انضم إلينا
اغلاق
كيف تعزز الولايات المتحدة التطرف باسم الحرية الدينية؟

كيف تعزز الولايات المتحدة التطرف باسم الحرية الدينية؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض

أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترمب في 26 (يوليو/تموز) ترشيحه لحاكم كانساس سام براونباك سفيرا للولايات المتحدة للحريّة الدينيّة الدولية. كان هذا المنصب قد أُنشئ من جانب قانون الحريّة الدينيّة الدوليّة لعام 1998، والذي أسّسَ أيضا اللجنة الأميركيّة للحريّة الدينيّة الدوليّة التي يتعاون معها مكتب السفير عن كثب. وسيقوم الرئيس ترمب وأعضاء الكونغرس بتعيين مفوضين جُدد للجنة الأميركيّة للحريّة الدينيّة في عام 2018 . وتبلغ اللجنة عن الانتهاكات العالميّة للحريّة الدينيّة، وتقدم توصيات إلى الرئيس ووزارة الخارجية لاتخاذ إجراءات، بما في ذلك العقوبات.

 

ورغم النيّات الحسنة للكونغرس فقد ابتعدت اللجنة الأميركيّة للحريّة الدينيّة عن وساطتها وعملها. في تقريرها لعام 2017 تدافع اللجنة بفعاليّة عن حق المتطرفين الإسلاميين في العمل في العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، ولملايين الإيرانيين بنشر التطرّف في الخارج، وللمنظمات الإسلاميّة المتشددة بتلقي تمويل أجنبيّ. وأيضا فإنّ التقرير ينتقد بقسوة السياسات التي تعزز العلمانيّة، مثل حظر ارتداء الحجاب للفتيات في المدارس الحكومية. والحال أنّ الجمعيّة الأميركيّة للحريّة الدينيّة في سعيها لحماية حريّة الدين فإنها تناصرُ حقوق المجموعات التي تطمح لفرض الإكراه الدينيّ على الآخرين.

 

الكنسيةُ والدّولةُ

تقوم السلطات في طاجيكستان بحلق لِحى الرجال بالقوة، وتأمر النساء بارتداء قبعاتهن فقط بالطريقة الطاجيكيّة التقليدية

رويترز
 

ورغم أنّ الجمعيّة كانت تعمل في جميع أنحاء العالم فإنّها كانت قاسية في السنوات الأخيرة بشكل خاص في إدانتها لدول القوقاز وآسيا الوسطى ذات الأغلبية المسلمة والسوفياتيّة سابقا، وهي أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمستان وأوزبكستان. وقد انتقدتهم اللجنة بسبب القيود المفرطة على الحريّة الدينيّة وقمع الجماعات الدينية غير التقليديّة. تحترمُ كلُّ هذه الدول الفصل الصارم بين الكنيسة والدولة، ورفضت تعيين الإسلام كدين رسميّ للدولة، وتحافظ على القوانين والمحاكم العلمانيّة. ففي تناقض حادّ مع معاملتهم في معظم الشرق الأوسط يمكن لغير المسلمين في هذه البلدان أن يعيشوا كمواطنين متساوين.

 

كانت هذه الدول، ذات التراث السوفياتيّ، تفتقر إلى البراعة في التعامل مع القضايا الدينية، على سبيل المثال، تقوم السلطات في طاجيكستان بحلق لِحى الرجال بالقوة، وتأمر النساء بارتداء قبعاتهن فقط بالطريقة الطاجيكيّة التقليدية. أضف إلى ذلك أنّه ليس سرّا أنّ أيّا من البلدان ديمقراطيّات فاعلة على نحو سلس. غير أنّه لا بدّ من الاعتراف أيضا بأنّ أحكامها تحمي المسلمين العلمانيين والنساء والأقليات من الإكراه الدينيّ. لا يسمح للإسلامويين الذين يرغبون في قلب هذا النظام العلمانيّ وإقامة دولة دينيّة بأن يفعلوا ذلك. ومع ذلك، فإنّ هذه اللجنة لا تولي اهتماما لهذه الفروق الدقيقة، وتعلن ببساطة أن الدول تنتهك الحريّة الدينيّة لمواطنيها.

 

ففي تقريرها لعام 2017 مثلا تُعدِّد اللجنة، كجزء من تبريرها لتصنيف طاجيكستان كواحدة من أكبر البلدان التي تنتهك الحرية الدينيّة، تشريعات البلد التي تتطلب مؤسسات ودراسات دينيّة للتسجيل لدى الحكومة. لكنّ طاجيكستان التي تتقاسم حدودا واسعة ومساميّة مع أفغانستان تقول إنّ الغرض من القانون هو كبح الإرهابيين عن العمل في البلاد تحت ستار نشاط دينيّ مشروع، وهو قلق متفهّم. وينتقد تقرير اللجنة أيضا طاجيكستان بسبب قانونها الذي يتطلّب موافقة الوالدين قبل أن يتمكن القاصر من الحصول على تعليم دينيّ. لكنّ القانون المعنيّ قد وُضع من أجل حماية الشباب الضعفاء من الوقوع تحت سيطرة المتطرفين الذين كثيرا ما يسعون إلى تجنيدهم في الأماكن العموميّة مثل ملاعب كرة القدم والأسواق.

تذمّرت اللجنة "الأميركية للحرية الدينية" في تقاريرها الأخيرة من أنّ المدارس العامّة في أذربيجان وطاجيكستان لا تسمح للفتيات بتغطية رؤوسهنّ في المدارس

رويترز
 

وأخيرا، يعترض تقرير اللجنة على حظر طاجيكستان لحزب التحرير الإسلاميّ الدوليّ. والحال أنّ هذه الجماعة تدعو إلى استخدام العنف لإقامة الخلافة الإسلاميّة، وهي معادية للساميّة بشكل صارخ. كما أنّ الجماعة محظورة في ألمانيا، وكذلك في معظم البلدان العربيّة.

 

وتذمّرت اللجنة أيضا في تقاريرها الأخيرة من أنّ المدارس العامّة في أذربيجان وطاجيكستان لا تسمح للفتيات بتغطية رؤوسهنّ في المدارس. كما ندّد التقريرُ بأنّ القانون الطاجيكيستيّ "يحظر ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليميّة"، ويستشهد بتوجيهات مكافحة الحجاب من وزير التعليم الأذربيجانيّ "كقمع للمسلمين المستقلّين". مع أنّ التشريعَ المعنيّ مماثل للقوانين في فرنسا، وفي تركيا حتى عام 2014 .

 ففي كلتا الحالتين الأخيرتين أيّدت المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان حقّ البلدان في حظر الحجاب في المدرسة بموجب التعليل القائل إنّ هذه القيود التي تشدّد على العلمانية "قد تُعتبَر ضرورية لحماية النظام الديمقراطيّ" وكدفاع ضدّ "الحركات السياسيّة المتطرفة" التي تسعى إلى "فرض رموزها الدينيّة على المجتمع برمّته". ومع ذلك، ترفض اللجنةُ تعليل المحكمة، ولا تزال تواصل إدانتها للقوانين التي تحظر تغطية رؤوس الفتيات.

يتساءلُ المرء لماذا تعتقد اللجنة أنّ من مصلحة الولايات المتحدة أو شعب أذربيجان الدفاع عن رجال دين من دولة ثيوقراطيّة ومناهضة للولايات المتحدة تعتبرها واشنطن دولة راعية للإرهاب؟


ورغم أنّ بعض الآباء يعترضون على هذه القوانين فإنّ البلدان التي تمرّر هذه القوانين تبرر سياساتها كجزء من التزام الدولة بتزويد الفتيات بتعليم كامل غير منعزل. وفيما يخصّ السؤال المعقّد لحقوق الوالدين الدينيّة مقابل واجب المدارس الحكوميّة لحماية الفتيات الصغيرات فإنّ بيروقراطيي واشنطن ليس لديهم سوى النّزر القليل لكي يضيفوه، ولعلّ النصيحة الأمثل هي السّماح للدّول الأجنبيّة بأن تحلّ هذه المسألة من تلقاء نفسها.

 

والحال أنّ الأكثر إثارة للقلق من نقد اللجنة للعلمانيّة الرسمية إنّما هو دفاعها عن حريّة إيران في نشر أيديولوجيا راديكاليّة في الدول المجاورة. ومن وجهة نظر اللجنة فإنّ أحد أذربيجان يتمثّل في قانون عام 2015 الذي يحظر على المواطنين الأجانب العمل كرجال دين في البلد، وهو قانون موجود لغرض وحيد هو منع رجال الدين الإيرانيين وغيرهم من رجال الدين الراديكاليين الأجانب من الوعظ بالتطرّف. يتساءلُ المرء لماذا تعتقد اللجنة أنّ من مصلحة الولايات المتحدة أو شعب أذربيجان الدفاع عن رجال دين من دولة ثيوقراطيّة ومناهضة للولايات المتحدة تعتبرها واشنطن دولة راعية للإرهاب؟

 


تنتقد اللجنةُ أيضا العديد من الدول لمنع الأموال الأجنبيّة من الوصول إلى المنظمات الإسلاميّة المحلية. مثلا انتقد تقرير اللجنة لعام 2017 كازاخستان على حجب الحسابات المصرفيّة للأفراد المدرجين في قائمة وزارة المالية باعتبارهم من الأفراد "المتصلين بتمويل الإرهاب أو التطرّف". ولكن ليست هذه السياسات فحسب تردّ على التهديد الحقيقيّ لانتشار الراديكاليّة من دول الخليج أو إيران، فهي تتماشى أيضا مع التشريعات الأميركيّة الرامية إلى مكافحة تمويل الإرهاب. وبالتالي، تعارضُ اللجنةُ بنشاط عنصرا رئیسا في سیاسات الحکومة الأمیرکیّة الخاصّة بمکافحة الإرھاب.

 

تخمين

 اللجنة الأميركية للحرية الدينية أثناء إحدى اجتماعاتها خلال العام الجاري 2017  (مواقع التواصل)


ثمّة مشكلة متأصلة في النظام الحالي متعلّقة بدقة الأدلة التي تبني عليها اللجنةُ استنتاجاتها. ولأن دور اللجنة هو أن تغطي العالم بأسره فإنها نادرا ما تجري بحوثا أصليّة، وتعتمد بدلا من ذلك على تقارير من منظمات غير حكوميّة محليّة ودوليّة. ثم تقوم بإعادة تدوير هذه التقارير دون التحقق بشكل مستقل من دقّتها، وتضع ختم الحكومة الأميركيّة عليها. الأسوأ من ذلك أن اللجنة لا توفر معلومات محددة عن مصادر البيانات الخاصة بها فيما هو أبعد من تسمية المنظمات غير الحكوميّة ووسائل الإعلام المعارِضة. بعبارة أخرى، لا يوجد لدى القارئ أيّ أساس للتحقق من بيانات اللجنة.

وهناك مشكلة أخرى في هذا النّهج تتمثل في أنّ العديد من المنظمات غير الحكوميّة هي جماعات حزبيّة بشدة لا تقدم أيّ ذريعة لإخفاء أجندتها، سواء أكانت دعما فعليّا لحكومة أو لإسقاطها. في التقرير الحالي للجنة تُستمَدّ معظم التقارير المتعلقة بآسيا الوسطى والقوقاز من الموقع الشبكيّ لمنظمة نرويجية تدعى "المنتدى 18" (Forum 18). وليس لدى هذه المجموعة قسم للبحوث، كما أنّها تعلن عن نفسها كـ "مبادرة مسيحيّة" تؤكّد على "تجسُّد يسوع المسيح" والحقّ في حريّة الدين، وهي ليست بالضرورة وصفة للبحوث النزيهة والدقيقة.

 

أضف إلى ذلك، لا يمتلك موظفو اللجنة المهارات اللغويّة ولا الخبرة الإقليميّة اللازمة حقّا لفهم تعقيدات العلاقات بين الكنيسة والدولة في جميع أنحاء العالم. وهذا مفهوم، نظرا إلى أن اللجنة ليس لديها سوى خمسة عشر موظفا. إذن، لا عجبَ أنّ جيمس زغبي الذي شغلَ منصب نائب رئيس اللجنة حتى (مايو/أيار) أعلنَ رأيه المخالف في تقرير عام 2017 أنّه نظرا لعدم كفاية الموارد "يضطرّ موظفو اللجنة إلى كتابة مسوداتهم استنادا، بشكل كبير، إلى مصادر ثانوية أو إلى تصوّرات لجماعات مؤيِّدة أو إلى نتائج بضعة مفوضين للرحلات تستغرق ثلاثة أو أربعة أيام كلّ سنة في بعض البلدان. وبعد استلام المسودّة يُطلَب من المفوضين مراجعة الفصول التى تتناول الدّول والتعليق عليها، والكثير منها لا نعرف عنها سوى النّزر القليل جدّا".

 

فرنسا والدول التي تتبع نموذجها تحدّ من التعبير عن الدين في المجال العموميّ. قد يبدو هذا النموذج قاسيا للأميركيين الذين لم يضطروا أبدا إلى التعامل مع سلطة دينيّة مهيمنة

رويترز
 

إنّ كلّ الدّول في آسيا الوسطى والقوقاز التي تعرضت لنيران النّقد من اللجنة إنّما تحافظ على علاقات إيجابيّة وبنّاءة مع الولايات المتحدة. وعلى إثر هذه العلاقات الوديّة فإنها قادرة على معالجة المخاوف الأميركيّة والمشورة بشأن قضايا الحرية الدينية، شريطةَ أن يقدّم الممثلون الأميركيون الانتقادات بروح من الشراكة، وأن يكونوا دقيقين في مطالبهم. ولكن يبدو أنّ اللجنةَ بدلا من احترام التحدي الصعب الذي تواجهه هذه البلدان والعمل مع حكوماتها من أجل حلّ هذه المصاعب مهتمة فقط بالدعاية والتشهير. وبعد انتهاج هذا التكتيك دون نجاح لما يقرب من عقدين فإنّه آنَ الأوانُ لأن تعترف اللجنة -والكونغرس- بأنه غير ناجح.

 

لقد اعتمدت مختلف الديمقراطيّات الليبراليّة في جميع أنحاء العالم نماذجَ مختلفة لفصل الكنيسة والدولة. وهناك، مثلا، تناقض صارخ بين النموذجين الأميركيّ والفرنسيّ. وقد تبنت الدول ذات الأغلبية المسلمة في آسيا الوسطى وأذربيجان شيئا قريبا من النموذج الفرنسيّ، وهو النّموذج الذي يدعم العلمانيّة الصريحة، ويركز على الدفاع عن الدولة والمجتمع من الإكراه الدينيّ.  وبالتالي، فإنّ فرنسا والدول التي تتبع نموذجها تحدّ من التعبير عن الدين في المجال العموميّ. قد يبدو هذا النموذج قاسيا للأميركيين الذين لم يضطروا أبدا إلى التعامل مع سلطة دينيّة مهيمنة، وكانوا أكثر عناية بتأمين حرية عمل كنائسهم من حماية مواطنيهم من الإكراه الدينيّ. ومع ذلك، على المؤسسات الأميركية الأخرى التي تتعامل مع الحرية الدينية على الصعيد العالميّ أن تكون أكثر تسامحا مع التنوع في المقاربات المختلفة لإدارة العلاقة بين الكنيسة والدولة، وأن تقبل بأنّ الدول المختلفة ذات التحديات التاريخيّة المختلفة ستعتمد نماذج مختلفة بدورها.

 

سياسة الجزرة والعصا

يجب على اللجنة "الأميركية للحرية الدينية" أن تعترف بأن نهج الولايات المتحدة للعلاقات بين الكنيسة والدولة ليس النموذج الوحيد السليم

رويترز
 

إنّ التكتيكات الحالية لواشنطن بدلا من أن تؤدي إلى تغيير إيجابيّ فإنّها تسبب الحيرة والغضب. وقد تساءل أحد الوزراء الطاجيكيين السابقين عن لماذا تقاوم الولايات المتحدة كفاح بلاده ضدّ المتطرّفين، وسأل أحد مؤلفيْ هذه المقالة سرا عما إذا كانت الولايات المتحدة تعتزم التضحية بآسيا الوسطى إلى داعش في المستقبل. بالفعل، في الوقت الذي تقصف فيه القوات الأميركيّة قواعد المتمردين الإسلاميين في العراق وسوريّة فإنّ اللجنةَ تهاجم الحلفاء في العالم الإسلاميّ الذين لديهم حكومات علمانيّة وقوانين ومحاكم علمانيّة وأنظمة تعليم علمانية. أتلكَ خطيئتهم؟ إذ تحاول أن تكبحَ جماح المتطرّفين نفسهم.

 

وبما أنّ إدارة ترمب والكونغرس يعينان مفوضين جديدين ويقلّبان الرأيَ في التقرير الأخير للجنة فمن المهم أن يعيدوا التفكير بشكل دقيق في غرض وممارسات اللجنة. فمن أجل المضي قدما يجب اتخاذ عدة خطوات. أولا، يجب على اللجنة أن تعترف بأن نهج الولايات المتحدة للعلاقات بين الكنيسة والدولة ليس النموذج الوحيد السليم، لا سيّما وأنّها يجب أن تقبل بشرعية النماذج المستوحاة من النموذج الفرنسيّ الذي يسعى إلى حماية الدولة والمجتمع من الإكراه الدينيّ. أضف إلى ذلك، ينبغي أن تقدم اللجنة تقريرا عن المعلومات التي يمكن التحقق منها بشكل مستقلّ. وستكون الحكومات الأجنبيّة أكثر استعدادا لقبول التوصيات الأميركيّة في حال تركزت فحسب على الانتهاكات الأصيلة.

 

أما الأمر الأخير، فيجب على اللجنة أن تُركز على الجَزَر أكثر من تركيزها على العصيّ. وبدلا من مجرد تصنيف الشركاء الأميركيين وإخضاعهم للرقابة أو المطالبة بفرض عقوبات عليهم، ينبغي التركيز على الخطوات البناءة التي يمكن أن تتخذها مختلف وكالات الحكومة الأميركيّة بالتعاون مع هذه الحكومات من أجل معالجة المشكلات، وتحسين الحوكمة فيما يتعلّق بالحريّة الدينيّة.

___________________________

مترجم عن: فورين أفيرز
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار