انضم إلينا
اغلاق
هل يمكننا الوقوف في وجه رهبان بورما المتشددين؟

هل يمكننا الوقوف في وجه رهبان بورما المتشددين؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض

خطابهم المناهض للإسلام والمسلمين يشكل تحديًا للجميع من مستشار الدولة أون سان سو تشي إلى البابا فرانسيس.

وحتى عن طريق معايير ولاية راخين في بورما، التي شهدت نصيبها من المأساة، كان العنف في الأسبوعين الماضيين مذهلًا. اقتحم عدد من المسلحين المنتمين للأقلية المسلمة من الروهينغا عديمي الجنسية مواقع للشرطة فى 25 (أغسطس/ آب الماضي). أسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 12 فردًا من قوات الأمن فى بورما التي أدت إلى الاشتباكات التي تشهدها البلاد حاليًا والتي أسفرت عن مصرع ما لا يقل عن 400 شخص. في حين يدعي الجيش البورمي أن معظم القتلى من المتمردين الروهينغا، ولكن العديد من نشطاء الروهينغا يقولون إن الخسائر في صفوف المدنيين في غاية الخطورة.


 وتشهد القرى العديد من المعارك. هذا وقد فر أكثر من 140 ألف لاجئ من الروهينغا إلى بنغلاديش المجاورة. وأرسل لي بعض أولئك النشطاء من الروهينغا هذا الأسبوع رسالةً يقول فيها: "لقد تم حرق جميع القرى الأخرى بالفعل". وأضاف أن "النساء يلدن أثناء جريهم محاولين الهرب". وتابع "أكثر من 10 آلاف من البوذيين الراخين نزحوا داخليًا في تلك القرى".


ولكن بالنسبة للقوميين البوذيين المتشددين، قد تكون الفوضى نعمة بقدر ما تقدم الدعم لتصويرهم السلبي للأقلية المسلمة في البلاد. يمكن رؤية "ما با تا" أو "الرابطة الوطنية لميانمار"، وهي جماعة يقودها الرهبان البوذيون الذين يميلون إلى القومية المتطرفة، باستخدام اعتداءات 25 (أغسطس/ آب) كـ غلاف لصحيفتِهم الأسبوعية أونغ زاي ياتو، التي شعارها هو "العرق والدين يجب أن يظلا قائمين حتى نهاية العالم". وفي الأول من (سبتمبر/ أيلول) كان أحد العناوين الرئيسية هي "المخاطر المختلفة للمسلمين البنغاليين".

قال لي ميونغ ثواي رئيس تحرير الصحيفة إنه لا يحمل أي كراهية تجاه المسلمين ولديه أصدقاء مسلمون، ولكن التهديد الذي تمثله "أسلمة" البلاد يُعد هو المشكلة الحقيقية.

رويترز

(وعلى الرغم من أن الأدلة على خلاف ذلك، إلا أن حكومة بورما تُصِر على أن مسلمي الروهينغا من بنغلاديش وتدعوهم البنغاليين). كما تضمنت الصحيفة مقابلة مع أشين ويراثو، الراهب المتشدد وزعيم رابطة ما با تا "الرابطة الوطنية لميانمار" الذي قضى فترة عقوبة بالسجن بسبب التحريض على العنف ضد المسلمين.


وقال لي ميونغ ثواي تشون رئيس تحرير الصحيفة في مقابلة أجريتها معه مؤخرًا في منزله في يانغون إنه لا يحمل أي كراهية تجاه المسلمين ولديه أصدقاء مسلمون، ولكن التهديد الذي تمثله "أسلمة" البلاد يُعد هو المشكلة الحقيقية. "نحن لا نقمع المسلمين، كما أننا ندرك وجودهم. ولكننا لا نريد أن يبتلع المسلمون بلادنا.. إن الأمر لن ينتهي فقط بمهاجمة البوذيين الراخين. ولكنهم سيغزون أيضًا ولاية تشين أو منطقة أرّوادي"، مشيرًا إلى الولايتين التي تقعان مباشرة في الجنوب والشمال الشرقي من ولاية راخين. وأضاف "أن هذا البلد سيكون بلدًا مسلمًا. ومن العار بالنسبة لنا أن تضيع الأرض التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا في عصرنا".


وتمكنت الرابطة الوطنية لميانمار "ما با تا" التي تأسست  في عام 2013 بنجاح في تمرير مجموعة من القوانين في عام 2015 تضم أربعة قوانين تم سنهم على أساس العرق والدين -وهي القوانين التي يُنظر إليها على نطاق واسع بأنها تحيُزية وعنصرية تجاه المسلمين- التي تحاول فرض نوع من أساليب السيطرة على السكان، وذلك بمنع تعدد الزوجات، ووضع قيود على التحول الديني والزواج بين الأديان. وقال المحرر إن الحكومة حاولت القضاء على هذه الرابطة، على سبيل المثال من خلال توجيه الأوامر إلى جريدة "أونج زاي ياتو" بوقف النشر، إلا أن العدد الأسبوعي سوف يتم نشره هذا الأسبوع، ببساطة تحت اسم مختلف" طبقًا لما صرح به المحرر.


وفي (مارس/ آذار)، عاقبت السلطات الدينية البوذية الراهب البوذي آشين ويراثو من جماعة ما با تا "الرابطة الوطنية لميانمار" بالحظر من الوعظ لمدة سنة واحدة بعد أن شكر أحد الرجال الذين قتلوا مستشارًا قانونيًا مسلمًا رفيع المستوى في يانغون، وبعد أن أخبر أحد النساء البوذيات أنه من الأفضل لها أن تتزوج من كلب عن الزواج من أحد المسلمين. وقال مجلس سانغا البوذي المدعوم من الدولة أن ما با تا ليست منظمة قانونية وأمرت بإزالة علاماتها. وواجهت تلك الأوامر إما بتجاهل من فصائل جماعة "ما با تا" أو الاحتيال بإعادة التسمية.


وتجاهل الراهب ويراثو ذلك أيضًا. وفى يوم الأحد بعد هجمات (أغسطس/ آب) فى راخين ظهر فى تجمع أمام قاعة المدينة فى يانغون. وقال: "لقد كنا في بعض المدارس الثانوية في مونغ داو ولم نر أي من شعبنا العرقي في هذه المدارس"، مشيرًا بذلك إلى واحدة من الثلاث المدن الرئيسية في ولاية راخين الشمالية المتأثرة بالقتال. وتابع: "كلهم من الطلاب البنغاليين. فهل سيعرف العالم من هم الغالبية ومن هم الأقلية عندما يرى ذلك؟".

لا يشكل المسلمون سوى 4 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 53 مليون نسمة، ويشكل الروهينغا جزءًا من تلك الأقلية. غير أن ولاية راخين تغذي هذا التوتر حيث يتركز الروهينغا المسلمين في هذا الإقليم.

الجزيرة


كانت القومية البوذية والتوترات الدينية في بورما موجودة على الأقل منذ عهد الاستعمار البريطاني وفي الفترة الصخرية التي أعقبت الاستقلال في عام 1948م. وقد خاضت جماعات الروهينغا العديد من المحاولات لعقود طويلة تحت لافتات وقيادات مختلفة آملين في الحصول على مزيد من الحكم الذاتي في راخين. ولكن هذه التوترات وصلت إلى مرحلة جديدة بعد عام 2011م، عندما بدأت البلاد في الانفتاح أمام العالم الخارجي بعد عقود من الحكم العسكري، وبدأ الشعور بعدم اليقين بشأن مستقبل الحياة البوذية في ذلك البلد المتغير يزداد يومًا بعد يوم حتى أصبح أكثر حدة.


ولا يشكل المسلمون سوى 4 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 53 مليون نسمة، ويشكل الروهينغا جزءًا من تلك الأقلية. غير أن ولاية راخين تغذي هذا التوتر الوجودي المنتشر في جميع أنحاء البلاد حيث يتركز الروهينغا المسلمين في هذا الإقليم. جديرٌ بالذكر أن أكثر من 1.1 مليون شخصًا من مسلمي الروهينغا يعيشون في تلك الولاية. وتُعتبر هذه الولاية هي "الباب الغربي" الذي ينتظره مسلمو جنوب آسيا، والإسلام العالمي للولوج داخل البلاد- في أذهان البعض.


"لقد كان هناك خوف شديد لزمن طويل من الثقافات الإسلامية التي تزحف منتشرةً داخل ميانمار مؤدية إلى ضعف الهوية الوطنية التي تتمحور حول البوذية، والعنف الذي شهدته السنوات الخمس الماضية، والذي تم نسجه على نطاق واسع من قبل الروهينغا، يؤكد ذلك في أذهان الكثيرين"، هكذا قال لي فرانسيس ويد، مؤلف الكتاب الجديد الذي يحمل عنوان، عدو ميانمار الداخلي: العنف البوذي وانتشار الإسلام. وتابع أن "هناك أيضا مخاوف محلية يشعر بها الراخين البوذيين التي غالبا ما تكون ذات طبيعة مادية؛ إذ إن الروهينغا يأخذون الأرض، والغالبية الساحقة من الموارد الطبيعية، وهلم جرا، ولكن هذه المخاوف تنتشر على شكل أوسع في غرب ميانمار بصورة أكثر رمزية، إذ تبدو تلك المخاوف نوعًا من الغزو الذي يزحف مهددًا سيادة ميانمار، والتي تُعد أحد آخر معاقل البوذية في العالم".


وقد أدى تصاعد العنف في ولاية راخين إلى تعقيد الجهود التي بذلتها الحكومة الجديدة بقيادة مستشار الدولة الجديدة أونغ سان سو كي لمواجهة جماعات "ما با تا". وفي حين أن العديد من النقاد الغربيين يرون سو كي على أنها مقصرة تقصيرًا بالغًا في مواجهة القمع الذي يتعرض له الروهنغيا، يستاء منها أيضًا القوميين البوذيين، ولكن لأسباب متعارضة؛ إذ يعتقدون أنها ضعيفة وغير قادرة على مواجهة خطر أسلمة راخين.

أونغ سان سو كي (رويترز)


وكان من بين الأشياء الأولى التي قامت بها سو كي بعد توليها منصبها في عام 2016، عقب الانتخابات التي انتهت قبل شهور على أعقاب عقود طويلة من الحكم المدعوم من الجيش، بتعيين لجنة برئاسة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان لتقديم توصيات بشأن حلول النزاع في تلك المنطقة. ولكن بعد أقل من شهرين من إعلانها أخبار تلك اللجنة، قامت المجموعة التي تُعرف باسم جيش أراكان لإنقاذ الروهينغا "ولاية راخين معروفة أيضًا باسمها القديم أراكان" بالهجوم المسلح للمرة الأولى مما أسفر عن مصرع تسعة مسؤولين فى مراكز حرس الحدود فى البداية وأدى ذلك الهجوم إلى اندلاع العديد من الاشتباكات التي أسفرت عن مصرع العشرات وأجبرت حوالي 90 ألفًا على الفرار إلى بنغلاديش.


وجاء على لسان مجموعة الأزمات الدولية في صحيفة "ما با تا"، صحيفة جماعة الرابطة الوطنية لميانمار الصادرة يوم الثلاثاء أن ظهور جيش أراكان لإنقاذ الروهينغا "إيه آر إس إيه" أعطى شرعية جديدة للمجموعات القومية المتشددة". وقال مؤلفو التقرير إن "هذا التطور جلب التهديد المزعوم من عنف الإسلاميين إلى أرض الواقع، موقظًا بذلك بذور الوعي القومي والمشاعر المعادية للمسلمين"، مستشهدين بالتوترات المتزايدة في أحياء يانغون مع عدد كبير من المسلمين. تسببت الاحتجاجات في إغلاق مدرستين مسلمتين، وكانت هناك غارة في وقت متأخر من الليل على منزل يُشتبه في إيوائه مجموعة من "البنغاليين" من ولاية راخين. ويبدو أن لجنة كوفي عنان محكوم عليها بالفشل، نتيجة تلك الضغوط. فما إن انتهت من تسليم تقريرها النهائي إلى وسائل الإعلام في فندق فاخر في مدينة يانغون يوم 24 (أغسطس/ آب)، حتى بدأت هجمات جيش أراكان في الاشتعال.


وتجدر الإشارة إلى أن التدابير المتخذة حتى الآن ضد القوميين يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، كما أشارت إلى ذلك مجموعة الأزمات الدولية في تقريرها، فإن جماعات "ما با تا" تقدم أيضًا العديد من الخدمات الاجتماعية والمساعدات القانونية والإغاثة في حالات الكوارث، ومساعدات في مجال التعليم أيضًا. ويقول المؤلفون في التقرير إن التحرك ضدها بقوة يمكن أن يُغذى تلك المخاوف المنتشرة من التهديد المحتمل للبوذية "والتي من الممكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تمكين المنظمة وغيرها من الجماعات القومية الأكثر تطرفًا".

أزمة الراخين قد أوقعت حتى بالبابا فرانسيس؛ إذ إنه تحدث عدة مرات عن محنة مسلمي الروهينغا ولم يولِ اهتمامًا كبيرًا للضحايا البوذيين.

غيتي إيميجز

ويقول البابا فرانسيس: في هذه الملحمة يوجد العديد من الخطوات المعقدة وغير المتوقعة. جديرٌ بالذكر أن البابا سيزور بورما للمرة الأولى في أواخر شهر (نوفمبر/ تشرين الثاني). والكثير من الآمال معقودة على هذا الظهور. وقال بنديكت روجرز، رئيس فريق شرق آسيا للتضامن المسيحي في جميع أنحاء العالم: "لقد أظهر البابا فرانسيس بشكل خاص أنه يقف إلى جانب المضطهدين والمهمشين كل مكان، كما أنه متحمس جدًا للحديث عن السلام والمصالحة". وأضاف روجرز "ومن خلال وضعه الفريد من نوعه فإنه قادر على تقديم وجلب رسالة السلام إلى مكان الصراع، وكزعيم مسيحي قد يكون قادرًا على التحدث إلى قلوب وعقول كلٍ من البوذيين والمسلمين كطرف ثالث مستقل، معززًا بذلك صورة الكنيسة صوتًا ينشد العدالة والسلام للجميع".


ولكن أزمة الراخين قد أوقعت حتى بالبابا؛ إذ إنه تحدث عدة مرات عن محنة مسلمي الروهينغا ولم يولِ اهتمامًا كبيرًا للضحايا البوذيين. ولا يتوقع أن يمر هذا دون أن يلاحظه أحد. وقد حذر المتشددون البوذيون البابا من عدم استخدام الرحلة للدفاع عن مسلمي الروهينغا. كما ذُكر أن الأساقفة في بورما قد طلبوا منه تجنب استخدام كلمة "الروهينغا". هذا وقد أخبرني الأب ماريانو سو أونغ، المتحدث باسم الرحلة، مؤخرًا أن هذه لم تكن سياسة رسمية، إلى جانب أنه ليس من حقهم إخبار البابا عما يمكنه التحدث عنه.


ولكن على الأقل في الوقت الراهن، يبدو أنه لا يوجد أحد يستطيع أن يقف في وجه البوذيين المتشددين.

_____________________________________________

مترجم عن: (ذا أتلانتيك)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار