هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
هجوم "الأهواز"..هل ينجح رهان واشنطن والرياض على الأقليات الإيرانية؟

هجوم "الأهواز"..هل ينجح رهان واشنطن والرياض على الأقليات الإيرانية؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

لا شيء يبقى في ذاكرة الإيرانيين بعد ثورتهم التي غيرت التاريخ مثل حرب السنوات الثماني مع العراق، لذا لم يكن مستغربا في أي وقت أن تنخرط وحدات العسكرية الإيرانية الأبرز في الجيش والحرس الثوري، بشكل سنوي، في استعراض ملحمي للقوة يمتد لسبعة أيام كاملة في محافظات إيران المختلفة، تحت اسم "أسبوع الدفاع المقدس"، بهدف إحياء ذكرى الحرب، وبث جرعة جديدة من الحياة في أوصال التشكيلات العسكرية واسعة النفوذ، التي تخوض باسم الإيرانيين حربا عابرة للحدود تبدل جغرافيا الشرق الأوسط من أدناه إلى أقصاه.

      

ولكن ما يُفترض أن يكون عرضا للقوة والصمود، في الثاني والعشرين من سبتمبر/أيلول لعامنا الحالي 2018، تحول إلى ضربة معنوية غير مألوفة للعسكرية الإيرانية، حدثت على الهواء مباشرة وعلى مرأى ومسمع جميع الإيرانيين والعالم بأسره، بعد أن نجح(1) أربعة مسلحين ينتمون إلى حركة "النضال الوطني لتحرير الأهواز"، وهي مجموعة مسلحة متمردة على سلطة النظام المركزي في طهران، نجحوا في مقاطعة العرض الإيراني الملحمي متنكرين في أردية الحرس الثوري وقوات التعبئة الشعبية، "الباسيج"، حيث أطلق اثنان منهما النار بشكل عشوائي مستقلين دراجة نارية، فيما هاجم الآخران منصة العرض من الخلف، مخلفين 29 قتيلا وأكثر من 70 جريحا من المدنيين وجنود الحرس المشاركين في العرض، من بينهم ضابط برتبة عقيد، وعدد من العسكريين الذين يقودون جبهات القتال الإيرانية في العراق وسوريا.

 

كان الهجوم مرعبا -بل ومهينا في أفضل الأحوال- للنظام الإيراني على كل الاعتبارات، فبخلاف العدد الضخم من الضحايا العسكريين، وبغض النظر عن استهداف عرض عسكري حي تبثه شاشات التلفاز، لم يخل استهداف العرض في محافظة "خوزستان" تحديدا من دلالة رمزية هدفت للتشكيك في شرعية النظام وروايته، فمع كون "خوزستان" هي موطن الأقلية العربية في إيران وعددها نحو مليوني شخص، عملت المحافظة الحدودية كقاعدة عسكرية مهمة لطهران منذ حربها مع العراق، حيث كانت هي النقطة التي اختارها نظام "صدام" العراقي لبدء غزوه لإيران عام 1980 آملا أن يتم استقباله بالترحاب من قِبل الأقلية العربية في المنطقة.

    

  

غير أن هجوم الأهواز لم يكن هو المشهد الداخلي الأوحد الذي أصاب النظام الإيراني بالارتباك مؤخرا، وحتى إن غضضنا الطرف عن التظاهرات المتجددة التي تشهدها البلاد لأسباب مختلفة منذ مطلع العام الحالي، وعن الألم الاقتصادي والعزلة الدولية المتزايدة التي تعانيها طهران منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في مايو/أيار الماضي، والهوس المتزايد لـ "ترامب" ومستشاريه بمسألة تغيير النظام في إيران، فلا يمكننا إغفال أن الأقليات العرقية في البلاد صارت تمثل ألما يتزايد يوما بعد يوم في رأس النظام الإيراني، ألما يبدو أنه بلغ مرحلة الانفجار في الأيام الماضية، حين أقدمت طهران على قصف(2) مقر حزبي لأكراد إيران في محافظة السليمانية شمال العراق.

 

كان قصف طهران لمعسكرات المعارضة الكردية داخل العراق عادة أثيرة للنظام الإيراني منذ عقود، لكن القصف هذه المرة كان مختلفا وغير مسبوق منذ زمان الحرب العراقية الإيرانية، حيث استخدم "الحرس الثوري" الصواريخ الإستراتيجية من طراز فاتح 110 التي تم إطلاقها من الأراضي الإيرانية مبحرة فوق مدينة كويا، التي يبلغ عدد سكانها 50 ألف شخص في إقليم كردستان، لتسقط فوق بلدة قويسنجج في السليمانية، أحد معاقل المعارضة الإيرانية في كردستان العراق، مخلفة 11 قتيلا على الأقل.

 

يوفر حادثا الأهواز والسليمانية دلالات لا يمكن إغفالها حول العلاقة المضطربة بين النظام الإيراني وبين الأقليات العرقية والدينية في البلاد، وهو توتر ليس بجديد على كل حال، ولكنه يزداد أهمية في سياق الصراعات الحالية بين إيران وخصومها من دول الخليج العربية، وحتى بين إيران والولايات المتحدة، حيث ترغب هذه القوى في إذاقة طهران من الكأس نفسه الذي أذاقته الجميع على مدار العقد الماضي، ونقل المعركة العرقية والطائفية إلى قلب إيران نفسها، في محاولة لتقويض نظام الملالي وإسقاطه في نهاية المطاف بأقل تكلفة مالية أو عسكرية أو سياسية ممكنة.

  

عالم الأقليات

  

على الرغم من التصور الشائع(3) حول إيران بوصفها دولة فارسية شيعية متجانسة عرقيا ومذهبيا، تبقى الحقيقة أن المجتمع الإيراني أكثر تنوعا بكثير من الصورة التي تبرز بها دولة الملالي، حيث تشكل الأقليات العرقية غير الفارسية بين 40-50% من سكان الدولة، وتتنوع هذه الأقليات بين الأذريين الناطقين بالتركية، إلى الأكراد والعرب والبلوش والأرمن والتركمان واللور، ومن ناحية الديموغرافيا فإن هذه الأقليات غالبا ما تميل إلى التكتل حول المناطق الحدودية، حيث يعيش قرابة 20 مليونا من الأذريين في الأقاليم الشمالية الغربية المجاورة لأذربيجان، بينما يقطن الأكراد (نحو 8 ملايين) والعرب (مليونان) في الغرب المتاخم للعراق، ويتركز البلوش (1.5 مليون) حول الحدود الجنوبية الشرقية الملاصقة لباكستان وأفغانستان.

 

على الجانب المذهبي، فإن 90% من سكان إيران من المسلمين الشيعة، ومعظم النسبة الباقية هم من السنة الأكراد والبلوش وبعض العرب، إضافة إلى نسبة قليلة من المسيحيين واليهود والزرادشتيين، ورغم ذلك يبقى البُعد الطائفي حاضرا في علاقة الأقلية السنية مع الدولة، نظرا لأن التوترات العرقية في مواجهة هيمنة القومية الفارسية تظل أكثر حضورا بين الجماعات السنية المسلمة، مقارنة بالأقليات العرقية التي تتشارك مع الأغلبية الفارسية في التدين الشيعي.

  

وقد عملت الأقليات على مدار أكثر من قرن من الزمان على الاندماج في الدولة القومية الإيرانية الحديثة، حيث سعت(4) بعض الأقليات الدينية لتشكيل نظام ملكي دستوري مع الأغلبية الشيعية عام 1905، وتم الاعتراف ببعض هذه الجماعات في الدستور الصادر عام 1906، حيث وافقت الأغلبية الشيعية على منح الحقوق السياسية والمدنية لهذه المجتمعات التي عاشت تاريخيا على أجزاء من الأراضي الإيرانية لآلاف السنين في بعض الأحيان.

لكن مع قدوم حكم سلالة بهلوي بعد الانقلاب على حكم القاجاريين عام 1925، سعى(5) رضا شاه ونجله لإعادة بناء وقيادة الدولة الإيرانية نحو توجه أكثر حداثة ومؤسسية، وكان ذلك يعني انتزاع سلطة القبائل البدوية والزعماء المحليين وتركيزها في يد البيروقراطيين في طهران، كما عنى أيضا الشروع في إدخال الهياكل والتشكيلات المؤسسية التي تعرف الدول الحديثة، مثل توحيد البرامج الدراسية، وتعميم الفارسية كلغة موحدة للتعليم والمعاملات الرسمية، وفرض الخدمة العسكرية الإلزامية، وتبني أيديولوجية شبه رسمية للدولة وتشجيع الناس على الامتثال لها، وقد تسببت رؤية رضا شاه لتشكيل دولة علمانية فارسية في اندلاع أعمال الشغب والتمرد وظهور البوادر الأولى للحركات الانفصالية على الحدود الشمالية والجنوبية لإيران.

 

رضا بهلوي (مواقع التواصل)

  

خلال حقبة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، دعم السوفييت والبريطانيون توجه رضا شاه في إيران، رغم أن ذلك لم يمنعهما من توظيف استياء الأقليات من الدولة خاصة في المناطق الغنية بالموارد الطبيعية والنفط، وفي المقابل فإن الدولة طورت بشكل تدريجي رؤية أكثر تطرفا تجاه الأقليات على أنهم "طابور خامس" محتمل طششل الوقت، ومع ذلك فإن "رضا بهلوي" ونجله من بعده كانوا على استعداد لاستيعاب الأقليات بقدر استعداد هذه الأقليات لدعم رؤيته لدولة قومية علمانية متجانسة ترتكز على القومية الفارسية وتحابي الغرب، وبحلول زمان قيام "الثورة الإسلامية" عام 1979، كانت الهوية القومية الإيرانية قد ترسخت بشكل كبير، وكان جل ما فعلته الثورة هي إضافة مكون جديد إلى هذه الهوية وإدخال الثيوقراطية الشيعية كبديل للشق العلماني من الهوية الإيرانية.

 

بالنسبة إلى إيران الثورية والشاهنشاهية كليهما فيما يبدو، ظلت الأقليات تمثل تحديا وتهديدا لقدرة الدولة على فرض هوية وطنية موحدة، وقد خشيت الحكومات الوطنية الإيرانية باستمرار من إمكانية استغلال الأقليات الإيرانية من قِبل القوى الأجنبية، ابتداء من البريطانيين والسوفييت، ومرورا بالولايات المتحدة، وانتهاء إلى العراق وإسرائيل والمملكة العربية السعودية. لذا، وعلى الرغم من الاختلافات الشاسعة بينهما، فإن الجمهورية الإسلامية ورثت من الملكية البهلوية ذلك الميل للقمع العنيف لحقوق الأقليات.

 

ومع ذلك، فإن نظرة الدولة الإيرانية لهذه الأقليات المتنوعة ليست ثابتة أو موحدة، وهي نظرة تتفاوت(6) بحسب تقارب هذه الأقليات أو تكاملها مع توجه الأغلبية الفارسية أو الشيعية، وفي هذا الصدد يبرز الأذريون الإيرانيون -من يشكلون ربع عدد سكان إيران تقريبا- بوصفهم أكبر الأقليات وأكثرها تكاملا مع الأغلبية، نظرا لقدرتهم على التماهي مع الرواية الوطنية للجمهورية الإسلامية باعتبارها ثيوقراطية شيعية بطريقة لا تستطيعها الأقليات السنية، ومع ذلك، فإن الأذريين الأتراك تعرضوا تاريخيا للتهميش من قِبل النخب الفارسية، ما دفع الوطنيين الأذريين في السابق للدعوة إلى الوحدة مع أذربيجان منذ لحظة حصولها على استقلالها عام 1991.

   

       

فمع استقلال أذربيجان، امتدت (7) أصداء القومية الأذرية إلى إيران في صورة مظاهرات متفرقة، في أرومية وأردبيل وتبريز، مطالبين بالاعتراف الرسمي بالهوية واللغة الأذرية التركية، حيث قوبلوا بحملة قمع شديدة العنف من قِبل الجيش الإيراني، ومنذ ذلك الحين ظلت المناطق الأذرية هادئة بشكل ملحوظ، باستثناء موجات متفرقة من التظاهرات آخرها مشاركة الأذريين في التظاهرات التي اندلعت في إيران مطلع العام الحالي، إلا أنه من غير المحتمل أن تتسبب الأقلية الأذرية في أي مشاكل حادة للنظام الإيراني من تلقاء نفسها، حيث ينظر معظمهم اليوم إلى أنفسهم على أنهم إيرانيون في المقام الأول، كما أن تمذهبهم الشيعي ساعد على اندماجهم في الثقافة الإيرانية، فضلا عن كون ذوي الأصول الأذرية قد حظوا بحصة عادلة من المناصب العليا في "الجمهورية الإسلامية" ما تسبب فيما يمكن أن يطلق عليه "تهذيب هويتهم القومية"، ومن نماذج هؤلاء الأذريين رئيس الوزراء الأسبق "مهدي بازركان"، والمعارض الإيراني البارز "مير حسين موسوي"، وبعض رجال الدين المرموقين مثل آية الله "عبد الكريم موسوي أردبيلي"، وآية الله "أبي القاسم الخوئي"، وفي المقدمة قطعا يأتي المرشد الأعلى آية الله "علي خامنئي"، الذي يحمل أصولا تركمانية أذرية هو آخر.

 

في ضوء ذلك، ومن وجهة نظر النظام الإيراني، ومقارنة بالأقليات الأخرى، فإن المواطنين الأذريين في إيران لا يشكلون أي تهديد للدولة، وربما فإن أكثر ما يعزز هذه النظرة أن المجتمعات الأذرية لم تفرز في أي وقت أي جماعات مسلحة منظمة مناهضة للسلطة، مقارنة بالأقليات العرقية الأخرى التي أفرزت منظمات ثورية مسلحة، وفي مقدمتهم الأكراد والبلوش والعرب، منظمات شنت تمردات متفاوتة الشدة والتأثير ضد الدولة الإيرانية أصابتها باضطراب متواصل بشكل خاص منذ منتصف العقد الماضي.

   

الكرد المتمردون

لا يتصدر الأكراد في إيران عادة عناوين الأخبار مثلما يفعلون في العراق وسوريا وحتى في تركيا، حيث استقطب الأكراد العراقيون الاهتمام الدولي بسبب تمتعهم بالحكم الذاتي وبسبب الدور الذي لعبه مقاتلوهم في الحرب ضد "تنظيم الدولة الإسلامية"، فيما جذب الأكراد السوريون الأضواء بسبب سيطرتهم على جزء كبير من شمال سوريا، حيث تحولوا إلى ورقة تنازع ومساومة بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة، في حين شن حزب العمال الكردستاني تمردا دمويا في تركيا استمر لعقدين، وعلى النقيض فإن أكراد إيران ظلوا دوما هادئين وبعيدين عن الصورة.

   

  

يبلغ تعداد الكرد الإيرانيين اليوم ما بين 8 ملايين إلى 12 مليون كردي إيراني يشكلون ما بين 10-15% من سكان البلاد، ما يجعلهم ثاني أكبر أقلية في البلاد بعد الأذريين، وهم يختلفون مع الأغلبية الإيرانية في كل من العرق والمذهب، حيث يعتنق معظمهم المذهب السني، ولديهم تاريخ طويل(8) من التمرد العنيف على مدار عقود للحصول على الاستقلال أو حق تقرير المصير، وللمفارقة فإنهم نجحوا في تحقيق هدفهم مرة واحدة -لفترة قصيرة- حين أسسوا جمهورية "مهاباد" عام 1946، وهي الدولة الكردية المستقلة الوحيدة في التاريخ. لكن "ماهاباد" لم تعمر أكثر من 11 شهرا، قبل أن ينجح الجيش الإيراني في تفكيكها والقبض على العديد من قادة الأكراد وإعدامهم، وكان معظمهم آنذاك أعضاء في الحزب الديمقراطي لكردستان إيران.

 

ورغم القمع الشديد، نجا الحزب الكردستاني في نهاية المطاف من حملة البطش الحكومي، واستأنف عمله في الستينيات وتصاعد نشاطه العنيف مع قيام "الثورة الإسلامية"، لكنه أُجبر عام 1996 على إعلان وقف إطلاق نار من جانب واحد بعد حملة حكومية مكثفة لاغتيال قيادات الحزب، ومع التواري النسبي للحزب الديمقراطي، ظهر تكتل حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي يُعد فرعا من حزب العمال الكردستاني، لكن الحملة الأمنية الحكومية أجبرت أكراد إيران على إلقاء السلاح، حيث لجأ معظمهم إلى الإقامة في الجوار الكردي العراقي الذي استضافهم شريطة عدم إطلاق هجمات ضد الدولة الإيرانية.

 

ونتيجة لذلك، انحسر(9) النشاط المسلح للأكراد لمدة عقد من الزمان تقريبا، غير أن الغزو الأميركي للعراق والذي منح الأكراد العراقيين الحكم الذاتي ألهم من جديد تمرد أكراد إيران، ففي مارس/آذار عام 2015 استأنف الحزب الديمقراطي لكردستان إيران نشاطه ضد الدولة من معاقله في المنفى العراقي، كما اشتبك حزب كردي آخر هو حزب حرية كردستان مع فيالق الحرس الثوري الإيراني خلال استعراض عسكري عام 2016، معلنا بذلك عودته لاستهداف الحكومة، وفي مايو/أيار للعام الماضي 2017 أعلنت جمعية الكادحين الثوريين لكردستان إيران "كومالا"، وهي حزب يساري تم تأسيسه في الستينيات، أعلنت أنها ستستأنف "مقاومتها المسلحة" ضد النظام، وقد اختارت الحكومة مواجهة هذا التمرد من جديد بحملة قمع جماعية، حيث تم إعدام 328 كرديا خلال ولاية روحاني الأولى فقط.

 

ونتيجة لهذا الصراع التاريخي، فرضت الحكومات الإيرانية المتعاقبة تهميشا جبريا واستبعادا للمناطق الكردية من خطط التنمية الاقتصادية، ما تسبب في زيادة الاستياء الجماعي، تزامنا مع تردي الأوضاع الاقتصادية ووصول معدلات البطالة إلى قرابة 30%، وفي ضوء ذلك لم يكن من المستغرب أن تكون المدن الكردية على رأس المدن التي شهدت احتجاجات جماهيرية مكثفة نهاية العام الماضي ومطلع العام الحالي.  

  

  

  

في المقابل، تسبب هذا التاريخ المعقد بين الدولة الإيرانية والأكراد في نشوء هواجس مزمنة حول علاقة أكراد إيران بالقوى الخارجية المعادية للنظام الإيراني، وهي هواجس تعود أيضا إلى زمن الحرب العراقية الإيرانية، حين قام نظام صدام حسين بتزويد الحزب الديمقراطي بالأسلحة والمتفجرات لزرع الفوضى داخل إيران، ولاحقا بعد اندلاع التمرد الكردي من جديد عام 2005، حين قامت(10) الولايات المتحدة والكيان المحتل بتقديم الدعم لحزب الحياة الحرة الكردستاني نكاية في النظام الإيراني، ولاحقا في عام 2016، كان(11) حزب حرية كردستان الإيراني أحد الفصائل التي تلقت تدريبا أميركيا ضمن برنامج دولي لتدريب المقاتلين الأكراد لمواجهة "تنظيم الدولة".

 

وفي مواجهة ذلك، استخدمت الحكومة الإيرانية عادتها الأثيرة في العمل العابر للحدود لاستهداف قيادات الأكراد الإيرانيين حتى خارج حدود إيران، حيث شهد العام الحالي توسعا كبيرا في سياسة الاغتيالات(12) ضد قادة الأكراد، وفي مطلع مارس/آذار الماضي تعرّض قياديان في الحزب الديمقراطي لكردستان إيران هما "صباح" و"صلاح رحماني" لعملية اغتيال في بلدة تابعة لأربيل في كردستان العراق، وبعد ذلك بأيام تعرض قيادي آخر هو "قادر قادري" لحادث إطلاق نار شرق السليمانية ما تسبب في مصرعه، وفي الشهر التالي، تعرض "حسين يزدان بنا"، الأمين العام لحزب حرية كردستان، لمحاولة اغتيال فاشلة، وتشير مصادر إلى أن إيران قامت باغتيال 16 شخصية كردية بارزة في العراق خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، قبل أن تقرر طهران مؤخرا الانتقال من سياسة الاغتيالات إلى القصف الموسع لمعسكرات الأكراد الإيرانيين في إيران كما فعلت مطلع الشهر الحالي.

 

الأهواز الانفصاليون

في الوقت الذي اشتعلت فيه مواجهة الحكومة الإيرانية مع الأكراد، كان عليها أن تخوض صراعا مماثلا على جبهة جديدة هذه المرة على حدودها الجنوبية الشرقية، حيث تقطن شعوب "البلوش" موزعة بين ثلاث دول مختلفة هي باكستان وأفغانستان وإيران، ولكن على الرغم من أن التمرد القومي البلوشي في باكستان يعود إلى عام 1948، فإن "بلوشستان" الإيرانية ظلت محصنة نسبيا حتى تشكيل منظمة ثورية مسلحة عام 2003 تحت اسم "جند الله".

 

  

منذ الأسابيع الأولى لظهوره، استهدف(13) تنظيم "جند الله" أجهزة الأمن الإيرانية والرموز الأخرى للسلطة بهدف الدفاع عن حقوق البلوش السنة، وكان على رأس عملياته محاولة استهداف الرئيس السابق "محمود أحمدي نجاد" عام 2005، لكن التنظيم وسع أهدافه لاحقا لتشمل المدنيين، إلا أن النظام الإيراني نجح في تحجيم أنشطة "جند الله" بعد القبض على مؤسس التنظيم "عبد المالك ريجي" وإعدامه عام 2010، مما أدى إلى تثبيط تمرد "البلوش" العرقي مؤقتا. ولكن ما اكتشفته الحكومة الإيرانية بالتجارب الدامية لاحقا أن الإقصاء العنيف لـ "جند الله" سيفسح الطريق أمام ظهور حركات مسلحة أكثر عنفا، وعلى رأسها جيش العدل الإيراني وجماعة أنصار الفرقان.

   

كانت البداية مع تنظيم "أنصار إيران"، الذي أعلن عن نفسه في أكتوبر/تشرين الأول عام 2012، عبر تفجير أمام مسجد شيعي في ميناء "شابهار" بمقاطعة "سيستان بلوشستان"، مما أدى إلى مقتل ضابطين من الباسيج وإصابة عدد من المدنيين، ومنذ ذلك تبنى أنصار إيران العديد من الهجمات بالكمائن والمتفجرات على قوات الأمن الإيرانية، قبل أن تعلن الحركة نهاية عام 2013 عن اندماجها مع حركة تدعى "حزب الفرقان" لتشكيل جماعة "أنصار الفرقان".

 

لم تكن تكتيكات(14) جيش العدل الإيراني مختلفة كثيرا، حيث أعلن التنظيم عن نفسه في أكتوبر/تشرين الأول عام 2013 بتفجير ضد نقطة تفتيش في بلدة "روزتاك"، وفي الشهر التالي تبنى التنظيم عملية اغتيال المدعي العام في بلدة "زابول" الواقعة في الجزء الشمالي الشرقي من "سيستان بلوشستان" ردا على قيام السلطات الإيرانية بإعدام 16 رجلا من "البلوش"، ويقود جيش العدل اليوم "عبد الرحيم مولا زاده" المعروف باسمه المستعار "صلاح الدين الفاروقي"، ويعتقد أنه يتنقل بين باكستان وإيران مستغلا الانفلات الأمني على الحدود بين البلدين.

   

يُعد النظر في أوضاع مجتمع البلوش في إيران أمرا ضروريا لفهم جذور الاضطراب في هذه المنطقة، فبوصفها(15) منطقة جبلية واسعة بلا أي صناعة كبيرة، تبقى "بلوشستان" الإيرانية معزولة عن بقيةة البلاد، حيث يصل معدل الفقر فيها إلى 70٪، ويُعد دخل الفرد في المنطقة هو الأدنى في إيران، بينماا لا يحصل ثلثا السكان هناك على مياه الشرب، وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية احتلت مقاطعة "سيستان بلوشستان" المرتبة الأخيرة في التنمية بين 31 مقاطعة في إيران، وقد أدّت البطالة المزمنة بجانب مشكلة المياه إلى الهجرة الجماعية من المقاطعة، ودفعت البلوش الإيرانيين إلى تطوير علاقة مع نظرائهم العرقيين في أفغانستان وباكستان، على الرغم من حقيقة أن "بلوشستان" الباكستانية غنية للغاية بالغاز الطبيعي والنفط واليورانيوم والنحاس، وقد دفع هذا التردي الاقتصادي لأحوال البلوش لتحويل المنطقة إلى أحد أخطر ممرات تجارة المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر في العالم.

      

      

وقد أدى ذلك إلى نشوء نظرة لبلوشتان بوصفها تهديدا أمنيا في المقام الأول، وبسبب الخطاب المتشدد للجماعات البلوشية المسلحة ضد الشيعة كانت إيران قادرة بسهولة على ادعاء وجود علاقات لهم مع "تنظيم القاعدة" وحركة "طالبان" الأفغانية، وقد جعلهم ذلك أقل قدرة على استدعاء الدعم الدولي مقارنة بالأكراد، لذا ورغم أنشطتهم العنيفة، فإنهم لم يشكلوا في أي وقت خطرا حقيقيا على شرعية النظام الإيراني وتماسكه مقارنة بالأكراد، أو حتى بالأهواز العرب القاطنين في "خوزستان" على حدود إيران الجنوبية الغربية.

 

مثلهم مثل نظرائهم من الأكراد والبلوش، يواجه العرب الأهواز في "خوزستان" مظالم القمع والتمييز والتهميش والفقر إضافة إلى المخاطر البيئية، ورغم أن الأهواز يتشاركون مع إيران الهوية الدينية الشيعية، فإن انتماءهم العربي هو ما يثير حفيظة الدولة الفارسية، خاصة بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية للإقليم الذي ينتج قرابة 88% من النفط الإيراني، كما يستأثر بـ35% من حصة طهران من المياه بسبب وجود ثلاثة أنهار كبيرة هي كارون والكرخة والجراحي، قبل أن تشرع إيران في تحويل مجاري بعض هذه الأنهار لفرض الفقر والعزلة على ما يفترض أن تكون أكثر مقاطعات إيران غنى وثراء.

 

على مدار تاريخ إيران قبل الثورة الإسلامية، مارست(16) خوزستان درجات متفاوتة من الحكم الذاتي، مع حلم كبير لم يكف عن مداعبة أذهان عرب إيران بإنشاء دولة عربية أحوازية مستقلة وغنية بالنفط جنوب غرب البلاد، لذا فقد أدّى سعي البهلويين لفرض هوية موحدة في إيران وتقليل سلطة القبائل وفرض المزيد من الضرائب إلى زيادة التوترات من الزعيم الأهوازي الشيخ "خزعل الكعبي"، من شن تمردا سرعان ما تم سحقه من قِبل الشاه الذي فرض سلطته على الأهواز عام 1925، في حملة قمع عنيفة قتلت ما لا يقل عن 115 شخصا، ودشنت صراعا تاريخيا بين الحكومة الإيرانية ومواطنيها العرب لا يزال مستمرا إلى اليوم.

 

أشعل بائع متجول يُدعى "يونس عساكرة" النار في نفسه في منطقة "خرمشهر"، ما أشعل بدوره سلسلة من الاحتجاجات في جميع أنحاء المحافظة

مواقع التواصل
 

ومنذ ذلك الحين قام الأهواز بانتفاضات عدة ضد السلطة امتدت حتى نهاية حكم شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي، لذا كان الأهواز في طليعة المنتفضين إبان الثورة الإيرانية آملين أن يحقق النظام الجديد حلمهم في الحكم الذاتي، لكن نظام رجال الدين قمع انتفاضة الأهواز مجددا، ليقابل برد فعل عنيف من إحدى المجموعات العربية التي قامت باقتحام السفارة الإيرانية في لندن محتجزة عشرات الرهائن فيها -عام 1980- للمطالبة بالإفراج عن رفاقهم المحتجزين في السجون الإيرانية.

 

خمد التمرد لفترة من الزمن، لكنه عاد من جديد مع نهاية التسعينيات، وتحديدا عام 1999 مع تأسيس حركة النضال الوطني العربي لتحرير الأهواز، وهي حركة بدأ تمردها العنيف عام 2005 في أعقاب قمع الحكومة لانتفاضة شعبية في الأهواز. وفي عام 2011، اشتعلت ثورة شعبية جديدة في المنطقة استلهمت شعلتها من انتفاضات الربيع العربي، وواجهها النظام بقمع شديد مما أدّى إلى مقتل 15 أحوازيا، ولاحقا في عام 2015، أشعل بائع متجول يُدعى "يونس عساكرة" النار في نفسه في منطقة "خرمشهر"، ما أشعل بدوره سلسلة من الاحتجاجات في جميع أنحاء المحافظة، وقع أبرزها في مباراة كرة قدم محلية مع فريق سعودي، حيث أحرق الأهواز صورة الخميني وحملوا لافتات حملت شعارات تأبين لـ "عساكرة".

  

وفى عام 2017، خرج المتظاهرون المناهضون للحكومة إلى شوارع خوزستان بعد أن تعرضت 11 من مدن المقاطعة لانقطاع التيار الكهربائي وسط عاصفة ترابية، وانتهت المظاهرات في النهاية لأعمال شغب وعنف، ومع نهاية العام نفسه خرج الأهواز مجددا مشاركين في موجة الاحتجاجات المستمرة على مدار الأشهر الأخيرة، ومحتجين على سوء الأوضاع المعيشية ومصادرة أراضيهم وجهود النظام الإيراني في تغيير ديموغرافيا الإقليم الغني عبر توطين المزيد من الشيعة، قبل أن تشتعل النيران في الإقليم أكثر وأكثر مع الهجوم الأخير على العرض العسكري الإيراني إبان احتفالات يوم الدفاع المقدس هذه الأيام.

 

الأيادي الخليجية

   

بالمقارنة مع سائر التوترات مع الأقليات العرقية والدينية، يثير الصراع مع الأهواز العرب الذعر في طهران بشكل خاص، حيث يرتبط سكان هذه المقاطعة الإيرانية قبليا وثقافيا وعرقيا بقطاعات من السكان العرب في العراق، وقد سعى صدام حسين خلال الثمانينيات إلى قلب الأقلية العربية الإيرانية ضد الجمهورية الإسلامية، لكنه لم ينجح في ذلك، حيث اختار أهالي خوزستان الوقوف بجانب حكومتهم في نهاية المطاف. ورغم هذا التاريخ من الولاء من قِبل العرب الأهواز، فإن المسؤولين الإيرانيين يميلون إلى إلقاء اللوم حول تمرد الأهواز على دول الخليج وخاصة الإمارات والسعودية. فعلى سبيل المثال، حين أعلنت حركة النضال العربي لتحرير الأهواز عام 2013 مسؤوليتها عن الهجوم على خط أنابيب للغاز، سارعت وسائل الإعلام الإيرانية المملوكة للدولة لاتهام أعضاء المجموعة بتلقي الدعم المالي والتدريب من دبي.

 

وتزايدت مخاوف طهران بشكل خاص بعد إعلان ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" العام الماضي رغبته في "نقل المعركة إلى داخل إيران" حد وصفه، وقد تعمقت هذه المخاوف بشكل خاص مع سياسات الرئيس الأميركي "ترامب" المناوئة لإيران بشكل خاص، وعلى رأسها انسحابه من الاتفاق النووي العام الحالي، ومع وجود(17) مستشار الأمن القومي "جون بولتون"، أحد أبرز دعاة تغيير النظام في إيران من خلال تقديم الدعم للأقليات العرقية في إيران، كما أفصح في مذكرته الصادرة العام الماضي التي دعا خلالها واشنطن لتقديم الدعم للأقليات العرقية بما في ذلك العرب في خوزستان، والأكراد والبلوش وغيرهم. غير أن الأمر لا يقتصر على مذكرة توجيهية فيما يبدو، حيث توصلت طهران إلى قناعة مفادها أن دعم الاضطرابات فيها، بهدف زيادة الضغط على النظام وربما إسقاطه في نهاية المطاف، تحول على الأرجح إلى منطق إستراتيجي لواشنطن، بدأ مع محاولات زيادة الضغوط المالية على طهران لمنعها من تمويل مغامراتها الخارجية، وامتد إلى توفير الدعم الدبلوماسي للاحتجاجات الإيرانية، ومن المرجح أن يتصاعد لتوفير الغطاء السياسي لتمرد الأقليات وربما تقديم الدعم العسكري لها إذا لزم الأمر.

   

وهناك مؤشرات حقيقية(18) على أن هذا التوجه بدأ بالفعل، فمنذ إنشاء وزارة الخارجية الأميركية لمكتب الشؤون الإيرانية عام 2006 بهدف رسمي إنشائي هو "الوصول إلى الشعب الإيراني ودعم تطلعه للحرية والديمقراطية"، تفادى رؤساء المكتب المتعاقبون على مر الأعوام اللقاء مع قيادات منظمات المعارضة المسلحة الإيرانية، حتى هذا الصيف حين تلقى "مصطفى هاجري الأمين"، العام للحزب الديمقراطي لكردستان إيران، دعوة من إدارة ترامب في يونيو/حزيران الماضي حيث التقى مع "ستيف فاجن"، الذي كان حينها مديرا لمكتب الشؤون الإيرانية، وبعد بضعة أيام فقط من الاجتماع تم تعيين "فاجن" في منصب القنصل العام في القنصلية الجديدة المترامية الأطراف التي تبنيها واشنطن في أربيل عاصمة كردستان العراق، حيث تتمتع الجماعات الكردية الإيرانية بحضور كبير.

 

في غضون ذلك، يُعتقد أن الولايات المتحدة توسع وجودها في مطار باشور العسكري، الواقع في حرير في محافظة أربيل، على بعد 40 ميلا فقط من الحدود الإيرانية، على الرغم من سعي أميركا لتقليص وجودها في العراق بشكل عام، وقد اندلعت احتجاجات محدودة في يوليو/تموز الماضي بعد حظر واشنطن للتنقل في الجبال المطلعة على المطار، وإجبار الحكومة العراقية لبعض المزارعين على التخلي عن حقولهم وتحويل الأرض إلى معسكر للجيش الأميركي. وقبل أيام من زيارته لواشنطن، التقى "هاجري" قيادات في الحزب الديمقراطي وناقشوا إقامة تنسيق بين المنظمات الكردية الإيرانية، وبعد أقل من أسبوعين على رحلة هاجري، اقترح حزب الحياة الحرة الكردستاني هو الآخر إنشاء إطار للتعاون بين الجماعات الكردية الإيرانية، بما في ذلك إنشاء وكالة إعلامية موحدة لتغطية أنشطة جميع الأحزاب.

      

     

من جانبها، كانت حركة النضال الوطني لتحرير الأهواز سباقة في إطلاق قناة فضائية جديدة -قبل سبعة أشهر- تبث محتوى إعلاميا مناهضا للحكومة في طهران، وتدعو السكان المحليين إلى التمرد من خلال تخريب خطوط أنابيب النفط، ويشير النشاط المتزايد للجماعة في الأشهر الأخيرة إلى حصولها على موارد جديدة تزعم السلطات الإيرانية أنها قادمة من السعودية والإمارات بتشجيع من واشنطن، وفي هذا السياق يبدو من المغري لأبوظبي والرياض أن يلعبا دورا في خطة أميركية لتغيير النظام في طهران، وإذا كان لتصريحات "ابن سلمان" حول نقل المعركة إلى إيران، والترحيب الصريح لمستشار ولي عهد أبوظبي "عبد الخالق عبد الله" بهجوم الأهواز الأخير، إن كان لهما أي دلالة، فإن دلالتهما أن واشنطن قد منحت على الأرجح الضوء الأخضر للإمارات والسعودية بتقديم الدعم للأقليات الإيرانية، بصرف النظر عن قدرة الدولتين الخليجيتين على تقديم هذا الدعم أو مدى تأثيره أو حتى فاعلية الجهات المستعدة لتلقيه.

  

فرغم خلافاتها مع النظام الإيراني، فإن مجتمعات الأقليات الإيرانية أثبتت(19) في أكثر من مناسبة أنها تُقدم ولاءها لإيران على خلافاتها مع الأنظمة السياسية المتعاقبة، حيث تشبعت مجتمعات هذه الأقليات بقدر من الحس القومي من حكم البهلويين وخلال الحرب العراقية الإيرانية، وإذا كانت هذه الجماعات تعادي النظام الإيراني، فإن معظمها يشترك معه في انعدام الثقة في الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ونتيجة لذلك، يمكننا الزعم أن التاريخ لا يبشر بالخير بالنسبة لخطة "ترامب" وإدارته لتوظيف الأقليات الإيرانية ضد الجمهورية "الإسلامية"، رغم إغراء هذه الخطة كسياسة منخفضة التكلفة لتقويض النظام الإيراني، ورغم وجود حوافز إضافية لدى الإدارة لدعم هذه الأقليات، سواء للاستفادة من الأكراد في احتواء الأنظمة في العراق وسوريا وتركيا، أو دعم طموحات البلوش بهدف احتواء خطة الحزام والطريق الصينية، أو تأييد تطلعات العرب الأهواز لمغازلة حلفائها الإقليميين.

   

  

على النقيض، يمكن أن يصب(20) التوسع في هذه السياسات في مصلحة النظام الإيراني في نهاية المطاف، وقد دأب القادة الإيرانيون على التحذير من أن الإدارات الأميركية لا تستهدف "الجمهورية الإسلامية" كنظام حكم، وإنما تستهدف إيران كدولة سياسية، ونجح النظام الإيراني في اللعب على وتر المخاوف من "النموذج السوري"، وهو خطة أميركية مزعومة -حسب رواية نظام الملالي- لتقسيم إيران وفق خطوط الصدع العرقية والطائفية، ويمكن أن يعزز ذلك في النهاية من الالتحام الوطني حول هدف الحفاظ على وحدة أراضي البلاد، وهو هدف يتطلب بطبيعة الحال وجود حكومة مركزية إيرانية قوية.

 

إضافة إلى ذلك، فإن ممارسة المزيد من الضغط على نظام مثل إيران قد يدفعه للتصرف بشكل غير متوقع، وعلى سبيل المثال، ومع إحساس إيران المتزايد بالتهديد القادم من الشمال العراقي، أقدمت مؤخرا على خطوة غير مسبوقة بنقل صواريخ بالستية إلى الميليشيات الموالية لها في العراق، قبل أن تقصف الجماعات الكردية بصواريخ موجهة تزامنا مع أنباء حول تعزيزات عسكرية إيرانية على الحدود العراقية المشتركة، ومع فشل حكومة إقليم كردستان من منع الهجمات ضد إيران من القواعد العراقية، ومع الإشارات المتواترة حول تورط واشنطن، ومع الشكوك المتزايدة حول ولاء المجتمع السياسي في العراق لطهران، فمن غير المستبعد(21) أن تدفع تلك الضغوط طهران إلى غزو الشمال العراقي، مضرمة بذلك شعلة جديدة من النيران في منطقة يدرك الجميع أنها اليوم تقف على حافة بركان سينفجر على الأرجح آجلا إن لم يكن في أقرب وقت.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار