمون بعضهم البعض بالفاشيّة والشيوعيّة، يمكن أن تجد "سلسلة فوزها".

ومع ذلك، فى الانتخابات التى جرت في (سبتمبر/ أيلول) الماضي، صوّت الكرواتيّون على استبدال كبار السياسيين من الأحزاب اليمينيّة واليساريّة الأساسيّة، أي الاتحاد الديمقراطيّ الكرواتيّ والحزب الديمقراطيّ الاشتراكيّ الكرواتيّ، على التوالى. كما منحوا 13 مقعداً في البرلمان إلى الوافد الجديد الوسطيّ (حزب "الجسر") الذي دخل في ائتلاف مع الحزب الديمقراطيّ الحرّ. وبفضل الغالبيّة التشريعيّة التي يكفلها "الجسر"، تمكن الحزب الديمقراطيّ الكرواتيّ، بقيادة بلينكوفيتش، من الابتعاد عن قاعدته ذات النّزعة القوميّة وشديدة المحافظة، مما جعله معتدلاً في خطابه بينما مركّزاً على الانتعاش الاقتصاديّ، وساعياً لسياسة خارجيّة أقل عدوانيّة تجاه البلقان، البلدة الجارة. فمثلاً، منذ الانتخابات، قللت كرواتيا من التوتر مع صربيا عن طريق فتح محادثات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتبنت أيضا حكومة بلينكوفيتش سياسة عدم التدخل فيما يتعلق بكرواتيّ البوسنة، الذين شكّل معهم القوميون الكرواتيّون روابط في الماضي. أضِفْ إلى ذلك، كانت كرواتيا صوتا كبيرا للوحدة داخل الاتحاد الأوروبيّ، على الرغم من نزاعها الإقليميّ مع سلوفينيا على خليج بيران.

بيد أنّ هزيمة الحكومة في (مايو/ أيار) يبدو أنّها وضعت المسار التقدّميّ الكرواتيّ موضع تساؤل. وبعد الإنقاذ المثير للجدل لأجروكور، وهو عملاق الأطعمة الكبير في البلاد، انفصل وزراء من حزب "الجسر" عن الائتلاف الحاكم، الأمر الذي أثار إمكانية إجراء انتخابات مبكّرة قد تعزل المعتدلين داخل قيادة الاتحاد الديمقراطيّ الكرواتيّ. ولتجنب ذلك، شكّل بلينكوفيتش تحالفاً مذهلاً، وأكثر وسطيّةً، مع حزب الشعب الكرواتيّ الليبراليّ.

ورغم أنّ بلينكوفيتش نجا من التحدي الذي يواجه قيادته، فلا موقفه ولا اتجاه حزبه مؤكّد ولا يقينيّ. ويأتي التهديد الرئيسي من يَمين الحزب. وقامَ أعضاء الاتحاد الديمقراطيّ الكرواتيّ المحافظين باحتجاج لتشكيل حزب جديد، ويشير وزير الخارجية السابق للاتحاد دافور إيفو ستيير إلى نيته في تحدي قيادة بلينكوفيتش من اليمين في الانتخابات الداخلية للحزب في خريف هذا العام. وتثير هذه التطورات قضيّة ما إذا كان المعتدلون الكرواتيّون يمكن أن يفوزوا وأن يبقوا البلد على مساره التقدميّ. وفي الوقت الراهن، فإنّ رئيس الوزراء في موقف قوي، لكنّه سوف يضطر إلى اغتنام العديد من المعارضين ليبقى على رأس القمّة.

الحاجة إلى الاعتدال

بالنسبة إلى بقيّة أوروبّا، فهناك أشياء كثيرة تقف أمام استقرار الحكومة الكرواتية. ففي ظلّ قيادة بلينكوفيتش، قُيدت كرواتيا بنموذج معيّن ورفضت نوع القوميّة التي تختمر على طول الحدود الشرقيّة للاتحاد الأوروبيّ، ولا سيّما في المجر وبولندا. وقد حافظت حكومة بلينكوفيتش على الهدوء، ودعت إلى تعميق الوحدة مع الاتحاد الأوروبيّ في ضوء المقترحات الفرنسيّة والألمانية من أجل "أوروبا متعددة السرعات" -أي فكرة العضويّة المتناغمة التي ظهرت في جزءٍ منها ردّا على الأزمة الاقتصاديّة للاتحاد الأوروبي وفي جزءٍ آخر بسبب التوترات مع هنغاريا وبولندا بشأن سياسات الهجرة. هذا المسار الخطير للاختلاف داخل الاتحاد الأوروبيّ، إلى جانب التحديات التي يطرحها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ، والإرهاب، وتهديد روسيا، يعني أنّ أوروبا تحتاج إلى زخم من الحكومات المعتدلة المؤيّدة للوحدة إذا أُريدَ لها البقاء.

اللجوء إلى أوروبا  (رويترز)


غير أن الأهم من تأثيرها المؤيّد للاتحاد الأوروبي إنّما هو دور كرواتيا المعتدلة سياسيّا في تحقيق الاستقرار في منطقة البلقان؛ إذ إنّ تراجع الديمقراطية في الجمهوريات اليوغوسلافيّة السابقة الأخرى، مثل صربيا ومقدونيا، جعل المنطقة عرضةً للتدخل الروسي. وقد استفاد الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين استفادةً تامّة من الانقسامات الوطنيّة والضعف الاجتماعيّ والاقتصاديّ في إنعاش نطاق نفوذ بلاده التقليديّّ على البلقان. والهدف الرئيسي للكرملين في المنطقة هو إبقاء دول البلقان خارج المؤسّسات الغربية، أي حلف شمال الأطلسيّ والاتحاد الأوروبيّ. ويتمثل هدفها الثانويّ في السيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة من أجل جعل بلدان البلقان تعتمد اعتمادا كاملا على روسيا.

تُعدّ كرواتيا حاليا، بثقلها الاقتصاديّ والثقافيّ، الرائدة في جنوب شرق أوروبّا، حيث أن لسياساتها تأثيرا كبيرا على الديناميّات الإقليميّة

والحال أنّ البلقان تُعدّ ذات أهمية خاصة نظرا لمحاولات أوروبا الشرقيّة لتحقيق مزيد من الاستقلال في مجال الطاقة. ولمّا كانت بولندا وأوكرانيا تقومان ببناء مركز الغاز الإقليمي الخاصّ بهما، فإنّ بوتين يردّ بخط أنابيب الغاز عبر أراضي الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة. ففي عام 2016، أنجزت روسيا قطاع خطّ أنابيب تبلغ قيمته 75 مليون دولار في مقدونيا، وغطّت التكلفة الكاملة. وفي البوسنة، تخطّط روسيا لتجاوز الحكومة المركزية وبناء خط أنابيب للغاز في جمهورية صربسكا المستقلّة ذات الأغلبية الصربيّة.

يستخدم بوتين تكتيكات "فرّق-تسد" لتحقيق أهدافه؛ ففي مقدونيا والجبل الأسود، أثارت روسيا العنف العرقيّ، مما قاد كلا البلدين إلى حافّة حرب أهليّة. وفي يونيو، أفادت صحيفة "الغارديان" أن فاعلين روسيين "شاركوا في جهود استمرت عشر سنوات تقريبا لنشر البروباجندا وإثارة الخلاف في مقدونيا"، وذلك أتى جزئيّا بدعم سياسة مافيويّة الطابع وبتشجيع العنف الذي ترعاه الحكومة ضدّ الأقلية الألبانيّة في البلاد. وفي الجبل الأسود أيضا، جعلت الانقسامات بين الجبل الأسود والصرب كلا البلدين عرضة للتدخل الروسيّ.

في (أكتوبر/ تشرين الأول) 2016، حاول فاعلان روسيّان، زعْمًا، أن يغتالا رئيس الجبل الأسود ميلو ديوكانوفيتش كجزءٍ من محاولة انقلاب، وهي المحاولة التي كان من شأنها أن تمكّن المعارضة الصربيّة الموالية لروسيا، حائلةً الجبل الأسود من الانضمام إلى الناتو. ونجا ديوكانوفيتش وانضم الجبل الأسود إلى حلف شمال الأطلسي في يونيو، ولكن البلاد لا تزال مكسورة. وقد أدت النقاشات حول دور روسيا في محاولة الانقلاب إلى تعميق عدم الثقة العامّة في مؤسسات الجبل الأسود وزادت من تقسيم البلاد على أسس عرقيّة. وفي البوسنة، شجع دعم بوتين الماليّ لجمهورية صربسكا رئيسَها ميلوراد دوديك على الدّفع من أجل الانفصال. والحال أنّ هذا من شأنه أن يشكّل سابقة خطيرة لإعادة رسم خريطة جنوب شرق أوروبّا مع إحياء صراعات البلقان منذ التسعينيّات.

تحصين القلعة
صروة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيسة الكرواتية كوليندا غرابار كيتاروفيتش  (رويترز)


تُعدّ كرواتيا حاليا، بثقلها الاقتصاديّ والثقافيّ، الرائدة في جنوب شرق أوروبّا، وإنّ لسياساتها تأثيرا كبيرا على الديناميّات الإقليميّة. إن موقف زغرب -عاصمة كرواتيا- يتعلّق خصوصا بالبوسنة المجاورة؛ حيث إنّ الكرواتيين البوسنيين، ردّا على مطالب الصربيين البوسنيين، يناشدون من أجل كيانهم المستقل. وعلى الرغم من أن الكرواتيين البوسنيين يتطلعون إلى زغرب للحصول على الدعم، فإنّ حكومة بلينكوفيتش الحالية لا توفر ذلك الدعم. وفي المقابل، فإنّ سياسة عدم التدخل في كرواتيا لتحافظ على إبقاء صربيا في أمان. ولكن في حال استقرّت السياسة في البلاد مرة أخرى، فإنّه يمكن للمحافظين المتشدّدين أن يحيوا دعم كرواتيا للكرواتيين البوسنيين -الذين يمكنهم التصويت بشكل قانونيّ في الانتخابات الكرواتيّة ويميلون لدعم القوميين.

أيضا، فإنّ السياسة الخارجيّة لزغرب الجديدة المناهضة لروسيا دفعت المنطقة بعيدا عن الكرملين. فسابقا من هذا العام، أنشأت كرواتيا المبادرة الثلاثيّة الأدرياتيكيّة مع ألبانيا والجبل الأسود -وهي رابطة إقليميّة تهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدان الثلاثة. وفي حديثه بمؤتمر مجلس الأطلنطيّ في واشنطن العاصمة هذا الربيع، قال وزراء خارجية الدول الثلاث إنّ أولوياتهم العليا تتمثّل في توفير الأمن في المنطقة ومنع التوغّل الروسيّ، بالإضافة إلى مساعدة ألبانيا والجبل الأسود على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبيّ.

أمّا فيما يتعلق باللعبة العالميّة الأوسع نطاقا لروسيا، فقد اتخذت كرواتيا موقفا أكثر حزما. ففي عام 2016، نظّمت الحكومة فريق عمل مع أوكرانيا لتبادل خبراتها مع كرايينا -وهي جمهورية صربيّة كرواتية انفصاليّة لم تَبقَ طويلا وتمّ تشكيلها في التسعينيّات- من أجل مساعدة أوكرانيا في نهاية المطاف على إعادة إدماج شبه جزيرة القرم ودونيتسك ولوهانسك. وبالإضافة إلى ذلك، أجرت كرواتيا مناقشات مع أوكرانيا بشأن خطّ أنابيب غاز محتمل يربط بين كرواتيا وهنغاريا وأوكرانيا.

تعتمد قدرة كرواتيا على التحقق من طموحات روسيا الإقليميّة إلى حد كبير على استقرار الحكومة الحالية ونتائج الانتخابات الداخليّة للاتحاد الديمقراطيّ في خريف هذا العام

إنّ إمدادات الطاقة الكرواتيّة والقطاعات الاقتصاديّة الرئيسة، مثل قطاعات جيرانها، كانت مؤخرا مُراقَبة من قبل الشركات الروسيّة المدعومة من الدولة، كما تسعى موسكو لبناء خط أنابيب غاز فى منطقة سلافونيا الكرواتيّة والاستيلاء على "اغروكور" وشركة (INA) للطاقة النووية. ولكن على الرغم من أنّ دول أوروبا الوسطى مثل سلوفينيا قد استسلمت لمقترحات الأعمال الروسيّة واعتمدت سياسة خارجية مؤيدة لروسيا، فقد ظلت الحكومة الكرواتيّة الجديدة حليفا قويّا في حملة الغرب لمقاومة التوسّع الروسيّ في البلقان. فمثلا، قاوم بلينكوفيتش النفوذ الروسيّ عن طريق بناء محطة غاز طبيعيّ مسال عائمة في شمال البحر الأدرياتيكيّ لمنع اعتماد الاتحاد الأوروبيّ على الطاقة في روسيا، وكذلك رفض عرض من البنوك الروسيّة لمبادلة ديون أغروكور -التي تملك وحدها ثلثها- لتمويل الشركة. ويدرك الزعيم الكرواتيّ أن إسلام السيطرة على أكبر شركاته للروس سيعرّض الأمن الإقليميّ للخطر.

سلطة الأيلولة

تعتمد قدرة كرواتيا على التحقق من طموحات روسيا الإقليميّة إلى حد كبير على استقرار الحكومة الحالية ونتائج الانتخابات الداخليّة للاتحاد الديمقراطيّ في خريف هذا العام. إنّ فقدان السلطة من قبل المعتدلين سيكون بلا ريب أمرًا سيّئا للمنطقة وللغرب. ولكن إذا كان بلينكوفيتش يمكن أن يبقى مسؤولا عن حزبه، فإنّ المعتدلين لديهم فرصة عادلة للأخذ بزمام كرواتيا إلى الأمام.

ومع ذلك، من المهم أن نتذكّر أن تقدم كرواتيا على المدى الطويل لا يمكن ضمانه من جانب إدارة واحدة، وإنْ كانت معتدلة، ولكن يجب أن ينبثق من نظام سياسي ديناميكيّ ومتعدد الأقطاب. فخلافا لجيرانها في البلقان؛ حيث السلطة السياسيّة عموما، تقع على عاتق شخص واحد، فالسّلطة في كرواتيا الآن في حالة انتقال وأيلولة -منقسمة بين بلينكوفيتش، وأعضاء الاتحاد الديمقراطيّ المحافظين، والرئيس، والمعارضة البرلمانية. ومن المفارقة، أنّ الفوضى التي أدت إلى ظهور سياسيين جدد أدّت أيضا إلى تقاسم أفضل للسلطة؛ ممّا أدى بدوره إلى سياسات أكثر اعتدالا وقلل من تعرّض البلد للنفوذ الروسيّ. والحال أنّ كرواتيا توضّح أنّ دعم النظم السياسيّة القويّة، بدلًا من الأفراد، هو أفضل ضامن للغرب للاستقرار في البلقان. 
-----------------------------------------------------
 
مترجم عن: فورين أفيرز 

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار