هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
هل بوتين "عبقري" حقا.. أم مجرد سياسي محظوظ أمام عدو هزيل؟

هل بوتين "عبقري" حقا.. أم مجرد سياسي محظوظ أمام عدو هزيل؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض
الاختراق

ضمت الغرفة الكبيرة المشمسة في جامعة ولاية فولغوغراد 45 طالبا جامعيا، كانوا كلهم من الإناث باستثناء طالب واحد، وكانوا يميلون على لوحات المفاتيح ويتهامسون ويثرثرون وعلب مشروبات الطاقة الفارغة حولهم في كل مكان. أخبرني فيكتور مينين ونحن جلوس نراقبهم: "يبدو الأمر وكأنهم يحدقون في شاشاتهم فقط، لكن المعركة محتدمة".

هؤلاء الطلاب الذين يُشكّلون سبع فِرَق من جامعات في جميع أنحاء روسيا، وصلوا تقريبا إلى منتصف مسابقة اختراق مدتها ثماني ساعات تقريبا، محاولين حل مشاكل جنائية متنوعة ابتداء بمعرفة مصدر فيروسات الحاسوب إلى إيجاد رسالة سرية مدمجة في الصور. كان مينين يُشرف على المسابقة التي تُسمى "أمسك العلم"، والتي تنظمها مؤسسته، رابطة ضباط الأمن الإلكتروني أو "ARSIB" بالروسية. تدير "ARSIB" مسابقات "أمسك العلم" في المدارس في جميع أنحاء روسيا، وكذلك ماراثون اختراق (هاكثون) حيث يدافع فريق عن حاسوبه الخادم بينما يهاجمه الفريق الآخر. في أبريل/نيسان، شارك مئات المخترقين الشباب في واحدة من هذه المسابقات.

    

   

أخبرني مينين قائلا: "تخصصت في الأمن المعلوماتي مذ كان عمري 18 عاما، منذ أن انضممت إلى الجيش في 1982"، كان ذلك بعد أن خرجنا إلى الرواق حتى لا نشتت انتباه المتسابقين الشباب. لم يقل في أي فروع الجيش عمل، لكنه أخبرني بينما علت وجهه ابتسامة ساذجة: "في ذلك الوقت وقّعت أمرا بالسرية، هل تظن أن أي شيء تغير منذ ذلك الوقت؟ وأنني سأخبر صحفيا بهذه المعلومة؟".


بعد إنهاء خدمته في الجيش انضم مينين إلى وكالة الاستخبارات السوفيتية الكي جي بي. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي، عمل لدى قسم المعلومات والمراقبة في الحكومة الروسية. في 2010 بعد أن قدم استقالته ودخل القطاع الخاص، ساهم في تأسيس "ARSIB"، وهي المنظمة التي تمتلك صلات بوزارة الدفاع الروسية ووكالة الأمن الفيدرالية ووزارة الداخلية.


مسابقات مينين هي طريقته في إعداد أجيال المستقبل، من خلال "تمرير معرفتي المتراكمة إلى الصغار" على حد قوله. قال إن شركات التقنية الروسية عادة ما تأتي إليه سعيا لإيجاد الأشخاص الموهوبين. سألته إن كانت الوكالات الحكومية مثل الوكالات الاستخباراتية التي تجري عمليات سيبرانية خارج الحدود تفعل ذلك أيضا. قاطعني قائلا: "من المحتمل ذلك فعلا، هم أيضا في حاجة إلى هؤلاء المتخصصين".


عندما توقفت مسابقة "أمسك العلم" لاستراحة الغداء، خرجنا أنا ومينين إلى الضوء والجو العاصف في الخارج. تقع الجامعة، وهي مجمع من المباني البيضاء الناصعة، على قمة تل يُشرف على مدينة ونهر الفولغا. يوما من الأيام، كان هذا نهرا من الدماء، وكان هذا التل مليئا بالتحصينات العسكرية والشظايا والعظام. يوما ما كانت ستالينجراد، تلك المدينة التي اشتهرت بحرب الشوارع التي جرت أحداثها هنا في شتاء عام 1942-1943، حين مات أكثر من مليون شخص، قبل أن يخسر الألمان المعركة ومارشالاً بارزاً ويفقدون زخم الحرب كلها. اليوم، هي أشبه بمدينة أشباح.

   

 

سألني مينين: "هل زرت مامايف كورغان من قبل؟". كان يشير إلى تلة أخرى اشتدّت عليها رحى المعركة، إلى درجة أنها غيّرت معالم التل. والآن يقف عليها تمثال يُدعى "الوطن الأم ينادي" وهو نحت خرساني يبلغ طوله 170 قدما لامرأة ترفع سيفا منادية أبناء الأرض إلى المعركة. هنا تم أسر المارشال الألماني فريدريك باولوس، قالها مينين بنوع من الفخر ونظر إلى الأفق المشمس مضيفا: "من المهم رؤية كيف دافع الشباب صغار السن عن وطنهم".


عندما ذهبنا إلى الكافيتريا بدت لي أنها أيضا مسكونة بالماضي السوفيتي. وكان هناك عدد من النساء متوسطات العمر العابسات، يرتدين شبكات شعر على رؤوسهن، يتقاسمن بعض الأطعمة الدهنية الخفيفة. ولولا مشهد الطلاب الذين يستخدمون هواتفهم الذكية، لكان من الصعب معرفة أننا في القرن الحادي والعشرين. جلست على طاولة مع فريق من أستراخان، وأخبرتهم أنني زرت مدينتهم من قبل، مدينة رومانسية قديمة على ضفاف بحر قزوين.

  

ابتسم الطلاب بسخرية، بينما قال طالب في السنة الثالثة يُدعى أنتون: "الكل يريد المغادرة".

أضاف زميله سيرجي قائلا: "ما من شيء لتفعله هناك".

"لقد قمنا بعمل رائع في خلق الوهم بأن بوتين يسيطر على كل شيء في روسيا، والآن من المضحك" مدى الأوصاف التي ينعتها بها الأميركيون.

    

كان أنتون يأمل أن يساعده مينين في إيصاله إلى عتبة وكالة أمن الدولة. أخبرني قائلا: "إنها وكالة ذات مكانة، وتدفع رواتب جيدة، والعمل هناك مثير". إذا قُبِل هناك، قد يصل راتبه إلى 50 ألف روبل (أقل من 900 دولار) في الشهر، وهو ما يساوي ضعف متوسط الرواتب في أستراخان. هل كان مدفوعا بأي "قناعات وطنية؟" قاطعني أنتون بضحكة مكتومة، وقال: "لا، لا أهتم بالحكومة التي أعمل لديها. إذا طلبني الفيلق الفرنسي الأجنبي سأذهب بالتأكيد". سألته قائلا: "أليس قول مثل هذا يُعد انتهاكا لحرمة مكان مثل فولغوغراد؟".

      

فيكتور مينيين (مواقع التواصل)

   

قال سيرجي إن الوطنية التي تُربّى في روسيا هذه الأيام هي وطنية فارغة، وحتى غير صحية. كان غاضبا من القيود التي فُرضت على السلوك الإلكتروني بعد مظاهرات 2011-2012 المؤيدة للديمقراطية، ومن مراقبة الحكومة للحديث عبر الإنترنت، وهو الإجراء غير الدستوري من وجهة نظره. يضيف قائلا: "إذا نظرنا إلى حالة طرقنا ومدننا وكيف يعيش الناس في مدينتنا، ستسأل لِمَ يُنفقون مليارات الروبلات على تخزين معلومات الناس الشخصية في قواعد بيانات هائلة؟".

قال له أحد زملائه وهو يحدق في هاتفي: "سيسجنونك يا سيرجي".

رد سيرجي قائلا: "استمر في المضغ".

  
خلال السنة الماضية اكتسب القراصنة الروس سمعة أسطورية في الولايات المتحدة. وفقا لتقييمات الاستخبارات الأميركية والتحقيقات الإعلامية، كانوا مسؤولين عن اختراق خوادم اللجنة الديمقراطية الوطنية ولجنة الحملة البرلمانية للحزب الديمقراطي. ونشروا المعلومات التي حصلوا عليها على منصات صديقة مثل ويكيليكس لتُحدث تأثيرا مدمرا. وبمباركة من الرئيس فلاديمير بوتين، اخترقوا البنية التحتية للتصويت في العديد من الولايات الأميركية. قاموا بنشر إعلانات دعائية مثيرة للانقسام ونظموا فعاليات سياسية على فيسبوك، مشعلين النار في الحروب الثقافية الأميركية المشتعلة أصلا.


لكن لا يُدرك معظم الروس أن روسيا يتم تصويرها في هذه القصة على أنها قوية ومنظمة يقودها زعيم بالغ الحكمة وبالغ القوة قادر على تخطيط وتنفيذ مخططات معقدة وبتفاصيل دقيقة.


لقد ضحك جليب بافلوفسكي المستشار السياسي الذي ساعد بوتين في حملته الرئاسية الأولى عام 2000، وعمل مستشارا في الكرملين حتى عام 2011، بكل بساطة عندما سألته عن دور بوتين في اختيار دونالد ترامب. رد قائلا: "قمنا بعمل مذهل في العقد الأول من حكم بوتين بخلق وهم بأن بوتين يسيطر على كل شيء في روسيا، والآن أليس الأمر مضحكا" كم القدرات التي يعزوها إليه الأميركيون.


قال رجل أعمال يحتل منصبا مرموقا في حزب بوتين "روسيا المتحدة" ونحن نحتسي كوبا من الإسبريسو في مقهى بموسكو: "هل تخبرني أن كل شيء في روسيا في حالة يرثى لها باستثناء مخترقينا؟ روسنفت -شركة النفط العملاقة المملوكة للدولة- لا تعمل بشكل جيد ونظام الرعاية الصحية لدينا لا يعمل بشكل جيد. نظامنا التعليمي لا يعمل بشكل جيد. وفجأة، يظهر لنا مخترقون، بل ومذهلون أيضا؟".

    

أحد دور الرعاية الصحية في روسيا (رويترز)

   

اختراق الانتخابات "كان قرارا عاطفيا تكتيكيا، كان الكرملين مستاء بسبب أوراق بنما التي سلطت الضوء على ثروة بوتين".


بالطريقة نفسها التي تبالغ بها روسيا في تقدير أميركا، حيث تراها المدير القوي لكل تطورات السياسة العالمية، يسقط الأميركيون مخاوفهم الخاصة على روسيا، بكل ما فيها من متناقضات البراعة، والقوة، والضعف العميق، مستقرة بشكل لا يقبل الاهتزاز، لكنها بطريقة ما ترزح دائما على شفا الانهيار. مثل أميركا هي أسيرة تاريخها الخاص وتطاردها أشباحه.


إنَّ أيًّا من هذه العوامل لا يحدّ من الخطر الذي تُشكّله روسيا، بل يساهم، بدلا من ذلك، في تشكيله. بوتين وبلده كلاهما يكبران في السن وينحدران نزولا، لكن هذا الخوف من الانحدار يفرض أخطاره الخاصة على أميركا. فالمجتمع الاستخباراتي الأميركي مجمع على تقييمه ليس في أن الروس تدخلوا في الانتخابات الرئاسية الأميركية فحسب، لكن على "أنهم سيعودون مجددا" على حد تعبير مدير الإف بي آي السابق، جيمس كومي. هذه عدائية متصاعدة من بلد يعاني المشاكل، ولا تدرك نخبته سوى القليل عن السياسة الأميركية. وهذا هو المعتاد من بوتين ومن روسيا: اللجوء إلى الهجوم للتغطية على الضعف. الانتقام من الازدراء الذي يواجهونه والنجاة بأي طريقة ومهما كانت التكلفة.


قدمت إلى روسيا محاولا إيجاد إجابة عن سؤالين رئيسيين، السؤال الأكثر إلحاحا هو كيف تمكّن الكرملين رغم القيود من تنفيذ أكبر عملية تخريب سياسي في العصر الحديث: توجيه الديمقراطية الأميركية ضد نفسها. والأهم -بالنسبة للأميركيين على أي حال- هو ما تخبئه روسيا، ومدى استعداد بوتين الجريء للذهاب إلى أقصى مدى للحصول على ما يريد.


يقول الصحفي أندريه سولداتوف الذي يمتلك مصادر عميقة في الوكالات الاستخباراتية، والذي يكتب عن استخدام الكرملين للتقنية السيبرانية: "إنها لم تكن عملية إستراتيجية بالنظر إلى ما قاله لي المطلعون على الأمر"، ويقول إن اختراق النظام الانتخابي في الولايات المتحدة "كان قرارا عاطفيا وتكتيكيا. كان الناس مستائين كثيرا بسبب أوراق بنما".

  

اجتماع بوتين مع مسؤولون في الوكالات الاستخباراتية الروسية (رويترز)

   

في ربيع 2016، بدأ لفيف من الصحفيين الدوليين بنشر حقائق من مجموعة ضخمة من الوثائق التي تمتلكها شركة قانونية بنمية متخصصة في مساعدة العملاء الأجانب الأغنياء في تحريك أموالهم، بعضها من مصادر غير مشروعة، بعيدا عن أوطانهم وبعيدا عن الأعين المترصدة لجامعي الضرائب. (أنكرت الشركة ارتكابها أي مخالفات قانونية). وكشفت الوثائق عن أن صديق بوتين القديم سيرجي رولدوجين، عازف التشيلو وأبو ابنة بوتين الكبرى بالمعمودية، لديه صندوق ائتماني باسمه تبلغ قيمته ملياري دولار. كانت ثروة غير معقولة بالنسبة لموسيقي غير مشهور، ورجح الصحفيون أن يكون هذا الصندوق بمنزلة بنك خفي للدائرة المقربة من بوتين. أنكر رولدوجين التهم المنسوبة إليه، لكن الكرملين كان غاضبا بسبب كشف هذه الحقائق. وصف المتحدث باسم بوتين ديمتري بيسكوف، الذي كانت زوجته متورطة أيضا، هذه التقارير بأنها من عمل "العديد من الموظفين السابقين في وزارة الخارجية الأميركية وعملاء السي آي إيه" بغرض زعزعة استقرار روسيا قبل انتخابات سبتمبر/أيلول 2016 البرلمانية.


هذه الحجة كانت مثيرة للسخرية لكنها كشفت عن منطق معين: الخصوصية المالية لقادة روسيا تساوي السيادة الروسية على انتخاباتها. يقول جون سيفر، مدير سابق بقسم روسيا في السي آي إيه: "أوراق بنما كانت ضربة موجهة لبوتين شخصيا، وقد اعتقدوا أننا نحن من فعلها". يقول سولداتوف إن الدائرة المقربة من بوتين شعرت "بأن عليهم أن يردوا بطريقة ما". وفقا لتقرير سولداتوف عقد بوتين في الثامن من أبريل/نيسان 2016 اجتماعا عاجلا لمجلس الأمن القومي؛ كلهم باستثناء شخصين من الحاضرين كانوا عملاء سابقين في الكي جي بي. نظرا لسرية وتوقيت الاجتماع يعتقد سولداتوف أنه كان المكان الذي أعطى فيه بوتين إشارة بالانتقام.


كان الهدف الأصلي هو إرباك هيلاري كلينتون، والإضرار بحملتها، وزرع الخلافات لإظهار أن الديمقراطية الأميركية فاسدة مثل الروسية إن لم يكن أكثر. يقول سولداتوف: "لا أحد يؤمن بترامب، ليس بأدنى قدر حتى. كانت سلسلة من العمليات التكتيكية. في كل لحظة كان العاملون على الأمر يمتلئون حماسا بسبب نجاح الأمر، وهذا النجاح هو ما دفعهم للمُضي قُدما".


دميتري ألبيروفيتش، المؤسس المساهم في شركة كراود سترايك لأمن المعلومات المولود في روسيا، والذي كان أول من كشف التدخل الروسي بعد أن طلب من الشركة التحقيق في اختراق خوادم اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي في مايو/أيار 2016، يقول: "إن الكثير مما فعلوه كان مجرد انتهاز للفرص، نشروا شبكة واسعة دون أن يعرفوا مقدما ما الذي قد يستفيدونه منها". يضيف ألبيروفيتش قائلا: "كان القراصنة الروس محترفين جدا، لكن يجب ألا نضخّم منهم وكأن طولهم يبلغ ثمانية أقدام، أو كأنهم قادرون على اختراق من يريدونه، لقد جربوا أوكرانيا ولم ينجح الأمر"، كما لم ينجح الأمر في الانتخابات الفرنسية 2017.

   

دميتري ألبيروفيتش، المؤسس المساهم في شركة كراود سترايك (مواقع التواصل)

  

اكتشف ألبيروفيتش وفريقه وجود فريقين من المخترقين، يعتقد أنهما ينتميان لوكالتين مختلفتين من وكالات الأمن الروسية، ومنحوهما لقبين مختلفين: الدب الفاخر لفريق الاستخبارات العسكرية، والدب المريح لفريق إما الاستخبارات الخارجية وإما وكالة الأمن الفيدرالية (FSB). لكن لم يبد أن أيا من الدبين على معرفة بما يفعله الدب الآخر، أو حتى بوجوده. "راقبنا فريقي التجسس الروسيين يهاجمان الأنظمة نفسها ويسرقان المعلومات نفسها بطريقة منفصلة" بحسب ما كتبه ألبيروفيتش في مدونة كراود سترايك في ذلك الوقت. وكالات الاستخبارات الغربية كما يشير لا تسعى أبدا للهدف نفسه دون أن تنسق مع بعضها "خوفا من تعريض بعضهما بعضا للانكشاف" على حد تعبيره، "لكن في روسيا فإن هذا السيناريو ليس مستبعدا". 

 

بدا الأمر تماما كواحدة من مسابقات مينين لكن برهانات أعلى. ليس القراصنة دائما رجالا يرتدون زي الاستخبارات العسكرية بحسب ما أخبرني سولداتوف؛ في بعض الحالات يكونون مرتزقة أحرارا يرغبون في العمل لصالح من يدفع أكثر، أو مجرمين سيبرانيين تم إلقاء القبض عليهم وابتزازهم للعمل لدى الحكومة. (أنكر بوتين تدخلا على مستوى الدولة في الانتخابات الأميركية، لكن سياسة الإنكار هي الغطاء للجوء لقراصنة غير رسميين).


لاحظ المسؤولون الأميركيون السلوك الفوضوي نفسه غير المنتظم في صيف عام 2016. عندما كشف مسؤول سابق في إدارة أوباما أن الاتصالات المخترقة بين وكالة الأمن الفيدرالية الروسية والاستخبارات الروسية كشفت جدالا بين الوكالتين ونقصا في التنسيق. أخبرني المسؤول السابق في إدارة أوباما، والذي كان مطلعا على الأمر أثناء حدوثه، أن الأمر "كان بمنزلة عملية عرضية دون هدف سابق، كانوا يعملون كما لو أنهم يلقون بالإسباجيتي على الحائط لكي يروا أيها سيظل ملتصقا بالحائط".


هذه الفوضى، وللمفارقة، كانت أحد أسباب نجاح الروس في 2016، المشاحنات المستمرة والانتهازية ونقص التنسيق بدت لإدارة أوباما، على الأقل في البداية، القصة القديمة ذاتها. نص تقرير نُشر في يناير/كانون الثاني 2017 من قِبل مكتب مدير وكالة الاستخبارات الوطنية في تقييم التدخل الروسي في الانتخابات على أنه في 2008، دخل فريق من عشرة جواسيس روس أشهرهم آنا تشابمان ذات الشعر الناري، لمراقبة الانتخابات الرئاسية كجزء من مهمتهم. لكن دعوى وزارة العدل ترسم صورة أشبه بالنمر الوردي للأميركيين. هؤلاء الجواسيس الذين تم اعتبارهم غير قانونيين ذهبوا إلى فعاليات مراكز الأبحاث ولخصوا المؤتمرات الصحفية لموسكو، سجلت تشابمان هاتفا ذا استخدام المرة الواحدة بعنوان مزيف هو 99 في شارع مزيف. (قُبض على تشابمان في 2010 ورحلت هي وشركاؤها إلى موسكو في عملية تبادل جواسيس درامية) يبدو أن إدارة أوباما توقعت شيئاً مشابهاً في 2016. أخبرني المسؤول السابق في إدارة أوباما قائلا: "لقد حاموا حول انتخاباتنا الرئاسية من قبل. في 2008 حاولوا تجنيد بعض أعضاء مراكز الأبحاث الذين قد ينضمون إلى الإدارة في وقت ما. لكن روسيا لم تحاول التأثير على نتائج الانتخابات حتى هذا الوقت".

   

الرئيس الروسي بوتين مع الرئيس الأميركي السابق أوباما (رويترز)

  

عندما أدركت إدارة أوباما في الصيف أن الروس يسعون إلى شيء أكبر شأنا مما فعلوا من قبل، لم يقلق البيت الأبيض إلا بشأن نصف المشكلة. في تلك النقطة كان أكثر التطورات خطرا هو اختراق الروس لنظام التصويت في الولايات المتحدة. قضايا سرقة البيانات ونشر الأخبار الكاذبة عن هيلاري كلينتون بدت أقل خطرًا وأصعب في محاربتها دون أن تبدو متحيزا لأحد الأطراف.


في سبتمبر/أيلول، اتجه أوباما إلى بوتين على هامش قمة العشرين في هانغتشو وطلب منه أن يوقف الأمر. في ذلك الخريف وجهت مستشارة الأمن القومي سوزان رايس تحذيرا نصيا للسفير الروسي في واشنطن سيرجي كيسلياك. وكلّف البيت الأبيض وزارة الخارجية والخزانة الأميركية ببحث إمكانية تطبيق عقوبات جديدة على روسيا، ونشر معلومات عن ثروة بوتين الشخصية، لكنها قررت أن هذه الخطوات قد يكون لها تأثير سلبي. إذا ضغط البيت الأبيض بقوة قد تلجأ روسيا لنشر المزيد من الوثائق المسروقة. من يعلم ماذا يملكون أيضا؟


على أي حال، مع بقاء شهر واحد على الانتخابات، اتخذت إدارة أوباما خطوة غير مألوفة وذلك بتحذير الجمهور. في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016، نص تصريح مشترك من وزارة الأمن القومي ومدير مكتب وكالة الاستخبارات القومية على أن "المجتمع الاستخباراتي الأميركي واثق من أن الحكومة الروسية هي من يقف وراء عملية كشف رسائل البريد الإلكتروني للمنظمات السياسية الأميركية، وأن هذه السرقات والإفشاءات تهدف للتدخل في العملية الانتخابية للولايات المتحدة".


توقع البيت الأبيض أن تطير وسائل الإعلام بالخبر، وقد فعلت فعلا لكن من الساعة 3:30 إلى 4 بحسب نيد برايس المتحدث السابق باسم مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما في منتدى الأمن في منتجع أسبين الصيف الماضي عندما غطى على التصريح كشف من نوع آخر: شريط هوليوود أكسيس، الذي تبجح فيه ترامب بمهاجمة النساء جنسيا. ركزت وسائل الإعلام وحملة كلينتون بشكل حصري تقريبا على ذلك الشريط عوض تصريح مجمع الاستخبارات.

   

      

حتى وإن مر التصريح العلني مرور الكرام، فقد شعرت إدارة أوباما أن الروس سمعوا تحذيرها من تحت الطاولة. وفقا لسولداتوف والمسؤولين السابقين في إدارة أوباما، يبدو أن موسكو تراجعت عن اختراقها للبنية التحتية للانتخابات الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول. لكن التسريبات والأخبار المزيفة لم تتوقف أبدا. خشي أوباما من أن كشفه عن المزيد قد يعد بمنزلة استعمال لسلطته لصالح كلينتون. وكان متأكدا من أنها ستفوز على أي حال، وستتعامل مع الروس ما إن تستلم منصبها.


لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت على الأرجح حصول الإف بي آي على وثيقة مشكوك فيها بدا أنها قد تضع حملة كلينتون في موقف صعب. نشرت الواشنطن بوست في تقرير لها هذا الربيع عن مذكرة يبدو أنها من الاستخبارات الروسية، حصل عليها مصدر للإف بي آي خلال الحملة الانتخابية. ادعت المذكرة أن المدعية العامة في حينها لوريتا لينش تواصلت مع موظف في حملة كلينتون وقدمت له تأكيدات بأن الإف بي آي لن يحقق في استخدام كلينتون لبريدها الخاص في مراسلات وزارة الخارجية بجدية. قالت الصحيفة بحسب مصادر مقربة من جيمس كومي إن الوثيقة "لعبت دورا أساسيا" في الطريقة التي فكر فيها كومي، والذي كان يفخر بقوة باستقلاله السياسي، في القضية، ودفعته لإصدار تصريح علني عنها في يوليو/تموز 2016. (قال إنه لن يوجه أي تهم لكنه انتقد كلينتون بشدة). تعليقات كومي العلنية عن القضية في يوليو/تموز ثم في أكتوبر/تشرين الأول أضرت بهيلاري كلينتون كثيرا، وعلى الأرجح كلفتها الرئاسة. الوثيقة كما أشارت المقالة مشتبه بكونها وثيقة من تزوير الروس.


كل ما تطلّبه الأمر للإطاحة بالسياسة الأميركية نحو حالة من الفوضى إذن هو وثيقة مزورة وفريقان من المخترقين وسيل ضعيف من التسريبات التي ضبط توقيتها بشكل جيد. تخضع مسألة تواطؤ حملة ترامب ومدى هذا التواطؤ لتحقيق نشط هذه الأيام. بغض النظر عن ذلك، فقد تمكن بوتين من تنفيذ عملية سطو جيوسياسية مذهلة بميزانية غاية في الضآلة، تبلغ نحو 200 مليون دولار بحسب المدير السابق للاستخبارات الوطنية جيمس كلابر. تغيب هذه النقطة عن الكثير من الأميركيين: نتجت عملية تخريب الانتخابات عن أفعال حملة ارتجالية وعشوائية بقدر ما نتجت عن رؤية بعيدة المدى. ما يجعل بوتين فعالا وخطيرا ليس عبقريته الإستراتيجية، بل مرونته التكتيكية وقدرته على التكيف، ورغبته في خوض التجربة ونشر الفوضى وخوض المخاطر الجمة.


وقال مسؤول سابق بإدارة أوباما: "إنهم يخططون بالفعل، فهم ليسوا أغبياء على الإطلاق. لكن الفكرة القائلة بأنهم خططوا للأمر برمته دون هفوة وأن بوتين لاعب شطرنج بارع ليست صحيحة تماما. إنه يعلم ما يريد الوصول إليه، ويخطط الخطوات القليلة الأولى، ثم يفكر في بقية الخطوات في وقت لاحق. يتساءل الناس إن كان يلعب الشطرنج أو الداما، الإجابة ليست واحدة منهما، بل لعبة بلاك جاك (لعبة أوراق تلعب في صالات القمار). لديه قدرة عالية على المخاطرة. فكر في الأمر، التدخل في الانتخابات أمر خطير جدا. كان ليدفع ثمنا باهظا لو أن هيلاري هي من فازت".

   

      

حتى طريقة الهجوم الروسية كانت خطيرة. بحسب ما قاله روبرت هانيجان المدير السابق لمكتب الاتصالات الحكومية البريطانية، نظيرة وكالة الأمن القومي الأميركية، في منتدى أسبين للأمن فإن حقيقة أن الروس لم يزعجوا أنفسهم بإخفاء بصماتهم هو دليل على تغير نيّات روسيا تجاه الولايات المتحدة. وتابع قائلا: "هذا التهور الوقح، حقيقة إنهم لا يهتمون باتهامهم بهذه الهجمات علانية هو أكبر تغيير".


كان لذلك التهور نذره الواضحة، سواء في رؤية بوتين للعالم أو في ظروفه المحلية المتغيرة. أسفر التجاهل الإستراتيجي الأميركي لروسيا -لما يزيد على عقد- عن تراكم مخاوف بوتين من أن تتخلص منه الولايات المتحدة وهو ما دفعه إلى مستويات أعلى من العداوة. وكذلك موقفه السياسي الذي تطلب خوض مغامرات أكبر في الخارج لكسب التأييد في الداخل، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الروسي. لم ينحسر هذا الضغط، بل على العكس تسارع في السنوات الأخيرة. 

 

التاريخ

عندما تثلج السماء، كما فعلت في ظهر يوم ربيعي، تختلط الجدران الرمادية لمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية مع لون السماء الرمادي. هنا حيث درّب السوفييت يوما دبلوماسييهم وجواسيسهم. هنا تعلموا الفروق الدقيقة للعالم قبل أن يخطوا إليه. اليوم تلعب الجامعة الدور نفسه تقريبا، إلا أن الفساد يغزوها من رأسها حتى أخمص قدميها، إذ يشتري الأغنياء عادة القبول لأبنائهم. كنت قد دُعيت للاستماع لمحاضرة لواحد من أهم أعضاء لجنة التدريس بالكلية، أندرانيك ميجرانيان، الذي تخرج هو نفسه في هذا المعهد عام 1972. قضى ميجرانيان الكثير من الوقت في العقد الأخير في نيويورك حيث أدار معهد الديمقراطية والتعاون، وهو معهد أبحاث روسي على صلة بوزارة الخارجية الروسية، حسبما تفيد التقارير. أحد زملائه القدامى هو سيرجي لافروف وزير الخارجية الذي يعتبره صديقا حتى اليوم.


في تلك الظهيرة كان ميجرانيان يحاضر عن خطاب بوتين في مؤتمر ميونخ عام 2007 عن السياسة الأمنية، وهو الخطاب الذي يعد الوثيقة الأيديولوجية الوحيدة لروسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، وهو خطاب أساسي لفهم كيف وصلت العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة إلى التدهور الذي وصلت إليه اليوم. بوتين -الذي كان متحدثا غريبا في ذلك الوقت- كان لا يزال في العام السابع من حكمه الذي اقترب اليوم من عقدين. قبلها بثمانية عشر عاما، في 1989، كان يعمل ضابطا في الاستخبارات السوفيتية في دريسدن في ألمانيا الشرقية حيث أحرق الوثائق الحساسة في الفرن بينما تجمع المتظاهرون في الخارج إبان سقوط جدار برلين. بعد فترة ليست بالطويلة انتهى الاتحاد السوفيتي، وبدا أن العالم وصل إلى نتيجة مفادها: أن المقاربة السياسية السوفيتية العنيفة وغير الديمقراطية كانت خاطئة وشريرة. وأن النظام الليبرالي الغربي كان أفضل ومثَّل شكلا أكثر نزاهة من أشكال الحكم.

 

بوتين في مؤتمر ميونخ عام 2007 (رويترز)

     

لمدة حاول بوتين إيجاد دور لروسيا داخل النظام الغربي. عندما عينه بوريس يلتسين -أول رئيس لروسيا بعد الاتحاد السوفيتي- خليفة له عام 1999، كانت روسيا تشن حربا على الانفصاليين الإسلاميين في الشيشان. في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، كان بوتين أول رئيس أجنبي يهاتف الرئيس جورج بوش الابن، آملا أن يقنعه بأن بلادهما آنذاك شريكتان في حربهما على الإرهاب. حاول أن يساعد في أفغانستان. لكن في 2003 تجاهل بوش اعتراضه على غزو العراق، وذلك بالالتفاف على مجلس الأمن في الأمم المتحدة، حيث تمتلك روسيا حق الفيتو. كان هذا الأمر بالنسبة له تذكيرا مذلا بأنه في أعين الغرب كانت روسيا على الهامش، وأن "الاعتراض الروسي لم يكن له قيمة" كما أخبر ميجرانيان طلابه. لكن بالنسبة لبوتين كان الأمر أكبر من ذلك: تحت شعار نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، عادت الولايات المتحدة إلى ممارسات الحرب الباردة من تجاهل وإهانة القادة الأجانب. حتى إن الاستخدام المفتوح للقوة العسكرية أصبح أمرا متاحا.


في 2007 أثناء حديثه مع ممثلي النظام الغربي والمدافعين عنه، أعلن بوتين رسميا معارضته وانشقاقه. خطب بوتين متجهما: "قبل عقدين فقط، كان العالم منقسما أيديولوجيا واقتصاديا، وكان الأمن فيه مضمونا بفضل الإمكانات الإستراتيجية لقوتين عظميين". لكن هذا النظام استبدل بـ "عالم أحادي القطب" تهيمن عليه أميركا فقط. عالم يخضع لسيد واحدة وشرعية واحدة".


واحتدّ قائلا إنه نظام عالمي تسيطر عليه دولة واحدة "لا علاقة لها بالديمقراطية". النظام الحالي ليس "مقبولا" ولا فعالا. و"الخطوات الأحادية غير الشرعية لم تخلق سوى مآسٍ إنسانية جديدة ومناطق جديدة للنزاع". مشيرا إلى العراق، الذي كان قد تحول إلى ساحة قتال طائفية في ذلك الوقت. وأكمل قائلا: "حان الوقت لإعادة التفكير في بنية وتصميم الأمن العالمي بكامله".


هذا كان احتجاج الطرف الخاسر الذي أراد إعادة التفاوض حول شروط الاستسلام، بعد 16 عاما من هزيمته. أيًّا يكن الحال، فقد قضى بوتين عقدا كاملا منذ ذلك الخطاب في العمل على ضمان ألا تتمكن الولايات المتحدة من المناورة بطريقة أحادية مرة أخرى دون أن تواجه الممانعة والأهم ألا تستطيع يوما التخلص منه.


قال ميجرانيان لطلابه الذين كانوا يستمعون بالكاد وأمارات الفرح بادية على محياه: "كان عليكم رؤية وجوه جون ماكين وجو ليبرمان". نواب الكونغرس الأميركيون المحسوبون على الصقور والذين حضروا خطاب بوتين "أصيبوا بصدمة هائلة. خرجت روسيا عن النص، ويبدو أن بوتين قد ارتكب خطأ مميتا في ميونخ: لقد قال الحقيقة".

   

جون ماكين، سياسي وضابط بحرية أمريكي (رويترز)

   

العام التالي على حد قول ميجرانيان "كان عام الفِعل". غزت روسيا جارتها جورجيا في 2008، وهي خطوة جاءت ردا على الناتو بحسب ميجرانيان والذي توسع عبر ضم المزيد من الجمهوريات السوفيتية السابقة. لكن الانتهاك الغربي للمجال الحيوي الروسي لم يكن المسبب الرئيسي لانزعاج موسكو.


كانت الولايات المتحدة بحسب ميجرانيان تتدخل مباشرة في السياسة الداخلية الروسية. هندس المستشارون الأميركيون إصلاحات ما بعد سوفيتية مؤلمة للسوق الروسي، بينما اغتنوا هم أثناء العملية وساعدوا في إعادة انتخاب يلتسين الضعيف وغير المحبوب للمرة الثانية عام 1996. موّلت الحكومة الأميركية مباشرة منظمات غير حكومية أميركية وروسية مثل المنحة الوطنية للديمقراطية، لدعم الديمقراطية والمجتمع المدني في روسيا. كان لبعض هذه المنظمات صلات بما يسمى الثورات الملونة التي أطاحت بالحكومات في الجمهوريات السوفيتية السابقة واستبدلتها بأنظمة ديمقراطية صديقة للغرب.


ثورة الزهور في جورجيا والثورة البرتقالية في أوكرانيا وثورة التوليب في قرغيزستان، "ترى روسيا هذا الأمر بشك متفهم" بحسب ما أخبر ميجرانيان طلابه. أشار إلى أن الولايات المتحدة باعترافها، أنفقت 5 مليارات في أوكرانيا لتعزيز الديمقراطية، كل هذا لتوسيع النظام الليبرالي الغربي. من هذا المنظور ليس من المستبعد الاعتقاد بأن هدف الولايات المتحدة التالي هو موسكو، وبوتين. لهذا طردت روسيا هيئة المساعدات الأميركية في 2012. ولهذا حظرت المنحة الوطنية لدعم الديمقراطية في 2015، بموجب قانون جديد دمر المنظمات غير المرغوب فيها.

يقال إن بوتين شاهد فيديو مقتل القذافي مرات ومرات بنوع من الهوس. خشي من أن يسعى الأميركيون خلفه تاليا.


عقيدة بوتين التي صرّح بها في ميونخ لها نتيجة لازمة: قد يظن الأميركيون أنهم ينشرون الديمقراطية، لكنهم لا ينشرون سوى الفوضى. قال ميجرانيان لطلابه: "انظروا ماذا حدث في مصر"، وبدأ في سرد قصة الثورات الفاشلة المدعومة أميركيًّا. في 2011 تنازل رجل مصر القوي حسني مبارك عن الحكم إثر مظاهرات دعمتها الولايات المتحدة بحسب ميجرانيان. لكن بعد فوز "الراديكاليين الإسلاميين" بالسلطة بطريقة ديمقراطية، غضت الولايات المتحدة الطرف عن الانقلاب العسكري الذي أطاح بالقادة الجدد. ثم كانت هناك ليبيا. "أطحتم بأكثر الحكومات نجاحا في شمال أفريقيا" هكذا قال ميجرانيان وهو ينظر باتجاهي. "في النهاية، لدينا حكومة معطلة وسفير أميركي قتل بوحشية وفوضى وراديكاليون إسلاميون".

   

      

وتابع ميجرانيان منفعلاً: "إذا أخذنا في الاعتبار كل مرات الفشل الأميركية، ربما حان الوقت لتستمعوا إلى روسيا؟"، ثم أضاف: "إذا كان يجب على الرئيس السوري بشار الأسد الرحيل إذن من سيحل مكانه؟ لا تدمروا الأنظمة دون أن تعرفوا ما الذي سيأتي بعدها".


لطالما كان بوتين مرتاباً من شعار نشر الديمقراطية، لكن هناك لحظتان أقنعتاه أن أميركا تسعى للإطاحة به تحت هذا الشعار. الأولى كانت التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا والذي أدى في النهاية إلى الإطاحة بالديكتاتور الليبي معمر القذافي وقتله قتلة شنعاء. بعدها لاحظ العديد ممن تعاملوا مع بوتين مدى انزعاجه بمقتل القذافي. يقال إنه شاهد فيديو مقتل القذافي مرات ومرات. يقول جيك سوليفان المسؤول الرفيع السابق بوزارة الخارجية الذي التقى بالعديد من المسؤولين الروس رفيعي المستوى في ذلك الوقت: "الطريقة التي مات بها القذافي كان لها تأثير عميق عليه، وأصبح مهووسا بموت القذافي". (يضيف المسؤول قائلا: "أظن أننا بالغنا في ليبيا").


اللحظة الثانية كانت نوفمبر/تشرين الثاني 2013 عندما خرج الشباب الأوكرانيون إلى الميدان -ميدان الاستقلال- في العاصمة كييف، للاحتجاج ضد انسحاب الرئيس السابق فيكتور يانكوفيتش من اتفاق اقتصادي أوروبي بضغط من بوتين. ظل المتظاهرون في الشارع طوال الشتاء حتى فتحت الشرطة النار عليهم وقتلت نحو 100 منهم، في االيوم التالي[1] [2] [3]  لذلك، 21 فبراير/شباط 2014، وقّع يانكوفيتش وثيقة مصالحة سياسية توسطت فيها روسيا وأميركا والاتحاد الأوروبي، لكنه هرب من العاصمة تلك الليلة. بالنسبة لبوتين كان ما حدث جليا: أميركا أطاحت بأقرب حلفائه، في بلد يعتبره امتدادا لروسيا نفسها. كل الأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة على منظمات دعم الديمقراطية آتت أُكلها. وجود فيكتوريا نولاد مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية في الميدان وتقديمها الطعام للمتظاهرين أدى إلى ترسيخ أسوأ مخاوفه.


قال بين رودس نائب مستشار الأمن القومي لأوباما لشؤون الاتصالات الإستراتيجية: "كان الميدان نقلة نوعية. لطالما كان بوتين معارضا وعدائيا. لكنه بدأ الهجوم بعد الميدان. بالنسبة لبوتين كانت أوكرانيا جزءا لا يتجزأ من روسيا إلى درجة أنه اعتبره هجوما شخصيا عليه". (مصدر قريب من الكرملين أكد هذه الرواية)

بين رودس نائب مستشار الأمن القومي لأوباما لشؤون الاتصالات الإستراتيجية (رويترز)

   

اشتهر بوتين ولافروف بين أعضاء إدارة أوباما بخطاباتهما التقريعية الطويلة التي يلومون فيها أميركا لعدم احترام روسيا منذ 1991، مثل تلك المرة التي ذكر فيها أوباما روسيا والإيبولا ضمن التهديدات العالمية في أحد خطاباته. سقوط يانكوفيتش جعل من هذه الخطابات أكثر كثافة. يقول رودس: "بعدها ولمدة عامين لم تكن هناك مكالمة هاتفية لم يذكر فيها بوتين الأمر"، متهما الولايات المتحدة بتغيير النظام في أوكرانيا.

تغيير النظام في ليبيا وأوكرانيا دفع روسيا لدعم بشار الأسد في سوريا. يصف جون فينر كبير موظفي وزير الخارجية السابق جون كيري نهج بوتين في سوريا قائلا: "ليس نظاما آخر". وهو ما أدى بالتبعية لتدخل روسيا في الانتخابات الأميركية: ودّت روسيا أن تُظهر للولايات المتحدة أن هناك مسارين لتغيير الأنظمة على الساحة.

 

اللاعب

بالنسبة لروسيا المسكونة دائما بأشباح تاريخها كان عام 2017 عاما حافلا. في نوفمبر/تشرين الثاني حلت ذكرى مرور مئة عام على الثورة البلشفية، التي جلب فيها البلاشفة، وهم مجموعة صغيرة من الاشتراكيين الراديكاليين، الأسلحة إلى البرلمان الوليد وقادوا روسيا في طريق راديكالي مشابه. انتهت التجربة الدموية في 1991 بانهيار الاتحاد السوفيتي. ديسمبر/كانون الأول عام 2016 مثّل الذكرى الخامسة والعشرين لسقوطه. كلا الحدثين تم تجاهلهما بشكل كبير من قِبل وسائل الإعلام التي يسيطر عليها الكرملين لأنهما حدثان لا يسرّان بوتين. كان البلاشفة ثوريين وبوتين المؤيد للدولة حتى النخاع يبغض الثورات. لكنه أيضا نشأ كمواطن سوفيتي يحترم إنجازاته العديدة، لهذا اشتهر عنه أنه أشار إلى سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه "أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين".


يحكم بوتين وذكرى انهياري 1917 و1991 لا يفارقان مخيلته. يخشى على نفسه من انهيار آخر، لأن الانهيار دائما ما يأتي، ولأنه حدث مرتين في 100 عام، وهو يحاول دائما تجنبه. تحدث عملاق النفط المنفي ميخائيل خودوركوفسكي علانية عن الإطاحة ببوتين وحتى وقت قريب تحاشى الوسائل العنيفة. أشخاص مثل أليكسي نافالني قائد المعارضة الروسية، يتحدثون علانية عن محاكمة بوتين والمقربين منه. تنتظر المعارضة الروسية بفارغ الصبر سقوط بوتين، أو استقالته أو موته. كل خطوة خاطئة، كل انخفاض في أسعار البترول هي بالنسبة لهم إشارة أخرى إلى انهياره الشخصي الوشيك. هذا التوقع المتعطش له أصداؤه في الغرب، خصوصا في الولايات المتحدة.

  

 ميخائيل خودوركوفسكي (مواقع التواصل)

   

في معظم الوقت لا يركز الكرملين على خطة تنمية إيجابية بقدر ما يركز على تجنب ذلك المصير، واستغلال كل ما لديه من سلطة قبل زوال دولته المحتوم. وذلك هو أحد أسباب شيوع الفساد في النخبة الحاكمة بهذه الصفاقة. يصف رجل أعمال يعمل مع عملاء حكوميين هذا النهج بأنه أشبه "باليوم الأخير في بومبي" مرارا وتكرارا. رجل أعمال آخر، ترك أعلى المناصب في بنك حكومي تديره الدولة بسبب استيائه من الفساد المستشري وسوء الإدارة، أخبرني قائلا: "دائما ما تنهض روسيا من بين الرماد مرة بعد مرة. لكن لدي شعور أننا نتجه نحو الرماد من جديد".


الخوف من الانهيار هو ما يدفع وسائل الإعلام الروسية لتسليط الضوء على النتائج الدموية للثورات حول العالم. ربما لا تكون الأمور بخير في روسيا الآن، عانت البلاد كثيرا منذ 2012، لكن برامج الأخبار في البلاد تشير إلى أن الأمور قد تسوء دائما. يخبرون الروس بأن هذا ما حدث في التسعينيات في الأعوام التسعة الجنونية بين انهيار الاتحاد السوفيتي وصعود بوتين إلى سدة الحكم. أخبرني ميجرانيان: "عندما يكون لديك انهياران حكوميان في 100 عام، يخشى الناس هذا الأمر". يتذكر العديد من الروس الانهيار الأخير بشكل شخصي.


لكن عدد هؤلاء في تناقص. رجل من كل أربعة روس يموت قبل بلوغه سن 55 عاما. أتم بوتين عامه الـ 65 في أكتوبر/تشرين الأول ومحاط بأشخاص كبار في مثل سنه إن لم يكونوا أكبر. تقول إيكتارينا شولمان العالمة السياسية في موسكو بأن روسيا اليوم هي "دولة استبدادية خريفية". "كلما حاولت أن تبدو أكثر شبابا وحيوية، فشلت أكثر". أخبرني أليكسي تشيسناكوف، أحد العاملين بالكرملين سابقا: "في روسيا أكثر المصوتين نشاطا"، الأشخاص الذين يشترون ما يبيعه بوتين (أي يصدقونه)، "هم المتقاعدون".

 

بالنسبة لداعمي بوتين فإن نظامه ليس استبداديا تماما. بالإمكان وصفه بالـ "ديموفيليا" بحسب تعبير ميجرانيان، "هو ليس نظاما ديمقراطيا لكنه باسم الشعب ولأجل الشعب. جمهور بوتين الأول هم الشعب. كل سلطته تأتي من تقدير الشعب له، ولهذا من المهم أن يمنحهم ثمار حكمه". يسميها الكرملين "الديمقراطية المدارة".

    

   

هذا أيضا مهم لفهم السبب الذي يدفع بوتين للتصرف بالطريقة التي يتصرف بها، وكيف يفكر في حملاته الجديدة ضد الولايات المتحدة. تحكّم الكرملين في الصحافة، واهتمامه الحريص باستطلاعات الرأي وقياسات الشعبية، خصوصا سياسته الخارجية، كلها وُجدت لتعزيز شرعية بوتين وتملق مواطنيه الـ 144 مليونا. الأمر أشبه بدورة مرجعية معقدة مصممة لضمان بقاء شعبية نظام بوتين الاستبدادي وعدم ظهور ما يهدده.


لهذا يصر بوتين على إجراء الانتخابات حتى لو كانت النتيجة متوقعة دائما. "دون تفويض متجدد ليس بإمكان النظام النجاة" بحسب تشيسناكوف الذي يضيف: "وفقا لاستطلاعات الرأي، فإن ثلثي الروس لا يريدون حكما ملكيا. يريدون الديمقراطية، لكن لديهم تعريف مختلف لها عن الأميركيين والأوروبيين".


تنتهي فترة بوتين الرئاسية الثالثة في ربيع 2018. لم يزعج نفسه بإعلان نيته الترشح مجددا حتى يوم 6 ديسمبر/كانون الأول (الانتخابات في مارس/آذار)، وعلى الأرجح لن يقيم حملة انتخابية. هذه صورة بوتين التي روجها بحرص في الوطن: الزعيم الهادئ الذي يحلق فوق المشاجرات التي تشتعل أسفل منه. لكن في العام الماضي سببت له هذه الشجارات قلقا.


في ظهيرة هذا الربيع، شاهدتُ طلابا جامعيين يقفون على درجات مبنى يصعب وصفه بالقرب من ميدان فولغوغراد، ينتظرون لقاء ألكسي نافالني، زعيم المعارضة والمناضل ضد الفساد الذي جذب اهتمام العديد من الشباب الروس، وكذلك الغربيون الذين يرون فيه منافسا محتملا أو حتى بديلا لبوتين. أعلن نافالني نيته الترشح للرئاسة في الانتخابات القادمة.


أغلقت الشرطة الشارع أمام المبنى الذي يضم مكتب حملة نافالني المحلية. ظلوا واقفين وهم يرقبون القوزاق، وهم أفراد من قبيلة تسكن جنوب روسيا اشتهروا تاريخيا بدعمهم المستقل للدولة، يروحون جيئة وذهابا في أرجاء الحي، وهم يهزون عصيهم السوداء من حين لآخر. علاوة على شباب ذوي مظهر غاضب يرتدون السراويل والأحذية الرياضية، وهم مرتزقة آخرون يفضلهم الكرملين يتجولون حول الطلاب وهم ينظرون إليهم نظرات تحمل تهديدا ووعيدا. كان هناك كذلك نساء أخريات يرتدين أحذية بكعوب عالية، شرطة في ملابس مدنية، يتجولن في الأرجاء. كل بضعة دقائق يخرجون كاميرات متطابقة عليها ملصق أصفر ويقومون بتصوير الطلاب الواقفين على الدرج، ملتقطين صورا قريبة لوجوههم.

  

المعارض الروسي أليكس نافالي (رويترز)

   

تعرض نافالني لهجوم من قِبل عصابات مؤيدة للحكومة والذين ألقوا مطهرا يُدعى "الأخضر المثالي" من الحقبة السوفيتية على وجهه. نشر مؤيدوه بشكل متكرر صورا لتمثال الوطن الأم ينادي، وهو التمثال الضخم الذي يخلّد ذكرى النصر السوفيتي في ستالينغراد، ووجهه أخضر باستخدام فوتوشوب، للإعلان عن مؤتمره في فولغوغراد. أصابت الصورة وترا حساسا في دولة تنتشي بذكرى الحرب العالمية الثانية. في غضون ساعات كانت حسابات وسائل التواصل الاجتماعي تستخدم الصورة لإثارة الغضب الشعبي المحلي. حين وصل نافالني إلى فولغوغراد من موسكو كان جناح الشبيبة في حزب بوتين ينتظره في مظاهرة احتجاجية.

 

وجد الطلبة الواقفون على عتبات مكتب الحملة فكاهة في هذه الحالة المصطنعة من الغضب. لقد كانوا في أعمار تبدو خلالها كل الأشياء فكاهية، وحتى عندما كانت الدولة تراقبهم بكل وضوح. أرسل جهاز الأمن الفيدرالي الروسي مؤخرا استدعاءات إلى منزل فلاد، وهو طالب بالفرقة الرابعة في جامعة فولغوغراد الحكومية كان تظاهر من قبل دعما لحزب التقدم الذي يتزعمه نافالني. كما استُدعي رومان، وهو طالب بالفرقة الثالثة يرتدي نظارة طبية ويدرس الطب البيطري، إلى مكتب العميد لمشاركته في إحدى التظاهرات. أخبرني رومان قائلا: "قال العميد: "لا تذهب إلى تظاهرات نافالني. إن موقفه السياسي مخطئ". وقد قال الشاب كلماته وهو يرفع كتفيه ويدخل يديه إلى جيبي سترته الحمراء المنفوخة تعبيرا عن لا مبالاته بما قيل له".


سوف يتخرج هؤلاء الشباب قريبا في وضع اقتصادي بدأ منذ فترة قريبة فقط في النمو بعد خمسة أعوام من الركود. بيد أن النمو يمكن استشعاره بالكاد، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار السلع الأساسية ارتفاعا كبيرا. يقول هؤلاء إن بعضا من جيرانهم ومعارفهم لم يحصلوا على أجور منذ شهور. أخبرني رومان قائلا: "يقول آباؤنا إن الأمور تسوء". لكنّ آباءهم أيضا علموا الكلفة الممكنة لمعارضة الحكومة علانية، ولم يكونوا سعداء بأن أبناءهم انضموا إلى المسيرة في ذلك اليوم. لقد اعتقدوا أيضا، من خلال مشاهدتهم للقنوات التلفزيونية الحكومية، أن نافالني كان عميلا أميركيا.


ضحك الرجال الصغار من هذا أيضا. بدأ نافالني في بناء قاعدته منذ عقد مضى، وذلك عبر مدونة على موقع "لايف جورنال" حرصت على توثيق كيف استقطع المسؤولون الحكوميون جزءا كبيرا من ميزانية الدولة وأخفوا هذه الأموال في قصور موسكو أو في العقارات التي اشتروها في الخارج. بدأ نافالني منذ أعوام قليلة قناة على موقع يوتيوب، حيث نشر فيديوهات منتجة إنتاجا بارعا تصف مخططات الفساد الحكومية المزعومة. وفي قناة أخرى بموقع يوتيوب، تسمى "Navalny Live"، استضاف نافالني وفريقه في مؤسسة مكافحة الفساد (Anti-Corruption Foundation) عددا من البرامج الحوارية بشأن السياسات، وهو نوع من البرامج لن يكون مسموحا به على الإطلاق في أي محطة تلفزيونية تابعة للدولة. وصل عدد المشتركين في القناتين إلى 1.5 مليون مشترك، وحصلت الفيديوهات على مئات الملايين من المشاهدات.

     

       

عندما وقفت مع الطلبة للدردشة، مر حشد من الأطفال في مرحلة ما قبل الدراسة من أمام المكتب مع معلميهم. انفجر طلبة الكلية في الضحك وابتهجوا. قال رومان: "يقول الجميع إن مؤيدي نافالني صغار حقا، لكني لم أعرف بأنهم بهذا الصِغَر!".


لكن الأشياء فقدت خفتها الهزلية عندما بدأ شاب صغير يرتدي بنطالا رياضيا في الجدال بصوت عالٍ مع مؤيد نافالني من كبار السن، قائلا إن نافالني كان ممولا من وزارة الخارجية الأميركية ومشيرا إلى الاعتداء الشخصي الذي ارتكبه عند تمثال "الوطن الأم ينادي" بوجهه الأخضر. صرخ صديقه، وهو شاب آخر غاضب ويرتدي أيضا بنطالا رياضيا، وقال: "إنه نصب تذكاري لفوز عظيم! لقد بني فوق عظام المحاربين! حارب جدي من أجله في ستالينغراد!" (اعترف إلي لاحقا بأن جده وُلد في جورجيا عام 1941).


فجأة، ظهر العشرات من المتظاهرين المعارضين لنافالني، وكان بعضهم يحمل المكانس كما لو أنهم يجهزون لكسحه من المدينة. صرخ رجل في منتصف العمر عبر مكبر صوت قائلا: "اخرج يا نافالني!"، بينما كان المتظاهرون يندفعون بقوة عبر الرصيف نحو مكتب الحملة، فصاحوا استجابة للنداء قائلين "اخرج يا نافالني!". احتشد طلبة الجامعة بصورة محكمة على العتبات الأمامية لمكتب الحملة، وهم على أهبة الاستعداد للدفاع عن قائدهم. بدأ المعسكران في التدافع بقوة، وتأرجح الجمهور بعنف. راقب ضباط الشرطة المشهد. نظرت إلى أعلى ورأيت سترة رومان الحمراء. لقد خلع نظارته ووقف على أعلى عتبة، وهو ينظر ويحدق في هذه الجلبة. غابت السخرية والتبختر عن وجهه، وبدا ضعيفا كالطفل.


ظهر نافالني على أعلى العتبات، وبدا هادئا كالمعتاد. بدأ جزء من الحشد في الصياح: "العار! العار! العار!"، ثم دعا نافالني الرجل الذي يمسك بمكبر الصوت ورفاقه أعلى عتبات الدرج بأن يتحدثوا إليه بهدوء، ووجها لوجه. صعدوا إليه وأمسكوا به من ساقيه وبدأوا في جره نحو الجزء المُعادي من الحشد. وأخيرا تحركت الشرطة وحررت نافالني ودفعت الحشود إلى الخلف نحو الشارع.

   

      

هرب نافالني إلى داخل مكتب حملته، حيث أجاب للساعات الثلاث التالية عن أسئلة داخل غرفة ممتلئة بمؤيديه، لدرجة أن شعره بعدها بفترة قريبة كان يتصبب عرقا. تحدث عن التباين بين النمط الفاخر لنخبة الحكومة وانخفاض الأجور في المنطقة. كما تحدث عن ارتفاع رسوم استخدام المرافق رغم انخفاض أسعار النفط، وتحدث أيضا عن الحالة المزرية للطرق.


صاح أحد مؤيديه قائلا: "أليكسي! لم يعد هناك شيء باقٍ في مدينتنا منذ عام 1945 سوى الانتصار!"، ثم صفق الجميع على كلماته.


ضحك نافالني من الاتهامات التي رمت بها الدولة مؤيديه -المئات من الأشخاص الذين يتصببون عرقا في الغرفة- بأن الولايات المتحدة تدفع لهم كي يظهروا، وقال: "إن هذه هي القوة السياسية الحقيقية للبلاد، وسوف نفوز. إننا متجهون نحو الفوز لأن في أي ثقافة وفي أي حضارة يفوز الأشخاص الذين هم مثلنا؛ إنهم يكذبون ولكننا متمسكون بقول الحقيقة".


مسحت مستطيلا صغيرا من نافذة ضبابية. لم يكن هناك أي شخص باقٍ من الحشد الغاضب، ولا حتى الشرطة، فقد تلاشوا مثل الأشباح.


في السادس والعشرين من مارس/آذار، أي بعد يومين، أسرع نافالني إلى موسكو، حيث استجاب الآلاف من الأشخاص لدعوته من أجل الخروج والتظاهر ضد فساد الدولة. خرج عشرات الآلاف في أكثر من مئة حي ومدينة روسية، عبر 11 منطقة زمنية، وهو ظهور غير متوقع جذب العناوين الرئيسية للصحافة الدولية. في وقت سابق من ذلك الشهر، نشر نافالني فيديو امتد لساعة فضح من خلاله الممتلكات الواسعة من العقارات الفاخرة لرئيس الوزراء والرئيس السابق دميتري ميدفيديف، الذي أعرب عن أسفه عام 2008 من أن ما يساوي ثلث الميزانية الفيدرالية الروسية اختفى بسبب الفساد. قارن نافالني بين المنازل العديدة المترفة التي يمتلكها ميدفيديف، التي صُورت عن طريق طائرات بدون طيار، وبين نداءاته الخرقاء التي طالب فيها سكان القرم بالتقشف، وهم الذين فقدوا، بعد الانضمام إلى روسيا، القدرة على الحصول المستمر على إمدادات المياه والكهرباء والبضائع ذات الأسعار المقبولة. نصحهم ميدفيديف بعد عامين من ضم القرم، أي في 2016، قائلا: "لا يوجد أموال، لكن لا بد عليكم من الصمود هناك".


وقبيل التظاهرات الكبيرة، كان فيديو تلك الفضيحة قد حصد 12 مليون مشاهدة. صعد طالبان صغيران فوق عمود إنارة في ميدان بوشكين الشهير في موسكو، الذي امتلأ بحشود المتظاهرين، وصاحا في الشرطة التي كانت تحاول أن تنزلهما: "لا يوجد أموال، ولكننا صامدون هناك!".

    

   

في السنوات الأخيرة، نظرا للمعاناة الاقتصادية، اشترى بوتين شعبيته بسلسلة من التدابير التكتيكية. يولي بوتين انتباها شديدا للغاية لتقييمات قبوله كي يرى ما الذي يصلح وما الذي لا يصلح، إذ يدمن هو ومستشاروه استطلاعات الرأي. يقول أليكساندر أوسلون، الذي يدير مؤسسة الرأي العام التي تضطلع بتنظيم استطلاعات الرأي من أجل الكرملين: "لا يمكنهم العيش بدونها".


ارتفعت تقييمات قبول بوتين في عام 2014 مع ضم القرم، ومن خلال الامتداد تعود روسيا إلى العظمة الإمبراطورية. لقد كانت مناورة محفوفة بالمخاطر، وربما تقع على قدم المساواة مع التدخل اللاحق لبوتين في الانتخابات الأميركية. وقد نجحت وأتت بثمارها، على الأقل في المدى القريب. احتشد الروس خلف الانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا، واحتشدوا خلف بوتين، رئيسهم الجريء. أخبرني كيريل روجوف، وهو محلل سياسي في موسكو يدرس استطلاعات الرأي الروسية، قائلا: "كان هناك تصاعد في الولاء (نحو) كل جهاز من أجهزة الدولة. وهو تحول محافظ في جميع الاتجاهات. بدأ الناس في إيلاء مزيد من الاهتمام نحو الأخبار، وشاهدوا التلفاز أكثر، وصاروا مُلقنين". على مدى عقد مضى، قال أغلب الروس في استطلاعات الرأي إنهم يفضلون أن يعيشوا في رفاهية بدلا من العيش باعتبارهم دولة عظمى. ولكن في عام 2014، انقلبت هذه التفضيلات وتبدلت.


بيد أن الاندفاع الوطني الذي قدّمه ضم القرم ثبت أنه عابر فحسب. نظرا لأنها ترتبط أرضا بأوكرانيا وحسب، يصعب حصول القرم على إمدادات من روسيا. تواجه شبه الجزيرة نقصا حادا في المياه في مستقبلها القريب، فضلا عن تراجع السياحة التي تُشكّل دعامة أساسية للاقتصاد المحلي. في رحلة قريبة إلى هناك، أخبرني حتى المحليون الأشد تأييدا لروسيا، وهم القوزاق الذين بدأوا المظاهرات المؤيدة لموسكو عام 2014، أنهم وصلوا إلى حالة من الندم على موقفهم. فقد طالت الفوضى العنيفة والفساد الذي تعيش فيه موسكو بلادهم، وصارت الحياة أصعب بكثير كونهم مواطنين روسا. وفي بعض النواحي، يفتقد هؤلاء كونهم أوكرانيين.


في غضون ذلك، فقد الاقتصاد الروسي الراكد في الأساس التمويل الغربي الزهيد، بعد فرض العقوبات الأميركية والأوروبية. تسبب رد بوتين على هذه العقوبات -الذي تمثّل في منع واردات الطعام من الولايات المتحدة وأوروبا- في زيادة أسعار الغذاء بنسب مئوية تتكون من رقمين. غرق الاقتصاد في حالة من الركود. ومع بداية العام 2017، عادت نسب قبول الحكومة إلى مستويات قريبة من الفترة التي سبقت ضم القرم. 

   

      

قدّم تدخل روسيا في الشأن السوري، الذي بدأ في خريف 2015، إلهاء وطنيا آخر. ولما كانت أميركا تتملص من أداء دورها التقليدي في الشرق الأوسط، وسّعت روسيا من دورها الذي تؤديه، لتقدم عرضا متباهيا من قتال الإرهابيين الإسلاميين باسم العالم المسيحي الممانع. وبعد فترة قليلة من استعادة الجيش السوري، الذي تعاونه القوات الجوية الروسية والقوات الخاصة الروسية، مدينة تدمر من تنظيم الدولة الإسلامية، سافرت أوركسترا ماريينسكي من سانت بطرسبرغ لإقامة حفل موسيقى أمام الركام التاريخي للمدينة، وأمام دزّينة من كاميرات الصحافة. (وبالكاد غطى التلفزيون الروسي الخسائر التي وقعت في المدينة والتي ألحقتها القوات المدعومة من روسيا بداعش بعد نصف عام من ذلك التاريخ).


لا شك أنه سيكون هناك فاتورة للمغامرة السورية أيضاً. كافح بوتين خلال عهده بأكمله من أجل احتواء التمرد الإسلامي في جبال شمال القوقاز الروسية، حيث شن الإرهابيون الهجمات ضد موسكو. ولكن في رحلة قمت بها خلال هذا الربيع إلى داغستان، وهي بلدة ذات أغلبية مسلمة تقع في قلب الجبال، وجدت أن المنطقة، التي كانت من قبل شديدة العنف، كانت سلمية. نتيجة لقلقها من وقوع هجمات إرهابية محتملة في مدينة سوتشي القريبة خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2014، سمحت الأجهزة السرية الروسية لمئات المتمردين الإسلاميين، إذا لم يكن الآلاف، وجميعهم من المواطنين الروس، بالذهاب إلى سوريا. يشير أحد التقارير التي نُشرت في صحيفة نوفيا جازيتا إلى أن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي قدّم إلى بعضهم جوازات السفر ووفر لهم وسائل المواصلات حتى الحدود الروسية.


لقد كانت إستراتيجية مكافحة الإرهاب قصيرة النظر. أخبرني رجلان داغستانيان سافرا إلى أراضٍ تسيطر عليها داعش في سوريا من أجل استعادة أطفالهما بأنهما سمعا الروسية بالقدر نفسه الذي سمعا به العربية في شوارع داعش. أظهر تقرير نشره في شهر أكتوبر/تشرين الأول مركز صوفان، وهو مركز استخبارات أمنية غير ربحي، أن عدد المقاتلين في العراق وسوريا القادمين من روسيا كان أكثر من عدد المقاتلين القادمين من أي بلد آخر. ما الذي سيصير عليه هؤلاء المقاتلون الروس، الذين أصبحوا الآن أفضل تدريبا وأكثر صلابة بسبب المعارك، في ظل استمرار انكماش الأراضي التي يسيطر عليها داعش؟ وقد عاد بالفعل نحو 400 منهم إلى روسيا، حسبما يشير تقرير مركز صوفان، ولكن حتى هؤلاء الذين لم يعودوا بعد، يمكن أن يتسببوا في دمار، ففي أبريل/نيسان، فجّر انتحاري نفسه في محطة مترو سانت بطرسبرغ، مما تسبب في مقتل 13 شخصا. اشتُبه في أن المتحدثين بالروسية خارج البلاد، والذين انضموا إلى داعش، هم المسؤولون عن اعتناقه الأفكار المتطرفة.


فيما كانت التدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية بالقدر نفسه من قصر النظر. ففي البداية، بدا انتصار ترامب ضربة موفقة هائلة لبوتين. احتفى الموالون للكرملين بتنصيب ترامب في موسكو، بما في ذلك حفل بُث حيًّا وتخلله توزيع الشمبانيا المجانية وقد منح هذا روسيا مكانة من نوع ما. عندما سألت فيكتور مينين، وهو خبير حكومي سابق في الأمن السيبراني يدير فعاليات الهاكاثون بجميع أنحاء روسيا، بشأن تأثير التغطية الإعلامية الأميركية للقراصنة الروس، قال: "إنها العلامة التي تميز العام. إنه شيء جيد عندما يكون لدينا، بعيدا عن النفط، خبراء متطورون، والعالم بأسره يتحدث عنهم".

  

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (الجزيرة)

 

إلا أن هذا الانتصار احترق بوتيرة أسرع حتى من الانتصارات الأخرى. إذ إن البصمات التي خلّفها الروس أثارت ضجة في واشنطن بمجرد اكتشافها. جرد الكونغرس، عبر موقف فريد من شبه الإجماع، ترامب من قدرته على اتخاذ قرار أحادي برفع العقوبات عن روسيا. وسوف يبقون على هذا الموقف إلى أجل غير مسمى، وهي احتمالية تحسر عليها ميدفيديف في منشور على موقع فيسبوك نُشر في اليوم الذي وقّع فيه ترامب كُرها على سريان مشروع القانون. وهو ما منعهم من استرجاع مقار دبلوماسية في الولايات المتحدة كانت قد صودرت في الأيام الأخيرة لإدارة ترامب، وأُسقطوا في تدابير تدميرية نتج عنها مصادرة ثلاثة مقار دبلوماسية أخرى.


المفارقة أن إحدى المؤسسات التي تعاني من الانتكاسة بسبب القرصنة الروسية هي جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الذي يُعتقد أنه يقف وراء التدخل الذي حدث في 2016. أخبرني أندري سولداتوف، الصحفي الروسي، قائلا: "قبل عام 2016، كان لدى جهاز الأمن الفيدرالي سمعة طبية في واشنطن". وأضاف إن رئيس جهاز الأمن الفيدرالي "كان يُنظر إليه على أنه شريك موثوق به في محاربة الإرهاب. (ولكن) انتهى كل ذلك في 2016، وانتهى نهاية بالغة السوء". وُضع ضباط جهاز الأمن الفيدرالي على قائمة المطلوبين لارتكابهم جرائم سيبرانية، وهو انتقام لم يسبق له مثيل. أُجبر رئيس وحدة النخبة السيبرانية على الخروج من المؤسسة، فيما انتهى الحال باثنين من كبار الضباط في الوحدة بإيداعهما في السجن الأسوأ سمعة في موسكو. قال سولداتوف: "إنهم في الوقت الحالي يواجهون ضغوطاً لا تُصدّق من الداخل والخارج". يقول مايكل هايدن، مدير وكالة الأمن القومي السابق خلال رئاسة جورج دبليو بوش: "أحياناً يكون لديك عمليات سرية ناجحة تتمنى لو أنها لم تنجح".


لعل التدخل في الانتخابات الأميركية زعزع من استقرار النظام السياسي الأميركي، ولكن ليس واضحا مدى حرص بوتين في النظر إلى الآثار المحتملة على بلاده. يتمحور هدفه حول البقاء في السلطة ليوم آخر، وعام آخر، وأن يتعامل مع التعقيدات عندما تظهر، وإذا ظهرت.


تعتبر التظاهرات التي أطلقها نافالني تعقيدات تم التعامل معها حتى اللحظة الراهنة. ألقت الشرطة القبض على 1043 في 26 مارس/آذار في موسكو فقط. وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول، بعد جولة أخرى أصغر من التظاهرات، ألقوا القبض على المئات أيضا. لن يُسمح لنافالني بالوصول باسمه إلى بطاقات التصويت، وفقا لتقارير متنوعة وأحد المطلعين على بواطن الأمور في الكرملين والذي تحدثتُ إليه، يُرجح أن استنتاجا توصلت إليه المحكمة ضده في أعقاب تهم ملفقة بالاختلاس سوف يُستخدم ضده من أجل حرمانه من خوض السباق الرئاسي.

   

      

كانت هذه بالكاد أولى التظاهرات التي تعامل معها بوتين. فقد اجتاحت تظاهرات هائلة مؤيدة للديمقراطية ومعارضة لبوتين شوارع موسكو في شتاء 2011 و2012، وأعقبتها حملة مداهمات عنيفة شنتها الشرطة في السادس من مايو/أيار 2012، أي قبل يوم من أداء بوتين القسم على فترة رئاسية ثالثة. حُكم على عشرات من الأشخاص، وبعضهم كان يتظاهر لأول مرة في حياته، بالسجن لسنوات عديدة. رفع الكرملين بعدها من عقوبات المشاركة في أي نوع من التظاهرات غير المصرح بها، إذ يقبع عديد من الأشخاص في السجن الآن لأنهم ببساطة شاركوا منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو ضغطوا على زر الإعجاب لهذه المنشورات.

 

أخبرتني أولغا رومانوف، التي أسست منظمة روس خلف القضبان الأهلية لتقديم المساعدة القانونية للروس، أن الدرس الذي تعده الحكومة لهذا الجيل من المتظاهرين الشباب "سيكون أكبر وأقسى" من درس 2012 و"وسيستمر لسنوات" على حد تعبيرها. قالت إن الدولة تهدد بفصل المتظاهرين القُصّر عن آبائهم. تقول رومانوف إن لجنة التحقيق المخيفة "تستدعي مديري المدارس وأخصائييها النفسيين والأساتذة للاستجواب ويشهدون ضد الأطفال" (فرت رومانوف إلى أوروبا الغربية هذا الصيف تحت ضغط من الحكومة الروسية).


يُرجح أن بوتين، الذي أعلن ترشحه، سيفوز بفترة رئاسية أخرى تبلغ ست سنوات. وبدلا من نافالني، أعلن التلفاز أن كسينيا سوبتشاك، ابنة الرجل الذي أسهم في إطلاق مسيرة بوتين السياسية، ستخوض المعركة الرئاسية أمامه، وهو أمر يُعد كما هو شائع بمنزلة صمام لتفريغ ضغط المعارضة الليبرالية بموافقة من الكرملين. يعتقد أن أحد أفراد القلة الحاكمة، وهو ميخائيل بروخوروف مالك غالبية الأسهم في شبكات بروكلين، لعب هذا الدور في 2012 (سوبتشاك وبروخوروف كلاهما أنكرا تدخل الكرملين في حملتهما الانتخابية). سيخوض بوتين على أرض الواقع المنافسة دون منافس. سوف يضم المرشحون الدمى الآخرون على الأرجح شخصا عجوزا من أحزاب المعارضة الموالية الذين يتلقون تمويلا من الكرملين. وعلى الرغم من التظاهرات، فإن بوتين يظل ذا شعبية واسعة خصوصا بين كبار السن، وفي كل الحالات ستُرسم الانتخابات وتُقدَّم النتائج المناسبة.


عندما ترشح بوتين لفترته الرئاسية الثالثة في عام 2012 وسط الاحتجاجات، وجّه الكرملين رسالة مفادها أنه على النظام أن يُقدم على الأقل 50% من الأصوات لبوتين لتفادي جولة إعادة محرجة. لكن هذا الرقم تزايد أكثر كلما اتجهنا لأسفل في طبقات البيروقراطية الروسية العريضة، فأضافت كل طبقة هامشا إضافيا لتفادي غضب المشرفين. توظف الآلية الانتخابية خدعا مختلفة؛ إذ تتمثل في التلاعب بقوائم التصويت، وملء صناديق الاقتراع، وتحريك حافلات من المؤيدين للتصويت في أكثر من مركز انتخابي. تجمعت كل تلك الهوامش، وفي ليلة الانتخابات وقف بوتين على المنصة أمام الكرملين والدموع تسيل على وجنتيه: قاوم الناس التظاهرات التي يدعمها الغرب وقدموا له فوزا بنسبة 64% من الأصوات.

   

      

لكن يجب تجاوز هامش الفوز ذاك هذه المرة، وبالنظر إلى أن التزوير الانتخابي كان المشكلة التي أدّت إلى اندلاع تظاهرات 2011-2012 في المقام الأول، يحاول الكرملين تنفيذ عملية توازن صعبة: وهي تقديم النتيجة المطلوبة في الانتخابات وجعلها تبدو نزيهة في الوقت نفسه. في ليلة الاحتفال بعيد الميلاد 2016 في تجمع للمحافظين في موسكو، وضع الكرملين إستراتيجيته الانتخابية لعام 2018 التي تُسمى "70/70"، أي نسبة حضور 70% ونسبة 70% من الأصوات تمنح لبوتين. وبدون تزوير علني، فإن هذه أهداف صعبة التحقيق.


لذا يقال إن الكرملين يبحث عن الدفعة القادمة من ارتفاع هذه النسب، إذ يقول المحلل السياسي كيريل روجوف: "إن تأثير التجمع حول العلم، مثل ارتفاع شعبية جورج بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، عندما تقلل المعارضة، في لحظات الأزمات القومية أو النجاحات، من نقدها لأنه لا يجدي مع المواطنين في تلك اللحظات". في أغلب البلدان، عندما تمر الموجة يعود النقد من جديد. "لكن في روسيا لا يتوقف الحشد حول العلم أبدا" بحسب تعبير روجوف.

 

رفع الرهان

في 10 أبريل/نيسان 2017، تمكّن مساعد لآدم شيف النائب الديمقراطي بلجنة الاستخبارات بالكونغرس، التي تحقق في حملة ترامب بحثا عن تواطؤ محتمل مع الكرملين، من إجراء مكالمة خطط لها طويلا مع أندريه باروبي المتحدث باسم الـ "رادا"، وهو اسم البرلمان الأوكراني. قال باروبي إن لديه معلومات قد تكون حاسمة عن زيارة ترامب لموسكو أثناء مسابقة ملكة جمال الكون عام 2013.


حذره شيف قائلا: "أنبه فقط أن أصدقاءنا الروس ربما يستمعون لهذه المحادثة، لذا لن أقول أي شيء على الهاتف لا أريدهم أن يسمعوه لو كنت مكانك".


لكن باروبي استمر في حديثه. "في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، زار ترامب موسكو لحضور مسابقة ملكة جمال الكون، وهناك قابل الصحفية والنجمة الروسية كسينيا سوبتشاك" قالها بلهجة إنجليزية صعبة وغريبة. شرح قائلا إنه "بالإضافة إلى علاقاتها ببوتين، اشتهرت سوبتشاك بتقديمها فتيات لرفقة أفراد النخبة الحاكمة. كما قابلت ترامب وأحضرت له فتاة روسية، وهي مقدمة التلفزيون الشهيرة أولغا بوزوفا". سأل شيف بهدوء عن توضيح، فأجاب باروبي مباشرة: "سوبتشاك هي عميلة خاصة لدى الاستخبارات السرية".

   

حضور دونالد ترمب حفل ملكة جمال العالم 2013 (رويترز)
   

لدى بوزوفا "مواد فاضحة لترامب بعد علاقتهم القصيرة، هناك صور لترامب وهو عارٍ"، وذلك بحسب باروبي. لم يظهر شيف أي عواطف وسأل قائلا: "وهكذا أصبح بوتين على اطلاع بوجود المواد الفاضحة؟".


أجاب باروبي: "أجل بالطبع". أراد بوتين أن يصل إلى علم ترامب "أن هذه المواد الفاضحة لن تنشر أبدا إذا ألغى ترامب كل العقوبات على روسيا". أما أكبر قذيفة مدوية لديه فهي أنه حصل على تسجيل لبوزوفا وشوبتشاك يتحدثون عن الأمر أثناء زيارتهما لأوكرانيا. أخبر شيف قائلا: "نحن مستعدون لتقديم (هذه المواد) إلى الإف بي آي (FBI)".


كان لدى باروبي المزيد ليقوله. أخبر شيف عن لقاءات مستشار الأمن القومي السابق لترامب، مايكل فلين، مع مغنية بوب عملت وسيطا بينه وبين الكرملين. التقى كل منهما بالآخر في مقهى في شاطئ بريغتون، وهو تجمع للمهاجرين الروس في بروكلين، حيث "استخدما كلمات سر خاصة قبل لقاءاتهما". سيقول أحدهم: "الطقس جيد في ديريباسوفسكايا"، فيجيب الآخر: "إنها تمطر مجددا في شاطئ بريغتون".


رد شيف قائلا: "حسنا هذا جيد. كان هذا مفيدا. أقدر لك ذلك"، كما أخبر باروبي أن الولايات المتحدة ستكون سعيدة بتفحص الأدلة التي وصفها. "سنحاول العمل مع الإف بي آي، بالتعاون مع موظفيك لنرى كيف يمكننا الحصول على نسخ منها".


كان شيف محقا في قلقه من استماع "أصدقائنا الروس" للمحادثة، ولكن ليس بالطريقة التي تخيلها. لم يكن باروبي هو الذي اتصل، بل كان المتصلان فلاديمير كوزنيتسوف وأليكسي ستولياروف، وهما منفذا مقالب روس عُرفا باسمي فوفان وليكسوس. ولم يكن هناك أي إفساد للأدلة، ولا لقاءات بين فلين ونجمة البوب الروسية على شاطئ بريغتون. جعل هذا الاتصال الأميركيين يظهرون بمظهر ساذج، وهو ما كان ملائما للمتصلين. أرسل كوزنيتسوف وستولياروف التسجيل مباشرة إلى وسائل الإعلام الموالية للكرملين، التي ما لبثت أن صنعت ضجة حولها: أميركي أخرق آخر، مستعد لتصديق أكثر القصص سخافة عن روسيا التي يديرها جواسيس أشرار متسترون. أي روسي يستمع للتسجيل يدرك فورا مدى سذاجة المحادثة. كان هناك مشاهير روس من الدرجة الثانية بالإضافة إلى إشارات ثقافية من العبارة السرية التي زعما أن فلين استخدمها، والتي هي في الحقيقة عنوان مسلسل كوميدي كلاسيكي قليلا.

   

فلاديمير كوزنيتسوف وأليكسي ستولياروف (رويترز)

   

أخبرني كوزنيتسوف عن المقلب قائلا: "أردنا أن نتحدث تحديدا مع شخص يعمل مع الاستخبارات لنمنحه نسخة غير معقولة تماما من الأحداث". قال ستولياروف: "سرّبنا له مجموعة من المعلومات الخاطئة وكانت سخيفة كليا" (قال متحدث عن شيف: "قبل الموافقة على استقبال المكالمة وبعدها مباشرة، أبلغت اللجنة عملاء الأمن والشرطة عن المكالمة وعن اعتقادنا بأنها كانت مزيفة على الأرجح").


كوزنيتسوف ذو الـ 31 عاما، ارتدى قميصا أبيض عليه جمجمة سوداء، وستولياروف البالغ من العمر 29 عاما، ارتدى معطفا عليه صورة بوتين مطبوعة على خريطة لروسيا. (قال ستولياروف: "أنظر نظرة إيجابية تجاه بوتين، لا أجد ما أختلف فيه معه"، ووافقه كوزنيتسوف). عندما التقى الثنائي في 2014 بدآ في إجراء المقالب على المشاهير الروس، لكنهما ملّا من الأمر سريعا. قال كوزنيتسوف: "الأمر أكثر إثارة عندما نتحدث مع الأشخاص الذين يقررون مصائر البشر".


أنكر هو وستولياروف أكثر من مرة أي صلة تجمعهما بوكالات الاستخبارات الروسية، لكن من الواضح أن لهما علاقات دافئة مع الحكومة. كان لهما برامج على عدة قنوات تابعة للكرملين، والتي تتطلب موافقات من مستويات عليا. عندما التقيت بهما ذكرا عرضا أنهما كانا في البرلمان الروسي في اليوم السابق يلتقيان بمسؤول منتخب مشهور. "نعمل على مشروع" قالها ستولياروف بحشمة ثم تبجح بقدرتهما على اختراق حساب سكايب للبارون الروسي الراحل -وعدو بوتين- بوريس بيريزوفيسكي "لوقت طويل". تمكنا بطريقة ما من الحصول على أرقام الهواتف الخلوية لعدد من القادة الأجانب مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.


لدى كوزنيتسوف وستولياروف قائمة ممتدة من الضحايا الأميركيين. في فبراير/شباط الماضي، مثّلا دور رئيس الوزراء الأوكراني ليُنفذا مقلبا في السيناتور جون ماكين، الذي اعترف أن فترة ترامب هي أصعب فترة في حياته السياسية الطويلة. بحسب كوزنيتسوف "بدا وكأنه لا يعرف ماذا يجب فعله على الإطلاق". في الشهر نفسه، نفّذا مقلبا في زعيم الأغلبية البرلمانية بمجلس الشيوخ ميتش مكونيل، الذي أخبرهم أنه من غير المحتمل فرض عقوبات جديدة على روسيا.

   

 زعيم الأغلبية البرلمانية بمجلس الشيوخ ميتش مكونيل (رويترز)

    

الهدف من أفعال الشابين هو الكشف عن معلومات مهمة -مثلما حدث بشأن العقوبات- ومخادعة وتشتيت وإرباك الأشخاص الذين قد يحترمهم المصوت الأميركي والذين هم عدائيون تجاه روسيا، وإظهارهم بمظهر سخيف. إنهما ينفذان لعبتهما بناء على ما يسميانه السذاجة الأميركية. يقول ستولياروف: "لم يكن هذا الأمر ليحدث في روسيا مطلقا. لن يكون الناس بهذه الثقة خصوصا لو كانوا أعضاء في البرلمان أو موظفين حكوميين". يود الثنائي إجراء مقالب في ممثلي هوليوود، ولكن بحسب كوزنيتسوف "الوصول إليهم أصعب من الوصول إلى النواب الأميركيين".


إذا أراد المرء أن يرسم تمثيلا للمقاربة الروسية في تقويض مكانة الولايات المتحدة -الانتهازية الملتوية والساخرة والفعالة بطريقة صادمة- لن يجد أفضل من فوفان وليكسوس. هما وقراصنة المستقبل الذين يدربهم مينين هوم يُشكّلون قطعا صغيرة من حملة متغيرة متعددة الجوانب ذات تأثير خفي ضد السياسيين، والأنظمة، والقيم الغربية، وهي الحملة التي بُنيت على مبادئ التجربة والخطأ أكثر مما بنيت على إستراتيجية كبرى. أخبرني مسؤول سابق في الاستخبارات الأميركية: "لدى الروس 1000 طريقة للهجوم، ولا يحتاجون إليها كلها للنجاح. يكفي بعضها وحسب". تركز التحقيقات الأميركية بشكل كبير على ما فعلته روسيا في 2016 بدلا مما ستفعله حتما في 2018 و2020.


تلمع أمامنا الأماكن التي اخترقها الروس، والشروخ التي استغلوها حين نعود بالذاكرة إلى الوراء. أخبرني شيف قبل أن ينفذ فيه المقلب بوقت قصير ونحن نجلس في الكافيتيريا في الدور السفلي من مبنى الكابيتول: "لقد تفاجأت خلال الأسابيع الخمس الماضية بمدى هشاشة ديمقراطيتنا". ما أظهرته روسيا في انتخابات 2016 وما استمرت في إظهاره في فترة ما بعد الانتخابات لا يُشكّل قوتها الخاصة، بل نقاط الضعف الأميركية، وأن الأمر لا يتطلب الكثير لقلب نظام أميركا ضد نفسها. يقول مايكل هايدن، المدير السابق بوكالة الأمن القومي السابق: "إن عمليات التأثير الخفي لا تُحدث انقسامات على الأرض، بل تضخمها". يوافقه في ذلك جون سيفر، العميل السابق لدى وكالة سي آي إيه، قائلا: "إذا كان هناك من يستحق اللوم فهو نحن. إذا تقبلنا محاولات إذكاء النار بيننا فنحن المخطئون".


في حين يحاول الأميركيون فك لغز ما حدث في 2016 وكيف وقعوا ضحية لما يسميه هايدن "أكبر حملة تأثير خفي في التاريخ"، تستمر الحملة. يستمر بوتين، المقامر الأبدي، في استغلال الفرص كلما ظهرت أمامه، وتذليلها لصالحه. بالنظر إلى ما كُشف حتى الآن، ومدى تقييد الكونغرس لأيدي ترامب بشأن العقوبات، فهو يعلم أنه لن يكسب الكثير من اللعب بلطف. وما لم ير ردعا مؤثرا، فإنه سيستمر في الهجوم في الوقت الذي يتضاءل نفوذه ونفوذ ودولته.

  

بوتين ليس شريرًا خارقًا. وليس منيعًا أو لا يمكن ايقافه.إنه يدفع فقط إلى اللحظة التي يواجه فيها مقاومة

رويترز
 

يعتقد بعض الأميركيين، ومن بينهم الرئيس الحالي، أنه بإمكاننا أن نكون شركاء جيدين مع روسيا لو علمنا فقط أين تلتقي مصالحنا. لكن أولئك الذين تعاملوا مع بوتين لعقود يدركون أن هذا الأمر في أفضل الأحوال مجرد أحلام وردية. قال لي آش كارتر آخر وزير دفاع في عهد أوباما مؤخرا: "يعرف بوتين مصالح روسيا بأنها مضادة وتهدف لإفساد السياسة الغربية. من الصعب بناء جسر مع هذه الرؤية. هذه الرؤية تجعل من المستحيل على أرض الواقع التعاون مع روسيا".


بوتين ليس شريرا خارقا، وليس منيعًا أو لا يمكن إيقافه، إنه يدفع فقط إلى اللحظة التي يواجه فيها مقاومة. فشلت خططه لابتلاع القسم الشرقي من أوكرانيا على سبيل المثال جراء المقاومة الشرسة المفاجئة من قِبل الجيش الأوكراني والعقوبات الغربية. فرض أوباما عقوبات على روسيا جراء تدخلها في الانتخابات في آخر أيامه في المنصب، وأغلق المقار الدبلوماسية الروسية وطرد بعض الدبلوماسيين، لكن هذا الرد كان متأخرا وضعيفا، إذ إن الخيارات الأقوى -مثل الكشف عن معلومات تحرج بوتين أو فرض عقوبات معيقة حقيقية- قرر أوباما عدم استعمالها.


في هذه الأثناء، لا تبدو الإدارة الرئاسية الحالية مهتمة بمعاقبة روسيا. فضلا عن أن التحقيقات العديدة في مسألة التدخل الروسي في الانتخابات والتركيز الصحفي عليها، يركز بشكل كبير على ما حدث في 2016، بدلا مما ستفعله روسيا حتما في انتخابات 2018 و2020 إذا لم تعاقَب ويوجَّه لها تحذير حاسم ضد أي تدخل مستقبلي. تبقى القوى الاستخباراتية الأميركية المضادة في حالة سكون في انتظار توجيهات ببدء المعركة ضد الروس والتي يُشكك المطلعون على بواطن الأمور أنها لن تأتي أبدا.


يُصر بوتين على إظهار انعدام التميز الأميركي وأنها مجرد بلد آخر. ويعتمد مدى صواب رؤيته على إذا كان ثمة ما يكفي من الأميركيين، ولا سيما الأميركيين المتنفذين من ذوي الصلات السياسية، ما زالوا يؤمنون بأن نظامهم يستحق الدفاع عنه.

   

      

يوجد نقطة واحدة في الأفق تُقلق الكرملين. تنتهي ولاية بوتين المقبلة ذات ست السنوات في 2024. ويمنعه الدستور من الترشح لأكثر من فترتين رئاسيتين متعاقبتين، كما سيكون حينها قد بلغ الـ 71 من العمر. يقول رجل أعمال يحتل منصبا رفيعا في حزب روسيا المتحدة الذي يرأسه بوتين: "كل هؤلاء الناس يفكرون في 2024". قد يغير البرلمان الدستور ليسمح لبوتين بالحكم فترة أخرى، لكن ليس هذا الحل الأمثل. بوتين الذي تلقى تدريبا في المحاماة قبل أن ينضم إلى الكي جي بي، أصر على بقاء الهيكل التشريعي الزائف. وأيًّا ما كان الأمر في النهاية، فهو إنسان فانٍ ولا يمكنه أن يحكم سوى لفترة محدودة".


ما الذي سيفعله بوتين إذن؟ هل سيسلّم العرش لخليفة له؟ ليس هناك الكثير من المرشحين. تقلصت دائرة مستشاريه، والآن تتكون من عجائز قدموا مثله من لينينجراد أو خدموا في الكي جي بي. في السنوات الأخيرة، استبدل بالمحافظين والحكام الإقليميين شبابا موالين وحراس أمن سابقين، ولم يكن لمعظمهم أي خبرات في الحكم، بل اعتمدوا عليه في كل شيء. يبدو الرجل شيئا فشيئا كرجل بلا إستراتيجية خروج. أخبرني أحد حلفاء بوتين في 2013: "ليس لدينا هذا التقليد الذي يقول: حسنا لقد حكمت فترتين والآن يجب عليك المغادرة. ليس لدينا تقليد سوى التمسك بالحكم حتى تغادر قدميك أولا؛ أي إلى الكفن".


في 2014 قال فياتشيسلاف فولودين الذي يشغل الآن منصب المتحدث باسم البرلمان الروسي: "إذا كان هناك بوتين، فهناك روسيا. إذا لم يكن هناك بوتين، فليس هناك روسيا". شخصن بوتين مؤسسات الدولة، المحاكم والجيش والأجهزة الأمنية والبرلمان وحتى أحزاب المعارضة، وحتى الاقتصاد. ونظرا لأن كعكة الاقتصاد تصغر شيئا فشيئا، فإن النخبة تأكل بعضها بعضا للحصول على ما تبقى من موارد أو ما يمكن استخلاصه من السكان. حتى إن الأشخاص الذين يملأون سجون روسيا الشهيرة معظمهم كانوا مسؤولين حكوميين من النخبة، إنه عدد لا يحصى من البيروقراطيين، وعلى الأقل أربعة محافظين، وعدد لا يحصى من العُمَد، ووزير قيد الإقامة الجبرية. هؤلاء هم الخاسرون في الحرب التي تزداد أوزارها. الفائزون هم عادة من يحومون في المدارات الأقرب لنجم بوتين الآفل.


تكمن المفارقة في أن بوتين هو من وضع أساس هذا الانهيار، وهو الذي عمل جاهدا طوال مسيرته السياسية لتفاديه. إنه نوع من الانهيار الذي ولد منه حكمه. لقد جعل نفسه رهينة لنظام بناه بيديه. يقول أندرانيك ميجرانيان: "نقص البدائل يقلق الجميع حتى بوتين". قال إنه في 2012 أخبره بوتين: "كثيرا ما أضطر لقضاء الوقت في روشنو أوبرافليني"، وهو مصطلح يعني قيادة السيارات اليدوية ويستعمل للدلالة على الإدارة التفصيلية. "أحب المغادرة لو شعرت أنني قمت بما يلزم لجعل المؤسسات تعمل باستقلالية عن القائد القادم".

    

 فولودين، سياسي روسي (رويترز)

  

لكن بالطبع كلما قضى بوتين وقتا أطول في استعمال عصا التغيير اليدوية، قلّت قدرة التروس على العمل بمفردها دون يديه القويتين لترشدها إلى أماكنها. يقول أحد مراقبي روسيا المخضرمين في واشنطن: "هذه معضلة الديكتاتور. الطريقة الوحيدة للتغلب على الأخطار هي أنك لا تستطيع المغادرة. ولا يمكنك الإصلاح، لأن هذا سيؤدي إلى تصدع النظام مما يؤدي إلى الإطاحة بك".


كان بوتين يؤجل المشكلة لوقت طويل، ونجح الأمر لصالحه بشكل عام. ما زال يحتفظ بشعبيته، وما زال في حالة صحية جيدة كما يخبرنا بعرضه لعضلات صدره العاري. بيد أن هامش التأجيل لم يقل يوما بعد يوم، وفي يوم ما لن يظل هناك متسع لذلك. يعلم الجميع في موسكو أن هذا اليوم قادم لا محالة، ولكن لا أحد يعلم ما الذي سيحدث في اليوم التالي. يقول كونستانتين مالوفيف، رجل الأعمال الذي فُرضت عليه عقوبات من الغرب بسبب دعمه للمتمردين في شرق أوكرانيا (وهي التهمة التي أنكرها): "إذا غادر فجأة في 2024، سنصبح مثل اليتامى". يعتقد مالوفيف أن الله اختار بوتين لقيادة روسيا، ويخشى أن الشخص التالي لن يكون له الإحساس نفسه بالواجب، إذ يقول: "الشخص القادم سيكون أسوأ".

-----------------------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار